نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ النَّجْمِ، وَهِيَ سُورَةُ "الْمُعَايَنَةِ الْبَصَرِيَّةِ" وَ"سُقُوطِ الْأَوْهَامِ الذِّهْنِيَّةِ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ الطُّورِ قَدْ حَاصَرَتِ الْعَقْلَ بِـ الْأَسْئِلَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ، فَإِنَّ سُورَةَ النَّجْمِ تَنْقُلُنَا إِلَى مَنْطِقِ "الشُّهُودِ وَالْعِيَانِ"، وَتَعْرِضُ كَيْفَ يَرْتَقِي "الْوَحْيُ" إِلَى أَعْلَى مَقَامَاتِ الْيَقِينِ حَيْثُ لَا مَجَالَ لِلظَّنِّ.
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِقَسَمٍ بِـ "النَّجْمِ إِذَا هَوَى" لِتُثْبِتَ اسْتِقَامَةَ الْمَصْدَرِ: {مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "نَفْيِ الِانْحِرَافِ"؛ فَالنَّبِيُّ ﷺ لَيْسَ "ضَالًّا" (عَنْ جَهْلٍ) وَلَا "غَاوِيًا" (عَنْ قَصْدٍ)، بَلْ نُطْقُهُ هُوَ "وَحْيٌ يُوحَىٰ". هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الْعِصْمَةِ الْإِبْلَاغِيَّةِ"؛ حَيْثُ يَكُونُ الرَّسُولُ مُجَرَّدَ نَاقِلٍ أَمِينٍ لِمَعْنًى مُطْلَقٍ.
فِي "تَحْلِيلِ رِحْلَةِ الْمِعْرَاجِ"، تُقَدِّمُ السُّورَةُ مَنْطِقَ "الرُّؤْيَةِ الْمُحَقَّقَةِ": {مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ} وَ {مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ}. هُنَا نَرَى مَنْطِقَ "تَطَابُقِ الْحَوَاسِّ مَعَ الْحَقِيقَةِ"؛ فَالْمُشَاهَدَةُ لَمْ تَكُنْ خَيَالًا وَلَا وَهْمًا بَصَرِيًّا، بَلْ كَانَتْ "رُؤْيَةً بِالْعَيْنِ" لِآيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى فِي سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى.
أَمَّا فِي "نَقْدِ الْأَصْنَامِ الذِّهْنِيَّةِ"، فَتُفَكِّكُ السُّورَةُ أَسْمَاءَ (اللَّاتِ، الْعُزَّىٰ، مَنَاةَ): {إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم}. الْمَنْطِقُ التَّحْلِيلِيُّ هُنَا يَقُومُ عَلَى "نَفْيِ الْوُجُودِ لِلْمُسَمَّى"؛ فَالِاسْمُ مَوْجُودٌ لَكِنَّ الذَّاتَ (الْإِلَهَ) غَيْرُ مَوْجُودَةٍ. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "سُلْطَةِ الِاصْطِلَاحِ الزَّائِفِ"؛ حَيْثُ يَخْلُقُ الْبَشَرُ أَوْهَامًا وَيُقَدِّسُونَهَا، بَيْنَمَا الْحَقُّ يَتَّبِعُ الْيَقِينَ لَا الظَّنَّ: {وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا}.
تَنْتَقِلُ السُّورَةُ لِتَضَعَ قَاعِدَةَ "الْمَسْؤُولِيَّةِ الْفَرْدِيَّةِ" الَّتِي كَانَتْ فِي صُحُفِ مُوسَىٰ وَإِبْرَاهِيمَ: {أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ * وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الْعَدْلِ الِاسْتِحْقَاقِيِّ"؛ فَالْعَمَلُ هُوَ "الْعُمْلَةُ" الْوَحِيدَةُ الْمَقْبُولَةُ، وَكُلُّ إِنْسَانٍ سَيَرَى "سَعْيَهُ" مُجَسَّدًا أَمَامَهُ.
فِي "الْبُرْهَانِ التَّقَابُلِيِّ"، تَعْرِضُ السُّورَةُ ثُنَائِيَّاتِ الْخَلْقِ: (أَضْحَكَ وَأَبْكَى، أَمَاتَ وَأَحْيَا، الذَّكَرَ وَالْأُنثَى، أَغْنَىٰ وَأَقْنَىٰ). الْمَنْطِقُ هُنَا يَقُومُ عَلَى "الْقَبْضَةِ الْإِلَهِيَّةِ الشَّامِلَةِ" لِكُلِّ مَسَارَاتِ الْحَيَاةِ؛ فَالْمُتَضَادَّاتُ تَجْتَمِعُ فَقَطْ عِنْدَ "الْوَاحِدِ" الَّذِي يُدِيرُهَا جَمِيعًا.
تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِإِعْلَانِ {أَزِفَتِ الْآزِفَةُ} (اقْتَرَبَتِ الْقِيَامَةُ). هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "النِّهَايَةِ الَّتِي لَا مَجَالَ لِتَأْخِيرِهَا"، دَاعِيَةً لِلسُّجُودِ وَالْعِبَادَةِ بَدَلًا مِنَ "الصُّمُودِ" (اللَّهْوِ وَالِاسْتِكْبَارِ).
بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ النَّجْمِ هِيَ سُورَةُ "سُقُوطِ الْأَوْهَامِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الْوَحْيَ مَبْنِيٌّ عَلَى "رُؤْيَةٍ" لَا تَقْبَلُ الشَّكَّ، وَأَنَّ الْأَصْنَامَ (سَوَاءٌ كَانَتْ حِجَارَةً أَوْ مَفَاهِيمَ بَشَرِيَّةً) هِيَ مُجَرَّدُ "أَسْمَاءٍ" لَا تَمْلِكُ مِنَ الْحَقِيقَةِ شَيْئًا، مُؤَكِّدَةً أَنَّ مَصِيرَ الْإِنْسَانِ مَرْهُونٌ بِـ "سَعْيِهِ" الْخَاصِّ.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !!
|