نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ الْحَدِيدِ، وَهِيَ سُورَةُ "التَّوَازُنِ بَيْنَ الرُّوحِ وَالْمَادَّةِ" وَخَاتِمَةُ الْمُسَبِّحَاتِ. إِذَا كَانَتْ سُورَةُ الْوَاقِعَةِ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ التَّصْنِيفِ النِّهَائِيِّ، فَإِنَّ سُورَةَ الْحَدِيدِ تَنْقُلُنَا إِلَى مَنْطِقِ "الْفَاعِلِيَّةِ فِي الدُّنْيَا"، وَتَعْرِضُ كَيْفَ يَنْبَغِي لِلْإِيمَانِ أَنْ يَتَحَوَّلَ إِلَى "حَرَكَةٍ وَإِنْفَاقٍ" وَكَيْفَ يَلِينُ "الْحَدِيدُ" وَالْقَلْبُ أَمَامَ أَمْرِ اللَّهِ.
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِتَعْرِيفِ الذَّاتِ الْإِلَهِيَّةِ بِأَسْمَاءٍ تُمَثِّلُ "الْإِحَاطَةَ الزَّمَانِيَّةَ وَالْمَكَانِيَّةَ": {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "الْوُجُودِ الشَّامِلِ"؛ فَلَا يَخْرُجُ عَنْ عِلْمِهِ وَسُلْطَانِهِ شَيْءٌ، مِمَّا يَسْتَوْجِبُ مَنْطِقِيًّا الِانْقِيَادَ لَهُ فِي كُلِّ حِينٍ.
فِي "تَحْلِيلِ مَنْطِقِ الْمِلْكِيَّةِ"، تَطْرَحُ السُّورَةُ مَفْهُومًا ثَوْرِيًّا لِلْمَالِ: {وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ}. الْمَنْطِقُ هُنَا يَقُومُ عَلَى "الْوِكَالَةِ لَا الْأَصَالَةِ"؛ فَالْإِنْسَانُ لَيْسَ مَالِكًا حَقِيقِيًّا لِلْمَالِ، بَلْ هُوَ مُسْتَخْلَفٌ فِيهِ لِفَتْرَةٍ مَحْدُودَةٍ. الِاسْتِنْتَاجُ الْمَنْطِقِيُّ أَنَّ الْبُخْلَ هُوَ تَعْطِيلٌ لِوَظِيفَةِ الِاسْتِخْلَافِ.
أَمَّا فِي "نَقْدِ قَسْوَةِ الْقُلُوبِ"، فَتَسْأَلُ السُّورَةُ سُؤَالًا يُخَاطِبُ الْوِجْدَانَ وَالْعَقْلَ مَعًا: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ}. هُنَا نَرَى مَنْطِقَ "التَّزَامُنِ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالْخُشُوعِ"؛ فَطُولُ الْأَمَدِ بِلَا تَذَكُّرٍ يُؤَدِّي مَنْطِقِيًّا إِلَى "قَسْوَةِ الْقَلْبِ"، تَمَامًا كَمَا تَيْبَسُ الْأَرْضُ بِلَا مَطَرٍ.
فِي "تَحْلِيلِ مَاهِيَّةِ الدُّنْيَا"، تَرْسُمُ السُّورَةُ مَعَادَلَةً دَقِيقَةً: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "التَّسَلْسُلِ الْعُمْرِيِّ"؛ حَيْثُ يَبْدَأُ الْإِنْسَانُ بِاللَّعِبِ وَيَنْتَهِي بِالتَّكَاثُرِ، لِيُبَيِّنَ أَنَّ مَصِيرَ هَذِهِ الْمَادَّةِ هُوَ كـ "غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا". الِاسْتِنْتَاجُ أَنَّ الِاسْتِثْمَارَ فِي "الْبَاقِي" أَوْلَى مَنْطِقِيًّا مِنَ التَّعَلُّقِ بـ "الْفَانِي".
تَنْتَقِلُ السُّورَةُ لِتَحْلِيلِ مَعْدِنِ "الْحَدِيدِ": {وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ}. الْمَنْطِقُ هُنَا يَرْبِطُ بَيْنَ "الْكِتَابِ" (الْمِيزَانِ وَالْقِيَمِ) وَ "الْحَدِيدِ" (الْقُوَّةِ وَالصِّنَاعَةِ)؛ فَالْقِيَمُ بِحَاجَةٍ إِلَى قُوَّةٍ تَحْمِيهَا، وَالْقُوَّةُ بِحَاجَةٍ إِلَى مِيزَانٍ يَضْبُطُهَا. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الْقُوَّةِ الْأَخْلَاقِيَّةِ".
تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِبَيَانِ أَنَّ "الْفَضْلَ" بِيَدِ اللَّهِ، لَا يَمْلِكُهُ بَشَرٌ مَهْمَا ادَّعَوْا. فَاللَّهُ يُؤْتِي فَضْلَهُ مَنْ يَشَاءُ، وَهُوَ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ.
بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ الْحَدِيدِ هِيَ سُورَةُ "إِيقَاظِ الْإِرَادَةِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الْإِيمَانَ لَيْسَ جُمُودًا، بَلْ هُوَ لِينٌ فِي الْقَلْبِ وَبَأْسٌ فِي الْحَدِيدِ وَسَخَاءٌ فِي الْيَدِ، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ بِقَدَرِ اللَّهِ وَمَشِيئَتِهِ.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !!
|