نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ الصَّفِّ، وَهِيَ سُورَةُ "الِاتِّسَاقِ النَّظَرِيِّ وَالْعَمَلِيِّ" وَسُورَةُ "تَمَاسُكِ الْمَشْرُوعِ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ الْمُمْتَحَنَةِ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ صِدْقِ الْمَشَاعِرِ (الْوَلَاءِ)، فَإِنَّ سُورَةَ الصَّفِّ تَنْقُلُنَا إِلَى مَنْطِقِ "وِحْدَةِ الْبِنَاءِ وَالْفِعْلِ"، وَتَعْرِضُ كَيْفَ يَتَحَوَّلُ الْإِيمَانُ مِنْ "كَلِمَاتٍ" إِلَى "هَيْكَلٍ صَلْبٍ" لَا ثُغْرَةَ فِيهِ.
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِتَسْبِيحِ كُلِّ مَا فِي الْكَوْنِ، ثُمَّ تَنْتَقِلُ مُبَاشَرَةً إِلَى نَقْدِ "الِانْفِصَامِ بَيْنَ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ": {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ؟}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "الْمِصْدَاقِيَّةِ الْوُجُودِيَّةِ"؛ فَالْفَجْوَةُ بَيْنَ "الظَّاهِرِ" وَ"الْبَاطِنِ" تُؤَدِّي مَنْطِقِيًّا إِلَى مَقْتِ اللَّهِ (أَشَدِّ الْبُغْضِ). الِاسْتِنْتَاجُ الْمَنْطِقِيُّ أَنَّ كَمَالَ الْإِيمَانِ مَرْهُونٌ بِـ "تَطَابُقِ الْبَيَانِ مَعَ الْكَيَانِ".
فِي "تَحْلِيلِ مَنْطِقِ التَّنْظِيمِ"، تُرْسِي السُّورَةُ قَاعِدَةَ النَّصْرِ: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ}. الْمَنْطِقُ هُنَا يَقُومُ عَلَى "الْقُوَّةِ فِي التَّرَابُطِ"؛ فَالْقِيمَةُ لَيْسَتْ لِلْأَفْرَادِ الْمُشَتَّتِينَ مَهْمَا كَانَتْ قُوَّتُهُمْ، بَلْ لِلـ "صَفِّ" الَّذِي يَعْمَلُ كَكُتْلَةٍ وَاحِدَةٍ. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الْجَسَدِ الْوَاحِدِ" ضِدَّ الْأَهْوَاءِ.
أَمَّا فِي "نَقْدِ عَقْلِيَّةِ الزَّيْغِ"، فَتَذْكُرُ السُّورَةُ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ. مَنْطِقُ مُوسَىٰ كَانَ فِي مُوَاجَهَةِ "الْإِذَايَةِ" رَغْمَ مَعْرِفَتِهِمْ بِصِدْقِهِ، لِيَكُونَ الرَّدُّ الْإِلَهِيُّ: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الْجَزَاءِ مِنْ جِنْسِ الْفِعْلِ"؛ فَانْحِرَافُ الْقَلْبِ نَتِيجَةٌ مَنْطِقِيَّةٌ لِتَعَمُّدِ "الزَّيْغِ" عَنِ الْبُرْهَانِ.
ثُمَّ تَعْرِضُ السُّورَةُ بُشْرَى عِيسَىٰ بـ "أَحْمَدَ" ﷺ، وَتَحْلِيلَ مَنْطِقِ الْمُعَارِضِينَ: {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ}. هُنَا نَرَى مَنْطِقَ "عَبَثِيَّةِ الْمُحَاوَلَةِ"؛ فَالنُّورُ (الْإِلَهِيُّ) لَا يُمْكِنُ إِطْفَاؤُهُ بِـ "الْأَفْوَاهِ" (الْكَلَامِ الزَّائِفِ). الِاسْتِنْتَاجُ أَنَّ حَتْمِيَّةَ "تَمَامِ النُّورِ" حَقِيقَةٌ كَوْنِيَّةٌ مَهْمَا كَرِهَ الْكَافِرُونَ.
فِي "الْبُرْهَانِ الِاقْتِصَادِيِّ الرُّوحِيِّ"، تَعْرِضُ السُّورَةُ مَفْهُومَ "التِّجَارَةِ الرَّابِحَةِ": {هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ؟}. الْمَنْطِقُ هُنَا يَقُومُ عَلَى "الِاسْتِثْمَارِ فِي الْبَاقِي"؛ (إِيمَانٌ، جِهَادٌ بِالْمَالِ، جِهَادٌ بِالنَّفْسِ). الثَّمَنُ مَنْطِقِيٌّ: (مَغْفِرَةٌ، جَنَّاتٌ، نَصْرٌ قَرِيبٌ). هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الرِّبْحِ الْمُؤَكَّدِ" لِمَنْ يَمْلِكُ رَأْسَ مَالِ الْيَقِينِ.
تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِدَعْوَةِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَكُونُوا "أَنصَارَ اللَّهِ" كَمَا فَعَلَ الْحَوَارِيُّونَ. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الِامْتِدَادِ التَّارِيخِيِّ" لِلْمَشْرُوعِ الْإِلَهِيِّ؛ حَيْثُ يَنْتَهِي الصِّرَاعُ بِظُهُورِ الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ بِتَأْيِيدِ اللَّهِ.
بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ الصَّفِّ هِيَ سُورَةُ "بِنَاءِ الْقُوَّةِ بِالْمِصْدَاقِيَّةِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الْقَوْلَ بِلَا فِعْلٍ مَهْلَكَةٌ، وَأَنَّ الْعَمَلَ بِلَا "صَفٍّ" ضَعْفٌ، وَأَنَّ نُورَ اللَّهِ مَاضٍ لَا مَحَالَةَ، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ النَّصْرَ يُولَدُ مِنَ "الِانْتِصَارِ لِلَّهِ" فِي الذَّاتِ وَالْمَيْدَانِ.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !!
|