نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ الْجُمُعَةِ، وَهِيَ سُورَةُ "الْمَنْهَجِ الْمَعْرِفِيِّ" وَ"تَوَازُنِ الطَّلَبِ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ الصَّفِّ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ الِاتِّسَاقِ بَيْنَ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ، فَإِنَّ سُورَةَ الْجُمُعَةِ تَنْقُلُنَا إِلَى مَنْطِقِ "التَّزْكِيَةِ قَبْلَ التَّحْصِيلِ"، وَتَعْرِضُ كَيْفَ يَتَحَوَّلُ الْمُجْتَمَعُ "الْأُمِّيُّ" إِلَى مَنَارَةٍ حَضَارِيَّةٍ عَبْرَ نِظَامٍ تَعْلِيمِيٍّ وَرُوحِيٍّ مُتَكَامِلٍ.
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِنِسْبَةِ "الْمُلْكِ وَالْقُدُّوسِيَّةِ وَالْعِزَّةِ وَالْحِكْمَةِ" لِلَّهِ، ثُمَّ تُحَلِّلُ "الِانْتِقَالَ الْحَضَارِيَّ": {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "التَّسَلْسُلِ التَّرْبَوِيِّ": (يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ، وَيُزَكِّيهِمْ، وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ). الِاسْتِنْتَاجُ الْمَنْطِقِيُّ أَنَّ "التَّزْكِيَةَ" (تَطْهِيرِ النَّفْسِ) شَرْطٌ لِـ "تَعَلُّمِ الْحِكْمَةِ"، وَأَنَّ الْعِلْمَ بِلَا تَزْكِيَةٍ هُوَ عِلْمٌ مَبْتُورٌ.
فِي "نَقْدِ الْعَقْلِيَّةِ الْحَامِلَةِ لِلْعِلْمِ بِلَا فَهْمٍ"، تَطْرَحُ السُّورَةُ أَقْسَى تَمْثِيلٍ مَنْطِقِيٍّ: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الْعِبْءِ لَا الِانْتِفَاعِ"؛ فَحَمْلُ النَّصِّ (الْمَعْلُومَةِ) دُونَ تَمَثُّلِ رُوحِهِ يَجْعَلُ الْإِنْسَانَ مُجَرَّدَ "وِعَاءٍ نَاقِلٍ" لَا يُدْرِكُ قِيمَةَ مَا يَحْمِلُ. الِاسْتِنْتَاجُ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِـ "الْفِعْلِ بِالْعِلْمِ" لَا بِمُجَرَّدِ حِيَازَتِهِ.
أَمَّا فِي "تَحْلِيلِ مَنْطِقِ الْمَوْتِ"، فَتَتَحَدَّى السُّورَةُ مَنِ ادَّعَوْا الِاخْتِصَاصَ بِالْوَلَايَةِ: {فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}. هُنَا نَرَى مَنْطِقَ "الِاخْتِبَارِ الْقِيَمِيِّ"؛ فَالصَّادِقُ فِي اتِّصَالِهِ بِاللَّهِ لَا يَخْشَى لِقَاءَهُ، بَيْنَمَا "الظَّالِمُ" يَهْرَبُ مَنْطِقِيًّا مِمَّا قَدَّمَتْ يَدَاهُ. الِاسْتِنْتَاجُ أَنَّ الْمَوْتَ "مُلَاقٍ" لِلْجَمِيعِ مَهْمَا كَانَتْ نَوْعِيَّةُ الْفِرَارِ.
فِي "تَنْظِيمِ اقْتِصَادِ الْوَقْتِ"، تَنْتَقِلُ السُّورَةُ إِلَى "نِدَاءِ الْجُمُعَةِ": {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ... فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "تَعْلِيقِ الْمَادَّةِ لِأَجْلِ الْمَعْنَى"؛ فَالْمُجْتَمَعُ يَحْتَاجُ إِلَى "وَقْفَةٍ تَعْبَدِيَّةٍ" لِإِعَادَةِ ضَبْطِ الْبَوْصَلَةِ. لَكِنَّ السُّورَةَ لَا تَدْعُو لِلرَّهْبَانِيَّةِ، بَلْ تَقُولُ بَعْدَ الصَّلَاةِ: {فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ}. هَذَا مَنْطِقُ "الْعَمَلِ الْمَوْصُولِ بِالذِّكْرِ"؛ حَيْثُ يُصْبِحُ السَّعْيُ فِي الرِّزْقِ بَعْدَ الصَّلَاةِ جُزْءًا مِنَ الْمَنْظُومَةِ الْإِيمَانِيَّةِ.
تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِنَقْدِ مَوْقِفٍ عَمَلِيٍّ حِينَ انْفَضَّ النَّاسُ لِـ "تِجَارَةٍ أَوْ لَهْوٍ" وَتَرَكُوا النَّبِيَّ ﷺ قَائِمًا. الْمَنْطِقُ الْخِتَامِيُّ هُنَا هُوَ "تَصْحِيحُ مَفْهُومِ الرِّبْحِ": {قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ}. فَاللَّهُ هُوَ "خَيْرُ الرَّازِقِينَ"، وَالِانْشِغَالُ بِالرِّزْقِ عَنِ الرَّازِقِ هُوَ خَلَلٌ فِي الْمَنْطِقِ الْحِسَابِيِّ لِلْمُؤْمِنِ.
بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ الْجُمُعَةِ هِيَ سُورَةُ "تَزْكِيَةِ الْوُجُودِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الْعِلْمَ أَمَانَةٌ، وَأَنَّ الْمَوْتَ حَقِيقَةٌ، وَأَنَّ الْوَقْتَ بَيْنَ "الصَّلَاةِ" وَ"الْبَيْعِ" هُوَ مَيْدَانُ الِاخْتِبَارِ، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ الرِّزْقَ الْحَقِيقِيَّ يَكْمُنُ فِي الِاتِّصَالِ بِالْمَصْدَرِ الْأَوَّلِ.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !!
|