نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ الْمُنَافِقُونَ، وَهِيَ سُورَةُ "التَّشْرِيحِ النَّفْسِيِّ" وَ"كَشْفِ الِانْفِصَامِ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ الْجُمُعَةِ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ التَّزْكِيَةِ وَالْعِلْمِ النَّافِعِ، فَإِنَّ سُورَةَ الْمُنَافِقُونَ تَنْقُلُنَا إِلَى مَنْطِقِ "رَصْدِ التَّنَاقُضِ الذَّاتِيِّ"، وَتَعْرِضُ كَيْفَ يَتَحَوَّلُ الْإِنْسَانُ إِلَى "ظَاهِرٍ خَدَّاعٍ" يَسْتَتِرُ خَلْفَهُ جَوْهَرٌ خَاوٍ.
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِفَضْحِ "مُغَالَطَةِ الشَّهَادَةِ": {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "صِدْقِ الْقَوْلِ مَعَ كَذِبِ الْقَائِلِ"؛ فَاللَّهُ يُصَدِّقُ الرِّسَالَةَ وَيُكَذِّبُ "الشَّاهِدِينَ" بِهَا، لِأَنَّ الشَّهَادَةَ عَمَلٌ قَلْبِيٌّ لَا لِسَانِيٌّ. الِاسْتِنْتَاجُ الْمَنْطِقِيُّ أَنَّ "الْإِيمَانَ لَيْسَ جُمْلَةً خَبَرِيَّةً"، بَلْ هُوَ حَقِيقَةٌ وُجُودِيَّةٌ.
فِي "تَحْلِيلِ الِاسْتِلَابِ الشَّكْلِيِّ"، تَصِفُ السُّورَةُ جَاذِبِيَّتَهُمُ الْخَارِجِيَّةَ: {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ ۖ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ}. الْمَنْطِقُ التَّحْلِيلِيُّ هُنَا يَقُومُ عَلَى مَفْهُومِ "الْقَوَالِبِ الْفَارِغَةِ"؛ فَهُمْ {كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ}. الْخَشَبُ قَوِيٌّ فِي مَظْهَرِهِ، لَكِنَّهُ "مَيْتٌ" لَا حَيَاةَ فِيهِ وَلَا نُمُوَّ، وَهُوَ يَسْتَنِدُ إِلَى غَيْرِهِ لَا إِلَى جَوْهَرِهِ. الِاسْتِنْتَاجُ أَنَّ الِانْبِهَارَ بِـ "الشَّكْلِ" دُونَ "الْمَضْمُونِ" هُوَ مَكْمَنُ الْخَلَلِ الْمَعْرِفِيِّ.
أَمَّا فِي "مَنْطِقِ الِارْتِيَابِ"، فَتُصَوِّرُ السُّورَةُ حَالَتَهُمُ النَّفْسِيَّةَ: {يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الرُّعْبِ الدَّاخِلِيِّ"؛ فَالْمُخْرِفُ لَا يَمْلِكُ سَكِينَةَ الْحَقِّ، مِمَّا يَجْعَلُهُ فِي حَالَةِ تَوَقُّعٍ دَائِمٍ لِلْفَضِيحَةِ. وَتَنْتَقِدُ السُّورَةُ "الِاسْتِعْلَاءَ الزَّائِفَ": {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ}. هَذَا مَنْطِقُ "الْكِبْرِ الْقَاتِلِ" الَّذِي يَمْنَعُ الْإِنْسَانَ مِنَ التَّصْحِيحِ.
فِي "تَحْلِيلِ الْحِصَارِ الِاقْتِصَادِيِّ"، تَفْضَحُ السُّورَةُ مَنْطِقَهُمُ النَّفْعِيَّ: {لَا تُنفِقُوا عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّوا}. هُنَا نَرَى مَنْطِقَ "سِلَاحِ التَّجْوِيعِ"؛ فَهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ "الْمَادَّةَ" هِيَ مُحَرِّكُ الْبَشَرِ الْوَحِيدُ. تَرُدُّ السُّورَةُ بِمَنْطِقِ "الْمِلْكِيَّةِ الْحَقِيقِيَّةِ": {وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ}. الْفِقْهُ هُنَا هُوَ إِدْرَاكُ أَنَّ "الرِّزْقَ" لَيْسَ فِي أَيْدِي الْخَلْقِ.
تَنْتَقِلُ السُّورَةُ لِتَحْلِيلِ "مَفْهُومِ الْعِزَّةِ": {يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الْعِزَّةِ بِالْقُوَّةِ وَالْعَدَدِ". تَرُدُّ السُّورَةُ بِقَاعِدَةِ "الْعِزَّةِ بِالْمَصْدَرِ": {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ}. الِاسْتِنْتَاجُ أَنَّ الْعِزَّةَ مَنِيحَةٌ إِلَهِيَّةٌ لَا تُنَالُ بِـ "الْبَلْطَجَةِ" الِاجْتِمَاعِيَّةِ.
تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِتَحْذِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْ تَشْغَلَهُمْ "الْأَمْوَالُ وَالْأَوْلَادُ" عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، دَاعِيَةً لِلْإِنْفَاقِ "قَبْلَ فَوَاتِ الْأَوَانِ". الْمَنْطِقُ الْخِتَامِيُّ هُوَ "نَفْيُ التَّأْجِيلِ": {وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا}.
بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ الْمُنَافِقُونَ هِيَ سُورَةُ "صِدْقِ الْبَاطِنِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الْمَظَاهِرَ تخدع، وَأَنَّ الْعِزَّةَ لَيْسَتْ بِالْمَالِ، وَأَنَّ النِّفَاقَ هُوَ نَتِيجَةُ "عَدَمِ الْفِقْهِ" بِحَقِيقَةِ الْخَالِقِ، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ الْحَيَاةَ مَسْعًى قَصِيرٌ لَا يَحْتَمِلُ الْمُرَاوَغَةَ.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !!
|