نَبْدَأُ الْآنَ رِحْلَةً جَدِيدَةً فِي جُزْءِ تَبَارَكَ، وَمُسْتَهَلُّهَا سُورَةُ الْمُلْكِ، وَهِيَ سُورَةُ "الْهَيْمَنَةِ الْوُجُودِيَّةِ" وَ"اخْتِبَارِ الْكَمَالِ". إِذَا كَانَ جُزْءُ "قَدْ سَمِعَ" قَدْ رَكَّزَ عَلَى تَرْمِيمِ الْمُجْتَمَعِ وَالْبَيْتِ، فَإِنَّ سُورَةَ الْمُلْكِ تَنْقُلُنَا إِلَى مَنْطِقِ "الْمُلْكِيَّةِ الْمُطْلَقَةِ لِلْكَوْنِ"، وَتَعْرِضُ كَيْفَ يَتَحَوَّلُ الْمَوْتُ وَالْحَيَاةُ إِلَى "أَدَوَاتٍ رِيَاضِيَّةٍ" لِقِيَاسِ جَوْدَةِ الْعَمَلِ.
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِإِثْبَاتِ "الْبَرَكَةِ" وَ"الْقُدْرَةِ": {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "وِحْدَةِ الْقَرَارِ"؛ فَالْمُلْكُ لَا يَتَجَزَّأُ، وَالْقُدْرَةُ لَا تَعْجِزُ. ثُمَّ تَطْرَحُ السُّورَةُ الْغَايَةَ الْوُجُودِيَّةَ: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الِاخْتِبَارِ التَّنَافُسِيِّ"؛ حَيْثُ لَا تُقَاسُ الْأَعْمَالُ بِـ "الْكَثْرَةِ"، بَلْ بِـ "الْإِحْسَانِ" (الْجَوْدَةِ). الِاسْتِنْتَاجُ الْمَنْطِقِيُّ أَنَّ الْوُجُودَ لَيْسَ غَايَةً فِي ذَاتِهِ، بَلْ هُوَ "مُخْتَبَرٌ" لِتَمْيِيزِ الْأَفْضَلِ.
فِي "تَحْلِيلِ الْإِتْقَانِ الْكَوْنِيِّ"، تَدْعُو السُّورَةُ إِلَى التَّأَمُّلِ فِي السَّمَاوَاتِ: {مَا تَرَىٰ فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ ۖ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ؟}. الْمَنْطِقُ هُنَا يَقُومُ عَلَى "بُرْهَانِ عَدَمِ الْخَلَلِ"؛ فَالتَّكْرَارُ فِي النَّظَرِ (كَرَّتَيْنِ) يُؤَدِّي مَنْطِقِيًّا إِلَى انْكِسَارِ الْبَصَرِ (خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ) أَمَامَ كَمَالِ النِّظَامِ. الِاسْتِنْتَاجُ أَنَّ "النَّقْصَ" مَنْفِيٌّ عَنْ فِعْلِ الْخَالِقِ، مِمَّا يَسْتَوْجِبُ مَنْطِقِيًّا الثِّقَةَ فِي تَشْرِيعِهِ.
أَمَّا فِي "مَنْطِقِ الِاعْتِرَافِ الْمُتَأَخِّرِ"، فَتُصَوِّرُ السُّورَةُ حَالَ أَهْلِ النَّارِ: {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "تَعْطِيلِ الْأَدَوَاتِ الْمَعْرِفِيَّةِ"؛ فَالضَّلَالُ لَيْسَ نَقْصًا فِي الْمَعْلُومَاتِ، بَلْ هُوَ "عَطَلٌ" فِي آلِيَّةِ (السَّمْعِ وَالْعَقْلِ). الِاسْتِنْتَاجُ أَنَّ "الْعَقْلَ" هُوَ الصِّمَامُ الَّذِي يَقِي مِنَ السَّعِيرِ.
فِي "تَحْلِيلِ الِارْتِبَاطِ بِالْأَرْضِ"، تَطْرَحُ السُّورَةُ مَفْهُومَ "الذَّلُولِ": {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا}. الْمَنْطِقُ هُنَا يَقُومُ عَلَى "تَهْيِئَةِ الْبِيئَةِ لِلْفِعْلِ"؛ فَالْأَرْضُ مُسَخَّرَةٌ لَا مُسَيْطِرَةٌ، وَعَلَى الْإِنْسَانِ "السَّعْيُ" مَعَ الْيَقِينِ أَنَّ "الرِّزْقَ" مُقَدَّرٌ، وَأَنَّ "النُّشُورَ" إِلَيْهِ وَحْدَهُ.
تَنْتَقِلُ السُّورَةُ لِتَحَدِّي الْأَمْنِ الْكَاذِبِ: {أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ؟}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "تَفْكِيكِ الِاسْتِقْرَارِ الْوَهْمِيِّ"؛ فَالظَّوَاهِرُ الطَّبِيعِيَّةُ لَيْسَتْ حَتْمِيَّةً مَادِّيَّةً، بَلْ هِيَ بِإِرَادَةِ الْمُمْسِكِ لَهَا، كَالطَّيْرِ فِي الْجَوِّ: {مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ}.
تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِسُؤَالٍ تَحْلِيلِيٍّ مِحْوَرِيٍّ لِلْبَقَاءِ: {أَفَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكُم بِمَاءٍ مَّعِينٍ؟}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الِاضْطِرَارِ لِلْمَصْدَرِ"؛ حَيْثُ يَقِفُ الْبَشَرُ عَاجِزِينَ أَمَامَ أَبْسَطِ مُقَوِّمَاتِ الْحَيَاةِ إِذَا سُحِبَتْ مِنْهُمْ، مِمَّا يُلْزِمُهُمْ مَنْطِقِيًّا بِالْخُضُوعِ لِلْمُقْتَدِرِ.
بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ الْمُلْكِ هِيَ سُورَةُ "بَصِيرَةِ الْمُلْكِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الْكَوْنَ مَحْكُومٌ، وَأَنَّ الْحَيَاةَ اخْتِبَارٌ لِلْأَحْسَنِ، وَأَنَّ الْأَمْنَ الْحَقِيقِيَّ لَيْسَ فِي "الْمَادَّةِ"، بَلْ فِي "الِاتِّصَالِ بِالرَّحْمَنِ"، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ الْعَقْلَ هُوَ أَعْظَمُ نِعْمَةٍ تَقُودُ لِلنَّجَاةِ.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !!
|