نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ الْحَاقَّةِ، وَهِيَ سُورَةُ "الْحَقِيقَةِ الْقَاطِعَةِ" وَ"الِاسْتِحْقَاقِ الْمَحْضِ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ الْقَلَمِ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ الدِّفَاعِ عَنِ الْعَقْلِ وَالْخُلُقِ، فَإِنَّ سُورَةَ الْحَاقَّةِ تَنْقُلُنَا إِلَى مَنْطِقِ "وُقُوعِ مَا لَا مَفَرَّ مِنْهُ"، وَتَعْرِضُ كَيْفَ تَتَحَوَّلُ الْحَقَائِقُ الْغَيْبِيَّةُ إِلَى "وَاقِعٍ مَلْمُوسٍ" لَا يَقْبَلُ التَّأْوِيلَ.
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِاسْمِهَا: {الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "تَعْظِيمِ الْأَمْرِ بِالتَّجْهِيلِ"؛ فَالْعَقْلُ الْبَشَرِيُّ يَقْصُرُ عَنْ إِدْرَاكِ كُنْهِ هَذِهِ اللَّحْظَةِ الَّتِي "تَحِقُّ" فِيهَا الْأُمُورُ وَتَسْتَقِرُّ فِيهَا الْحُقُوقُ. الِاسْتِنْتَاجُ الْمَنْطِقِيُّ أَنَّ كُلَّ مَا سَبَقَهَا مِنَ الدُّنْيَا كَانَ "مَرْحَلَةً عَابِرَةً" لَا تَحْتَمِلُ الْيَقِينَ الْمُطْلَقَ.
فِي "تَحْلِيلِ مَصَايِرِ الْمُكَذِّبِينَ"، تَعْرِضُ السُّورَةُ مَنْطِقَ "الِاسْتِئْصَالِ الْعَادِلِ" لِعَادٍ وَثَمُودَ وَفِرْعَوْنَ. الْمَنْطِقُ التَّحْلِيلِيُّ هُنَا يَقُومُ عَلَى "بُرْهَانِ الْأَثَرِ"؛ فَالَّذِينَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ "قُوَّةٌ لَا تُقْهَرُ" أَصْبَحُوا {كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ}. الِاسْتِنْتَاجُ أَنَّ "الْعُلُوَّ فِي الْأَرْضِ" بِالْبَاطِلِ لَا يُؤَدِّي مَنْطِقِيًّا إِلَّا إِلَى "السُّقُوطِ الْمُدَوِّي".
أَمَّا فِي "مَنْطِقِ تَقْرِيرِ الْمَصِيرِ"، فَتُصَنِّفُ السُّورَةُ أَصْحَابَ الْكُتُبِ:
مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ: مَنْطِقُ "الْفَرَحِ بِالْبُرْهَانِ"؛ {هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ مَنْ كَانَ "يَظُنُّ" (يَتَيَقَّنُ) أَنَّهُ مِلَاقٍ حِسَابَهُ، فَعَمِلَ بِمُوجِبِ هَذَا الْيَقِينِ.
مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ: مَنْطِقُ "النَّدَمِ الْقَاتِلِ"؛ {يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ}. هُنَا نَرَى مَنْطِقَ "تَبَدُّدِ الْمَنْفَعَةِ"؛ فَسُلْطَانُهُ هَلَكَ، وَمَالُهُ لَمْ يُغْنِ عَنْهُ. الِاسْتِنْتَاجُ أَنَّ مَا كَانَ يُظَنُّ أَنَّهُ "رَأْسُ مَالٍ" فِي الدُّنْيَا، تَبَيَّنَ مَنْطِقِيًّا أَنَّهُ كَانَ "عِبْئًا".
فِي "تَحْلِيلِ صِدْقِ الْوَحْيِ"، تَضَعُ السُّورَةُ قَاعِدَةً حَاسِمَةً لِنَفْيِ "التَّقَوُّلِ": {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ}. هَذَا مَنْطِقُ "الصَّرَامَةِ فِي نَقْلِ الْحَقِيقَةِ"؛ فَالرِّسَالَةُ لَيْسَتْ أَهْوَاءً بَشَرِيَّةً، بَلْ هِيَ مَحْفُوظَةٌ بِقُوَّةِ الْخَالِقِ. الِاسْتِنْتَاجُ أَنَّ الْقُرْآنَ {تَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ} وَلَيْسَ شِعْرًا أَوْ كَهَانَةً.
تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِإِعْلَانِ الْيَقِينِ التَّامِّ: {وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ}. هُنَا تَلْتَقِي كُلُّ الْمُقَدِّمَاتِ مَعَ النَّتَائِجِ.
بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ الْحَاقَّةِ هِيَ سُورَةُ "صَدْمَةِ الْيَقِينِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الْبَاطِلَ "زَهُوقٌ" مَهْمَا اسْتَطَالَ، وَأَنَّ الْحِسَابَ "حَقٌّ" لَا يَقْبَلُ الْمِرَاءَ، وَأَنَّ الذَّكِيَّ مَنْ أَعَدَّ لِـ "كِتَابِهِ" قَبْلَ أَنْ يَرَاهُ، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ التَّسْبِيحَ هُوَ الرَّدُّ الْوَحِيدُ اللائِقُ بِعَظَمَةِ هَذَا النِّظَامِ.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !!
|