نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ الْجِنِّ، وَهِيَ سُورَةُ "الْإِنْصَافِ الْمَعْرِفِيِّ" وَ"تَحَطُّمِ الْأَوْهَامِ الْكَوْنِيَّةِ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ نُوحٍ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ عِنَادِ "الْإِنْسِ" رَغْمَ طُولِ الْأَمَدِ، فَإِنَّ سُورَةَ الْجِنِّ تَنْقُلُنَا إِلَى مَنْطِقِ "سُرْعَةِ اسْتِجَابَةِ الْوَعْيِ الْآخَرِ"، وَتَعْرِضُ كَيْفَ صَدَمَتِ "الْحَقِيقَةُ الْقُرْآنِيَّةُ" عَالَمًا كَانَ يَظُنُّ أَنَّهُ يَمْلِكُ مَفَاتِيحَ السَّمَاءِ، فَإِذَا بِهِ يَجِدُ نَفْسَهُ أَمَامَ نِظَامٍ صَارِمٍ لَا مَجَالَ فِيهِ لِلْمُرَاوَغَةِ.
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِـ "تَقْرِيرِ الِانْبِهَارِ": {فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "الِاسْتِدْلَالِ بِالنَّتِيجَةِ"؛ فَهُمْ لَمْ يُؤْمِنُوا لِمُجَرَّدِ السَّمَاعِ، بَلْ لِأَنَّهُمْ رَأَوْا "الْقِبْلَةَ الْمَعْرِفِيَّةَ" (الرُّشْدَ). الِاسْتِنْتَاجُ الْمَنْطِقِيُّ أَنَّ "الرُّشْدَ" هُوَ مِعْيَارُ الْحَقِيقَةِ، وَأَنَّ "الْعَجَبَ" الْقُرْآنِيَّ يَكْمُنُ فِي دِقَّةِ هِدَايَتِهِ.
فِي "تَحْلِيلِ تَصْحِيحِ التَّصَوُّرَاتِ"، يَعْتَرِفُ الْجِنُّ بِسُوءِ تَقْدِيرِهِمُ السَّابِقِ: {وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا}. الْمَنْطِقُ هُنَا يَقُومُ عَلَى "تَفْكِيكِ مَرْجَعِيَّةِ الضَّلَالِ"؛ فَالشَّطَطُ (الْمُجَاوَزَةُ) هُوَ نَتِيجَةُ اتِّبَاعِ "السَّفِيهِ" (غَيْرِ الْعَاقِلِ). ثُمَّ يَعْرِضُونَ مُغَالَطَةً أُخْرَى: {وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا}. هَذَا مَنْطِقُ "الْقِيَاسِ الْبَاطِلِ" الَّذِي وَقَعَ فِيهِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ مَعًا.
أَمَّا فِي "تَحْلِيلِ التَّغَيُّرِ الِاسْتِرَاتِيجِيِّ لِلْكَونِ"، فَتَصِفُ السُّورَةُ "حَالَةَ الرَّصَدِ": {وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا}. الْمَنْطِقُ هُنَا يَقُومُ عَلَى "إِغْلَاقِ مَنَافِذِ التَّسَرُّبِ الْمَعْلُومَاتِيِّ"؛ لِيَكُونَ الْوَحْيُ صَافِيًا لَا يُدَاخِلُهُ كَهَانَةٌ وَلَا ظَنٌّ. الِاسْتِنْتَاجُ أَنَّ "الْغَيْبَ" مَحْمِيٌّ بِقُوَّةٍ فِيزْيَائِيَّةٍ (شُهُبٍ) لِصِيَانَةِ الْحَقِيقَةِ الْمَعْنَوِيَّةِ.
فِي "تَحْلِيلِ النَّتِيجَةِ الِاقْتِصَادِيَّةِ لِلِاسْتِقَامَةِ"، تَرِدُ مُعَادَلَةٌ تَرْبِطُ بَيْنَ الْمَنْهَجِ وَالْمَادَّةِ: {وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا}. هَذَا مَنْطِقُ "الْجَزَاءِ الْمَادِّيِّ لِلِانْضِبَاطِ الرُّوحِيِّ"؛ حَيْثُ يُصْبِحُ "الْمَاءُ" (عَصَبُ الْحَيَاةِ) مَرْهُونًا بِـ "الِاسْتِقَامَةِ" (عَصَبِ الدِّينِ).
تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِتَحْدِيدِ "مَسَاحَةِ الْقُدْرَةِ النَّبَوِيَّةِ": {قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا}. الْمَنْطِقُ هُنَا يَقُومُ عَلَى "التَّجْرِيدِ الْمُطْلَقِ لِلْأُلُوهِيَّةِ"؛ فَالرَّسُولُ ﷺ "مُبَلِّغٌ" لَا "خَالِقٌ لِلنَّفْعِ". ثُمَّ تُغْلِقُ السُّورَةُ مِلَفَّ الْغَيْبِ: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ}. هَذَا مَنْطِقُ "الِاصْطِفَاءِ الْمَعْرِفِيِّ"؛ حَيْثُ يُعْطِي اللَّهُ بَعْضَ سِرِّهِ لِمَنْ يَحْمِلُ أَمَانَةَ رِسَالَتِهِ.
بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ الْجِنِّ هِيَ سُورَةُ "بُرْهَانِ الرُّشْدِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الْعَالَمَ مَسْكُونٌ بِالْوَعْيِ، وَأَنَّ الْقُرْآنَ خَاطَبَ "الْعَقْلَ" أَيًّا كَانَ مَصْدَرُهُ، وَأَنَّ "الِاسْتِقَامَةَ" هِيَ أَقْصَرُ طَرِيقٍ لِلْوَفْرَةِ، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ اللَّهَ قَدْ {أَحْصَىٰ كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا}؛ لَا يَغِيبُ عَنْهُ خَلْقٌ وَلَا فِعْلٌ.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !!
|