عرض مشاركة واحدة
  #82  
قديم 2026-03-08, 11:28 AM
أحمد جميل مسعد أحمد جميل مسعد غير متواجد حالياً
مشرف
 
تاريخ التسجيل: 2012-08-18
المكان: عمّان
المشاركات: 341
افتراضي

نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ الْمُدَّثِّرِ، وَهِيَ سُورَةُ "الِانْتِدَابِ لِلْعَمَلِ" وَ"تَفْكِيكِ مَنْطِقِ الِاسْتِعْلَاءٍ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ الْمُزَّمِّلِ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ الْبِنَاءِ الدَّاخِلِيِّ لِلذَّاتِ، فَإِنَّ سُورَةَ الْمُدَّثِّرِ تَنْقُلُنَا إِلَى مَنْطِقِ "الْمُوَاجَهَةِ الْمَيْدَانِيَّةِ"، وَتَعْرِضُ كَيْفَ يَنْفَضُ الْقَائِدُ عَنْهُ "دِثَارَ الرَّاحَةِ" لِيُكَبِّرَ الرَّبَّ فِي مَيْدَانِ الصِّرَاعِ الْقِيَمِيِّ.

مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِأَوَامِرَ حَرَكِيَّةٍ مُتَتَالِيَةٍ: {قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "تَرْتِيبِ الْأَوْلَوِيَّاتِ": (الْإِنْذَارُ لِلْآخَرِ، التَّكْبِيرُ لِلْمَصْدَرِ، التَّطْهِيرُ لِلْمَظْهَرِ وَالْمَخْبَرِ). الِاسْتِنْتَاجُ الْمَنْطِقِيُّ أَنَّ "تَكْبِيرَ اللَّهِ" فِي النَّفْسِ يَجْعَلُ كُلَّ "عَظِيمٍ" دُونَهُ صَغِيرًا، مِمَّا يَمْنَحُ الْإِنْسَانَ شَجَاعَةَ الِانْطِلَاقِ.

فِي "تَحْلِيلِ عَقْلِيَّةِ الْعِنَادِ"، تَعْرِضُ السُّورَةُ مَشْهَدَ مَنْ "فَكَّرَ وَقَدَّرَ": {إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ}. الْمَنْطِقُ هُنَا يَقُومُ عَلَى "فَضْحِ الْبَحْثِ عَنِ الْمُغَالَطَةِ"؛ فَالْمُعَانِدُ لَمْ يَرْفُضِ الْحَقَّ عَنْ جَهْلٍ، بَلْ بَعْدَ "تَفْكِيرٍ" وَ"تَقْدِيرٍ" بَحَثَ فِيهِمَا عَنْ مَخْرَجٍ لَفْظِيٍّ: {إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ}. الِاسْتِنْتَاجُ أَنَّ "الْعَقْلَ" قَدْ يُسْتَخْدَمُ لِصِنَاعَةِ "الزَّيْغِ" مَتَى مَا غَابَ الصِّدْقُ.

أَمَّا فِي "مَنْطِقِ الْحِسَابِ وَسَقَرُ"، فَتَطْرَحُ السُّورَةُ سُؤَالًا تَحْقِيقِيًّا: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ؟}. تَرِدُ الْإِجَابَاتُ كَمَنْطُومَةٍ سُلُوكِيَّةٍ مَنْطِقِيَّةٍ لِلْفَشَلِ:

{لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ}: (قَطْعُ الِاتِّصَالِ بِالْمَبْدَأِ).

{لَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ}: (قَطْعُ الرَّحْمَةِ بِالْخَلْقِ).

{كُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ}: (الِاسْتِلَابُ لِلْعَقْلِ الْجَمْعِيِّ الزَّائِفِ).

{كُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ}: (سُقُوطِ الرُّؤْيَةِ الْمُسْتَقْبَلِيَّةِ).

فِي "تَحْلِيلِ الْأَعْدَادِ وَالْفِتْنَةِ"، تَمْنَحُ السُّورَةُ لِلرَّقَمِ (تِسْعَةَ عَشَرَ) وَظِيفَةً اخْتِبَارِيَّةً: {وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ}. هَذَا مَنْطِقُ "الرَّقَمِ كَمِعْيَارٍ لِلْيَقِينِ"؛ حَيْثُ تَتَبَايَنُ رُدُودُ الْأَفْعَالِ بَيْنَ "الِارْتِيَابِ" وَ"الِاسْتِيقَانِ" بِنَاءً عَلَى "الْمُقَدِّمَاتِ الْإِيمَانِيَّةِ".

تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِوَصْفِ نُفُورِ الْمُعْرِضِينَ بِمَنْطِقِ "الْحَيَوَانِيَّةِ الشَّارِدَةِ": {كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ * فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ}. هَذَا مَنْطِقُ "الْهَرُوبِ غَيْرِ الْوَاعِي" مِنَ الْحَقِيقَةِ الَّتِي تُحَاصِرُهُمْ. الِاسْتِنْتَاجُ أَنَّ الْإِعْرَاضَ عَنِ الذِّكْرِ هُوَ حَالَةٌ مِنَ "الذُّعْرِ الْوُجُودِيِّ" لَا مِنَ "النَّقْدِ الْعِلْمِيِّ".

بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ الْمُدَّثِّرِ هِيَ سُورَةُ "تَكْبِيرِ الْمُهِمَّةِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الْقَوْلَ الثَّقِيلَ يَحْتَاجُ لِفِعْلٍ أَثْقَلَ، وَأَنَّ "التَّفْكِيرَ" بِلَا تَقْوَى مَهْلَكَةٌ، وَأَنَّ "سَقَرَ" نَتِيجَةٌ مَنْطِقِيَّةٌ لِتَعْطِيلِ الرَّحْمَةِ وَالصَّلَاةِ، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ مَنْ شَاءَ أَنْ يَذْكُرَ ذَكَرَ، فَالْأَمْرُ مَنُوطٌ بِـ "الِاخْتِيَارِ وَالْمَشِيئَةِ".
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !!
رد مع اقتباس