نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ الْقِيَامَةِ، وَهِيَ سُورَةُ "الرَّقَابَةِ الذَّاتِيَّةِ" وَ"بُرْهَانِ الْجَمْعِ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ الْمُدَّثِّرِ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ الِانْطِلَاقِ لِلْمَيْدَانِ، فَإِنَّ سُورَةَ الْقِيَامَةِ تَنْقُلُنَا إِلَى مَنْطِقِ "الْمُوَاجَهَةِ مَعَ النَّفْسِ"، وَتَعْرِضُ كَيْفَ يَرْتَدُّ بَصَرُ الْإِنْسَانِ إِلَى دَاخِلِهِ لِيُدْرِكَ أَنَّ "الْحِسَابَ" حَقِيقَةٌ بَيُولُوجِيَّةٌ وَرُوحِيَّةٌ لَا مَفَرَّ مِنْهَا.
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِقَسَمٍ مُزْدَوِجٍ: {لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "التَّلَازُمِ بَيْنَ الْمَصِيرِ وَالضَّمِيرِ"؛ فَوُجُودُ "اللَّوْمِ" الدَّاخِلِيِّ هُوَ نَفْسُهُ بُرْهَانٌ مَنْطِقِيٌّ عَلَى وُجُودِ "الْحِسَابِ" الْخَارِجِيِّ. الِاسْتِنْتَاجُ أَنَّ مَنْ يَمْلِكُ مِيزَانًا فِي صَدْرِهِ، لَا بُدَّ أَنْ يَلْتَقِيَ بِمِيزَانِ خَالِقِهِ.
فِي "تَحْلِيلِ التَّحَدِّي الْبَيُولُوجِيِّ"، تَرُدُّ السُّورَةُ عَلَى اسْتِبْعَادِ الْبَعْثِ: {أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ؟ * بَلَىٰ قَادِرِينَ عَلَىٰ أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ}. الْمَنْطِقُ هُنَا يَقُومُ عَلَى "الِاسْتِدْلَالِ بِالدَّقِيقِ عَلَى الْجَلِيلِ"؛ فَالَّذِي يُعِيدُ صِيَاغَةَ "الْبَنَانِ" (بَصْمَةِ الْإِصْبَعِ بِتَعْقِيدِهَا) لَا يَعْجِزُ مَنْطِقِيًّا عَنْ جَمْعِ "الْعِظَامِ". الِاسْتِنْتَاجُ أَنَّ "إِعَادَةَ الْبِنَاءِ" هِيَ تِكْرَارٌ لِـ "بَدْءِ الْخَلْقِ"، وَالْمُعِيدُ أَهْوَنُ مَنْطِقِيًّا مِنَ الْمُبْدِئِ.
أَمَّا فِي "مَنْطِقِ الِانْكِشَافِ الْكُلِّيِّ"، فَتَصِفُ السُّورَةُ حَالَ الْإِنْسَانِ: {بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "سُقُوطِ الْأَقْنِعَةِ"؛ فَالْأَعْذَارُ لَيْسَتْ إِلَّا طَبَقَاتٍ هَشَّةً تُخْفِي "الْبَصِيرَةَ" الدَّاخِلِيَّةَ الَّتِي تَعْرِفُ الْحَقِيقَةَ تَمَامًا. الِاسْتِنْتَاجُ أَنَّ الْحُجَّةَ تَقُومُ عَلَى الْفَرْدِ مِنْ دَاخِلِهِ قَبْلَ خَارِجِهِ.
فِي "تَحْلِيلِ الِاسْتِعْجَالِ الْمَعْرِفِيِّ"، تَنْتَقِلُ السُّورَةُ لِتَوْجِيهِ النَّبِيِّ ﷺ: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ}. الْمَنْطِقُ هُنَا يَقُومُ عَلَى "النِّظَامِ فِي التَّلَقِّي"؛ فَالْوَعْيُ لَا يُنَالُ بِالِاضْطِرَابِ، بَلْ بِالِانْتِظَارِ حَتَّى يَتِمَّ "الْبَيَانُ" الْإِلَهِيُّ. هَذَا مَنْطِقُ "الْحِفْظِ الْمَضْمُونِ" لِلرِّسَالَةِ.
تَعْرِضُ السُّورَةُ مَفْرَقَ الطَّرِيقِ بَيْنَ نَوْعَيْنِ مِنَ الْوُجُوهِ:
وُجُوهٌ نَّاضِرَةٌ: مَنْطِقُ "الِاسْتِمْتَاعِ بِالرُّؤْيَةِ" لِأَنَّهَا كَانَتْ فِي الدُّنْيَا تَنْظُرُ لِلْآخِرَةِ.
وُجُوهٌ بَاسِرَةٌ: مَنْطِقُ "تَوَقُّعِ الْكَلِفَةِ"؛ تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ (دَاهِيَةٌ تَكْسِرُ فَقَارَ الظَّهْرِ).
تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِبُرْهَانٍ عَقْلِيٍّ نِهَائِيٍّ يُلَخِّصُ الرِّحْلَةَ: {أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى؟}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "نَفْيِ الْعَبَثِيَّةِ"؛ فَالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَىٰ، ثُمَّ عَلَقَةٍ، ثُمَّ سَوَّىٰ وَعَدَّلَ، لَا يُمْكِنُ مَنْطِقِيًّا أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ لِيَتْرُكَكَ بِلَا حِسَابٍ أَوْ غَايَةٍ.
بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ الْقِيَامَةِ هِيَ سُورَةُ "بَصِيرَةِ الضَّمِيرِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ إِعَادَةَ الْخَلْقِ سَهْلَةٌ عَلَى مَنْ صَمَّمَ الْبَنَانَ، وَأَنَّ الْإِنْسَانَ خَصِيمُ نَفْسِهِ، وَأَنَّ "السُّدَى" مُسْتَحِيلٌ فِي كَوْنٍ مُتْقَنٍ، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ مَنْ أَحْيَا "الْخَلِيَّةَ" قَادِرٌ مَنْطِقِيًّا عَلَى إِحْيَاءِ الْمَوْتَى.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !!
|