عرض مشاركة واحدة
  #86  
قديم 2026-03-08, 11:37 AM
أحمد جميل مسعد أحمد جميل مسعد غير متواجد حالياً
مشرف
 
تاريخ التسجيل: 2012-08-18
المكان: عمّان
المشاركات: 341
افتراضي

نَخْتَتِمُ رِحْلَتَنَا الْيَوْمَ بِدُخُولِ جُزْءِ عَمَّ، وَمُسْتَهَلُّهُ سُورَةُ النَّبَإِ، وَهِيَ سُورَةُ "الْحَقِيقَةِ الْعُظْمَى" وَ"تَفْكِيكِ الِارْتِيَابِ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ الْمُرْسَلَاتِ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ الْإِنْذَارِ النِّهَائِيِّ، فَإِنَّ سُورَةَ النَّبَإِ تَنْقُلُنَا إِلَى مَنْطِقِ "مُوَاجَهَةِ التَّسَاؤُلِ بِالْوَاقِعِ"، وَتَعْرِضُ كَيْفَ يَتَحَوَّلُ "الِاخْتِلَافُ" فِي النَّبَإِ الْعَظِيمِ إِلَى "يَقِينٍ" عَبْرَ النَّظَرِ فِي هَنْدَسَةِ الْكَوْنِ.

مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِسُؤَالٍ عَنْ مَصْدَرِ الْحَيْرَةِ: {عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "تَشْخِيصِ الِاضْطِرَابِ الْمَعْرِفِيِّ"؛ فَالنَّاسُ فِي حَالَةِ (تَسَاؤُلٍ) وَ (اخْتِلَافٍ) حَوْلَ "الْبَعْثِ". الِاسْتِنْتَاجُ الْمَنْطِقِيُّ أَنَّ كُلَّ هَذَا الضَّجِيجِ سَيُحْسَمُ بِقَانُونِ "الْعِلْمِ بَعْدَ الْوُقُوعِ": {كَلَّا سَيَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ}.

فِي "تَحْلِيلِ الْبُرْهَانِ التَّصْمِيمِيِّ"، تَعْرِضُ السُّورَةُ تِسْعَ آيَاتٍ كَوْنِيَّةً كَمُقَدِّمَاتٍ مَنْطِقِيَّةٍ:

الْأَرْضُ مِهَادًا: (تَهْيِئَةُ الْبِيئَةِ).

الْجِبَالُ أَوْتَادًا: (تَثْبِيتُ التَّوَازُنِ - وَهُوَ مَفْهُومٌ فِيزْيَائِيٌّ لِلِاسْتِقْرَارِ).

خَلْقُ الْأَزْوَاجِ: (مَنْطِقُ التَّكَاثُرِ وَالِاسْتِمْرَارِ).

النَّوْمُ سُبَاتًا: (مَنْطِقُ الرَّاحَةِ الْبَيُولُوجِيَّةِ).

اللَّيْلُ لِبَاسًا وَالنَّهَارُ مَعَاشًا: (نِظَامُ الزَّمَنِ وَالْحَرَكَةِ).

بِنَاءُ السَّبْعِ الشِّدَادِ وَالسِّرَاجِ الْوَهَّاجِ: (الطَّاقَةُ وَالْقُوَّةُ الْكَوْنِيَّةُ).

الْمُعْصِرَاتُ وَالْمَاءُ الثَّجَّاجُ: (دَوْرَةُ الْحَيَاةِ وَالرِّزْقِ).
الْمَنْطِقُ هُنَا هُوَ "الِاسْتِدْلَالُ بِالْإِحْكَامِ عَلَى الْإِحْيَاءِ"؛ فَالَّذِي صَمَّمَ هَذَا النِّظَامَ الْمُعَقَّدَ لَا يُمْكِنُ مَنْطِقِيًّا أَنْ يَكُونَ فِعْلُهُ "عَبَثًا" بِلَا يَوْمِ فَصْلٍ.

أَمَّا فِي "مَنْطِقِ التَّوْقِيتِ"، فَتُعْلِنُ السُّورَةُ: {إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا}. هَذَا مَنْطِقُ "الْحَتْمِيَّةِ الزَّمَانِيَّةِ"؛ فَالْقِيَامَةُ لَيْسَتْ حَدَثًا طَارِئًا، بَلْ هِيَ "نُقْطَةٌ" فِي جَدْوَلِ الزَّمَنِ الْإِلَهِيِّ الَّذِي لَا يَتَخَلَّفُ.

فِي "تَحْلِيلِ الْجَزَاءِ"، تَصِفُ السُّورَةُ جَهَنَّمَ بـ {مِرْصَادًا}. هَذَا مَنْطِقُ "الرَّقَابَةِ وَالِانْتِظَارِ"؛ حَيْثُ تَتَحَوَّلُ الْأَعْمَالُ إِلَى مَصِيرٍ يُقَابِلُهَا بِدِقَّةٍ: {جَزَاءً وِفَاقًا}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الْمُسَاوَاةِ بَيْنَ الْجُرْمِ وَالْعِقَابِ"؛ لِأَنَّهُمْ {كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا} بَعْدَ أَنْ أَحْصَى اللَّهُ كُلَّ شَيْءٍ {كِتَابًا}.

تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِأَمَلِ "الْمُتَّقِينَ" (مَفَازًا) وَبِحَسْرَةِ "الْكَافِرِ" الصَّادِمَةِ: {وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "تَمَنِّي الْعَدَمِ" أَمَامَ ثِقَلِ الْحَقِيقَةِ؛ فَالَّذِي كَانَ يَسْتَبْعِدُ الْبَعْثَ مَنْطِقِيًّا، يَتَمَنَّى الْآنَ التَّلَاشِيَ هَرَبًا مِنَ الِاسْتِحْقَاقِ.

بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ النَّبَإِ هِيَ سُورَةُ "بُرْهَانِ الْإِحْكَامِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الْكَوْنَ مَنْطِقٌ وَاحِدٌ، وَأَنَّ "النَّبَأَ" حَقِيقَةٌ تُدْرَكُ بِالْعَقْلِ قَبْلَ الْعَيْنِ، وَأَنَّ "الْيَوْمَ الْمَوْعُودَ" هُوَ النَّتِيجَةُ الْمَنْطِقِيَّةُ لِصِدْقِ الْمُقَدِّمَاتِ الْكَوْنِيَّةِ، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ اللَّهَ هُوَ {رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنُ}.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !!
رد مع اقتباس