عرض مشاركة واحدة
  #87  
قديم 2026-03-08, 11:38 AM
أحمد جميل مسعد أحمد جميل مسعد غير متواجد حالياً
مشرف
 
تاريخ التسجيل: 2012-08-18
المكان: عمّان
المشاركات: 341
افتراضي

نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ النَّازِعَاتِ، وَهِيَ سُورَةُ "الِانْتِزَاعِ الْقَهْرِيِّ" وَ"مَنْطِقِ الْإِنْهَاءِ وَالْإِحْيَاءِ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ النَّبَإِ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ التَّسَاؤُلِ عَنِ الْبَعْثِ عَبْرَ آيَاتِ الْأَرْضِ، فَإِنَّ سُورَةَ النَّازِعَاتِ تَنْقُلُنَا إِلَى مَنْطِقِ "فِيزْيَاءِ الْخُرُوجِ مِنَ الْوُجُودِ"، وَتَعْرِضُ كَيْفَ تَنْتَزِعُ "الْقُوَّةُ الْغَيْبِيَّةُ" الْأَرْوَاحَ، وَكَيْفَ يَنْهَارُ طُغْيَانُ فِرْعَوْنَ أَمَامَ "الْآيَةِ الْكُبْرَى".

مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِأَقْسَامٍ تَنْحُو مَنْحَى "تَشْرِيحِ الْحَرَكَةِ": {وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا * وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا...}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "التَّبَايُنِ فِي طَرِيقَةِ الْإِنْهَاءِ"؛ بَيْنَ انْتِزَاعٍ شَدِيدٍ لِلْمُعَانِدِ، وَسَلٍّ رَفِيقٍ لِلْمُؤْمِنِ. الِاسْتِنْتَاجُ الْمَنْطِقِيُّ أَنَّ "النِّهَايَةَ" لَيْسَتْ قَالَبًا وَاحِدًا، بَلْ هِيَ "انْعِكَاسٌ" لِطَبِيعَةِ الِارْتِبَاطِ بِالدُّنْيَا.

فِي "تَحْلِيلِ الِاسْتِبْعَادِ الْعَقْلِيِّ"، تَعْرِضُ السُّورَةُ سُؤَالَ الْمُنْكِرِينَ: {أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ؟ * أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَّخِرَةً؟}. الْمَنْطِقُ هُنَا يَقُومُ عَلَى "قِيَاسِ الْقُدْرَةِ بِمَادَّةِ الْبَقَايَا"؛ فَهُمْ ظَنُّوا أَنَّ تَفَتُّتَ الْعِظَامِ يَمْنَعُ مَنْطِقِيًّا إِعَادَةَ التَّرْكِيبِ. تَرُدُّ السُّورَةُ بِمَنْطِقِ "السُّرْعَةِ وَالنَّفَاذِ": {فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ * فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ}. الِاسْتِنْتَاجُ أَنَّ "الْأَمْرَ الْإِلَهِيَّ" لَا يَحْتَاجُ لِزَمَنٍ تَرْكِيبِيٍّ، بَلْ هُوَ "فِعْلٌ لَحْظِيٌّ" يَنْقُلُهُمْ مِنَ الْبَاطِنِ إِلَى الظَّاهِرِ.

أَمَّا فِي "مَنْطِقِ الطُّغْيَانِ وَالنَّكَالِ"، فَتَسْتَحْضِرُ قِصَّةَ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ: {فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ * فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَىٰ}. هُنَا نَرَى مَنْطِقَ "السُّقُوطِ مِنَ الْقِمَّةِ الْوَهْمِيَّةِ"؛ فَالَّذِي ادَّعَى "الْعُلُوَّ الْمُطْلَقَ" صَارَ "نَمُوذَجًا عِبْرَةً" لِلِانْخِفَاضِ الْمُطْلَقِ. الِاسْتِنْتَاجُ أَنَّ "الْقُوَّةَ السِّيَاسِيَّةَ" لَا تُشَكِّلُ حِصْنًا مَنْطِقِيًّا أَمَامَ "الْأَمْرِ الرَّبَّانِيِّ".

فِي "تَحْلِيلِ مُقَارَنَةِ الْبِنَاءِ"، تَسْأَلُ السُّورَةُ سُؤَالًا مَنْطِقِيًّا حَاسِمًا: {أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ ۚ بَنَاهَا}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الْقِيَاسِ الْأَوْلَوِيِّ"؛ فَمَنْ رَفَعَ سَمْكَ السَّمَاءِ وَسَوَّاهَا، وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا، وَدَحَا الْأَرْضَ، لَا يُعْجِزُهُ مَنْطِقِيًّا بَعْثُ "إِنْسَانٍ" هُوَ جُزْءٌ ضَئِيلٌ مِنْ هَذَا الْبِنَاءِ الْجَبَّارِ.

تَنْتَهِي السُّورَةُ بِتَوْصِيفِ "الطَّامَّةِ الْكُبْرَى" وَمَنْطِقِ "تَذَكُّرِ السَّعْيِ": {يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ مَا سَعَىٰ}. حَيْثُ تَنْقَسِمُ النَّتَائِجُ بِمَنْطِقِ "الْغَلَبَةِ":

مَنْ طَغَىٰ وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا: (مَنْطِقُ الِانْغِلَاقِ فِي اللَّحْظَةِ).

مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ: (مَنْطِقُ الِاسْتِعْلَاءِ عَلَى الرَّغْبَةِ).

تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِحَسْمِ السُّؤَالِ عَنِ "السَّاعَةِ": {إِلَىٰ رَبِّكَ مُنتَهَاهَا}. فَالْعِلْمُ بِالزَّمَنِ لَيْسَ شَرْطًا لِلْإِيمَانِ بِالْحَدَثِ، بَلْ هُوَ مَنْطِقُ "الِاسْتِعْدَادِ لِلْمُبَاغَتَةِ".

بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ النَّازِعَاتِ هِيَ سُورَةُ "عَظَمَةِ الْبِنَاءِ وَصِدْقِ الِانْتِزَاعِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الْكَوْنَ مَبْنِيٌّ بِقُوَّةٍ، وَأَنَّ "الْهَوَى" هُوَ الْعَائِقُ الْمَنْطِقِيُّ عَنِ الْجَنَّةِ، وَأَنَّ "الْعِبْرَةَ" تَقْتَضِي النَّظَرَ فِي مَصَايِرِ الطُّغَاةِ، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا سَتَبْدُو مَنْطِقِيًّا "عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا" حِينَ تَنْكَشِفُ الْأَبَدِيَّةُ.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !!
رد مع اقتباس