عرض مشاركة واحدة
  #90  
قديم 2026-03-08, 11:42 AM
أحمد جميل مسعد أحمد جميل مسعد غير متواجد حالياً
مشرف
 
تاريخ التسجيل: 2012-08-18
المكان: عمّان
المشاركات: 341
افتراضي

نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ الِانْفِطَارِ، وَهِيَ سُورَةُ "تَصَدُّعِ الْبِنَاءِ" وَ"مُوَاجَهَةِ الِاغْتِرَارِ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ التَّكْوِيرِ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ تَلَاشِي الْمَادَّةِ (الشَّمْسِ وَالنُّجُومِ)، فَإِنَّ سُورَةَ الِانْفِطَارِ تَنْقُلُنَا إِلَى مَنْطِقِ "انْكِسَارِ الْغِطَاءِ الْكَوْنِيِّ (السَّمَاءِ)"، وَتَعْرِضُ كَيْفَ يَقِفُ الْإِنْسَانُ عُرْيَانًا مِنْ أَعْذَارِهِ أَمَامَ كَرَمِ خَالِقِهِ الَّذِي جَحَدَهُ.

مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِانْهِيَارِ "السَّقْفِ الْمَحْفُوظِ": {إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ * وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "تَفَكُّكِ الِارْتِبَاطِ الْجَاذِبِيِّ"؛ فَالسَّمَاءُ الَّتِي كَانَتْ مُتَمَاسِكَةً تَنْشَقُّ، وَالْكَوَاكِبُ تَتَسَاقَطُ كَعِقْدٍ انْفَرَطَ. الِاسْتِنْتَاجُ الْمَنْطِقِيُّ أَنَّ "الْقُوَّةَ" الَّتِي أَمْسَكَتْ هَذَا الْبِنَاءَ قَدْ أَذِنَتْ لَهُ بِـ "الِانْصِرَافِ" لِيَبْدَأَ مَشْهَدُ الْحِسَابِ.

فِي "تَحْلِيلِ الِاسْتِفْهَامِ التَّوْبِيخِيِّ"، تَطْرَحُ السُّورَةُ سُؤَالًا عَقْلِيًّا صَادِمًا: {يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ؟}. الْمَنْطِقُ هُنَا يَقُومُ عَلَى "نَقْضِ مُبَرِّرِ الْعِصْيَانِ"؛ فَكَرَمُ اللَّهِ الَّذِي كَانَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ دَافِعًا لِلشُّكْرِ، اسْتَخْدَمَهُ الْإِنْسَانُ مَنْطِقِيًّا كَـ "غِطَاءٍ" لِلتَّهَاوُنِ. الِاسْتِنْتَاجُ أَنَّ "الِاغْتِرَارَ" هُوَ خَلَلٌ فِي تَقْدِيرِ الْعَلَاقَةِ بَيْنَ "الْمُنْعِمِ" وَ"الْمُنْعَمِ عَلَيْهِ".

أَمَّا فِي "بُرْهَانِ التَّصْمِيمِ الْبَشَرِيِّ"، فَتُذَكِّرُ السُّورَةُ بِأَطْوَارِ الْبِنَاءِ: {الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الْإِحْكَامِ الْبَيُولُوجِيِّ"؛ فَالَّذِي مَنَحَكَ هَذَا "الِاسْتِوَاءَ" وَ"الْعَدْلَ" (التَّنَاسُقَ) فِي التَّرْكِيبِ، لَا يَصِحُّ عَقْلًا أَنْ تُقَابِلَ إِتْقَانَهُ بـ "التَّكْذِيبِ بِالدِّينِ".

فِي "تَحْلِيلِ نِظَامِ التَّسْجِيلِ"، تَنْسِفُ السُّورَةُ فِكْرَةَ "الْعَمَلِ فِي الْخَفَاءِ": {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ}. الْمَنْطِقُ هُنَا هُوَ "الرَّقَابَةُ التَّامَّةُ"؛ فَإِذَا كَانَ كُلُّ فِعْلٍ "مَرْصُودًا" وَ"مَكْتُوبًا" مِنْ قِبَلِ قُوًى لَا تَغْفُلُ، فَإِنَّ "الْمُحَاسَبَةَ" هِيَ النَّتِيجَةُ الْمَنْطِقِيَّةُ الْحَتْمِيَّةُ.

تَصِلُ السُّورَةُ إِلَى "ثُنَائِيَّةِ الْمَصِيرِ":

الْأَبْرَارُ لَفِي نَعِيمٍ: (نَتِيجَةُ الِاسْتِقَامَةِ مَعَ الْكَرِيمِ).

الْفُجَّارُ لَفِي جَحِيمٍ: (نَتِيجَةُ الِاغْتِرَارِ وَتَكْذِيبِ الْيَوْمِ).

تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِمَنْطِقِ "سُقُوطِ الْوَسَاطَاتِ": {يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئًا}. هُنَا تَتَلَاشَى كُلُّ مَنْطِقِيَّاتِ "الِاعْتِمَادِ عَلَى الْآخَرِ" أَوْ "الشَّفَاعَةِ الْمَزْعُومَةِ" خَارِجَ إِذْنِ اللَّهِ، لِيَكُونَ {الْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِّلَّهِ} وَحْدَهُ.

بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ الِانْفِطَارِ هِيَ سُورَةُ "مُحَاكَمَةِ الْجُحُودِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ انْفِطَارَ السَّمَاءِ هُوَ إِيذَانٌ بِانْكِشَافِ الْغِطَاءِ عَنْ أَعْمَالِنَا، وَأَنَّ "الْكَرَمَ" الْإِلَهِيَّ لَيْسَ مَلْجَأً لِلْهَرُوبِ، بَلْ هُوَ حُجَّةٌ لِلِالْتِزَامِ، وَأَنَّ "الْعَدْلَ" فِي خَلْقِكَ هُوَ بُرْهَانٌ عَلَى "الْعَدْلِ" فِي حِسَابِكَ.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !!
رد مع اقتباس