نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ الْمُطَفِّفِينَ، وَهِيَ سُورَةُ "الِانْضِبَاطِ الْمَادِّيِّ" وَ"تَرَافُمِ الرَّانِ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ الِانْفِطَارِ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ عِتَابِ الِاغْتِرَارِ بِالْكَرِيمِ، فَإِنَّ سُورَةَ الْمُطَفِّفِينَ تَنْقُلُنَا إِلَى مَنْطِقِ "أَثَرِ السُّلُوكِ الْيَوْمِيِّ عَلَى الْبَصِيرَةِ"، وَتَعْرِضُ كَيْفَ يَنْعَكِسُ "التَّطْفِيفُ" فِي الْمِيزَانِ الدُّنْيَوِيِّ عَلَى مَوْقِفِ الْإِنْسَانِ فِي "الْمِيزَانِ الْأُخْرَوِيِّ".
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بـ "مَنْطِقِ الِازْدِوَاجِيَّةِ الْمَعْيَارِيَّةِ": {الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "الْأَنَانِيَّةِ الْحِسَابِيَّةِ"؛ حَيْثُ يُطَالِبُ الْإِنْسَانُ بِحَقِّهِ كَامِلًا وَيَبْخَسُ حَقَّ الْآخَرِ. الِاسْتِنْتَاجُ الْمَنْطِقِيُّ أَنَّ هَذَا "التَّطْفِيفَ" الصَّغِيرَ هُوَ دَلِيلٌ عَلَى "خَلَلٍ وُجُودِيٍّ" أَكْبَرَ، وَهُوَ غِيَابُ اسْتِحْضَارِ "الْيَوْمِ الْعَظِيمِ".
فِي "تَحْلِيلِ كِيمِيَاءِ الْإِدْرَاكِ"، تَطْرَحُ السُّورَةُ قَاعِدَةً ذِهْنِيَّةً بَاهِرَةً: {كَلَّا ۖ بَلْ ۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ}. الْمَنْطِقُ هُنَا يَقُومُ عَلَى "التَّرَاكُمِ السُّلوكيِّ"؛ فَكُلُّ فِعْلٍ خَاطِئٍ يُشَكِّلُ طَبَقَةً (رَانًا) تَحْجِبُ الْقَلْبَ عَنْ رُؤْيَةِ الْحَقِيقَةِ. الِاسْتِنْتَاجُ أَنَّ "الْإِنْكَارَ" لَيْسَ دَائِمًا نَتِيجَةَ نَقْصِ الْأَدِلَّةِ، بَلْ هُوَ "حِجَابٌ نَفْسِيٌّ" بِسَبَبِ انْحِرَافِ السَّلِيقَةِ الْعَمَلِيَّةِ.
أَمَّا فِي "مَنْطِقِ التَّصْنِيفِ الْمَعْلُومَاتِيِّ"، فَتُقَسِّمُ السُّورَةُ النَّتَائِجَ بَيْنَ سِجِلَّيْنِ:
كِتَابُ الْفُجَّارِ فِي سِجِّينٍ: (مَنْطِقُ الضِّيقِ وَالسُّجُونِ الْمَعْنَوِيَّةِ).
كِتَابُ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ: (مَنْطِقُ الْعُلُوِّ وَالرِّفْعَةِ).
وَتَصِفُ "كِتَابًا مَّرْقُومًا"؛ أَيْ أَنَّهُ نِظَامٌ "مُوَثَّقٌ رَقْمِيًّا" لَا يَقْبَلُ التَّزْوِيرَ، وَيَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ.
فِي "تَحْلِيلِ النَّعِيمِ التَّرَفِيِّ"، تَعْرِضُ السُّورَةُ مَشْهَدَ الْأَبْرَارِ: {عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ}، وَيُسْقَوْنَ مِنْ {رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ * خِتَامُهُ مِسْكٌ}. الْمَنْطِقُ هُنَا هُوَ "التَّسَابُقُ فِي الْقِيمَةِ": {وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ}. الِاسْتِنْتَاجُ أَنَّ "التَّنَافُسَ" الْحَقِيقِيَّ يَجِبُ أَنْ يُوَجَّهَ لِمَا هُوَ "بَاقٍ" وَ"مَخْتُومٌ" بِالْمِسْكِ، لَا لِمَا هُوَ "زَائِلٌ" وَ"مُطَفَّفٌ".
تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِتَحْلِيلِ "سِيكُولُوجِيَّةِ السُّخْرِيَّةِ": {إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ}. هَذَا مَنْطِقُ "الِاسْتِعْلَاءِ الزَّائِفِ"؛ حَيْثُ يَرَى الْمُجْرِمُ نَفْسَهُ ذَكِيًّا وَالْمُؤْمِنَ "ضَالًّا". لَكِنَّ السُّورَةَ تَقْلِبُ الْمُعَادَلَةَ بِمَنْطِقِ "الضَّحِكِ الْأَخِيرِ": {فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ}. الِاسْتِنْتَاجُ أَنَّ الْعِبْرَةَ لَيْسَتْ بِبِدَايَةِ الصِّرَاعِ، بَلْ بِنَتِيجَتِهِ الْفَاصِلَةِ.
بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ الْمُطَفِّفِينَ هِيَ سُورَةُ "صِدْقِ الْمِعْيَارِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الْعَدْلَ فِي بَيْعِكَ وَشِرَائِكَ هُوَ تَمْرِينٌ لِعَقْلِكَ عَلَى قَبُولِ حَقِيقَةِ الْحِسَابِ، وَأَنَّ "الرَّانَ" يَتَشَكَّلُ بِالتَّدْرِيجِ حَتَّى يَعْمَى الْإِنْسَانُ عَنِ النُّورِ، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ "الْجَزَاءَ وِفَاقٌ" لِمَا كَانَ يَفْعَلُهُ الْكَافِرُونَ فِي الدُّنْيَا.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !!
|