نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ الِانْشِقَاقِ، وَهِيَ سُورَةُ "الِانْصِيَاعِ الْكَوْنِيِّ" وَ"حَتْمِيَّةِ اللِّقَاءِ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ الْمُطَفِّفِينَ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ أَثَرِ السُّلوكيَّاتِ الْيَوْمِيَّةِ عَلَى الْبَصِيرَةِ، فَإِنَّ سُورَةَ الِانْشِقَاقِ تَنْقُلُنَا إِلَى مَنْطِقِ "اسْتِجَابَةِ الْكَوْنِ لِلْخَالِقِ" كَنَمُوذَجٍ لِمَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ الْإِنْسَانُ فِي رِحْلَةِ "كَدْحِهِ".
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِفِعْلِ "الْإِذْنِ": {إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "التَّسْلِيمِ الْوُجُودِيِّ"؛ فَالْجَمَادُ (السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ) لَا يَمْلِكُ خِيَارًا أَمَامَ "الْأَمْرِ"، بَلْ "أَذِنَتْ" (اسْتَمَعَتْ وَانْقَادَتْ) وَهِيَ "حُقَّ لَهَا" ذَلِكَ مَنْطِقِيًّا. الِاسْتِنْتَاجُ أَنَّ الْكَوْنَ الَّذِي نَرَاهُ مَسْكُونًا بِقَوَانِينِ الْفِيزْيَاءِ، هُوَ فِي جَوْهَرِهِ خَاضِعٌ لِـ "إِذْنِ" خَالِقِهِ.
فِي "تَحْلِيلِ مَسَارِ الْإِنْسَانِ"، تَطْرَحُ السُّورَةُ مُعَادَلَةً حَرَكِيَّةً: {يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ}. الْمَنْطِقُ هُنَا يَقُومُ عَلَى "الِاتِّجَاهِ الْوَاحِدِ لِلصَّيْرُورَةِ"؛ فَكُلُّ جُهْدٍ (كَدْحٍ) بَذَلْتَهُ فِي الدُّنْيَا، خَيْرًا كَانَ أَوْ شَرًّا، هُوَ "مُتَّجَهٌ" (Vector) يَنْتَهِي عِنْدَ "اللِّقَاءِ". الِاسْتِنْتَاجُ أَنَّ "اللِّقَاءَ" هُوَ النَّتِيجَةُ الرِّيَاضِيَّةُ لِـ "كَدْحِكَ".
أَمَّا فِي "مَنْطِقِ الِاسْتِلَامِ وَالْمَصِيرِ"، فَتُقَسِّمُ السُّورَةُ النَّاسَ بِنَاءً عَلَى "طَرِيقَةِ اسْتِلَامِ الصَّحِيفَةِ":
مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ: مَنْطِقُ "الْحِسَابِ الْيَسِيرِ"؛ فَالِاسْتِقَامَةُ فِي الدُّنْيَا تَمْحُو كُلَّ عُقَدِ الْحِسَابِ لِيَنْقَلِبَ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا.
مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ: مَنْطِقُ "الِانْكِسَارِ وَالتَّمَنِّي لِلْفَنَاءِ"؛ لِأَنَّهُ {ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ} (أَنْ لَا يَرْجِعَ لِلْحَيَاةِ). الِاسْتِنْتَاجُ أَنَّ "سُوءَ الظَّنِّ بِمَنْطِقِ الْبَعْثِ" هُوَ مَبْدَأُ كُلِّ خَسَارَةٍ.
فِي "تَحْلِيلِ التَّرَقِّي الْوُجُودِيِّ"، تَقْسِمُ السُّورَةُ بِـ (الشَّفَقِ، اللَّيْلِ، الْقَمَرِ) لِتَصِلَ إِلَى حَقِيقَةِ: {لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ}. هَذَا مَنْطِقُ "التَّحَوُّلِ الْمُسْتَمِرِّ"؛ فَكَمَا يَتَحَوَّلُ الزَّمَانُ مِنْ لَيْلٍ إِلَى نَهَارٍ، يَتَحَوَّلُ الْإِنْسَانُ مِنْ طَوْرٍ إِلَى طَوْرٍ (مِنْ عَدَمٍ إِلَى حَيَاةٍ إِلَى بَرْزَخٍ إِلَى بَعْثٍ). الِاسْتِنْتَاجُ أَنَّ "السُّكُونَ" فِي الْوُجُودِ مُسْتَحِيلٌ مَنْطِقِيًّا.
تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِتَعَجُّبٍ مِنْ "غِيَابِ الْإِيمَانِ" رَغْمَ هَذَا التَّسَلْسُلِ: {فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ؟}. ثُمَّ تُقَدِّمُ وَعْدًا بـ "أَجْرٍ غَيْرِ مَمْنُونٍ" (أَيْ غَيْرِ مَقْطُوعٍ) لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ الصَّالِحَاتِ.
بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ الِانْشِقَاقِ هِيَ سُورَةُ "صِدْقِ الِانْقِيَادِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الْكَوْنَ يَسْتَمِعُ لِخَالِقِهِ، وَأَنَّ "الْكَدْحَ" الْبَشَرِيَّ لَا بُدَّ أَنْ يَجِدَ مُسْتَقَرَّهُ فِي "اللِّقَاءِ"، وَأَنَّ التَّحَوُّلَ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ هُوَ سُنَّةُ اللَّهِ، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ اللَّهَ {أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ} (بِمَا يَجْمَعُونَ فِي صُدُورِهِمْ مِنْ نِيَّاتٍ).
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !!
|