عرض مشاركة واحدة
  #93  
قديم 2026-03-08, 11:48 AM
أحمد جميل مسعد أحمد جميل مسعد غير متواجد حالياً
مشرف
 
تاريخ التسجيل: 2012-08-18
المكان: عمّان
المشاركات: 341
افتراضي

نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ الْبُرُوجِ، وَهِيَ سُورَةُ "الْمَلْحَمَةِ الْعَقَدِيَّةِ" وَ"انْتِصَارِ الْمَبْدَأِ عَلَى الْمَادَّةِ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ الِانْشِقَاقِ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ انْصِيَاعِ الْكَوْنِ لِلْأَمْرِ، فَإِنَّ سُورَةَ الْبُرُوجِ تَنْقُلُنَا إِلَى مَنْطِقِ "ثَبَاتِ الْإِنْسَانِ عَلَى الْحَقِّ" أَمَامَ أَبْشَعِ صُوَرِ التَّنْكِيلِ، وَتَعْرِضُ كَيْفَ يَكُونُ "الْهَلَاكُ الظَّاهِرِيُّ" هُوَ فِي جَوْهَرِهِ "فَوْزًا كَبِيرًا".

مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِأَقْسَامٍ كَوْنِيَّةٍ وَشُهُودِيَّةٍ: {وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ * وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ * وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "التَّأْطِيرِ الزَّمَانِيِّ وَالْمَكَانِيِّ لِلْعَدَالَةِ"؛ فَالسَّمَاءُ بِبُرُوجِهَا (مَنَازِلِهَا الْعَظِيمَةِ) وَالْيَوْمُ الْمَوْعُودُ، هُمَا "الْمَسْرَحُ" وَ"الْمَوْعِدُ" لِحَسْمِ كُلِّ ظُلْمٍ. الِاسْتِنْتَاجُ الْمَنْطِقِيُّ أَنَّ كُلَّ حَدَثٍ يَجْرِي عَلَى الْأَرْضِ لَهُ "نَسْخَةٌ" مَرْصُودَةٌ فِي مَحْفَلِ السَّمَاءِ.

فِي "تَحْلِيلِ جَرِيمَةِ الْأُخْدُودِ"، تَعْرِضُ السُّورَةُ لَعْنَةً لِلظَّالِمِينَ: {قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ}. الْمَنْطِقُ هُنَا يَقُومُ عَلَى "تَحْدِيدِ عِلَّةِ الصِّرَاعِ"؛ فَالْمُؤْمِنُونَ لَمْ يُعَذَّبُوا لِجَرِيمَةٍ سُلُوكِيَّةٍ، بَلْ: {وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ}. هَذَا مَنْطِقُ "الْبَطْشِ الْأَيْدِيُولُوجِيِّ"؛ حَيْثُ يُصْبِحُ "الْإِيمَانُ" تَهْدِيدًا لِلْمُسْتَبِدِّ الَّذِي يُرِيدُ أُلُوهِيَّةً دُونِيَّةً.

أَمَّا فِي "مَنْطِقِ النَّصْرِ الِاسْتِرَاتِيجِيِّ"، فَتُسَمِّي السُّورَةُ احْتِرَاقَ الْمُؤْمِنِينَ: {ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ}. هُنَا نَقِفُ أَمَامَ "إِعَادَةِ تَعْرِيفِ النَّجَاحِ"؛ فَالْمَنْطِقُ الْمَادِّيُّ يَرَى الْهَزِيمَةَ فِي الْمَوْتِ، لَكِنَّ الْمَنْطِقَ الْقُرْآنِيَّ يَرَى الْفَوْزَ فِي "ثَبَاتِ الْمَوْقِفِ" وَ"دُخُولِ الْجَنَّةِ". الِاسْتِنْتَاجُ أَنَّ الْقِيمَةَ أَبْقَى مِنَ الْجَسَدِ.

فِي "تَحْلِيلِ صِفَةِ الْبَطْشِ"، تَقُولُ السُّورَةُ: {إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ}. هَذَا مَنْطِقُ "تَحْجِيمِ قُوَّةِ الظَّالِمِ"؛ فَمَهْمَا بَلَغَ بَطْشُ "أَصْحَابِ الْأُخْدُودِ" أَوْ "فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ"، فَإِنَّهُ يَتَلَاشَى أَمَامَ "بَطْشِ" مَنْ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ. هَذَا مَنْطِقُ "الْقُوَّةِ الْمُطْلَقَةِ" الَّتِي تُحِيطُ بِهِمْ مِنْ وَرَائِهِمْ.

تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِبَيَانِ "مَرْكَزِيَّةِ الْقُرْآنِ": {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَّحْفُوطٍ}. هَذَا مَنْطِقُ "الثَّبَاتِ الْمَعْلُومَاتِيِّ"؛ فَمَهْمَا حَاوَلَ الظَّالِمُونَ إِحْرَاقَ الْمُؤْمِنِينَ أَوْ طَمْسَ دَعْوَتِهِمْ، فَالرِّسَالَةُ نَفْسُهَا "مَحْفُوظَةٌ" فِي بِنْيَةِ الْكَوْنِ الْعُلْيَا، لَا تَطَالُهَا نِيرَانُ الْأُخْدُودِ.

بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ الْبُرُوجِ هِيَ سُورَةُ "صُمُودِ الْعَقِيدَةِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الصِّرَاعَ مَعَ الْبَاطِلِ قَدْ يُكَلِّفُ الْأَبْدَانَ، وَأَنَّ "الْعِزَّةَ" لِلَّهِ وَحْدَهُ، وَأَنَّ لِكُلِّ ظَالِمٍ نِهَايَةً مَنْطِقِيَّةً مَهْمَا اسْتَعْلَى، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ "الْقُرْآنَ" هُوَ الْحِصْنُ الَّذِي لَا يُهْزَمُ.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !!
رد مع اقتباس