نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ الطَّارِقِ، وَهِيَ سُورَةُ "الرَّقَابَةِ الثَّاقِبَةِ" وَ"بُرْهَانِ الرَّجْعِ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ الْبُرُوجِ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ حِفْظِ الرِّسَالَةِ فِي اللَّوْحِ، فَإِنَّ سُورَةَ الطَّارِقِ تَنْقُلُنَا إِلَى مَنْطِقِ "حِفْظِ الذَّاتِ الْبَشَرِيَّةِ"، وَتَعْرِضُ كَيْفَ تَتَطَابَقُ هَنْدَسَةُ "السَّمَاءِ" مَعَ هَنْدَسَةِ "الْخَلْقِ" لِتُؤَكِّدَ حَتْمِيَّةَ الْبَعْثِ.
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِقَسَمٍ بـ "الطَّارِقِ": {وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ * النَّجْمُ الثَّاقِبُ}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "النُّورِ الْمُخْتَرِقِ لِلظُّلْمَةِ"؛ فَالنَّجْمُ يَثْقُبُ بِنُورِهِ غَيَاهِبَ اللَّيْلِ. الِاسْتِنْتَاجُ الْمَنْطِقِيُّ هُوَ الْمَقْصَدُ مِنَ الْقَسَمِ: {إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ}. أَيْ كَمَا أَنَّ النَّجْمَ يَرْصُدُ السَّمَاءَ، فَإِنَّ كُلَّ نَفْسٍ مَرْصُودَةٌ بِـ "نِظَامِ حِمَايَةٍ وَتَوْثِيقٍ" إِلَهِيٍّ.
فِي "تَحْلِيلِ مَادَّةِ الْبَدْءِ"، تَدْعُو السُّورَةُ الْإِنْسَانَ لِتَأَمُّلِ نَشْأَتِهِ: {فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ}. الْمَنْطِقُ هُنَا يَقُومُ عَلَى "الِاسْتِدْلَالِ بِالْقُدْرَةِ عَلَى الرَّجْعِ": {إِنَّهُ عَلَىٰ رَجْعِهِ لَقَادِرٌ}. الِاسْتِنْتَاجُ الرِّيَاضِيُّ الْبَسِيطُ: مَنْ أَوْجَدَ الْحَيَاةَ مِنْ مَاءٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ، لَا يَعْجِزُ مَنْطِقِيًّا عَنْ إِعَادَتِهَا حِينَ {تُبْلَى السَّرَائِرُ}.
أَمَّا فِي "مَنْطِقِ انْكِشَافِ الْمَخْبَرِ"، فَتَصِفُ السُّورَةُ لَحْظَةَ الْبَعْثِ بِـ {يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ}. هُنَا يَسْقُطُ مَنْطِقُ "الظَّاهِرِ" لِيَحِلَّ مَحَلَّهُ مَنْطِقُ "الْحَقِيقَةِ الدَّاخِلِيَّةِ". وَيَظْهَرُ عَجْزُ الْإِنْسَانِ الْمُطْلَقُ: {فَمَا لَهُ مِن قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ}. الِاسْتِنْتَاجُ أَنَّ "الْقُوَّةَ الدُّنْيَوِيَّةَ" تَنْهَارُ تَمَامًا أَمَامَ "قُوَّةِ الْبَعْثِ".
فِي "تَحْلِيلِ النِّظَامِ الدَّوْرِيِّ"، تَقْسِمُ السُّورَةُ بـ (السَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ) وَ (الْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ). الْمَنْطِقُ هُنَا يَقُومُ عَلَى "الْفَصْلِ بَيْنَ الْهَزْلِ وَالْحَقِّ": {إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ * وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ}. الِاسْتِنْتَاجُ أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ هُوَ مِعْيَارُ الْحَقِيقَةِ النِّهَائِيُّ، وَلَيْسَ مُجَرَّدَ "فَرَضِيَّاتٍ" لِلنِّقَاشِ.
تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِمَنْطِقِ "إِمْهَالِ الْكَيْدِ": {إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا}. هَذَا مَنْطِقُ "الْمُوَاجَهَةِ بَيْنَ الْخِطَّتَيْنِ"؛ فَمَهْمَا بَلَغَ "الْكَيْدُ" الْبَشَرِيُّ لِإِطْفَاءِ النُّورِ، فَإِنَّ "الْكَيْدَ" الْإِلَهِيَّ يُحِيطُ بِهِمْ بِإِمْهَالٍ يَسِيرٍ يَنْتَهِي بـ "الرَّجْعِ" الْقَطْعِيِّ.
بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ الطَّارِقِ هِيَ سُورَةُ "بُرْهَانِ الْإِعَادَةِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الْكَوْنَ مَرْصُودٌ بِدِقَّةٍ، وَأَنَّ "الْمَاءَ الدَّافِقَ" شَاهِدٌ عَلَى قُدْرَةِ الْخَالِقِ، وَأَنَّ الْأَسْرَارَ سَتُصْبِحُ عَرِيَّةً، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ الْفَصْلَ قَادِمٌ وَأَنَّ الْكَيْدَ لَا يَنْفَعُ أَمَامَ "الْقَوْلِ الْفَصْلِ".
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !!
|