عرض مشاركة واحدة
  #95  
قديم 2026-03-08, 11:54 AM
أحمد جميل مسعد أحمد جميل مسعد غير متواجد حالياً
مشرف
 
تاريخ التسجيل: 2012-08-18
المكان: عمّان
المشاركات: 341
افتراضي

نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ الْأَعْلَى، وَهِيَ سُورَةُ "التَّنَاغُمِ مَعَ النِّظَامِ الْإِلَهِيِّ" وَ"الِاسْتِعْلَاءِ عَلَى الْفَنَاءِ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ الطَّارِقِ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ الْبُرْهَانِ عَلَى الرَّجْعِ، فَإِنَّ سُورَةَ الْأَعْلَى تَنْقُلُنَا إِلَى مَنْطِقِ "التَّسْبِيحِ لِلْمُهَيْمِنِ"، وَتَعْرِضُ كَيْفَ يَتَسَلْسَلُ الْخَلْقُ مِنْ "التَّقْدِيرِ" إِلَى "التَّيْسِيرِ"، لِيَصِلَ الْإِنْسَانُ إِلَى "الْفَلَاحِ" بِتَزْكِيَةِ النَّفْسِ.

مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِأَمْرٍ تَنْزِيهِيٍّ: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "تَوْحِيدِ الْمَصْدَرِ"؛ فَالَّذِي يَسْتَحِقُّ التَّسْبِيحَ هُوَ مَنْ يَمْلِكُ خَمْسَ صِفَاتٍ إِجْرَائِيَّةٍ:

الَّذِي خَلَقَ: (الْإِيجَادُ مِنَ الْعَدَمِ).

فَسَوَّىٰ: (إِتْقَانُ الْهَنْدَسَةِ الدَّاخِلِيَّةِ).

وَالَّذِي قَدَّرَ: (وَضْعُ الْقَوَانِينِ وَالْمَقَادِيرِ).

فَهَدَىٰ: (تَوْجِيهُ كُلِّ خَلْقٍ لِوَظِيفَتِهِ).

وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَىٰ: (تَأْمِينُ الِاسْتِمْرَارِيَّةِ الْحَيَوِيَّةِ).
الِاسْتِنْتَاجُ الْمَنْطِقِيُّ أَنَّ كُلَّ حَرَكَةٍ فِي الْكَوْنِ لَيْسَتْ صُدْفَةً، بَلْ هِيَ "بَرْمَجَةٌ" مُسْبَقَةٌ تَنْتَهِي بـ (غُثَاءً أَحْوَىٰ)، لِتُؤَكِّدَ مَنْطِقَ "الزَّوَالِ الْمَادِّيِّ" أَمَامَ بَقَاءِ الْأَعْلَى.

فِي "تَحْلِيلِ مَنْطِقِ الْحِفْظِ الْمَعْرِفِيِّ"، تَعِدُ السُّورَةُ النَّبِيَّ ﷺ: {سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَىٰ}. هُنَا نَرَى مَنْطِقَ "الضَّمَانِ الْإِلَهِيِّ لِلرِّسَالَةِ"؛ فَالْوَعْيُ الْبَشَرِيُّ الْمَحْدُودُ يَتَّصِلُ بِالْعِلْمِ الْمُطْلَقِ. وَتُرْسِي قَاعِدَةً ذِهْنِيَّةً لِلْعَمَلِ: {وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَىٰ}. الِاسْتِنْتَاجُ أَنَّ "الِاسْتِقَامَةَ" تُؤَدِّي مَنْطِقِيًّا إِلَى سُهُولَةِ الْمَسَارِ.

أَمَّا فِي "مَنْطِقِ جَدْوَى التَّذْكِيرِ"، فَتَضَعُ السُّورَةُ شَرْطًا: {فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَىٰ}. هُنَا نَقِفُ أَمَامَ "فَرْزِ الْمُتَلَقِّينَ"؛ فَالنَّفْعُ يَكُونُ لِمَنْ (يَخْشَى)، بَيْنَمَا (الْأَشْقَى) يَتَجَنَّبُهَا مَنْطِقِيًّا لِأَنَّهُ اخْتَارَ "الصِّلِيَّ" بـ "النَّارِ الْكُبْرَى".

تَصِلُ السُّورَةُ إِلَى "مُعَادَلَةِ الْفَلَاحِ": {قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّىٰ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الِاسْتِثْمَارِ فِي الذَّاتِ"؛ التَّزْكِيَةُ (تَطْهِيرُ الْمُدْخَلَاتِ) + الذِّكْرُ وَالصَّلَاةُ (تَوْثِيقُ الِاتِّصَالِ) = الْفَلَاحُ (النَّجَاحُ الْمُطْلَقُ).

فِي "تَحْلِيلِ الْخَلَلِ فِي التَّقْدِيرِ"، تَنْقِدُ السُّورَةُ الرُّؤْيَةَ الْبَشَرِيَّةَ: {بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ}. هَذَا مَنْطِقُ "الْمُفَاضَلَةِ بَيْنَ الْعَرَضِ وَالْجَوْهَرِ"؛ فَمِنَ التَّهَافُتِ الْمَنْطِقِيِّ تَقْدِيمُ "الزَّائِلِ" (الدُّنْيَا) عَلَى "الْخَيْرِ الْأَبْقَى" (الْآخِرَةِ).

تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِرَبْطِ هَذَا الْمَنْطِقِ بـ "وَحْدَةِ الرِّسَالَةِ التَّارِيخِيَّةِ": {إِنَّ هَٰذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَىٰ * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ}. الِاسْتِنْتَاجُ أَنَّ هَذِهِ "الْقَوَانِينَ الرُّوحِيَّةَ" لَيْسَتْ مُسْتَحْدَثَةً، بَلْ هِيَ نِظَامٌ كَوْنِيٌّ مُطَّرِدٌ أُبْلِغَ لِلْبَشَرِ عَبْرَ الْعُصُورِ.

بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ الْأَعْلَى هِيَ سُورَةُ "تَرْتِيبِ الْأَوْلَوِيَّاتِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الْخَلْقَ مَبْنِيٌّ عَلَى تَقْدِيرٍ مُتْقَنٍ، وَأَنَّ الْفَلَاحَ مَنُوطٌ بِالتَّزْكِيَةِ، وَأَنَّ "الْبَقَاءَ" صِفَةٌ لِلْآخِرَةِ وَحْدَهَا، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ الْعَقْلَ الْحَصِيفَ هُوَ الَّذِي لَا يُغْرِيهِ "الْمَرْعَى" الزَّائِلُ عَنِ "الْيُسْرَى" الدَّائِمَةِ.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !!
رد مع اقتباس