عرض مشاركة واحدة
  #97  
قديم 2026-03-08, 11:57 AM
أحمد جميل مسعد أحمد جميل مسعد غير متواجد حالياً
مشرف
 
تاريخ التسجيل: 2012-08-18
المكان: عمّان
المشاركات: 341
افتراضي

نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ الْفَجْرِ، وَهِيَ سُورَةُ "الْمُدَاوَلَةِ الزَّمَنِيَّةِ" وَ"مَنْطِقِ الِانْتِقَامِ مِنَ الِاسْتِكْبَارِ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ الْغَاشِيَةِ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ الشُّمُولِيَّةِ فِي الْمَصِيرِ، فَإِنَّ سُورَةَ الْفَجْرِ تَنْقُلُنَا إِلَى مَنْطِقِ "مُحَاقِ الظُّلْمِ التَّارِيخِيِّ"، وَتَعْرِضُ كَيْفَ يَنْبَثِقُ "فَجْرُ الْعَدَالَةِ" بَعْدَ ظُلُمَاتِ الطُّغْيَانِ، لِيَسْتَقِرَّ الْمُؤْمِنُ فِي "طُمَأْنِينَةِ الرُّجُوعِ".

مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِأَقْسَامٍ زَمَنِيَّةٍ وَرَقَمِيَّةٍ: {وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "النِّظَامِ وَالدَّوْرِيَّةِ"؛ فَكَمَا يَنْقَشِعُ اللَّيْلُ بِالْفَجْرِ، يَنْقَشِعُ الظُّلْمُ بِالْقَدَرِ. الِاسْتِنْتَاجُ الْمَنْطِقِيُّ أَنَّ هَذِهِ الْأَقْسَامَ هِيَ {قَسَمٌ لِّذِي حِجْرٍ} (لِذِي عَقْلٍ) يَفْهَمُ أَنَّ لِلْكَوّنِ نَوَامِيسَ لَا تَتَخَلَّفُ.

فِي "تَحْلِيلِ الِانْهِيَارِ الْحَضَارِيِّ"، تَسْتَحْضِرُ السُّورَةُ ثَلَاثَةَ نَمَاذِجَ لِلْقُوَّةِ:

عَاد: (إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ - مَنْطِقُ الْعَظَمَةِ الْعُمْرَانِيَّةِ).

ثَمُود: (الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ - مَنْطِقُ الْقُوَّةِ الصِّنَاعِيَّةِ).

فِرْعَوْن: (ذِي الْأَوْتَادِ - مَنْطِقُ الِاسْتِقْرَارِ السِّيَاسِيِّ).
الْمَنْطِقُ هُنَا يَقُومُ عَلَى "بُطْلَانِ الِاعْتِمَادِ عَلَى الْأَسْبَابِ الْمَادِّيَّةِ"؛ فَبِمُجَرَّدِ أَنْ (طَغَوْا فِي الْبِلَادِ) وَ (أَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ)، كَانَتِ النَّتِيجَةُ الْمَنْطِقِيَّةُ: {فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ}. الِاسْتِنْتَاجُ أَنَّ "الرَّصْدَ" الْإِلَهِيَّ (إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ) يُحِيطُ بِكُلِّ قُوَّةٍ بَشَرِيَّةٍ.

أَمَّا فِي "مَنْطِقِ الِاخْتِبَارِ بِالنِّعْمَةِ وَالنِّقْمَةِ"، فَتَنْقِدُ السُّورَةُ الْفَهْمَ الْإِنْسَانِيَّ السَّطْحِيَّ:

عِنْدَ الْإِكْرَامِ: يَقُولُ (رَبِّي أَكْرَمَنِ) - مَنْطِقُ "الِاسْتِحْقَاقِ الذَّاتِيِّ".

عِنْدَ التَّقْدِيرِ (التَّضْيِيقِ): يَقُولُ (رَبِّي أَهَانَنِ) - مَنْطِقُ "الْمَظْلُومِيَّةِ الْوَهْمِيَّةِ".
تَرُدُّ السُّورَةُ بِـ {كَلَّا}؛ لِتُبَيِّنَ أَنَّ "الْعَطَاءَ" اخْتِبَارٌ لِلْكَرَمِ (إِطْعَامِ الْيَتِيمِ وَالْمِسْكِينِ)، وَلَيْسَ دَلِيلًا عَلَى "الْمَحَبَّةِ" أَوْ "الْإِهَانَةِ".

فِي "تَحْلِيلِ الِانْفِصَالِ عَنِ الْمَادَّةِ"، تَصِفُ السُّورَةُ لَحْظَةَ (دَكِّ الْأَرْضِ دَكًّا دَكًّا). هُنَا يَكُونُ مَنْطِقُ "النَّدَمِ الْمُتَأَخِّرِ": {يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي}. الِاسْتِنْتَاجُ أَنَّ "الْحَيَاةَ الْحَقِيقِيَّةَ" هِيَ مَا بَعْدَ الْبَعْثِ، وَمَا قَبْلَهَا كَانَ "مَعْبَرًا" لَمْ يُحْسِنِ الْإِنْسَانُ اسْتِغْلَالَهُ.

تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِأَجْمَلِ مَنْطِقٍ لِلرُّجُوعِ: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً}. هَذَا مَنْطِقُ "السَّلَامِ النِّهَائِيِّ"؛ حَيْثُ تَتَطَابَقُ "رَادِيكَالِيَّةُ الرِّضَا" بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ، لِيَكُونَ الْمَآلُ (فِي عِبَادِي) وَ (جَنَّتِي).

بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ الْفَجْرِ هِيَ سُورَةُ "الرَّقَابَةِ وَالنَّتِيجَةِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الظُّلْمَ قَصِيرُ الْأَمَدِ مَهْمَا بَنَى، وَأَنَّ الْمَالَ وَالْجَاهَ هُمَا "أَدَوَاتُ اخْتِبَارٍ" لَا "أَوْسِمَةُ تَشْرِيفٍ"، وَأَنَّ الطُّمَأْنِينَةَ هِيَ "الْعُمْلَةُ" الْوَحِيدَةُ الْمَقْبُولَةُ عِنْدَ الرُّجُوعِ.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !!
رد مع اقتباس