عرض مشاركة واحدة
  #98  
قديم 2026-03-08, 11:58 AM
أحمد جميل مسعد أحمد جميل مسعد غير متواجد حالياً
مشرف
 
تاريخ التسجيل: 2012-08-18
المكان: عمّان
المشاركات: 341
افتراضي

نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ الْبَلَدِ، وَهِيَ سُورَةُ "الْمُكَابَدَةِ الْوَاعِيَةِ" وَ"مَنْطِقِ اقْتِحَامِ الْعَقَبَاتِ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ الْفَجْرِ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ الطُّمَأْنِينَةِ فِي الرُّجُوعِ، فَإِنَّ سُورَةَ الْبَلَدِ تَنْقُلُنَا إِلَى مَنْطِقِ "مَشَقَّةِ الطَّرِيقِ"، وَتَعْرِضُ كَيْفَ يَتَحَوَّلُ "الْكَبَدُ" الْفِطْرِيُّ لِلْإِنْسَانِ إِلَى "ارْتِقَاءٍ" عَبْرَ نُصْرَةِ الضَّعِيفِ.

مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِقَسَمٍ بِمَكَّةَ (هَذَا الْبَلَدِ) وَبِالْوَالِدِ وَمَا وَلَدَ، لِتَصِلَ إِلَى حَقِيقَةٍ وُجُودِيَّةٍ كُبْرَى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "الْمُعَانَاةِ الْبِنْيَوِيَّةِ"؛ فَالْحَيَاةُ لَيْسَتْ رَاحَةً مُطْلَقَةً، بَلْ هِيَ جُهْدٌ وَمُكَابَدَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ مُنْذُ الصَّرْخَةِ أُولَى. الِاسْتِنْتَاجُ الْمَنْطِقِيُّ أَنَّ "الْأَلَمَ" جُزْءٌ مِنْ نِظَامِ التَّشْغِيلِ الْبَشَرِيِّ لِغَايَةِ الِاخْتِبَارِ.

فِي "تَحْلِيلِ غُرُورِ الْقُوَّةِ"، تَسْأَلُ السُّورَةُ: {أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ؟}. الْمَنْطِقُ هُنَا يَقُومُ عَلَى "نَقْضِ تَوَهُّمِ الِاسْتِقْلَالِ"؛ فَالَّذِي يَتَبَاهَى بِإِهْلَاكِ "الْمَالِ اللُّبَدِ" (الْكَثِيرِ)، يَنْسَى مَنْطِقِيًّا أَنَّ كُلَّ حَرَكَتِهِ مَرْصُودَةٌ: {أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ؟}.

أَمَّا فِي "بُرْهَانِ الْأَدَوَاتِ الْمَعْرِفِيَّةِ"، فَتُذَكِّرُ السُّورَةُ بِمِنَحِ اللَّهِ: {أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ}. هَذَا مَنْطِقُ "الْحُجَّةِ بِالْإِمْكَانِ"؛ فَمَنْ مَلَكَ أَدَوَاتِ الْإِبْصَارِ وَالنُّطْقِ، وَتَمَيُّزَ طَرِيقِ الْخَيْرِ مِنَ الشَّرِّ (النَّجْدَيْنِ)، لَا يُعْذَرُ مَنْطِقِيًّا فِي عَدَمِ سُلُوكِ "الطَّرِيقِ الْأَصْعَبِ" لَكِنَّهُ الْأَنْفَعُ.

تَصِلُ السُّورَةُ إِلَى "لُبِّ الْمَنْطِقِ الْأَخْلَاقِيِّ": {فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ}. وَتُعَرِّفُ "الْعَقَبَةَ" (الْحَاجِزَ الصَّعْبَ) بِأَفْعَالٍ إِيثَارِيَّةٍ:

فَكُّ رَقَبَةٍ: (تَحْرِيرُ الْإِنْسَانِ مِنَ الْعُبُودِيَّةِ).

إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ: (بَذْلُ الْجُهْدِ فِي وَقْتِ الْأَزَمَاتِ).

يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ: (رِعَايَةُ الْأَكْثَرِ هَشَاشَةً).
الْمَنْطِقُ هُنَا هُوَ "الِاسْتِعْلَاءُ عَلَى الْأَنَانِيَّةِ"؛ فَاقْتِحَامُ الْعَقَبَةِ هُوَ كَسْرُ "قَانُونِ الشُّحِّ" النَّفْسِيِّ.

تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِشَرْطِ "الِانْتِمَاءِ لِلصَّفِّ": {ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ}. هَذَا مَنْطِقُ "التَّكَافُلِ الْقِيَمِيِّ"؛ فَالْإِيمَانُ لَيْسَ عَمَلًا فَرْدِيًّا، بَلْ هُوَ مَنْظُومَةٌ تَقُومُ عَلَى "الصَّبْرِ" (تَحَمُّلِ الْكَبَدِ) وَ"الْمَرْحَمَةِ" (رِقَّةِ التَّعَامُلِ).

بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ الْبَلَدِ هِيَ سُورَةُ "صِنَاعَةِ الْإِنْسَانِ الْفَعَّالِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الْحَيَاةَ مَشَقَّةٌ حَتْمِيَّةٌ، وَأَنَّ الذَّكِيَّ مَنْطِقِيًّا هُوَ مَنْ يَجْعَلُ كَبَدَهُ "سُلَّمًا" لِلِارْتِقَاءِ عَبْرَ نَفْعِ الْآخَرِينَ، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ "أَصْحَابَ الْمَيْمَنَةِ" هُمُ الَّذِينَ اقْتَحَمُوا عَقَبَاتِ نُفُوسِهِمْ قَبْلَ عَقَبَاتِ دُنْيَاهُمْ.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !!
رد مع اقتباس