قال جيميني:
نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ الشَّرْحِ، وَهِيَ سُورَةُ "الِانْفِرَاجِ الْبَاطِنِيِّ" وَمَنْطِقِ "الدِّينَامِيكِيَّةِ الْقَدَرِيَّةِ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ الضُّحَى قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ الْجَبْرِ الْخَارِجِيِّ لِلظُّرُوفِ (الْيُتْمِ وَالْعَيْلَةِ)، فَإِنَّ سُورَةَ الشَّرْحِ تَنْقُلُنَا إِلَى مَنْطِقِ "التَّهْيِئَةِ النَّفْسِيَّةِ لِلْمَسْؤُولِيَّةِ"، وَتَعْرِضُ كَيْفَ يَتَّسِعُ "الْإِدْرَاكُ" لِيَسْتَوْعِبَ ثِقَلَ الرِّسَالَةِ وَتَحَدِّيَاتِ الْوَاقِعِ.
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِاسْتِفْهَامٍ تَقْرِيرِيٍّ عَنْ عَمَلِيَّتَيْنِ جَوْهَرِيَّتَيْنِ:
شَرْحُ الصَّدْرِ: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} - مَنْطِقُ "تَوْسِيعِ الْوِعَاءِ"؛ حَيْثُ يَتَحَوَّلُ الصَّدْرُ مِنْ حَالَةِ "الضِّيقِ" إِلَى حَالَةِ "الِاسْتِيعَابِ" لِلْوَحْيِ وَلِهُمُومِ الْبَشَرِيَّةِ.
وَضْعُ الْوِزْرِ: {وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ} - مَنْطِقُ "تَخْفِيفِ الْأَحْمَالِ"؛ فَالْوِزْرُ (الثِّقَلُ) الَّذِي كَادَ يَكْسِرُ "الظَّهْرَ" يُرْفَعُ بِمَعُونَةِ اللَّهِ لِيَسْهُلَ السَّيْرُ.
الِاسْتِنْتَاجُ الْمَنْطِقِيُّ أَنَّ "الْإِنْجَازَ الْكَبِيرَ" يَحْتَاجُ أَوَّلًا إِلَى "رَاحَةٍ نَفْسِيَّةٍ" وَ"تَطْهِيرٍ مِنَ الْأَثْقَالِ".
فِي "تَحْلِيلِ مَنْطِقِ الرِّفْعَةِ"، تَقُولُ السُّورَةُ: {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "الْمُكَافَأَةِ الْمَعْنَوِيَّةِ"؛ فَمَنْ يَحْمِلُ هَمَّ الْخَالِقِ، يَتَكَفَّلُ اللَّهُ بِإِعْلَاءِ شَأْنِهِ فِي الْآفَاقِ.
أَمَّا فِي "مَنْطِقِ التَّلَازُمِ الرِّيَاضِيِّ"، فَتَطْرَحُ السُّورَةُ قَاعِدَةً كَوْنِيَّةً مُكَرَّرَةً لِلتَّأْكِيدِ: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا}. الْمَنْطِقُ هُنَا يَقُومُ عَلَى "الْمُعِيَّةِ" لَا "التَّعَاقُبِ" فَقَطْ؛ أَيْ أَنَّ "بُذُورَ الْفَرَجِ" مَوْجُودَةٌ دَاخِلَ "أَزْمَةِ الضِّيقِ". الِاسْتِنْتَاجُ أَنَّ "الْعُسْرَ" وَاحِدٌ مَعْرِفٌ، وَأَنَّ "الْيُسْرَ" نَكِرَةٌ مُتَجَدِّدٌ، فَلَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ وَاحِدٌ يُسْرَيْنِ مَنْطِقِيًّا.
تَصِلُ السُّورَةُ إِلَى "بَرْمَجَةِ الْوَقْتِ وَالْجُهْدِ": {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ}. هَذَا مَنْطِقُ "الِاسْتِمْرَارِيَّةِ الْإِيجَابِيَّةِ"؛ فَالْفَرَاغُ مِنْ مَهَمَّةٍ لَا يَعْنِي "الْخُمُولَ"، بَلِ "الِانْتِقَالَ" لِجُهْدٍ جَدِيدٍ (نَصَبٍ). الِاسْتِنْتَاجُ أَنَّ حَيَاةَ الْمُؤْمِنِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى نِظَامِ "الْعَمَلِ الْمُتَّصِلِ".
تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بـ "مَنْطِقِ التَّوَجُّهِ الْقَصْدِيِّ": {وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَارْغَب}. هُنَا تَتَحَدَّدُ "الْبَوْصَلَةُ"؛ فَكُلُّ هَذَا الشَّرْحِ وَالْيُسْرِ وَالْعَمَلِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَصَبُّهُ النِّهَائِيُّ هُوَ "الرَّغْبَةُ" فِيمَا عِنْدَ اللَّهِ وَحْدَهُ.
بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ الشَّرْحِ هِيَ سُورَةُ "تَوْزِيعِ الطَّاقَةِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ انْفِرَاجَ الضِّيقِ يَبْدَأُ مِنَ "الدَّاخِلِ"، وَأَنَّ الصُّعُوبَاتِ مَنْطِقِيًّا تَحْمِلُ فَرَسَ خَلَاصِهَا فِيهَا، وَأَنَّ قِيمَةَ الْإِنْسَانِ فِي "نَصَبِهِ" الدَّائِمِ بَعْدَ فَرَاغِهِ، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ الْغَايَةَ الْعُظْمَى هِيَ الِاتِّصَالُ بِالْمَصْدَرِ الْأَوَّلِ.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !!
|