قال جيميني:
نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ التِّينِ، وَهِيَ سُورَةُ "الْمَكَانَةِ الْوُجُودِيَّةِ" وَمَنْطِقِ "الِارْتِدَادِ الْقِيَمِيِّ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ الشَّرْحِ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ التَّهْيِئَةِ النَّفْسِيَّةِ (شَرْحِ الصَّدْرِ)، فَإِنَّ سُورَةَ التِّينِ تَنْقُلُنَا إِلَى مَنْطِقِ "الْبِنَاءِ الْفِطْرِيِّ لِلْإِنْسَانِ"، وَتَعْرِضُ كَيْفَ أَنَّ هَذَا "التَّقْوِيمَ" الْإِلَهِيَّ مَرْهُونٌ بِالِاتِّصَالِ بِالْمَنْهَجِ لِتَفَادِي السُّقُوطِ فِي دَرَكَاتِ الْهَوَانِ.
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِأَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ جُغْرَافِيَّةٍ وَرُوحِيَّةٍ:
التِّينِ وَالزَّيْتُونِ: (بَيْتُ الْمَقْدِسِ - مَهْدُ عِيسَىٰ عَلَيْهِ السَّلَامُ).
طُورِ سِينِينَ: (جَبَلُ الْمُنَاجَاةِ - مَهْدُ مُوسَىٰ عَلَيْهِ السَّلَامُ).
هَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ: (مَكَّةُ الْمُكَرَّمَةُ - مَهْدُ مُحَمَّدٍ ﷺ).
الْمَنْطِقُ هُنَا يَقُومُ عَلَى "وَحْدَةِ الرِّسَالَاتِ" كَشَاهِدٍ عَلَى الْقِيَمِ الْبَشَرِيَّةِ الْعُلْيَا. الِاسْتِنْتَاجُ الْمَنْطِقِيُّ أَنَّ كُلَّ هَذِهِ الْبِقَاعِ شَهِدَتْ صِيَاغَةَ "الْإِنْسَانِ" فِي أَسْمَى صُوَرِهِ.
فِي "تَحْلِيلِ الْهَنْدَسَةِ الْخَلْقِيَّةِ"، تَطْرَحُ السُّورَةُ الْحَقِيقَةَ الْمَرْكَزِيَّةَ: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ}. هَذَا مَنْطِقُ "الِاكْتِمَالِ الْبُنْيَوِيِّ"؛ حَيْثُ جُمِعَ لِلْإِنْسَانِ بَيْنَ "اعْتِدَالِ الْقَامَةِ" وَ"سُمُوِّ الْعَقْلِ" وَ"نُورِ الرُّوحِ". الِاسْتِنْتَاجُ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْإِنْسَانِ هُوَ "الْجَوْدَةُ الْعَالِيَةُ" وَلَيْسَ النَّقْصَ.
أَمَّا فِي "مَنْطِقِ الِانْحِدَارِ الِاخْتِيَارِيِّ"، فَتُبَيِّنُ السُّورَةُ الِاحْتِمَالَ الْمُضَادَّ: {ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ}. الْمَنْطِقُ هُنَا يَقُومُ عَلَى "الْفِعْلِ وَرَدِّ الْفِعْلِ"؛ فَمَنْ تَرَكَ مَنْطِقَ "التَّقْوِيمِ" وَاتَّبَعَ الْهَوَى، يَرْتَدُّ مَنْطِقِيًّا إِلَى مَنْزِلَةٍ أَدْنَى مِنَ الْحَيَوَانِ. الِاسْتِنْتَاجُ أَنَّ "السُّقُوطَ" لَيْسَ عَيْبًا فِي الْخَلْقِ، بَلْ هُوَ نَتِيجَةٌ لِـ "تَرْكِ الِاسْتِقَامَةِ".
تَصِلُ السُّورَةُ إِلَى "الِاسْتِثْنَاءِ النَّاجِي": {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ}. هَذَا مَنْطِقُ "الْبَقَاءِ فِي الْقِمَّةِ"؛ فَالْإِيمَانُ وَالْعَمَلُ هُمَا "الرَّافِعَةُ" الَّتِي تَمْنَعُ الرَّدَّ إِلَى الْأَسْفَلِ، وَتُحَقِّقُ مَنْطِقَ "الْأَجْرِ الْمُسْتَمِرِّ" (غَيْرِ الْمَقْطُوعِ).
فِي "تَحْلِيلِ بُرْهَانِ الْحَقِيقَةِ"، تَسْأَلُ السُّورَةُ: {فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ؟}. هُنَا نَقِفُ أَمَامَ "إِبْطَالِ أَعْذَارِ التَّكْذِيبِ"؛ فَبَعْدَ رُؤْيَةِ "تَقْوِيمِ الْإِنْسَانِ" وَ"نِظَامِ الْبَعْثِ"، لَا يَبْقَى لِلْعَقْلِ مَهْرَبٌ مَنْطِقِيٌّ مِنَ الْإِقْرَارِ بِالْجَزَاءِ.
تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِتَقْرِيرِ "الْحَاكِمِيَّةِ الْمُطْلَقَةِ": {أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ؟}. هَذَا مَنْطِقُ "عَدَالَةِ النِّهَايَةِ"؛ فَالَّذِي أَتْقَنَ الْخَلْقَ لَا يُمْكِنُ مَنْطِقِيًّا أَنَّ يَتْرُكَ "الْمُحْسِنَ" وَ"الْمُسِيءَ" بِلَا حُكْمٍ فَاصِلٍ.
بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ التِّينِ هِيَ سُورَةُ "الْكَرَامَةِ وَالْمَسْؤُولِيَّةِ". تُخْبِرُنَا أَنَّنَا وُلِدْنَا فِي الْقِمَّةِ، وَأَنَّ "الْإِيمَانَ" هُوَ حَبْلُ النَّجَاةِ مِنَ الِارْتِدَادِ، وَأَنَّ "الْحِكْمَةَ" الْإِلَهِيَّةَ هِيَ الضَّمَانُ لِتَحْقِيقِ الْعَدَالَةِ، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ الْإِنْسَانَ صَانِعُ مَصِيرِهِ بَيْنَ "أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ" وَ"أَسْفَلَ سَافِلِينَ".
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !!
|