قال جيميني:
نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ الْعَلَقِ، وَهِيَ سُورَةُ "بَدْءِ الْوَعْيِ" وَمَنْطِقِ "مُوَاجَهَةِ الِاسْتِغْنَاءِ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ التِّينِ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ الْقِمَّةِ الْوُجُودِيَّةِ (أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ)، فَإِنَّ سُورَةَ الْعَلَقِ تَنْقُلُنَا إِلَى مَنْطِقِ "التَّحَوُّلِ بِالْمَعْرِفَةِ"، وَتَعْرِضُ كَيْفَ بَدَأَ الِاتِّصَالُ بَيْنَ "الْمَلَأِ الْأَعْلَى" وَ"الْأَرْضِ" عَبْرَ فِعْلِ "الْقِرَاءَةِ"، وَكَيْفَ يَنْقَلِبُ هَذَا الْإِنْسَانُ طَاغِيَةً إِذَا فَقَدَ مَنْطِقَ "الِافْتِقَارِ" لِرَبِّهِ.
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِأَمْرٍ مَعْرِفِيٍّ مُؤَطَّرٍ: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "شَرْطِيَّةِ الْعِلْمِ"؛ فَالْقِرَاءَةُ (الْبَحْثُ وَالتَّعَلُّمُ) لَا تُثْمِرُ مَنْطِقِيًّا إِلَّا إِذَا كَانَتْ "بِاسْمِ الْخَالِقِ". الِاسْتِنْتَاجُ أَنَّ "الْمَعْرِفَةَ" هِيَ الْجِسْرُ الْأَوَّلُ لِلِارْتِقَاءِ.
فِي "تَحْلِيلِ التَّدَرُّجِ الْبَيُولُوجِيِّ"، تَقُولُ السُّورَةُ: {خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ}. هَذَا مَنْطِقُ "الْمُفَارَقَةِ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالنَّتِيجَةِ"؛ فَمِنْ "عَلَقَةٍ" (قِطْعَةِ دَمٍ جَامِدٍ) تَعْلَقُ بِالرَّحِمِ، صَارَ الْإِنْسَانُ كَائِنًا يَقْرَأُ وَيُفَكِّرُ. الِاسْتِنْتَاجُ الْمَنْطِقِيُّ أَنَّ "الْقُدْرَةَ" الَّتِي حَوَّلَتِ الْمَادَّةَ الصَّمَّاءَ إِلَى عَقْلٍ بَصِيرٍ، هِيَ وَحْدَهَا مَنْ يُعَلِّمُ: {الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ}.
أَمَّا فِي "مَنْطِقِ الِانْحِرَافِ النَّفْسِيِّ"، فَتَطْرَحُ السُّورَةُ سِيكُولُوجِيَّةَ الطُّغْيَانِ: {كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ}. الْمَنْطِقُ هُنَا يَقُومُ عَلَى "وَهْمِ الْكِفَايَةِ الذَّاتِيَّةِ"؛ فَعِنْدَمَا يَمْلِكُ الْإِنْسَانُ الْمَالَ أَوْ الْقُوَّةَ، يَنْسَى مَنْطِقِيًّا أَصْلَهُ (الْعَلَقَ) وَيَتَجَاوَزُ حُدُودَهُ. الِاسْتِنْتَاجُ أَنَّ "الطُّغْيَانَ" هُوَ خَلَلٌ فِي مَنْطِقِ "تَقْدِيرِ الْحَجْمِ الْبَشَرِيِّ".
تَصِلُ السُّورَةُ إِلَى "الْمُوَاجَهَةِ مَعَ الْمُعَانِدِ": {أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَىٰ * عَبْدًا إِذَا صَلَّىٰ}. هُنَا تَقْسِيمٌ لِلْأَفْعَالِ بِمَنْطِقِ "الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ"؛ فَالنَّاهِي يَعِيشُ فِي مَنْطِقِ (الضَّلَالِ وَالتَّكْذِيبِ)، بَيْنَمَا الْمُصَلِّي يَعِيشُ فِي مَنْطِقِ (الْهُدَى وَالتَّقْوَى).
فِي "تَحْلِيلِ النَّهَايَةِ الْحَاسِمَةِ"، تَتَوَعَّدُ السُّورَةُ الطَّاغِيَةَ: {لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ * نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ}. الْمَنْطِقُ هُنَا هُوَ "الْقِصَاصُ مِنْ مَرْكَزِ الْقَرَارِ"؛ فَالنَّاصِيَةُ (مُقَدِّمَةُ الرَّأْسِ) هِيَ مَكَانُ التَّفْكِيرِ وَالْكِبْرِ، فَكَانَ مَنْطِقِيًّا أَنْ يَكُونَ "الْإِذْلَالُ" مِنْهَا.
تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِمَنْطِقِ "الِانْفِصَالِ عَنِ الظُّلْمِ وَالِاتِّصَالِ بِالنُّورِ": {كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِب}. هُنَا تَتَحَدَّدُ مَسَارَاتُ الْحَرَكَةِ؛ فَالسُّجُودُ هُوَ مَنْطِقُ "الْقُرْبِ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ". الِاسْتِنْتَاجُ النِّهَائِيُّ أَنَّ الْقِرَاءَةَ تَقُودُ إِلَى السُّجُودِ، وَالسُّجُودُ يَقُودُ إِلَى الْقُرْبِ.
بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ الْعَلَقِ هِيَ سُورَةُ "دَسْتُورِ التَّعَلُّمِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الْبَدْءَ يَكُونُ بِـ "الْقِرَاءَةِ"، وَأَنَّ الْخَطَرَ يَكْمُنُ فِي "الِاسْتِغْنَاءِ"، وَأَنَّ نِهَايَةَ الْمَعْرِفَةِ الْحَقِيقِيَّةِ هِيَ "الْخُضُوعُ" لِلَّهِ، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ نُورَ الصَّلَاةِ أَقْوَى مِنْ كَيْدِ الطُّغَاةِ.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !!
|