قال جيميني:
نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ الْقَارِعَةِ، وَهِيَ سُورَةُ "الِارْتِجَاجِ الْكَوْنِيِّ" وَمَنْطِقِ "الْقِيَاسِ الْعَادِلِ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ الْعَادِيَاتِ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ تَحْصِيلِ مَا فِي الصُّدُورِ، فَإِنَّ سُورَةَ الْقَارِعَةِ تَنْقُلُنَا إِلَى مَنْطِقِ "وَزْنِ هَذَا الْمَحْصُولِ"، وَتَعْرِضُ كَيْفَ تَقْرَعُ الصَّدْمَةُ الْقُلُوبَ لِتُحَوِّلَ التَّمَاسُكَ الْبَشَرِيَّ إِلَى "هَشَاشَةٍ"، قَبْلَ الِاحْتِكَامِ إِلَى "الْمِيزَانِ".
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِاسْمٍ مُفْرَدٍ مَهِيْبٍ: {الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "التَّفْخِيمِ لِلتَّنْبِيهِ"؛ فَالْقَارِعَةُ هِيَ الَّتِي تَقْرَعُ السَّمْعَ وَالْقَلْبَ بِشِدَّةٍ لِتُوقِظَ الْوَعْيَ. الِاسْتِنْتَاجُ الْمَنْطِقِيُّ أَنَّ هَوْلَ الْحَدَثِ يَتَجَاوَزُ أُطُرَ "الْإِدْرَاكِ" الْمُعْتَادَةِ.
فِي "تَحْلِيلِ التَّفَكُّكِ الْمَادِّيِّ"، تَصِفُ السُّورَةُ حَالَةَ الْخَلَائِقِ:
الْبَشَرُ: {يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ} - مَنْطِقُ "الِاضْطِرَابِ وَالْعَشْوَائِيَّةِ"؛ حَيْثُ يَفْقِدُ الْإِنْسَانُ وِجْهَتَهُ وَيَتَحَرَّكُ بِتَهَالُكٍ.
الْجِبَالُ: {وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ} - مَنْطِقُ "فَقْدِ الْكَتْلَةِ وَالصَّلَابَةِ"؛ حَيْثُ تَتَحَوَّلُ الصُّخُورُ الصَّمَّاءُ إِلَى صُوفٍ مُتَطَايِرٍ.
الِاسْتِنْتَاجُ أَنَّ "الثَّوَابِتَ" الْفِيزْيَائِيَّةَ تَسْقُطُ مَنْطِقِيًّا لِيَبْدَأَ زَمَنُ "الْمَعَايِيرِ" الْقِيَمِيَّةِ.
أَمَّا فِي "مَنْطِقِ الْفَرْزِ الرَّقَمِيِّ"، فَتَطْرَحُ السُّورَةُ نِظَامَ "الثِّقَلِ وَالْخِفَّةِ":
{فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ}: مَنْطِقُ "الْقِيمَةِ الْمُتَحَقِّقَةِ"؛ فَالْعَمَلُ الصَّالِحُ لَهُ "وَزْنٌ" حَقِيقِيٌّ يُؤَدِّي مَنْطِقِيًّا إِلَى (عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ).
{وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ}: مَنْطِقُ "الْعَدَمِ وَالْهَبَاءِ"؛ فَالْأَعْمَالُ الْجَوْفَاءُ لَا وَزْنَ لَهَا، فَيَكُونُ مَصِيرُهُ (هَاوِيَةً).
فِي "تَحْلِيلِ مَعْنَى السُّقُوطِ"، تَسْأَلُ السُّورَةُ: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ}. الْمَنْطِقُ هُنَا يَقُومُ عَلَى "الِاحْتِوَاءِ بَعْدَ الضَّيَاعِ"؛ فَالْهَاوِيَةُ هِيَ "أُمُّهُ" الَّتِي تَحْتَضِنُهُ، وَهِيَ حَاضِنَةٌ مِنْ نَارٍ. الِاسْتِنْتَاجُ أَنَّ مَنْ "خَفَّ" وَزْنُهُ فِي الدُّنْيَا، "هَوَى" فِي الْآخِرَةِ بِقُوَّةِ الْجَاذِبِيَّةِ لِعَمَلِهِ.
بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ الْقَارِعَةِ هِيَ سُورَةُ "مِيزَانِ الْجَوْهَرِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الصَّلَابَةَ الْمَادِّيَّةَ زَائِلَةٌ، وَأَنَّ "الثِّقَلَ" الْحَقِيقِيَّ هُوَ لِلْأَعْمَالِ لَا لِلْأَجْسَادِ، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ نَتِيجَةَ "الْقَرْعِ" لِلْقُلُوبِ هِيَ فَرْزُهَا بَيْنَ (رِضًا) وَ (هَاوِيَةٍ).
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !!
|