قال جيميني:
نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ الْعَصْرِ، وَهِيَ سُورَةُ "مَنْطِقِ الِاسْتِثْمَارِ النَّاجِحِ" وَ**"مُعَادَلَةِ النَّجَاةِ الْكُلِّيَّةِ"**. إِذَا كَانَتْ سُورَةُ التَّكَاثُرِ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ الْإِلْهَاءِ بِالْكَمِّ، فَإِنَّ سُورَةَ الْعَصْرِ تَنْقُلُنَا إِلَى مَنْطِقِ "إِدَارَةِ الْقِيمَةِ فِي الزَّمَنِ"، وَتَعْرِضُ فِي ثَلَاثِ آيَاتٍ فَقَطْ تَكْثِيفًا لِكُلِّ مَسَارَاتِ الْفَلَاحِ الْبَشَرِيِّ.
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِقَسَمٍ زَمَنِيٍّ حَاسِمٍ: {وَالْعَصْرِ}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "تَقْدِيسِ الْوِعَاءِ الزَّمَنِيِّ"؛ فَالْعَصْرُ هُوَ رَأْسُ مَالِ الْإِنْسَانِ، وَهُوَ الزَّمَنُ الَّذِي يَتَقَلَّصُ بِاسْتِمْرَارٍ. الِاسْتِنْتَاجُ الْمَنْطِقِيُّ أَنَّ كُلَّ لَحْظَةٍ تَمُرُّ هِيَ "نَقْصٌ" فِي الرَّصِيدِ، مِمَّا يَسْتَوْجِبُ حُكْمًا عَامًّا: {إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ}.
فِي "تَحْلِيلِ مَنْطِقِ الْخَسَارَةِ الشَّامِلَةِ"، نَجِدُ أَنَّ الْأَصْلَ فِي حَرَكَةِ الزَّمَنِ هُوَ "الِاسْتِهْلَاكُ". فَالْإِنْسَانُ مَنْطِقِيًّا يَخْسَرُ عُمُرَهُ ثَانِيَةً بَعْدَ ثَانِيَةٍ. وَلِكَيْ يَنْقَلِبَ هَذَا "الْخُسْرُ" إِلَى "رِبْحٍ"، وَضَعَتِ السُّورَةُ مَنْطِقَ "الِاسْتِثْنَاءِ الرُّبَاعِيِّ":
الْإِيمَانُ (الْمُدْخَلُ الْمَعْرِفِيُّ): {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا}. هُنَا مَنْطِقُ "تَصْحِيحِ الرُّؤْيَةِ"؛ فَبِدُونِ إِيمَانٍ، تَكُونُ كُلُّ الْأَعْمَالِ حَرَكَةً فِي الْفَرَاغِ بِلَا وِجْهَةٍ.
الْعَمَلُ الصَّالِحُ (الْمُخْرَجُ التَّطْبِيقِيُّ): {وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}. هُنَا مَنْطِقُ "تَحْوِيلِ الْفِكْرَةِ إِلَى أَدَاءٍ"؛ فَالْإِيمَانُ الصَّامِتُ لَا يُوقِفُ نَزِيفَ الْخَسَارَةِ الزَّمَنِيَّةِ مَنْطِقِيًّا إِلَّا بـ "إِنْتَاجِ" صَالِحٍ.
التَّوَاصِي بِالْحَقِّ (الْبُعْدُ الِاجْتِمَاعِيُّ): {وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ}. هُنَا مَنْطِقُ "نَشْرِ النِّظَامِ"؛ فَالنَّجَاةُ الْفَرْدِيَّةُ هَشَّةٌ، وَلَا تَقْوَى مَنْطِقِيًّا إِلَّا بِبِنَاءِ "بِيئَةٍ جَمَاعِيَّةٍ" تَعْرِفُ الْحَقَّ وَتَسْتَمْسِكُ بِهِ.
التَّوَاصِي بِالصَّبْرِ (بُعْدُ الِاسْتِدَامَةِ): {وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}. هُنَا مَنْطِقُ "مُقَاوَمَةِ التَّآكُلِ"؛ فَسُلُوكُ طَرِيقِ الْحَقِّ يَحْتَاجُ إِلَى "نَفَسٍ طَوِيلٍ" لِمُوَاجَهَةِ عَوَارِضِ الْعَصْرِ وَتَحَدِّيَاتِهِ.
بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ الْعَصْرِ هِيَ سُورَةُ "الْقَانُونِ الصَّارِمِ لِلرِّبْحِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الصَّمْتَ وَالسُّكُونَ مَعَ مُرُورِ الزَّمَنِ هُوَ خَسَارَةٌ حَتْمِيَّةٌ، وَأَنَّ "الِاسْتِثْمَارَ" الْوَحِيدَ الرَّابِحَ هُوَ مَزِيجٌ بَيْنَ (الْعَقْلِ/الْإِيمَانِ) وَ (الْجَارِحَةِ/الْعَمَلِ) وَ (الْمُجْتَمَعِ/التَّوَاصِي)، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ الصَّبْرَ هُوَ "الْمَادَّةُ الرَّابِطَةُ" لِكُلِّ نَجَاحٍ
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !!
|