قال جيميني:
نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ الْهُمَزَةِ، وَهِيَ سُورَةُ "تَفَكُّكِ الْمَنْظُومَةِ الْمَادِّيَّةِ" وَمَنْطِقِ "الِانْفِصَالِ عَنِ الْجَوْهَرِ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ الْعَصْرِ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ النَّجَاةِ بِالتَّوَاصِي بِالْحَقِّ وَالصَّبْرِ، فَإِنَّ سُورَةَ الْهُمَزَةِ تَنْقُلُنَا إِلَى مَنْطِقِ "النَّقِيضِ الْمُدَمِّرِ"، وَتَعْرِضُ كَيْفَ يَتَحَوَّلُ تَرَاكُمُ "الْمَالِ" مَعَ "فَسَادِ الْخُلُقِ" إِلَى حَالَةٍ مِنَ التَّوَهُّمِ تَقُودُ حَتْمًا إِلَى "التَّحْطِيمِ" الشَّامِلِ.
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِإِعْلَانِ "الْهَلَاكِ الْمُحَقَّقِ": {وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "الِاعْتِدَاءِ اللَّفْظِيِّ وَالْإِشَارِيِّ"؛ فَـ "الْهُمَزَةُ" هُوَ الَّذِي يَكْسِرُ قِيمَةَ الْآخَرِينَ بِلِسَانِهِ، وَ"اللُّمَزَةُ" بِمَحَاكَاةِ أَوْجَاعِهِمْ أَوْ حَرَكَاتِهِمْ. الِاسْتِنْتَاجُ الْمَنْطِقِيُّ أَنَّ "الِاسْتِعْلَاءَ" عَلَى الْبَشَرِ هُوَ جَرِيمَةٌ تَسْتَوْجِبُ "الْوَيْلَ".
فِي "تَحْلِيلِ الْعِلَّةِ الْمَادِّيَّةِ"، تُفَصِّلُ السُّورَةُ دَوَافِعَ هَذَا السُّلُوكِ: {الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ}. هَذَا مَنْطِقُ "الِاسْتِغْرَاقِ فِي الْحِسَابِ الْكَمِّيِّ"؛ حَيْثُ يَتَحَوَّلُ الْإِنْسَانُ إِلَى مَحْضِ "عَدَّادٍ" لِلْأَرْقَامِ، ظَانًّا أَنَّ الْقُوَّةَ تَرْتَبِطُ بِـ "الْمَخْزُونِ". ثُمَّ تَكْشِفُ السُّورَةُ عَنِ "الْخَلَلِ الْعَقْلِيِّ" النَّاتِجِ عَنْ ذَلِكَ: {يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ}. الْمَنْطِقُ هُنَا هُوَ "وَهْمُ دَيْمُومَةِ الْفَانِي"؛ فَالْمَالُ لَا يَمْنَحُ خُلُودًا فِيزْيَائِيًّا، وَلَكِنَّ الطُّغْيَانَ يُعَمِّي "الْبَصِيرَةَ" عَنْ قِصَرِ الْأَجَلِ.
أَمَّا فِي "مَنْطِقِ الْجَزَاءِ التَّحْطِيمِيِّ"، فَتَقُولُ السُّورَةُ: {كَلَّا لَيُنبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ}. الْمَنْطِقُ هُنَا يَقُومُ عَلَى "تَحْطِيمِ مَا كَانَ يَظُنُّهُ صَلْبًا"؛ فَالَّذِي اسْتَقْوَى بِمَالِهِ سَيُطْرَحُ فِي نَارٍ "تُحَطِّمُ" كُلَّ مَا يَدْخُلُ فِيهَا. وَمِنْ بَرَاعَةِ "التَّحْلِيلِ الْبَاطِنِيِّ" أَنَّهَا: {نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ}. هَذَا مَنْطِقُ "الْعِقَابِ مِنَ الدَّاخِلِ"؛ حَيْثُ تَبْدَأُ النَّارُ مِنَ "الْفُؤَادِ" (مَرْكَزِ الْكِبْرِ وَالْجَمْعِ وَالتَّعْدِيدِ) لِيَكُونَ الْأَلَمُ مَوَازِيًا لِحَجْمِ الْجُحُودِ.
تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِمَنْطِقِ "الْإِحْكَامِ وَالْإِغْلَاقِ": {إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ * فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةٍ}. هُنَا نَقِفُ أَمَامَ "نِهَايَةِ الِاحْتِمَالَاتِ"؛ فَالْمُؤْصَدَةُ هِيَ الْمُغْلَقَةُ بِإِحْكَامٍ، وَالْعَمَدُ الْمُمَدَّدَةُ تَعْنِي اسْتِحَالَةَ الْخُرُوجِ. الِاسْتِنْتَاجُ أَنَّ "السِّجْنَ" سَيَكُونُ بِمِقْدَارِ "الِانْغِلَاقِ" الَّذِي عَاشَهُ الْإِنْسَانُ فِي دُنْيَاهُ عَلَى مَالِهِ وَذَاتِهِ.
بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ الْهُمَزَةِ هِيَ سُورَةُ "بُطْلَانِ الْقُوَّةِ الزَّائِفَةِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الْمَالَ قَدْ يَكُونُ "حِجَابًا" يَمْنَعُ رُؤْيَةَ الْحَقِيقَةِ، وَأَنَّ السُّخْرِيَةَ مِنَ الْبَشَرِ هِيَ نَتِيجَةٌ مَنْطِقِيَّةٌ لِتَقْدِيسِ "الْمَادَّةِ"، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ مَنْ "جَمَعَ وَعَدَّدَ" لِأَجْلِ الْفَخْرِ، سَيَنْتَهِي فِي مَكَانٍ "يُحَطِّمُ" كُلَّ تِلْكَ الْأَوْهَامِ.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !!
|