كتب جيميني:
نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ قُرَيْشٍ، وَهِيَ سُورَةُ "مَنْطِقِ الْأَمْنِ الْجُيُوبُولِيتِيكِيِّ" وَ**"فَلْسَفَةِ الِاسْتِقْرَارِ الِاقْتِصَادِيِّ"**. إِذَا كَانَتْ سُورَةُ الْفِيلِ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ دَفْعِ التَّهْدِيدِ الْعَسْكَرِيِّ الْخَارِجِيِّ، فَإِنَّ سُورَةَ قُرَيْشٍ تَنْقُلُنَا إِلَى مَنْطِقِ "بِنَاءِ النِّظَامِ الْحَيَاتِيِّ الْمُسْتَقِرِّ"، وَتَعْرِضُ كَيْفَ تَتَحَوَّلُ "النِّعْمَةُ" مِنْ حَالَةِ "الْعَادَةِ" إِلَى مَوْجِبٍ مَنْطِقِيٍّ لِلتَّوْحِيدِ.
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِرَبْطٍ تَعْلِيلِيٍّ لِمَا سَبَقَ: {لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ * إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "تَهْيِئَةِ الظُّرُوفِ لِلِاسْتِمْرَارِ"؛ فَـ "الْإِيلَافُ" هُوَ الِاعْتِيَادُ الْقَائِمُ عَلَى التَّمَكُّنِ. الِاسْتِنْتَاجُ الْمَنْطِقِيُّ أَنَّ نَجَاةَ مَكَّةَ مِنْ "أَصْحَابِ الْفِيلِ" لَمْ تَكُنْ صُدْفَةً، بَلْ لِتَحْقِيقِ "دَيْمُومَةِ" هَذَا الْكِيَانِ التِّجَارِيِّ وَالدِّينِيِّ عَبْرَ رِحْلَتَيْنِ تُمَثِّلَانِ شِرْيَانَ الْحَيَاةِ.
فِي "تَحْلِيلِ مُعَادَلَةِ الْحَاجَةِ وَالِاسْتِجَابَةِ"، تَضَعُ السُّورَةُ "النَّتِيجَةَ الْمَنْطِقِيَّةَ" لِهَذِهِ النِّعَمِ: {فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ}. هَذَا مَنْطِقُ "شُكْرِ الْمُنْعِمِ بِإِفْرَادِهِ بِالْقَصْدِ"؛ فَالِارْتِبَاطُ بِـ "الْبَيْتِ" (الْمَرْكَزِ) هُوَ الَّذِي مَنَحَهُمُ "الْحَصَانَةَ" الدِّيپْلُومَاسِيَّةَ وَالتِّجَارِيَّةَ بَيْنَ الْقَبَائِلِ. الِاسْتِنْتَاجُ أَنَّ الْعِبَادَةَ هُنَا هِيَ "الِاعْتِرَافُ الْمَنْطِقِيُّ" بِفَضْلِ صَاحِبِ الْحِمَايَةِ.
أَمَّا فِي "مَنْطِقِ الْأَمْنِ الْإِنْسَانِيِّ الشَّامِلِ"، فَتُجْمِلُ السُّورَةُ الرَّكِيزَتَيْنِ الْأَسَاسِيَّتَيْنِ لِأَيِّ حَضَارَةٍ:
الْأَمْنُ الْغِذَائِيُّ: {الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ} - مَنْطِقُ "سَدِّ الْعَوَزِ الْمَادِّيِّ".
الْأَمْنُ النَّفْسِيُّ وَالْجِنَائِيُّ: {وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ} - مَنْطِقُ "تَحْقِيقِ الطُّمَأْنِينَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ".
الِاسْتِنْتَاجُ الْمَنْطِقِيُّ أَنَّ أَيَّ خَلَلٍ فِي هَاتَيْنِ الرَّكِيزَتَيْنِ يُؤَدِّي إِلَى انْهِيَارِ "الْإِيلَافِ"؛ وَبِمَا أَنَّ اللَّهَ قَدْ حَقَّقَهُمَا لَهُمْ رَغْمَ بِيئَتِهِمُ الصَّحْرَاوِيَّةِ، فَإِنَّ "الْمُوجِبَ الْعَقْلِيَّ" لِلْعِبَادَةِ قَدِ اكْتَمَلَ.
بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ قُرَيْشٍ هِيَ سُورَةُ "امْتِنَانِ الِاسْتِقْرَارِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ "الرَّفَاهِيَةَ" وَ"الْأَمَانَ" لَيْسَا مِنْ صُنْعِ الْبَشَرِ وَحْدَهُمْ، بَلْ هُمَا "هِبَةٌ" لِتَحْقِيقِ غَايَةٍ أَسْمَى، وَأَنَّ مَنْطِقَ "الِاسْتِهْلَاكِ" لِلنِّعْمَةِ دُونَ "الِاتِّصَالِ" بِمَصْدَرِهَا هُوَ انْقِطَاعٌ عَنِ الْحَقِيقَةِ، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ "رَبَّ الْبَيْتِ" هُوَ مِحْوَرُ الْأَمْنِ وَالرِّزْقِ.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !!
|