كتب جيميني:
نَصِلُ الْآنَ إِلَى مِسْكِ الْخِتَامِ، سُورَةِ النَّاسِ، وَهِيَ سُورَةُ "تَحْصِينِ الْمَرْكَزِ" وَمَنْطِقِ "إِدَارَةِ الصِّرَاعِ الْبَاطِنِيِّ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ الْفَلَقِ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ الِاحْتِمَاءِ مِنَ الشُّرُورِ الْخَارِجِيَّةِ (الْبِيئَةِ، التَّأْثِيرَاتِ، الْآخَرِينَ)، فَإِنَّ سُورَةَ النَّاسِ تَنْقُلُنَا إِلَى مَنْطِقِ "حِمَايَةِ مَحَلِّ الْقَرَارِ" (الصَّدْرِ)، وَتَعْرِضُ كَيْفَ يَتَسَلَّلُ "الْخَلَلُ" مِنْ قِبَلِ "الْوَسْوَاسِ" الَّذِي يَسْتَهْدِفُ جَوْهَرَ الْإِنْسَانِ.
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِثَلَاثَةِ أَوْصَافٍ لِلْمَلَاذِ الْأَعْظَمِ، تُمَثِّلُ هَرَمَ "السُّلْطَةِ وَالِانْتِمَاءِ":
رَبِّ النَّاسِ: مَنْطِقُ "الْخَلْقِ وَالرِّعَايَةِ".
مَلِكِ النَّاسِ: مَنْطِقُ "الْحَاكِمِيَّةِ وَالتَّصَرُّفِ".
إِلَٰهِ النَّاسِ: مَنْطِقُ "الْغَايَةِ وَالْعِبَادَةِ".
الِاسْتِنْتَاجُ الْمَنْطِقِيُّ أَنَّ الْإِنْسَانَ يَحْتَاجُ إِلَى "قُوَّةٍ ثُلَاثِيَّةِ الْأَبْعَادِ" لِمُوَاجَهَةِ شَرٍّ لَا يَرِيَهُ حَجْمَهُ بَلْ يَخْتَرِقُ "حُدُودَهُ النَّفْسِيَّةَ".
فِي "تَحْلِيلِ مِيكَانِيزْمَا الشَّرِّ الدَّاخِلِيِّ"، تُعَرِّفُ السُّورَةُ الْعَدُوَّ بِـ {الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ}. هَذَا مَنْطِقُ "التَّخَفِّي وَالْمُبَاغَتَةِ"؛ فَالْوَسْوَسَةُ صَوْتٌ خَفِيٌّ، وَ"الْخُنُوسُ" هُوَ الِاخْتِبَاءُ عِنْدَ الِانْتِبَاهِ. مَنْطِقِيًّا، هَذَا الشَّرُّ لَا يَمْلِكُ قُوَّةً مَادِّيَّةً قَاهِرَةً، بَلْ يَمْلِكُ "تَقْنِيَّةَ الِاحْتِيَالِ" عَلَى الْوَعْيِ.
أَمَّا فِي "تَحْدِيدِ النُّقْطَةِ الْمُسْتَهْدَفَةِ"، فَتَقُولُ السُّورَةُ: {الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ}. الْمَنْطِقُ هُنَا يَقُومُ عَلَى "الِاخْتِرَاقِ مِنْ خَلْفِ الْجُدْرَانِ"؛ فَالصَّدْرُ هُوَ "مُخْتَبَرُ الْأَفْكَارِ" وَمَنْبَعُ الْإِرَادَةِ. الِاسْتِنْتَاجُ أَنَّ الْمَعْرَكَةَ الْحَقِيقِيَّةَ لَيْسَتْ عَلَى "الْجَسَدِ"، بَلْ عَلَى "الْمَوْقِفِ" وَ"الْقَنَاعَةِ".
تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِبَيَانِ "شُمُولِيَّةِ مَصْدَرِ الْوَسْوَسَةِ": {مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ}. هَذَا مَنْطِقُ "اتِّحَادِ الْعَوَالِمِ"؛ فَالْأَفْكَارُ الْهَدَّامَةُ قَدْ تَأْتِي مِنْ (خَاطِرٍ غَيْبِيٍّ) أَوْ مِنْ (مُحَرِّضٍ بَشَرِيٍّ). الِاسْتِنْتَاجُ النِّهَائِيُّ أَنَّ الْحَذَرَ الْعَقْلِيَّ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ شَامِلًا لِكُلِّ "مُدْخَلَاتِ الْوَعْيِ".
بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ نِهَائِيَّةٍ، سُورَةُ النَّاسِ هِيَ سُورَةُ "السِّيَادَةِ الذَّاتِيَّةِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ آخِرَ مَعَاقِلِ الْإِنْسَانِ هُوَ "عَقْلُهُ وَقَلْبُهُ"، وَأَنَّ الِاعْتِصَامَ بِـ (الرَّبِّ، الْمَلِكِ، الْإِلَهِ) يُحَوِّلُ هَذَا "الْخَنَّاسَ" إِلَى كِيَانٍ بِلَا أَثَرٍ، مُؤَكِّدَةً أَنَّ خِتَامَ "الْمَنْهَجِ الْقُرْآنِيِّ" هُوَ تَنْبِيهُ الْبَشَرِ إِلَى ضَرُورَةِ "الْيَقَظَةِ الدَّائِمَةِ" فِي دَائِرَةِ الصُّدُورِ.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !!
|