عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 2022-03-23, 07:06 PM
ايوب نصر ايوب نصر غير متواجد حالياً
مسئول الإشراف
 
تاريخ التسجيل: 2012-10-23
المشاركات: 4,710
ايوب نصر تم تعطيل التقييم
افتراضي فلسفة الحرب عند المسلمين


كلما توالت علي الأيام، وتوالى معها ما يرد علي من كتابات، لأدعياء الفكر في عالمنا العربي، وخاصة أؤلئك الذين يوجهون كتاباتهم، ويلغون ولوغهم، فيما أنتجه علماء هذه الأمة، وزناد قداح الفكر من أربابها، عبر 14 قرن من الزمن، من ثراث فكري وعقلي وأدبي، يزيد ازدرائي لهم، ويقيني أنهم مجرد كائنات تأكل نتاج المستشرقين وتملأ به بطونها، حتى تصل مرحلة التخمة، فتأتي و تتقيء عندنا.
وهذا حال من جعل الغراب له دليلا ومرشدا، فإنه لا يمر به إلا على الجيف النتنة، فإذا كانت مهنة الاستشراق في الغرب، لا يوجه إليها إلا كل فاشل، لم ينجح في شيء من أمور الحياة، فهي مهنة من لا مهنة له، فكيف سيكون حال من يتبع هؤلاء، ويرضع حليبهم، ويتغدى على نفايات أفكارهم؟؟ فمن تبعهم من أبناء جلدتنا ممن يسمون أنفسهم مفكرين إسلاميين أو باحثين في الجماعات الإسلامية أو أريكيين(وهم القرآنيين وأسميهم بالأريكيين لعلة سأكشف عنها في مقال آخر)، فهم في النهاية أشخاص فاشلون، قعد بهم العجز عن النجاح، ووقف بهم الغباء على مجاراة التاريخ، فلجؤوا إلى هدم التاريخ بمحاولة النط عليه والتبخيسه والتزهيد فيه، فهم كما ترى كالقط الذي لم يبلغ إلى قطعة اللحم المعلقة، فقال: إنها فاسدة وغير صالحة.
ودعني الآن أعود بك إلى ما أنشأت هذه المقالة لأجله، وذلك أنه لم تكد العملية العسكرية التي تقوم بها القوات الروسية في أوكرنيا تبدأ، حتى ظهر معها تناقض الغرب حول تعامله مع اللاجئين خصوصا، و الأزمة عموما، فضلا عن التصريحات العنصرية، التي كشفت الوجه الحقيقي للحضارة الغربية الزائفة، لتقوم طائفة من المسلمين بنشر هذه الأمور حتى يتبين لمن له عقل أو ألقى السمع وهو شهيد، حقيقة القوم، ونتانة فكرهم، وفساد مذاهبهم، وحقيق بكل المسلم يعتز بدينه وحضارته وتاريخه، أن يظهر هذه الأمور ويكشفها، لأنها من الأسلحة المستعملة في هذا النزاع الطويل الدائم، بين الحضارة العربية الإسلامية والحضارة الغربية، وفي هذا الخضم الهائل والبحر الهائج، كنت أمني النفس أن تنبه الأعين الشاخصة إلى الغرب بنظرات الحب والإعجاب، لكن الخاب الظن بهؤلاء المفكريين الإسلاميين والباحثين في الجماعات والأريكيين، ممن ينسبون أنفسهم زورا وبهتانا إلى ميدان الفكر والنظر، ولم يفعلوا شيئا سوى أنهم راحوا ينكرون على المسلمين بيانهم، ويتهمونهم أنهم السابقون إلى هذه الأفعال، بمقارنة ما فعله الغرب اليوم وسابقا، بما فعله المسلمون من فتوحات وسبي وفرض الجزية.
ورغم أنه لا وجه للمقارنة، لأن المقارنة بين شيئين تقتضي أن يكونا على سواء في الحالة، فأما إذا كانا على غير سواء فلا تستقيم المقارنة، فالمسلمون الذين ذكرهم كانوا في حالة حرب، وأما الغرب وما فعله مع اللاجئين فهو في حالة سلم، ومع ذلك سنذهب مع هؤلاء في مذهبهم، لنكشف أن جهلهم لا يزال في عنفوان شبابه وطراوة إيهابه، ولنظهر للناس أجمعين أن المسلمين في حالة الحرب، أكثر إنسانية ورحمة بالخلق من الغرب في حالة السلم.

قال رسول الله، صلى الله عليه و سلم، يوم فتح مكة: ((من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن دخل داره فهو آمن))، وهذا تصرف المسلمين مع أكثر الناس عداوة و بغضاء لهم، وهم كفار قريش، الذين طردوهم من ديارهم وأخرجوهم من أموالهم، ومثلوا بهم، فكيف سيكون حالهم مع من هم دون هؤلاء، ومما ثبت، أيضا، عن أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، وهو يوصي الجيوش قبل ذهابه، قوله: (( أيها الناس قفوا أوصكم بعشر، فاحفظوها عني: لاتخونوا، ولا تغلوا، ولا تقتلوا طفلا صغيرا،ولا شيخا كبيرا ولا امراة، ولا تعقروا نخلا ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرة متمرة، ولا تذبحو اشاة ولا بقرة ولا بعيرا إلا لمأكلة. وسوف تمرن بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع، فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له)).
فانظر إلى أخلاق المسلمين وهم في حالة حرب، مما لا يتصف به غيرهم في السلم، وما نقلنا إلا قليلا من كثير، طلبا للاختصار، وتجنبا للاسترسال، وإلا لأمثلة هذا ونظرائه وأشباهه كثيرة متوافرة، وهو مما يعبر عنه اليوم بقواعد الإشتباك، التي كان المسلمون أول من سن لها في حروبهم، وقعدوا لها في قتالهم، فهذه أخلاقهم في الحرب فضلا عن السلم، وتلك هي فلسفتهم في لقاء العدو، وهو على غير سواء مع ما يفعله الغرب في حروبهم من تدمير الديار وقتل الأبرياء وتشريد الأطفال وسوم الخسف لكل ما هنالك، وما حروبهم عنا ببعيد، وقد رأينا عيانا ما فعلوه بأفغانستان والعراق والشيشان، وغيرهم كثير، ولم يتباكوا كما يتباكون اليوم على أوكرانيا.
أما سبي النساء، فلم يكن على الصورة التي يحاول الطابور الخامس تصويرها، وإنما السبي هو خاص بالمقاتلات والمحاربات من نساء الكفار، اللواتي يشاركن في المعارك إما بقتال أو بتهييج الرجال على القتال، وهؤلاء يخرجن من دائرة المدنيين إلى حيز المحاربين، فمن حمل السلاح أو شارك في قتال، لا يعد بحال من الأحوال مدنيا، وإنما يعد مقاتلا، وهذا من المعلوم بالضرورة في الأعراف الحربية والنظم العسكرية.
وقد وضع الإسلام لهذه الحالة قوانينا وأحكاما، يمكن الرجوع عليها، فهي مبثوتة في كتب المسلمين، لكن أصحابنا لا يقرؤون، بل وإن قرؤوا لا يفهمون، لأن مستوى فهمهم وإدراكهم لا يزيد عن فهم أخبار الصحف.
ومن القوانين التي تحكم السبايا والأسرى، هو أنه يمكن المن عليهم بإطلاقهم، ويمكن استرجاعهم بفدية، كما أنه لا يملك المسلمون أن يعدوا عليهم أو يتركوهم بغير أكل، بل عليهم إطعامهم من خيرة طعامهم وأطيبه لذة، وليس لهم تعذيبهم والتمثيل بهم في السجون كما فعل الغرب ويفعل إلى يوم الناس هذا.
وهذه القوانين، وغيرها كثير، مما لا يتسع المجال لسرده، هي التي أحكمت المسلمين في فتوحاتهم، فكانوا يسرون وفقها ويقاتلون تحت بنوذها، وبها حرروا أهل البلاد التي فتحت من طغيان وتجبر الروم وغيرهم من الامبراطوريات، التي كانت تسود الأرض، وقد ترك الفاتحون المسلمون لأهل البلاد التي تم فتحها حرية الإعتقاد والتدين، وهاهم الأقباط إلى الآن يتواجدون في مصر، فلم يقيموا لهم أو لغيرهم، من سكان البلاد المفتوحة، حملات تصفية عرقية أو مذابح جماعية،كما فعل الغرب لأهل الأندلس، وأما فرض الجزية على من بقي منهم على دينه ومعتقده، فهذا مما لا ضرر فيه، بل هو من الضرائب والرسومات المالية التي تفرضها الدول على مواطنيها، ولو أنهم أسلموا لدخلوا مع غيرهم من المسلمين تحت واجب الزكاة، فالأمر واضح لا يشتبه، ولا يحتاج لكل ذلك التشدق والتعالم والتذاكي.

هذا، وأقولها صراحة، دون تحيز لتلميح، إن النظام الحربي عند المسلمين، وفلسفة المسلمين في القتال، هي أحرص ما يكون على حقن الدماء وحفظ الأعراض، وصون الأنفس، ولكن ماذا نفعل مع أناس ركنوا إلى العجز، فكفوا أنفسهم مشقة البحث في علوم المسلمين وكتبهم، وتتبع مناهجهم، ورضوا لأنفسهم الذلة والخضوع للغرب، وجعلوا من عقولهم مصبا لأودية الصرف الصحي الصادرة عن الغرب.
ورحم الله الإمام السيوطي، حين إفتتح كتابه "مفتاح الجنة'' بقوله: " إن من العلم كهيئة الدواء، وإن من الآراء كهيئة الخلاء"

كتبه: أيوب نصر الأربعاء 20 شعبان 1443 (23/03/2022)
رد مع اقتباس