عرض مشاركة واحدة
  #1  
غير مقروء 2016-03-14, 09:37 PM
شبكة ومنتديات شباب الأمة شبكة ومنتديات شباب الأمة غير متواجد حالياً
عضو جديد بمنتدى أنصار السنة
 
تاريخ التسجيل: 2015-05-21
المشاركات: 37
شبكة ومنتديات شباب الأمة
افتراضي الرد على شبهة قولهم أن القرآن الكريم حوى كل شيئ من أمور الدين

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين, أما بعد:

نص الشبهة: أن الله تعالى يقول: وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ [الأنعام : 38]

ويقول: وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيداً عَلَى هَـؤُلاء وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ [النحل : 89]

وذلك يدل على أن الكتاب قد حوى كل شيء من أمور الدين، وكل حكم من أحكامه، وأنه قد بينه بيانًا تامًا، وفصله تفصيلاً واضحًا: بحيث لا يحتاج إلى شيء آخر مثل السُنَّةِ ينص على حكم من أحكام الدين أو يبينه ويفصله، وإلا: لكان الكتاب مفرطا فيه، ولما كان تبيانا لكل شيء، فيلزم الخلف في خبره تعالى. وهو محال.

الجواب: أنه ليس المراد من الكتاب في الآية الأولى: القرآن، بل المراد به اللوح المحفوظ، فإنه الذي حوى كل شيء، واشتمل على جميع أحوال المخلوقات كبيرها وصغيرها، جليلها ودقيقها، ماضيها وحاضرها ومستقبلها، على التفصيل التام، كما قال صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ[1]: جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.

وهذا هو المناسب لذكر هذه الجملة عقب قوله: وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ [الأنعام : 38] فإن أظهر الأقوال في معنى المثلية هنا: أن أحوال الدواب من العمر والرزق والأجل والسعادة والشقاء، موجودة في الكتاب المحفوظ مثل أحوال البشر في ذلك كله.

ولو سلمنا أن المراد به القرآن كما هو في الآية الثانية: فلا يمكن حمل الآيتين على ظاهرهما: من العموم، وأن القرآن اشتمل على بيان وتفصيل كل شيء، وكل حكم، سواء أكان ذلك من أمور الدين أم من أمور الدنيا، وأنه لم يفرط في شيء منها جميعها.

وإلا للزم الخلف في خبره تعالى. كما هو ظاهر بالنسبة للأمور الدنيوية، وكما يعلم مما سبق في بيان أن القرآن يتعذر العمل به وحده بالنسبة للأحكام الدينية. فيجب العدول عن ظاهرهما، وتأويلهما.

وللعلماء في تأويلهما وجوه:

الوجه الأول: أن المراد: أنه لم يفرط في شيء من أمور الدين وأحكامه، وأنه بَيَّنَهَا جميعها دون ما عداها، لأن المقصود من إنزال الكتاب: بيان الدين، ومعرفة الله، ومعرفة أحكام الله, إلا أن هذا البيان على نوعين:

بيان بطريق النص، وذلك: مثل بيانه أصول الدين وعقائده، وبيانه وجوب الصلاة والزكاة والصوم والحج، وحل البيع والنكاح، وحرمة الربا والفواحش، وحل أكل الطيبات وحرمة أكل الخبائث.

وبيان بطريق الإحالة على دليل من الأدلة الأخرى التي اعتبرها الشارع في كتابة أدلة وَحُجَجًا على خلقه, فكل حكم مما بينته السنة أو الإجماع أو القياس أو غير ذلك من الأدلة المعتبرة: فالقرآن مبين له, لأنه بين مدركه ووجهنا نحوه، وأرشدنا إليه، وأوجب علينا العمل به.

ولولا إرشاده لهذا المدرك، وإيجابه العمل بمقتضاه: لما علمنا ذلك الحكم وعملنا به.
فالقرآن إذن هو: أساس التشريع، وإليه ترجع جميع أحكام الشريعة الإسلامية بهذا المعنى.

قال الشافعي[2]: فليست تنزل بأحد من أهل دين الله نازلة، إلا وفي كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها. قال الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى: الَر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ [إبراهيم : 1] وقال: بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [النحل : 44] وقال: وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيداً عَلَى هَـؤُلاء وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ [النحل : 89] وقال: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ [الشورى : 52]

والبيان اسم جامع لمعان مجتمعة الأصول متشبعة الفروع، فأقل ما في تلك المعاني المجتمعة المتشبعة: أنها بيان لمن خوطب بها ممن نزل القرآن بلسانه متقاربة الاستواء عنده وإن كان بعضها أشد تأكيد بيان من بعض, ومختلفة عند من يجهل لسان العرب.

فجماع ما أبان الله لخلقه في كتابه مما تعبدهم به بما مضى في حكمه جل ثناؤه من وجوه:

فمنها: ما أبانه لخلقه نَصًّا.

مثل جمل فرائضه في أن عليهم صلاة وزكاة وَحَجًّا وَصَوْمًا، وأنه حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ونص الزنا والخمر وأكل الميتة والدم ولحم الخنزير، وَبَيَّنَ لهم كيف فرض الوضوء، مع غير ذلك مما بين نَصًّا.

ومنها: ما أحكم فرضه بكتابه، وبين كيف هو على لسان نبيه.

مثل عدد الصلاة والزكاة ووقتها وغير ذلك من فرائضه التي أنزل من كتابه.

ومنها: ما سن رسول الله صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مما ليس لله فيه نص حكم.

وقد فرض الله في كتابة طاعة رسوله صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والانتهاء إلى حكمه. فمن قبل عن رسول الله فبفرض الله قبل.

ومنها: ما فرض الله على خلقه الاجتهاد في طلبه، وابتلى طاعتهم في الاجتهاد كما ابتلى طاعتهم في غيره مما فرض عليهم.

فعنه يقول تبارك وتعالى: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ [محمد : 31] وقال: وَلِيَبْتَلِيَ اللّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحَّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [آل عمران : 154] وقال: قَالُواْ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ [الأعراف : 129]، إلى آخر ما قال.

ثم قال[3]: البيان الرابع: كل ما سَنَّ رسول الله مما ليس فيه كتاب.

وفيما كتبنا في كتابنا هذا من ذكر ما مَنَّ الله به على العباد: من تعلم الكتاب والحكمة دليل على أن الحكمة سُنَّةُ رسول الله، مع ما ذكرنا مما افترض الله على خلقه من طاعة رسوله وبين من موضعه الذي وضعه الله به من دينه الدليل على أن البيان في الفرائض المنصوصة في كتاب الله من أحد هذه الوجوه:

منها: ما أتى الكتاب على غاية البيان فيه، فلم يحتج مع التنزيل فيه إلى غيره.

ومنها: ما أتى على غاية البيان في فرضه وافترض طاعة رسوله.

فبين رسول الله عن الله: كيف فرضه وعلى من فرضه؟ ومتى؟ يزول بعضه ويثبت ويجب؟

ومنها: ما بينه عن سنة نبيه بلا نص كتاب.

وكل شيء منها بيان في كتاب الله، فكل من قبل عن الله فرائضه في كتابه: قبل عن رسول الله سننه بفرض الله طاعة رسوله على خلقه، وأن ينتهوا إلى حكمه، ومن قبل عن رسول الله فعن الله قبل لما افترض الله من طاعته.

فيجمع القبول لما في كتاب الله ولسنة رسول الله القبول لكل واحد منهما عن الله، وإن تفرقت فروع الأسباب التي قبل بها عنهما.

كما أحل وحرم وفرض وحد بأسباب متفرقة. كما شاء جَلَّ ثَنَاؤُهُ: لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [الأنبياء : 23] اهـ.

ومن هذا الكلام الأخير تعلم الجواب عما قاله الدكتور صدقي في مقاله[4]: لم كان بعض الدين قرآنا والبعض الآخر حديثا؟ وما الحكمة في ذلك؟.

وقد حكي أن الشافعي رَحِمَهُ اللهُ كَانَ جَالِسًا فِي المَسْجِدِ الحَرَامِ فَقَالَ: لاَ تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ إِلاَّ أَجَبْتُكُمْ فِيهِ مِنْ كِتَابِ اللهِ، فَقَالَ رَجُلٌ: مَا تَقُولُ فِي المُحْرِمِ إِذَا قَتَلَ الزُّنْبُورَ؟ فَقَالَ: لاَ شَيْءَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: أَيْنَ هَذَا فِي كِتَابِ اللهِ؟ فَقَاَل: قَالَ اللهُ تَعَالَى: آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الحشر : 7].
ثم ذكر إسنادًا إلى النبي صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال[5]: عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِي.
ثم ذكر إسنادًا إلى عمر رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أنه قال: لِلْمُحْرِمِ قَتْلُ الزَّنْبُورِ. فأجابه من كتاب الله مستنبطًا بثلاث درجات، وقد حكي عن ابن مسعود في لعنة الواشمة والمستوشمة نحو ذلك مما تقدم ذكره.

وقد روي في حديث العسيف الزاني[6]: أن أباه قال للنبي صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اقض بيننا بكتاب الله. فقال عَلَيْهِ السَّلاَمُ: لأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ, ثم قضى بالجلد والتغريب على العسيف، وبالرجم على المرأة إن اعترفت.

قَالَ الْوَاحِدِيُّ: وَلَيْسَ لِلْجَلْدِ وَالتَّغْرِيبِ ذِكْرٌ فِي نَصِّ الْكِتَابِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَا حَكَمَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهُوَ عَيْنُ كِتَابِ اللَّه. اهـ.

يقول ونحن نسمع منه هذا الكتاب - سنن أبي داود - فأشار إلى النسخة وهي بين يديه: لو أن رجلا لم يكن عنده من العلم إلا المصحف الذي فيه كتاب الله ثم هذا الكتاب: لم يحتج معهما إلى شيء من العلم بتة.

وهذا كما قال شك فيه: لأن الله تعالى أنزل كتابه تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ، وَقَالَ: مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ [الأنعام : 38] فأخبر سبحانه أنه لم يغادر شيئا من أمر الدين لم يتضمن بيانه الكتاب إلا أن البيان على ضربين: بيان جَلِيٌّ تناوله الذكر نَصًّا، وبيان خفي اشتمل عليه معنى التلاوة ضمنا، فما كان من هذا الضرب كان تفصيل بيانه موكولا إلى النبي وهو معنى قوله سبحانه: لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [النحل : 44] فمن جمع بين الكتاب والسنة فقد استوفى وجهي البيان. اهـ.

الوجه الثالث: وقد حكاه الألوسي عن بعضهم[7]: أن الأمور إما دينية أو دنيوية. والدنيوية لا اهتمام للشارع بها: إذ لم يبعث له.
والدينية إما أَصْلِيَّةٌ أَوْ فَرْعِيَّةٌ. والاهتمام بالفرعية دون الاهتمام بالأصلية: فإن المطلوب أولاً بالذات من بعثة الأنبياء هو التوحيد وما أشبهه، بل المطلوب من خلق العباد هو معرفته تعالى، كما يشهد له قوله سبحانه: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات : 56] بناء على تفسير كثير " العبادة ": بالمعرفة.

وقوله تعالى في الحديث القدسي المشهور على الألسنة المصحح من طريق الصوفيةل[8]: كُنْتُ كَنْزًا مَخْفِيًّا فَأَحْبَبْتُ أَنْ أُعْرَفَ. فَخَلَقْتُ الْخَلْقَ لأُعَرِّفَ.
والقرآن العظيم: قد تكفل بالأمور الدينية الأصلية على أتم وجه. فليكن المراد من "كُلِّ شَيْءٍ" ذلك.

------------------
1 عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: الأحكام الشرعية الكبرى (3/333) عبد الحق الإشبيلي: صحيح , تفسير القرطبي (8/335) القرطبي: صحيح ,التعليق على الطحاوية (35) الألباني : صحيح
2 في صدر " الرسالة ": ص 20.
3 المصدر السابق: ص 32.
4 س 9 ع 7 ص 515.
5 العرباض بن سارية رضي الله عنه: مجموع الفتاوي , منهاج السنة , تاريخ الإسلام , نخبة الأفكار , إرشاد الفحول , الفتح الرباني , السيل الجرار: صحيح.
6 انظر " تفسير الفخر الرازي ": ج 4 ص 40، 41.
7 في " تفسيره ": ج 14 ص 197.
8 قال ابن عراق في " تنزيه الشريعة ": ج 1 ص 148: قال ابن تيمية: «موضوع» [الناشر].

الكتاب: الرد على من ينكر حجية السنة (مطبوع مع كتاب دفاع عن السنة لأبي شهبة)
المؤلف: أبو الكمال - أو أبو الحسن - عبد الغني بن محمد عبد الخالق بن حسن بن مصطفى المصري القاهري (المتوفى: 1403هـ)
الناشر: مكتبة السنة
الطبعة: الأولى، 1989 م
عدد الأجزاء: 1
صـ 397 - 402
- بتصرف -
رد مع اقتباس