="الأذكار           

مكتبة دار الزمان

*** مواقع صديقة ***
للتواصل > هنـــــــــــا
السنة النبوية | كوبون خصم | حياة المصريين | الأذكار | موقع المرأة العربية | رحيق | أولاد مصر
 
العودة أنصار السنة > القسم العام > حوارات عامة
 
*** مواقع صديقة ***
شارب شوتر ||| عدد يدوية وأكسسوارات ||| ليموزين مطار القاهرة ||| محامي في الرياض ||| محامي بالرياض ||| محامي في الرياض ||| موثق ||| محامي في جدة ||| محامي في جدة ||| جنة العطور ||| بحرية درويد ||| الفهرس الطبي ||| شيتو ||| كتابة بحوث جامعية ||| الصحة و الجمال ||| Dream League 2022 ||| المتجر الرقمي ||| شدات ببجي ||| مقالات ، مقالات منوعة ، مقالات علمية ||| شركة نقل عفش بالقطيف ||| الربح من الانترنت للمبتدئين ||| ستور بلايستيشن ||| افضل موقع لاختصار الروابط ||| قصر الطيب

*** مواقع صديقة ***
عبدالعزيز الحويل للعود ||| القرآن الكريم اونلاين ||| توصيل مطار اسطنبول الجديد ||| شاليهات جلنار الرياض ||| Learn Quran Online ||| الاستثمار في تركيا ||| نقل عفش الكويت ||| منتجات السنة النبوية ||| منتجات السنة النبوية ||| ما رأيكم ||| شركة نقل اثاث بالخبر


« شارك فى حملة التبرع بالمصاحف لأخواننا فى دولة السودان | التفكير بالنص الأدبي (دراسة أكاديمية) | التفكير بالنص التشريعي (دراسة أكاديمية) »

إضافة رد

أدوات الموضوع
  #1  
غير مقروء 2017-07-14, 03:03 PM
محمد محمد البقاش محمد محمد البقاش غير متواجد حالياً
عضو مطرود من المنتدى
 
تاريخ التسجيل: 2012-01-09
المكان: طنجة ـ المغرب.
المشاركات: 90
محمد محمد البقاش
افتراضي التفكير بالنص الأدبي (دراسة أكاديمية)

التفكير بالنص الأدبي
(دراسة أكاديمية)

معلوم بداهة أن النص الأدبي لم يضعه الأديب إلا للاستمتاع واللذة، وهز المشاعر. وعند النظر إلى النصوص الأْدبية وتأملها، يتبين أنها تحتوي على معاني، غير أن هذه المعاني ليست هي القصد الأول عند الأديب، بل القصد الأول عنده في التركيز على الألفاظ والتراكيب. ولذلك يعنى الأديب بها أكثر من عنايته بالمعاني وإن كانت هذه الأخيرة لابد منها، وأنها لا تخلو من فائدة العقل. فمعظم جهد الأديب مصبوب على الألفاظ والتراكيب ليؤدي بها المعاني المتصورة في ذهنه على شكل صورة بلاغية تتمثل في المعنى الجميل، في اللفظ الجميل، والتركيب الجميل. فهو حينما يتصيدها فإنما يتصيدها ليصوغها في مجموعة ألفاظ وتراكيب. وهذه الأخيرة تكمن في الصور التي تظهر بها المعاني في الألفاظ والتراكيب. فصياغة المعاني تعتمد على صياغة الألفاظ والتراكيب في النصوص الأدبية رغم أن النصوص بوجهها العام يراد بها أداء المعاني، ولكن ذلك يختلف في النص الأدبي لأنه لايكتفي بالمعنى، بل يركز على اللفظ والتركيب لأداء المعنى، وبذلك يظهر أن المعاني لا تأتي ضمن الاهتمام الأول في النص الأدبي عند الأديب، بل يسبقها الاهتمام بالألفاظ والتراكيب لتؤدى بها المعاني، وغايته ليست أداء المعاني فحسب بل الإثارة، إثارة القارئ والسامع بإضافة إعطائه المعاني في صورة الألفاظ والتراكيب، ومن هنا كان هم الأديب اختيار الألفاظ والتراكيب، ومن هنا كان حرصه على العبارات لدرجة صيرورتها فخمة، أو تعميمية لغاية الوقوف عند المواطن الجمالية والتأثيرية لإيقاظ العواطف وإثارتها، وتحريك الانفعالات وتهييجها.
فالنصوص الأدبية من جهة العبارات التي يصوغ بها الأديب فكره، ويخرج بها صور ذهنه، وعنايته بهذه الأخيرة، ثم اختياره للأفكار هي وجه التمييز فيها عن غيرها من النصوص غير الأدبية كالنصوص السياسية والتشريعية والفكرية..
وهمّ الأديب من الفكرة في نصوصه الأدبية هو محاولته الوصول إلى القدرة على صياغتها وإخراجها في الصور المثيرة والمؤثرة، لأن الأصل في هذا هو التعبير والتصوير، تصوير ما يريد منه تصويره، ثم إخراجه في صورة أدبية متمثلة في فنون الأدب شعرا اْو نثرا.. وإذا وقفنا على فكر معين أثناء قرائتنا أو سماعنا للنصوص الأدبية، فإننا نجد أكبر همّ الأديب يكمن في الصورة والتركيب، فما الأفكار إلا مادة من المواد التي يجب أن تكون صالحة للتصوير، وإلا فإن الأديب مضطر للبحث عن غيرها والتي توجد فيها قابلية التصوير حسب قدرته على رؤية ذلك ممكنا؛ فيعمد إلى تصويرها. وهو وإن وقف بنفسه على خطأ الرؤية أو فساد الفكرة وكانت صالحة للتصوير فإنه لا يبالي بفسادها وخطئها، ولا يتوخى الصحة والصدق، بل يحرص على صلاحيتها للتصوير وعدم صلاحيتها لذلك إلا ما ندر من الأدباء.
وعند تأملنا للنصوص الأدبية نجد أنها ليست لتعليم الناس الأفكار، بل لإثارة مشاعرهم. وإذا حصل وتعلّمنا منها فكرة أو أفكارا، فإن تعلّمنا لا يكون منها، بل يكون من جهدنا، وتوظيفنا للمعلومات الموجودة لدينا أثناء قراءتها أو سماعها، لأن عناية الأدباء ليست عناية بالأفكار من حيث صحتها أو خطئها، بل من حيث التصوير والتعبير حتى الوصول إلى الروعة والإثارة.
ومن هنا كان أجدر بمتعاطي الأدب أن يحرصوا على قناعاتهم ومقاييسهم، وأن يعنوا بأفكارهم ومفاهيمهم، فإذا ما صادفوا فكرة لا تصلح للتصوير، وكانت فكرة صحيحة، لم يتحولوا إلى مقابلها بغية التصوير مهملين عنصر الصدق والصواب في الأفكار، بل جهدوا في محاولة تصويرها، وإذا ما تبين لهم استحالة ذلك اتهموا أنفسهم بخطأ حكمهم، وعدم قدرتهم على تصويرها، إذ كيف يعقل أن يكون الجمال في فكرة خاطئة فاسدة ولا يكون في الفكرة الصحيحة؟ فالفكر الصحيح تكفي صحته دليلا على جماله، فعلى الأديب أن يبحث عن هذا الجمال، وإذا عجز عن إخراجه في صورة أدبية لم يعمد إلى اعتبار ذلك مستحيلا، بل اعتبره صعبا ومستعصيا عليه لوحده نظرا لطاقته العقلية المحدودة إلا أنه قد لا يستعصي على غيره ممن يملك طاقة اْكبر من طاقته، ومن هنا كان لابد من الابتعاد عن تصوير ما يتناقض مع القناعات. وكان الملهم من الأدباء هو الذي يقوى على حمل الأفكار والمفاهيم على الخضوع للتصوير دون المساس بصدقها وصحتها وقناعته فيها وبها.
هذا هو واقع النص الأدبي، ولإدراك معناه أثناء القراءة أو الاستمتاع يلزم وجود معلومات سابقة يحتاج إليها القارئ أو السامع حتى يستطيع ربط إحساسه الواقع على النصوص الأدبية بها، وهذه المعلومات لابد أن تكون خاصة، وليس أي معلومات، وهي متعلقة بالصور الأدبية، وتصوير الأديب لها حتى يمكن رؤية صور النصوص على الوجه السليم دون الوقوع فيما يخلّ بالصورة التي أخرجت على وجهها الصحيح.
والمعلومات عبارة عن معارف متعلقة باللفظ والتركيب، أي متعلقة بالعملية التصويرية ولوازمها من الوسائل والأدوات، ثم يتطلب مرانا على المشاهدة للصور، والكيفية التي يجري عليها ذلك، والتمييز بينها. وبتعبير آخر يتطلب كثرة قراءة النصوص الأدبية حتى تكون بمثابة معارف سابقة تصبح أداة لفهم اللاحقة حين يقع عليها الحس، وهذا يؤدي إلى اكتساب ذوق يتربى شيئا فشيئا من جراء القراءة، وبه يحصل التمييز والإدراك.
ومن لم تكن لديه دراية بالنصوص الأدبية، ومن لم يكتسب ذوقا من قراءاته لها، فإنه لن يفهمها بغض النظر عن تظاهره بالتأثر والتقدير لها، لأن المسألة مسألة ذوق، والذوق يصل إلى الإرهاف بكثرة ما يُتذوق، وبكثرة المران، وبكثرة أنواع النصوص الأدبية من حيث القراءة، وكلما وجد الذوق وجد معه الفهم. وكلما انعدم الذوق انعدم معه الفهم، لأن فهم النصوص الأدبية ليس فهما لمعانيها، بل تذوقا لتراكيبها حتى ينتج عنه فهمها.
وكمثال على التذوق فهم معنى قول الشاعر:

تركتكِ في عمر الثماني شهورٍ
وما زلت نشْواً في وداعك يا ابنتي
تأبَّطت أغراضي وودعت أهلي
وقبّلتها من وجنتيها صغيرتــي
نظرت إليها وهْـي تحبـو وتزحـــفُ حتى استقامت تستعين بركبتي
فأنزلتها أرضا برفق وجدتــهْ
وقلت :وداعا، وداعا خُوَيْلـتي
وسارت معي حيث أسير وأنـزلْ
تلازمـني لُزْمـان قلـبي لمهجتي
وتؤنسني في وحدتي ذكريــاتُُ
وينقصني لَحْظ صباهـا صبيـتي
وطيف جميل لا يداعَب حســاًّ
ولكنّ معنـاه يخفّـف لوعـتي
وأقرض شعرا في فتاتي الجميلــهْ
وأستشعر التَّحْنان عنـد أُبُوّتي
وشوقي إليها أنكر البعد عنهــا
وأذَّن في الشعر فقلت قصيدتي
ويحفظك الله ونعم الحفيـــظ
ويرعاك من ليس سواه خليفتي.

وقول الشاعر:

أنفـس زكيّـة إستمـاتـت
تحت تعذيب فنالت شهـادهْ
إبتغت رضـوان ربّ فكـان
واستمالت أنفسا للزيــاده
رُمّلت زوجاتهم كالصّحابــه
واستقاموا يطلبون السعـاده
يُتِّـم البنـيـن ثـم البنـات
ليرى إسلامنا في الريــاده
أمهات أنجبت خيـر نســل
يتحدى الكفر رغم الإبـاده
رحمـة الله عليـهـم فصبـرا
آل إسـلام وصبر المعـاده.
هو غير قول الشاعر :

لبطنـك يا غبراء خيـر لأمــةٍ
ثقلـت بها والعـارَ، العـار تحمـلُ
تنام كأهل الكهف والذلَّ تعشـقُ
تخبّطها الشيطـان والسـوءَ تفعـل
تساوت مع القوم الأراذل ذِلّــةً
ويغبنهـا فـي ذلّـة من يُمـوّل
وتوضع في وضع الدّواب لتركبَ
كـأن الـذي آلت إليـه مُبجّـل
فما هي للإحسـاس إلا كميّـتٍ
وهل صار في الأموات من بات يعقل؟
مخـدّرة مضبوعـة ليتـها تعـي
وما صفة الوعي السّبـات المطـوّل.

وغير قول الشاعر :

عميتِ عن الحلّ الصحيـح عميـتِ
فأيّتهـا الأمّـة هـلا ّ بَـصُـرْتِ
تمكّن منك الجهـل حـتى عدمـتِ
حلولاً لمـا أنـت علـيـه فهُنْـتِ
وثقـت بحكّـام وقـد أَسْلمـوكِ
فلا بأس فيمـا فعلوا، إذ رضيـت
أذاقـوك قهـرا وأروك الصـدود
أروك عداء الشّرع حيـن جَبُنـت
تصيـحيـن وابْرَوْنـاهُ واأُوفمـاهُ
كأنّهما معتـصمـا قـد نـديـت
يؤمُّك غـربُُ وكـنـت الإمـام
لكلّ الأممْ، ثمّ الحضيـض نـزلـت
أما تستحي من تبـعـيّـة غـربٍ؟
وشـرقٍ؟ لمـاذا؟ أم بهـذا أمـرت؟
لبست لُبوس الـذلّ هيّـا اخلعيـهِ
فقد حَصْحَصَ الحقّ عـلامَ عزمـت؟
إذا كان هـذا العـزم توْقـاً لمجـدٍ
فمجدك في الإسلام، فيمـا تركـت
ألا فلتعـودي، أعيـدي كيـانـهْ
كيانـهُ هـذا خَيْـرُ خَيْـرٍ فقـدت
مكثت طويـلا في انحـطاط مريـع
متى تنهضـي؟ أم تـراك عجـزت؟
أُحلـت إلى دميـهْ وكنـت أبيّـهْ
وربّ السماء الرّزءَ ما قـد أُحلـت
ودون العلا حيث مكانـا قعـدت
وطاب المقـام فشـرّا فـعـلـت
كفـاك القعـود كفـاك الركـون
فهيّا انهضي، قد كفى مـا صُليـت.

وهذه الغيرية في القطعتين والقصيدتين الشعريتين ليست كامنة في معانيها من حيث اختلاف المعاني في كل منها، بل هي مجسدة في صورة كل قطعة وكل قصيدة. فالتصوير الذي أوجده الشاعر فيها وإن كانت كل واحدة منها تهز القارئ أو السامع، ولكنها مختلفة في الهزة عن بعضها البعض قوة وضعفا.
فالقصيدة الأولى تصور تأثر الشاعر في سفره بسبب بعده عن صبيته.
والقطعة الثانية تصور تأثره بواقع ذبح الشباب المسلم بسبب دعوة هذا الأخير للإسلام.
والقطعة الثالثة تصور تأثره بواقع أمته المزري.
والقصيدة الرابعة تصور تأثره بعمى الأمة والتوجه الخاطئ في حياتها، وكلها تختلف في التصوير الذي خرجت به معاني القطعتين والقصيدتين.
ومثلا قول الأديب :
((أيها الأخ الكريم والصديق القديم: لقد نلت من دنياك مالا يكفيك، وعشت زمنا ما داهمك فيه ما يؤذيك. فخير لك في هذه الدنيا أن تستقل بخَلَدَك، إذ هو للأفذاذ مثل أعلى فعليك به وإلا مسخت شخصيتك. فهل تعلم أن الحياة لم تفهم بعد؟ وأن جبر بعض السنن ليس منه بُدّ؟ إن حياة البشرية أصبحت اليوم شاذة، بسبب غياب من يحملها على الجادة، فقد هوت إلى حضيض لا نهاية له، فواقعها المزري يحسنك أن تأسف عليه. فوالله إن وطدت عزيمتك، ورسمت خريطتك، ووضعت فلسفتك، وواظبت على دراستك، وعملت بإسلامك لفزت بجنتك. ما كل امرئ بنفسه عارفا، أو عن الملذات عازفا، فلتختبر نبوغك، ولتزدري وضعيتك، ولتعتز بإيجابيتك وتعدل عن سلبيتك لكي لا تبقى حيث العادي من الناس باق، ولو تعرضت للمشاق. فهل لي أن أعرف وجهتك، لأقف على قُحّ شيمتك مستخلصا نوعية إنسانيتك؟.
أخي رغم أنفك: افرش لي وفاقك أفرش لك وفاقي وأجعلك من خير الرفاق)).
وقول الأديب :
((الحسد أبقاك الله داء ينهك الجسد. ويفسد الأود. علاجه عسر. وصاحبه ضجر. وهو باب غامض وأمر متعذر. فما ظهر منه فلا يداوى. وما بطن منه فمداويه في عناء... فمنه تتولد العداوة وهو سبب كل قطيعة ومنتج كل وحشة ومفرق كل جماعة وقاطع كل رحم بين الأقرباء. ومحدث التفرقة بين القرناء. وملقح الشر بين الخلطاء. يكمن في الصدور كمون النار في الحجر. ولو لم يدخل رحمك الله على الحاسد بعد تراكم الهموم على قلبه واستمكان الحزن في جوفه وكثرة مضضه ووسواس ضميره وتنغيص عمره وكدر نفسه ونكد لذاذة معاشه. إلا باستصغاره لنعمة الله تعالى عنده. وسخطه على سيده بما أفاده الله عبده. وتمنيه عليه أن يرجع في هبته إياه. وأن لا يرزق أحدا سواه. لكان عند ذوي العقول مرحوما. وكان عندهم في القياس مظلوما... والحاسد مخذول ومأزور، والمحسود محبوب ومنصور. والحاسد مهموم ومهجور. والمحسود مغشي ومزور)).
هو غير قول الأديب :
((.. الذي يجب أن يكون النبي (ص) قد استعان به كثيرا أو قليلا في نظم القرآن... للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل. وللقرآن أن يحدثنا عنهما أيضا، ولكن ورود هذين الاسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي فضلا عن إثبات هذه القصة التي تحدثنا بهجرة إسماعيل وإبراهيم إلى مكة... ونحن مضطرون إلى أن نرى في هذه القصة نوعا من الحيلة في إثبات الصلة بين اليهود والعرب. وبين الإسلام واليهودية، والتوراة والقرآن من جهة أخرى... إذا فليس ما يمنع قريشا من أن تقبل هذه الأسطورة التي تفيد أن الكعبة من تأسيس إسماعيل وإبراهيم، كما قبلت روما قبل ذلك ولأسباب مشابهة أسطورة أخرى صنعتها لها اليونان تثبت أن روما متصلة بإينياس بن بريام صاحب طروادة)).
وغير قول الأديب :
((حضرة صاحب العزة الأستاذ الجليل مدير الجامعة المصرية، أتشرف بأن أرفع إلى عزتكم ما يأتي : كثر اللغط حول الكتاب الذي أصدرته منذ حين باسم : ((في الشعر الجاهلي)) وقيل إني تعمدت فيه إهانة الدين والخروج عليه، وإني اْعلم الإلحاد في الجامعة، وأنا أؤكد لعزتكم أني لم أرد إهانة الدين ولم أخرج عليه، وما كان لي أن أفعل ذلك وأنا مسلم أؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وأنا الذي جاهد ما استطاع في تقوية التعليم الديني في وزارة المعارف حين كلفت العمل في لجنة هذا التعليم، ويشهد بذلك معالي وزير المعارف وأعوانه الذين شاركوني في هذا العمل، وأؤكد لعزتكم أن دروسي في الجامعة خلت خلوا تاما من التعرض للديانات لأني أعرف أن الجامعة لم تنشاْ لمثل هذا. وأنا أرجو أن تتفضلوا فتبلغوا هذا البيان من تشاءون وتنشروه حيث تشاءون واْن تقبلوا تحياتي الخالصة وإجلالي العظيم)).
وغير قول الأديب :
((قال كليلة : أما تضرب لي المثل الذي قلت يا دمنة؟ قال دمنة: زعموا أن سمكة في قدر ذراع كانت في غدير فلما سال به السيل جرى بها الماء إلى نهر قريب، فدخلها الغرور فقالت : هذا لعمري ميراث أبي قد كنت عنه غافلة، وما أكثر ما يضيع التهاون والعجز، ثم إنها ما لبثت في النهر ما شاء الله حتى خرج بها التيار إلى البحر، فقالت : ياويلتا، أعجزت كل هذا العمر عن ميراث أعمامي!... ثم مازالت في ميراث أعمالها حتى قذف بها الماء إلى المحيط فاتسع لها منه ما يسعها... فقالت: قبح الله العجز ولو من كسل وهوينا، لقد كدت أسلب ميراث أجدادي!... لولا أن من دمهم في لم يزل يدفعني ولم يزل يسمو بي، ثم إنها طفت يوما على الماء فإذا الأسطول الإنجليزي يمخر العباب إلى جبل طارق في عشر بوارج وعشرين مدرعة ومائة سفينة طوربيد وخمسين غواصة، فطار بها الغيظ قطعا وقالت: من هذا الوقح المتهجم على ميراث أجدادي لا يخشى أن يقتحم علي وقد حميت هذا الملك من حيث يجري الماء إلى حيث يبلغ الماء؟ ثم إنها شدت نحو الأسطول وهي تخبط بذنبها من الغيظ تريد أن تضربه بهذا الذنب ضربة تلوي به، ولكن الأسطول كان بعيدا، ثم إنه كان سريعا، ففاتها فقالت: أولى لك، ما نجا بك والله إلا حدة الهرب وسرعة الفرار.
قال دمنة: ثم اضطجعت على الماء تسكّن من غضبها فنامت واسترخت، فمر بها زورق صيد، فما أحست إلا الشبكة وقد أخذتها، فغاصت في الماء وجعلت تختبط عالية سافلة لا ترى مذهبا ولا مفرا فلما أعياها ذلك وبلغ منها الجهد قالت: أيتها الشبكة، دعيني، فوالله ما قلت إن المحيط ميراث أجدادي ولا البحر ميراث أعمامي ولا النهر ميراث أبي ! .
قال كليلة: فمثل من هذا يا دمنة؟ قال: مثل طاحين _ أي طه حسين _ في كتابه لمدير الجامعة)).
وهذه الغيرة في النصوص النثرية المذكورة عند هؤلاء الأدباء لا ينبغي أن ينظر إليها من جهة اختلاف المعاني عند كل واحد منهم، بل يجب أن ينظر إليها من جهة الكيفية التي وظفت بها المعاني أو أديت بها، كما أنه يجب أن ينظر إليها في صورة كل منها من جهة محاولة الأدباء أداء الصور وإخراجها للقراء أو المستمعين.
فالأديب الأول يخاطب صديقه كاشفا واصفا، وحاثا، والمعاني الواردة في قطعته النثرية تختلف من فقرة لأخرى، ولكن أهم ما يجب ملاحظته هو أنه لم يكن يبحث عن هذه المعاني، وإنما كان يبحث ويهتم بالألفاظ والتراكيب.
والمعاني التي ظهرت إنما هي وسائل لأداء ما يراد أداؤه، وإبراز ما يراد إبرازه من صور.
والأديب الثاني يصف الحسد، ويتحدث عن الحسود. وهو وإن حوت قطعته أفكارا مفيدة للعقل غير أنه لم يكن يبحث عنها كما هو ظاهر في قطعته، بل كان يبحث عن الألفاظ والتراكيب ليؤدي بها الأفكار، أي كان يحرص على الألفاظ والتراكيب لصياغة المعاني حتى تخرج في أزهى صورها.
والأديب الثالث يتحدث عن أمور تعد حقائق عند الكثيرين كالمسلمين، وتعد مجرد أفكار عند الآخرين خصوصا من أبدعوها من المستشرقين وآلتهم للصور الشمسية صاحب النص. فهو حين ينظر إلى شعر أمية بن أبي الصلت لا ينظر إليه بعقله، بل بعقل غيره، ويضحى هو مجرد آلة تصوير شمسي تعكس ما تتلقاه، ويصبح بوقا لهم. هذه النظرة المنتحلة جعلته كغيره يعتبر شعر أمية بن أبي الصلت من مصادر القرآن الكريم. فقد استعان به النبي محمد صلى الله عليه وآله وصحبه في نظم القرآن وتأليفه، يريد بذلك زعزعة قناعات المسلمين بكتابهم الذي ((لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه )). ويحاول حملهم على اعتباره من غير الوحي حتى لكأنه _ أي القرآن _ لا يحتاج إلا أن يكتب على غلافه وفي صفحته الأولى هذه العبارة, المؤلف : محمد بن عبد الله، ـ رسول الله (ص) ـ. ثم يأتي على ذكر قصة إسماعيل وإبراهيم فيؤكد أن ذكرهما في التوراة والقرآن لا يكفي دليلا على ثبوتهما التاريخي _ القطعي اليقيني _ وكذلك الشأن في هجرتهما إلى مكة المكرمة، يريد بذلك نفس ما أراده في السابق، ثم يصل به فكره إلى اعتبار قصة الهجرة من باب الحيلة، يريد تأكيد ممارسة الحيلة في حق محمد بن عبد الله _ رسول الله الصادق المصدوق (ص) _ على العرب عامة، وعلى قريش خاصة، وأخيرا يستقر على الفكرة التي تقول بأن البيت الحرام من تأسيس إبراهيم وإسماعيل كما نص عليها القرآن الكريم في قوله تعالى: ((وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل)) ويعتبرها أسطورة. يعتبرها مجرد خرافة ابتدعها محمد بن عبد الله (ص) ليحتال بها على العرب حتى يتبعوه، وحتى يقارب بينهم وبين اليهود، وبين الإسلام واليهودية، ويشبه ذلك بأسطورة يونانية ابتدعت من أجل الحيلة أيضا.
والقطعة الرابعة لنفس الأديب صاحب النص الثالث عبارة عن رسالة موجهة إلى مدير الجامعة المصرية يتحدث فيها عن كتابه: ((في الشعر الجاهلي)) الذي كثر اللغط حوله بسبب تهمة تعمُّد صاحبه إهانة الأديان؛ خصوصا الإسلام والخروج عنه وتعليم الإلحاد في دروسه التي كان يلقيها على الطلبة بالجامعة. والرسالة عبارة عن دفاع وإنكار الاتهامات الموجهة إليه، والتأكيد على إسلامه وإيمانه، وكشف لجهوده التي بذلها في تقويم التعليم الديني ونفي تام لأي تعرض للديانات.
وعند النظر إلى القطعة الثالثة ومحاولة التوفيق بينها وبين القطعة الرابعة مادامتا لمبدع النصين معا يحسن بنا بوصفنا متدبرين للنصوص الأدبية، جادين في محاولة فهمها أن نتقمص الغباوة فندع عقلنا يستعجم علينا حتى نخلص إلى نتيجة أن الخطأ قد وقع سهوا بوضع اسم الأديب على الكتاب لأنه على ما يبدو ليس من تأليفه، بل من تأليف _ كليمان هور _ أو _ أناتول فرانس _ أو غيرهما من المستشرقين لأْن الرجل يخاطبنا كما لو كنا بدون تمييز. وهذا الذي أكده في رسالته عذر أقبح من ذنب، ذلك أن الأديب لم تكفه الإهانات والتجريح والتشكيك التي أوردها في النص الثالث ومعظم النصوص الواردة في كتابه _ في الشعر الجاهلي _ حتى بادر إلى التصعيد منها في النص الرابع بأسلوب خفي ظاهره غير باطنه ظنا منه أنه لن يستعلن مادام قد نفى عن نفسه جميع الاتهامات رغم عدم تبرُّئه من كتابه فكان بذلك جبانا متغطرسا.
ومثل هذا مثل محاورة كليلة ودمنة. فقد اعتادا مناقشة الأفكار والآراء والمصطلحات. وذات مرة جرى معهما النقاش التالي:
قال كليلة: نسمع عن الديمقراطية الشيء الكثير. فتارة وصفها ديمقراطية غربية. وتارة أخرى ديمقراطية شرقية. ومرة ديمقراطية قطرية. وحينا آخر ديمقراطية بلد وعلى كل حال فمفهومها هو الحكم للشعب، والسيادة فيها للشعب أيضا. وهي من جهة تسليط النظرة الإسلامية عليها تعدّ مفهوم كفر لأن السيادة في الإسلام للشرع، وليست للشعب ولا للأمة. فرد دمنة: رويدك يا كليلة فقد شطحت كثيرا، فأنا مثلك أومن بالإسلام. وأومن بالديمقراطية إلا أني لا أراها كما تراها أنت، فهي عندي تعني العدالة، والعدالة شيء مرغوب فيه شرعا، ثم انتقل كليلة إلى مفهوم آخر فقال:
الجمهورية كنظام حكم تعني حكم الجمهور، أو حكم الأكثرية ويتمثل فيمن ينتخبهم الناس وينصبونهم حكاما عليهم، ولا تشبه من قريب أو بعيد ما حصل لعثمان بن عفان _ رضي الله عنه _ حين انتخبته الأكثرية من الناس لأن عثمان الحاكم لم ينصّب إلا ليعمل بمفهوم السيادة للشرع عليه وعلى الجماعة وعلى الدولة. فقال دمنة: لا تدع عقلك يضيق بك فيضيق عليك يا كليلة ! فالجمهورية تعني شعبية النظام، وكلما كان النظام شعبيا كان ناجحا ومحققا لما تصبوا إليه الأمة أو الشعب من تقدم وازدهار، ثم انتقل كليلة إلى مفهوم العدالة الاجتماعية فقال: العدالة الاجتماعية مجموعة أحكام وجدت للتخفيف من ظلم النظام الرأسمالي الذي بانت عوراته فاستعلنت حتى للضرير، وهي فكرة رأسمالية في أصلها يحاول أصحابها ترقيع نظامهم بإعطاء التقاعد للموظفين والإكراميات للعمال وتطبيب وتعليم الفقراء مجانا، ولكنها تستثني سائر الناس، وهذا الاستثناء مضافا إلى عدم انبثاقها أو بنائها على العقيدة الإسلامية هو الذي جعلها ظالمة وفاسدة. فرد دمنة: يا سبحان الله ! كلما تناولت فكرة أو رأيا أو مصطلحا لمناقشته معي إلا وقفت منه الموقف الجامد بحيث لا تعدل به عن غيره حيث يجب العدول وهذا إعاقة للتطور. فالعدالة حتى ولو بدأت من فئة واحدة، فإن غايتها عموم الفئات، وهذا يتطلب وقتا. فماسحوا الأحذية والبستانيون وغيرهم ممن لم تشملهم العدالة الاجتماعية بعد سوف يصيبهم ربحها الطيب عاجلا أو آجلا كما حصل مع العمال، فهي في محيطنا لازالت نبتة غضة، ولكنها في نمو مستمر سوف يثمر ولاشك، ثم تطرق كليلة لمفهوم مرونة الإسلام فقال: كلما كان الإسلام مرنا كان متغيرا، وهذا ينسجم مع أفكار الغرب الهادفة إلى تحريف الإسلام وتفسيره بما لا تحتمله نصوصه، وقد انضبع بهذا المفهوم كثير من المخلصين حتى صدقوا القاعدة التي تقول: لا ينكر تغير الأحكام بتغيّر الزمان، يريدون إثبات أن الإسلام لا يكون صالحا لكل زمان ومكان إلا بمرونته التي تجعله واقعيا يتغير ليوافق ما عليه الواقع ويتماشى مع كل جديد في ميدان المعرفة. فرد دمنة: ذاك هو الاجتهاد لمواكبة العصر واللحاق بركب التقدم، والاجتهاد ضروري للأمة ولو أدى لنتائج تبطل بعض الأحكام الشرعية، ثم انتقل كليلة لمفهوم الاشتراكية فقال: إنها مفهوم كفر بحيث تقوم على الإلحاد، وأما غيرها من الاشتراكيات خصوصا التي ليست من مذاهبها، فإنها اشتراكية الدولة، وهي فكرة رأسمالية وجدت للوقوف في وجه الاشتراكية الحقيقية، فرد دمنة: يؤسفني جمودك يا صديقي العزيز، أما علمت أن الناس على لسان الرسول الأكرم صلوات الله عليه وسلامه شركاء في ثلاث، في الماء والنار والكلأ، والثلاثة هذه لا تستلزم الوقوف عند نفس العدد، فالماء للشرب والسقي، ولكنه أحد مصادر الكهرباء المستخرجة منه والمولدة بطريق الآلات المنصوبة على الأنهار والبحيرات، والكهرباء غير الماء، فيكون مشتركا بين الناس أي ملكية عامة، والنار وإن كان المقصود بها حطب الغابة غير أن النبي (ص) لم ينص على الحطب، بل نص على النار لعلم معلمه الذي أوحى إليه أن النار سوف تتمثل في مواد أخرى، فظهرت في الغاز الطبيعي والكهرباء والفحم الحجري... فكانت جميعها نارا، والنار كما نص عليها الحديث مشتركة بين الناس، أرأيت يا كليلة كيف أن العدد تضاعف؟ أرأيت كيف أن الإسلام هو الاشتراكية عينها برفض الإلحاد؟ هذه هي اشتراكيتنا الإسلامية.
وأخيرا انتقل كليلة إلى مناقشة مفهوم الروابط، فقال بفساد الرابطة المصلحية لأنها عرضة للتغيير لما يكتنفها من مساومة على المصالح، وكم مصلحة استبدلت بأخرى. وقال بفساد الرابطة الكهنوتية لأنها خالية من أي نظام للعلاقات الاجتماعية العامة في المجتمع، وكم ضياع لا يزال يعيشه النصارى مثلا لغياب نظام في دينهم والذي استبدل بالنظام الرأسمالي الذي لم ينبثق عن النصرانية. وقال بفساد الرابطة الوطنية لأنها رابطة عاطفية ومنخفضة تظهر بظهور العدو وتختفي بجلائه أو إجلائه، وكم شعب في العالم جاءت منه أجيال لا تعرف الوطنية ولا تحس تجاهها بأي حنين نظرا لجلاء الاستعمار التقليدي وإن كان غير الاستعمار التقليدي هو السائد فيها. وقال بفساد الرابطة القومية لأنها رابطة عنصرية عدوانية، وكم شنآن ولدته القومية ولم تزل في بلدان عديدة منها المغرب فيما يسمى بالأمازيغية، وهكذا ظل ينتقل بين الروابط ويكشف فسادها إلى أن استقر على الرابطة المبدئية وقال بفساد المبدأ الرأسمالي والاشتراكي، وصلاح المبدأ الإسلامي لأنه من الله تعالى، فرد عليه دمنة بإقراره على فساد جميع الروابط المذكورة ماعدا الرابطة الوطنية لأنها أرقى منها جميعها بحيث تجمع بين الناس من مختلف العرقيات والديانات..
قال كليلة: لنقف عند هذا الحد، ثم نستأنف النقاش في الغد. قال دمنة: حسنا. قال كليلة : جزاك الله عني كل خير، فقد صرت أفكر في الخروج على ما تعارف عليه الناس تأسيا بك واقتناعا بجواز مخالفة ما اصطلح عليه واضعوا اللغات والمصطلحات، مادام الإنسان يتطور في فكره وشعوره.
قال دمنة: تحسن بذلك صنعا إن أنت عمدت إلى الإبداع.
قال كليلة: سوف أبدأ بالسلام أو التحية.
فالمعروف أن التحية تكون بالمصافحة، وتكون بالتقبيل، وتكون بالضم، وتكون بقرع الأنف بالأنف، وتكون بالانحناء، وتكون بالإشارة، وتكون بالكلام كقولنا السلام عليكم الخ. لم ينتبه دمنة لاعتبار حصر التفكير في مفهوم التحية قصور ذهن صديقه، ولكن لا بأس فقد يعمد إلى ما هو أرقى.
نهض كليلة وصديقه دمنة لم يزل يجلس. فأخذه من أذنه اليسرى وجذبه منها إلى الأعلى ليوقفه حتى انتصب، فأدناه إلى فمه، وبصق في وجهه، ثم انحنى على أذنه هامسا بقوله:


تأسلم تأسلـم تأسلـم تاْسلـم
فحظك فيمن كان غضّا عظيم
تأسلم تأسلـم تأسلـم تاْسلـم
فأنت الإمام التقـيّ الكريـم
تحارب رُفّاض تطويـر ديـن
ليصبح غريبا فنعـم الكـلام
تحارب من يدعو إلى غير فكـركْ
أبو الحكماء الفيلسوف الحكيم
بغـال كأولاء ليسـوا مثيلـك
وهل أنت بغل للركوب كريم؟
بغـال كأولاء أنـت أبـوهـم
فوالدهم أنت الحمـار القديـم.
وما إن سرت كلمات كليلة مسامع دمنة حتى أخذه من تلابيبه أخذة قوية يريد به شرا وقد صمم على ذلك لولا أن كليلة هدأ من روعه قائلا: عفوا أستاذي. فما قصدت من كل كلمة وضعها اللغوي، وما حملتها على المعاني الوضعية، وما قلت إلا ما يدخل السرور على قلبك لولا أنك غبي. فهلاّ سألتني أولا عن معنى كل كلمة منها، فما أخذي بأذنك إلا تقديرا لك. وما بصقي في وجهك إلا تحية لك رجوت أخذك بها واستعمالها مع الناس دوني... نظر دمنة إلى كليلة وقد ذهب عنه الغضب فأقر صديقه على صحة سلوكه معه مادام له الحق في فهم ما يحلو له، ووضع ما يطوّر به اللغة لأنه هو نفسه فيما نوقش قد حمل الأفكار على غير محملها حتى ظهرت على يديه بغير الوجه الذي كانت عليه.
والقطعة الخامسة تصور لنا أدبا طريفا، يتناول فيه الأديب أديبا عاصره وشاهد منه ما يبعث على تناوله بالنقد والتجريح. وهو إذ تناول كتابه _ في الشعر الجاهلي _ وتناول رسالته الموجهة إلى مدير الجامعة المصرية كان قد رأى فيها نوعا من النفاق، فرد عليه على لسان كليلة ودمنة.
وبغض النظر عن قزمية صاحب الكتاب المذكور أمام صاحب كتاب _ تحت راية القرآن _ فإن هذا الأخير قد وُفِّق تمام التوفيق في فضح صاحبه وكشف ضعفه الأدبي لولا سيطرة وسائل الإعلام مما منع طفو أدب مصطفى على الساحة في وقت الصراع حتى صار من ليس أهلا للعمادة عميدا للأدب العربي.
إذن من خلال ما تقدم يتبين أن الغيرية في جميع النصوص الأدبية المذكورة عند هؤلاء الأدباء قد كانت في الكيفية التي أدِّيت بها المعاني، ولم تكن في المعاني ذاتها، وكانت أيضا في الصور التي حاول كل منهم أداءها. فالأول ينصح. والثاني يصف. وكل منهما أدى بكيفية خاصة المعنى الذي يريده، وأعطى صورة خاصة مختلفة تماما عن بعضهما البعض. والثالث يتحدث عن الحقائق التاريخية محاولا إحالتها إلى مجرد أفكار، وهو نفسه في النص الذي يليه يستعطف مدير الجامعة المصرية. والأخير منهم عمد إلى التشبيه. وكل منهم قد أدى المعنى بشكل مختلف تماما عن الأديبان الأولان. فكانت كيفية أداء المعاني عندهم غير الكيفية التي ظهرت عند غيرهم، ولكنهم جميعا كانوا يهتمون بالتراكيب والألفاظ، ولم يكونوا يبحثون عن المعاني، فكانت هذه الأخيرة مجرد وسائل لأداء الصور التي يراد إبرازها.
ونحن حين نريد أن نفهم هذه النصوص، أو نريد فهم غيرها شريطة أن تكون نصوص أدبية شعرية كانت أو نثرية، فإنه لا يصح ولا بحال من الأحوال أن نجهد أنفسنا بالمعاني بغية فهمها، بل يجب أن يكون جهدنا موجه إلى فهم ألفاظها وتراكيبها، ثم يأتي تبعا لذلك فهم معانيها. ومن هنا وجب أن تكون معلوماتنا السابقة متعلقة بالتراكيب والألفاظ وليس بالمعاني.
هذا من جهة. ومن جهة أخرى فيما يعتبر هدفا يسعى إليه القارئ أو السامع حين يقع حسه على النصوص الأدبية هو التطلع إلى تكوين ذوق حتى ينتج عنه الفهم. ولأجل ذلك يجب أن يبدأ بجمع المعلومات السابقة المتعلقة بالألفاظ والتراكيب. والسبيل إلى ذلك هو كثرة قراءة النصوص الأدبية ومحاولة نقدها، وإجهاد النفس في الوقوف على أسرار تراكيبها، وإذا حصل ووقف الإنسان على هذا، أي تكوّن عنده الذوق؛ تكونت عنده المعلومات. ولا يقال بأن فهم النصوص الأدبية يحتاج إلى درس وتحصيل، أو يحتاج إلى معلومات عن المعاني التي تضمنتها النصوص الأدبية، لا، بل يحتاج في الدرجة الأولى إلى تكوين الذوق. وتكوين الذوق إنما يكون بكثرة القراءة للنصوص الأدبية لغاية وجود النشوة والمتعة من قراءتها، وبه يتم تكوين الذوق، ثم إنه لا يقال بأن فهم النصوص الأدبية يحتاج إلى معرفة بعلوم البلاغة، يحتاج إلى فهم للمعاني والبيان والبديع، ولا يقال بأن فهمها يحتاج إلى معرفة بالنحو والصرف، ولا يقال بأن فهمها يحتاج إلى فقه اللغة وعلم الوضع، لا يقال ذلك، لأن فعهما لا يتخذ لنفسه نفس السبيل، وإنما يحتاج إلى ما سبق ذكره، أي يحتاج إلى كثرة قراءة النصوص الأدبية لغاية تكوّن الذوق، وأما ما عدا ذلك فإنه من المستحسن الإلمام به، كما أنه من غير المستحسن التبحّر فيه لعيّنات معينة من الأدباء.
هذه هي الكيفية التي يجري بها التفكير في فهم النص الأدبي. وهي باختصار:
ـ وجود ذوق سابق، أي معرفة بطبيعة النص الأدبي ينتج عنه تكوّن الذوق.
ـ المعلومات السابقة: أي وجود الذوق.
ـ تكوين الذوق، أي الإكثار من قراءة النصوص الأدبية حتى يتكوّن.
فإذا لم يوجد ذوق لن يأتى فهم النصوص الأدبية، ولن يكون التفكير فيها وبها منتجا. وإذا خرج المرء بإدراك للأفكار التي تحتويه النصوص الأدبية، وإذا كوّن رؤية لما تهدف إليه ـ هذا واقع ـ غير أنه لا يعني أنه قد خرج بفهم لها، ولا يعني أنه قد وقف عليها، وقد يسأل المرء لماذا؟.
والجواب أنه لم يتذوقها، ولم يعرف طعمها، وإذا لم يتذوقها، ولم يعرف طعمها، فإنه لم يفهمها، لأن فهم النصوص الأدبية هو أن تهتز لها، وأن تثار وتتأثر بها، وهذا لا يحصل بعدم التذوق، فكان فهم النص الأدبي يسار إليه بالحرص على وجود الذوق.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـ
محمد محمد البقاش أديب ومفكر مغربي من أم المدن العربية؛ طنجة
المؤلف: محمد محمد البقاش أديب باحث وصحافي.
الكتاب: التفكير بالنصوص ( دراسة أكاديمية ).
الحقوق: محفوظة للمؤلف.
الطبعة الأولى ـ ورقية ـ: يونيو 1999.
السحب: مصلحة الطباعة Servise Grafic Tanger
النشرة الإلكترونية الأولى:
الإيداع القانوني: 462 ــ 98
ردمد 1114 – 8640 ISSN
رد مع اقتباس
إضافة رد


للإعلان هنا تواصل معنا > واتساب
بنك تجارة كابيتال - استثمار مع ضمانات ||| اشتراك بين سبورت | | | قروبات واتس اب | | | موثق معتمد في جده | | | محامي في المدينة | | | نشر سناب ، اضافات سناب ، متابعين سناب ، سنابي | | | نشر سناب | | | تصميم شخصيات ثلاثية الأبعاد للأفلام الدعائية و الالعاب
موقع الكوبونات | | | كود خصم امريكان ايجل | | | كود خصم وجوه | | | كود خصم بات بات

منتديات شباب الأمة
تطوير موقع الموقع لخدمات المواقع الإلكترونية
Powered by vBulletin Copyright ©2000 - 2021 Jelsoft Enterprises Ltd