="الأذكار           

مكتبة دار الزمان
 
العودة أنصار السنة > القسم العام > حوارات عامة
 

« لما أنا مسلم ولماذا اخترت الإسلام | سلسلة كلمة السواء أعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت | حمل كتاب : المكاييل والموازين الشرعية pdf »

إضافة رد

أدوات الموضوع
  #1  
غير مقروء 2015-08-15, 03:08 PM
أكرم غريب أكرم غريب غير متواجد حالياً
عضو جديد بمنتدى أنصار السنة
 
تاريخ التسجيل: 2015-08-15
المشاركات: 18
أكرم غريب
مميز سلسلة كلمة السواء أعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين منزل الكتاب محكما ومفصلا ليتبين المهتدين من المجرمين بلسان عربي مبين والصلاة والسلام على النبي الأمين المستمسك بما أوحي إليه من رب العالمين وعلى أصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .
أما بعد
فهذه سلسلة بيان حقيقة دعوة رب العالمين التي هي الكلمة السواء ( لا إله إلا الله ) قولا وعملا التي جعل الله تعالى بناء عليها الهداية ( فمنهم من هدى الله) وجعل كذلك بناء عليها الضلالة ( ومنهم من حقت عليه الضلالة) .
هذه الدعوة التي سيسأل الله عنها المرسلين والمرسل إليهم ( فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين):
فأما سؤال المرسلين( يوم يجمع الله الرسل فبقول ماذا أجبتم).
وأما سؤال المرسلين( ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين).
هذه الدعوة وهذا الأمر هو الذي يتمنى من لم يحققه في الدنيا العودة والتأخير لتحقيقه (ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل).
هذه الدعوة هي التي يترتب عليها النجاة يوم يشيب الولدان ويتفرق الخلان ويفر الأبوان والإخوان والولدان والنسوان لأن لكل منهم شأن يغنيه .
هذه دعوة ناصح لا أبتغي منكم جزاء ولا شكورا إن أجري إلا على الله
هذه دعوة لا تقع ( بمشيئة الله تعالى ) إلا لمن أفرغ قلبه من الدنيا وزينتها (الأباء والإخوان والنساء والبنين والأموال والمساكن والتجارات) ولم يعارضها بها ومن أخرج نفسه من دائرة إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون.
هذا الأمر هو الذي زهد فيه الناس عن تعلمه والعمل به فأصبحوا غثاء كغثاء السيل فتكالبت عليهم الأمم ورفع الله تعالى يده عن نصرتها وأسلما إلى من يسومها سوء العذاب لأنها أعرضت عن دعوته التي فيها عزتها وذكرها.
فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم
ولزيادة في البيان والإيضاح
الأصول الشرعية الدالة على عموم اجتناب الطاغوت والمطلق
إن أصل الإسلام الذي جاءت به الرسل عليهم السلام إلى أقوامهم بينه تعالى بقوله: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (النحل:36), كما مر بيان ذلك بالتفصيل فالكفر والإيمان ميزانه اجتناب الطاغوت فمن اجتنب الطاغوت فقد حقق عبادة الله تعالى وحده وهو من الذين هداهم الله تعالى وأما من لم يجتنب الطاغوت فقد عبد غير الله تعالى وهو ممن حقت عليه الضلالة ممن قال تعالى فيهم: فَرِيقاً هَدَى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلاَلَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ اللّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ (الأعراف:30), إنهم هؤلاء الذين يتبعون ما تشابه من كتاب الله تعالى ويحسبون كونهم يستندون إلى كتاب الله تعالى أنهم مهتدون بدليل قوله تعالى: هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ(آل عمران: 7) , فليس الحق في أن تحسب- وهذا هو الظن- نفسك على هداية ولكن الهداية أن تكون على ما أحكمه الله تعالى وهو اليقين قال تعالى: وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً (النجم:28), وقال عليه الصلاة والسلام: إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث أ.هـ (رواه البخاري ومسلم), فكيف يكون حال من كان دينه يتصف بوصفين شرعيين: لا يغني شيئا وأنه أكذب الحديث. ولذلك يظن الكثيرون أن اجتناب الطاغوت ليس المقصود منه الترك العام وقد مر بيان ذلك علما بأن هذا الترك إنما هو متعلق بالمخلوق كونه يُمارَس بحقه أي مظهر من مظاهر العبادة التي سبق ذكرها بالتفصيل مع التنبيه أن الطاغوت قد يتصف بجميع مظاهر العبادة فيكون طاغوتا مطلقا ومنهم من يتصف بمظهر أو مظهرين وكل بحسبه وإليك الدلالات والقواعد الشرعية التي تدل على عموم الترك (الاجتناب)كما أن الرسل جميعا متفقون على هذا الأمر فهو أصل الدين وليس من الشرائع التي يدخلها النسخ أو التخصيص أو التقييد وهي ليست من المجملات لأنها من المحكمات أم الكتاب:
أولا: قوله تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ(النحل:36) , مرادف لقوله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (الأنبياء:25), وهو مرادف لقول كل نبي جاء إلى قومه: َ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ (الأعراف:59),وكل نص من هذه المترادفات يشتمل على ركني التوحيد وهما النفي والإثبات:
فالإثبات هو: (اعبدوا الله ) و (إلا أنا فاعبدون).
والنفي هو: (اجتنبوا الطاغوت)و (لا إله).
فاجتناب الطاغوت هو تأليه الله تعالى وحده وعدم اجتناب الطاغوت هو تأليه لغير الله تعالى لأن الاجتناب مقابل للتأليه وهذا نص عام لا مخصص له بحال إذ لا يمكن بحال جواز تأليه غير الله تعالى لأن عدم الاجتناب تأليه كونه شق النفي المقابل لشق الإثبات فمن لم ينف مطلقا لم يثبت مطلقا فهذا من المسلمات العقلية والشرعية التي لا تقبل جدالا, والله تعالى يقول:لاَّ تَجْعَل مَعَ اللّهِ إِلَـهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَّخْذُولاً (الإسراء:22), وهذا نص عام يقابله نص عام هو الاجتناب العام فمن لم يجتنب الطاغوت فقد جعل مع الله إلها آخر، وقال تعالى: وَقَالَ اللّهُ لاَ تَتَّخِذُواْ إِلـهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلهٌ وَاحِدٌ فَإيَّايَ فَارْهَبُونِ (النحل:51), وهذا نص عام يقابله نص عام هو اجتنبوا الطاغوت فمن لم يجتنب الطاغوت بأي مظهر وجزئية فقد اتخذه إلها, فمن أجل ذلك أرسل الله رسله وأنزل كتبه. وبهذا يثبت عموم الاجتناب وأنه لا مخصص له.
ثانيـا: قوله تعالى: إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورا ً(163 ) وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيماً(164, النساء), وهذه الآيات مدنية وممن قص الله على نبيه قبل هذه الآية قصة يوسف عليه السلام وهو مما لا شك فيه داخل في قوله تعالى أيضا: وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ () والذي أوحاه الله تعالى إليهم هو قوله: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ (), كل بلسان قومه ليبين لهم كما قال تعالى:وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (إبراهيم:4),ولا شك أن هذا الأمر هو الذي اتفقت عليه الرسل وهو أصل ما شرعه الله تعالى للرسل قال تعالى: شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ (الشورى:13) , وهذا الأمر ليس الذي قال فيه سبحانه: لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً (المائدة:48), فالأصل فيه اتفاق وهو التوحيد وفروع مختلفة وهي الشريعة, وهذه الآية فيها دلالات عظيمة منها :
- أن التفرق يكون في أصل الشرعة والمنهاج أي في:اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت.
- كون الاجتناب المطلوب في الدعوة عام ومطلق هو ما كبر على المشركين دعوتهم إليه.
- أن الاجتباء يكون بحق النبوة ( الله يعلم حيث يجعل رسالته).
- أن الهداية تكون على الله تعالى للمنيبين إليه الذين يتبعون المحكم ويفوضون المتشابه إلى الله في حال عدم توجيهه مع المحكم وحالهم ومقالهم: آمنا به كل من عند ربنا.
والله تعالى قص علينا قصص الأنبياء من نوح إلى محمد عليهم الصلاة والسلام بأحكم بيان وأتم تفصيل وكلهم اتفقوا على هذه الدعوة وبين تعالى بنصوص محكمة أنهم دعوا إلى اجتناب الطاغوت اجتنابا عاما وليس في أحوالهم مقالا أو عملا أو تقريرا مخالف للاجتناب العام فهذا هو المحكم من أحوالهم ولا يوجد في أحوالهم متشابه قد يفهم منه غير ذلك إلا ما فهمه الخلف في هذا الزمان من قصة يوسف عليه السلام والذي جاء في زمان وسط بين الأنبياء فلا يوجد في أحوال من سبقه من الأنبياء متشابه ولا فيمن بعده فنعلم يقينا أن حاله كحالهم وما تشابه ( وليس فيه متشابه إلا في عقول أهل الزيغ) فنرده إلى المحكم ليتفق معه فإن علمنا ذلك فالحمد لله وإن لم نعلم ذلك فوضناه إلى ربنا وقلنا: آمنا به كل من عند ربنا () والخلل في عقولنا وليس في منقولنا,وسأبين بكل تفصيل إن شاء الله تعالى ما يتعلق بقصة يوسف عليه السلام في بحث مستقل, وبهذا أيضا يثبت عموم الاجتناب وأنه لا مخصص له.
ثالثـا: حسب القاعدة الأصولية التي تنص على أنه: لا يجوز تأخير البيان لمجمل أو ظاهر يراد غير ظاهره عن وقت حاجة العمل به أ.هـ فالعمل بالتوحيد مطلوب فورا فلو كان المطلوب غير العموم الظاهر لكان ينبغي أن يبين الله تعالى ذلك في نفس الدعوة أي: اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت في كذا وكذا ولا تجتنبوا في كذا وكذا وهذا لم يوجد في دعوة أي نبي حتى في دعوة يوسف عليه السلام حين بينها للفتيين معه في السجن فقد دعاهم دعوة عامة لا تخصيص فيها فما من مسألة شرعية وخاصة في الفرعيات إلا وبين الشرع أدق تفصيلاتها فكيف بأصل الدين فهل يعقل أن يكون من مسائل الاجتهاد متروكا لإفهام البشر المختلفة فأصل الدين هو مراد الله تعالى ولا يعلم مراده إلا منه وليس من البشر، إذ أن أفهام البشر لا ضابط لها, فبما انه لم يأت نص يخصص الاجتناب العام فيبقى على عمومه ولا يوجد نص لا في القرآن ولا فيما أنزله الله تعالى على السابقين لا قولا ولا عملا ونقول نريد نصا لا فهما يحتمل فإذا ورد الاحتمال بطل الاستدلال فهذا بحق النصوص في معنيين فكيف بحق الأفعال التي اتفق فيها جمهور الأصوليين على أنها لا عموم لها ولا يستدل بالفعل إلا على صورته المطابقة له, وبهذا أيضا يظهر أن الاجتناب المطلوب هو عموم الاجتناب.
رابعـا: إن أصل الإسلام لا إله إلا الله والتي هي أعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت تقوم على قاعدة النفي والإثبات أي النهي والأمر.
فالنفي: اجتنبوا الطاغوت الذي هو: لا إله وهذا هو النهي.
والإثبات: اعبدوا الله الذي هو: إلا الله وهو الأمر.
فالله تعالى يقول: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (الحشر:7) , وبين عليه الصلاة والسلام هذا بقوله: ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم.أ.هـ رواه مسلم.
ولا شك أن ما نهى الله عنه وأمر به يدخل في هذا بمفهوم الموافقة المسكوت عنه أولى بالمنطوق.
وهذه القاعدة مقررة في الشرع بالإجماع قال ابن تيمية رحمه الله: فالمنهي عنه يجب تركه بكل حال والمأمور به يجب فعله في حال دون حال أ.هـ شرح العمدة 4/329.
فنص النهي يفيد الترك بكل حال تركا عاما إلا إذا ورد نص يخصص والمنهيات لها قاعدة الضرورات تبيح المحظورات, وهذا بحق المحرمات دون الكفر حتى أن هناك من المحرمات لا تباح بحال كشرب الخمر الذي ورد النهي عن استعماله حتى كدواء كما ورد في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام أحمد والدارقطني وابن أبي شيبة أن رجلا يقال له سويد بن طارق:سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الخمر فنهاه عنها فقال إني أصنعها للدواء فقال النبي صلى الله عليه وسلم إنها داء وليست بدواء, وفي رواية بلفظ:نصفها للدواء (),وكذلك قتل النفس المحرمة لأن الأصل في الدماء الحرمة.أ.هـ أما الكفر فله قاعدة الإكراه:إلا من أكره.
وعليه فاالطاغوت - المعبود من دون الله تعالى- , يجب اجتنابه اجتنابا عاما وفي كل حال.
وأما نص الأمر فله قاعدة الاستطاعة أن يفعله على حال دون حال وقد يسقط بكل حال وهذا بحق تفصيلات الشريعة أما عبادة الله كأصل عام فيجب تحقيقه وهو ليس بحثنا ومن جعل القياس في المنهيات على المأمورات أو العكس فقد قال على الله مالا يعلم فثبت أيضا أن الاجتناب المطلوب هو اجتناب عام لا خصوص فيه.
خامسـا: شهادة التوحيد التي هي( لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ أو اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ,أو عْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ), تتضمن النفي والإثبات بلفظ دقيق فنص الإثبات قوله: اعْبُدُواْ اللَّهَ (), والذي هو إثبات لعبادة الله تعالى وليس إثباتا لذات الله تعالى لأن ذات الله تعالى ثابتة في الفطر فهي الخلقة التي خلق الله تعالى عليها البشر متأصلة في العقول ليس هناك ما يدل على خلافها .
وأما النفي فهو نفي لذات الطاغوت وهو المعبود من دون الله سبحانه بنص واضح صريح وهو قوله تعالى : َاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ (), لأن نفي الذات أبلغ من نفي الفعل بحقه فليس هناك حق لوجود معبود من دون الله تعالى فكيف بعبادته ؟! إذ أن وجود معبود دون الله تعالى أمر تستنكره العقول ولا تقبله وترفضه رفضا قاطعا فالمشركون الذين يعبدون غير الله تعالى يستنكرون ذلك وينفونه إذا واجهتهم بالمصطلح الصريح بأنكم تعبدون غير الله تعالى وذلك لأنهم مفطورون على عبادة الله وحده ولكن الخلل في عدم فهم مصطلح العبادة بحيث يصبح معناه مختزلا يتوافق مع المعنى العرفي الذي اصطلح عليه الناس بالألفة والتقليد ولذلك عندما سمع الصحابي عدي بن حاتم رضي الله عنه قبل إسلامه- وكان على النصرانية -رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ قوله تعالى: اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ الآية قال مستنكرا : ما عبدناهم(), فمن قوله هذا نستطيع أن نتبين أمورا هامة تنبيء عن حقيقة عقلية المشرك وهي:
أ‌- أن اتخاذ الأرباب هو اتخاذ معبود من دون الله تعالى.
ب‌- أنه استنكر أن يكون هناك معبود غير الله تعالى.
ت‌- أن الخلل إنما يكون في فهم مصطلح العبادة كمفهوم عام شامل.
ث‌- أن عبادة غير الله تعالى لا تكون إلا عن جهل وغفلة وتقليد.
ج‌- أن وجود الكتب السماوية لا يعتبر مانعا من وجود الشرك عند أهلها وأن الأحبار
والرهبان- العلماء والعباد- هم أصل الشرك في أممهم وبوابة الخروج من دين الله تعالى وأنهم الوسيلة التي يتخذها الحكام لذلك.
فقولنا لا إله إلا الله لا بد أن نقصد منه المعنى الذي يريده الله تعالى الذي هو نفي المعبود من دون الله تعالى وليس ما اصطلح عليه الناس في واقعهم فيجب أن تكون شهادة حق صريحة واضحة بمعنى:
- لا لأي مسئول ومستغاث به ومطاع ومسمى بالأسماء الحسنى والصفات العلى إلا الله تعالى.
- لا لأي شرع وحكم إلا تشريع وحكم الله تعالى.
- لا لأي منصور ومحبوب إلا الله تعالى.
- لا إتباع إلا لشرع الله تعالى.
فالمسلم ليس في حياته إلا قول الله تعالى وقول رسوله عليه السلام حكما وإتباعا وطاعة وتحاكما ومحبة ونصرة وتشريعا وأولوا الأمر هم القائمون والمحافظون على قول الله تعالى وقول رسوله عليه السلام والذين ليس في حياتهم إلا طاعة الله تعالى وطاعة رسوله عليه السلام وسوى ذلك فهو الكفر والطاغوتية , والمرء على دين من يطيع ويتبع ويتحاكم إليه ويحبه وينصره ومن جعل لغير الله تعالى مع الله تعالى شيئا من ذلك فهو المشرك الكافر, فالله يريد ذلك كله خالصا له وهذا معنى قوله تعالى: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه فَإِنِ انتَهَوْاْ فَإِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (الأنفال :39),أي: حتى يكون الدعاء كله( تنسكا وسؤالا واستغاثة وطاعة وتسمية بالأسماء الحسنى) والحكم كله( تشريعا وحكما وتحاكما) والولاء كله ( طاعة واتباعا ومحبة ونصرة) وانظر إلى لفظ كله أي: ليس لغيره منه شيء والتي تعني العموم المطلق فالدين هو العبادة وهو الدعاء والولاء والحكم بمعناها العام فلا يكون المرء مسلما إلا إذا جعل كل ذلك كله بإطلاق لله وحده ومن جعل أي شيء منه لغير الله تعالى فقد خرج إلى الشرك فالله تعالى يقول:فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدا (الكهف:110).
أعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ( العبادة1)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أكمل لنا ديننا وأتم علينا نعمته ورضي لنا الإسلام دينا وأمرنا أن نستهديه صراطه المستقيم صراط الذين أنعم عليهم غير المغضوب عليهم اليهود ولا الضالين النصارى
واشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بالدين القيم والملة الحنيفية وجعله على شريعة من الأمر أمره باتباعها وأمره بأن يقول هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما كثيرا
أما بعد
حقـيقة دعـوة التوحيـد
إنالعمل بالإسلام عمل مستمروبذل وعطاء وصبر ومصابرة ومكابدة للواقع غير الإسلامي المرير الذي يقوم على أهواء مختلفة ومتباينة وليس للإسلام وصف حقيقي إلا ما وصفه الله به أنه جهاد: َوجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ..إلى قوله: هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ (الحج:78), فكانت الدعوة بهذا القرآن إلى الإسلام جهادا: فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَاداً كَبِيراً (الفرقان:52), ولذلك كان الجزاء من جنس العمل كما بينه تعالى بقوله:وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (العنكبوت:69), فهذه الآية المكية التي نزلت قبل فرض جهاد السيف تصور حال المسلم الحقيقية مع هذا الدين أنه جهاد لطلب مرضاة الله تعالى ليتحقق للعبد الهداية إلى طرق الخير ليصل إلى معية الله تعالى وبذلك يحصل على أعلى وسام رباني ألا وهو الإحسان الذي هو أعلى مراتب الإيمان ولقد كانت هذه الآية خاتمة لسورة بدأت بقوله تعالى:أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (العنكبوت:2), كمقدمة لما يترتب على هذه الدعوة العظيمة الذي هو ملازم لها :وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (العنكبوت:3), وجاءت بداية السورة: وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (العنكبوت:6), لتتوافق مع نهايتها:وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (العنكبوت:69) , ذكل هذا إنما هو بيان لحقيقة الإسلام التي أصبحت غريبة كما بدأت غريبة.
قال السعدي في تفسيره: فإن أعظم الدين التوحيد ومن أجله أرسلت الرسل وأنزلت الكتب وعليه يحاسب الخلق وينقسمون إلى مهتد من أصحاب النعيم وضال من أصحاب الجحيم ولا يحصل التفرق في أمم الرسل إلا فيه ولقد بين الله تعالى أن التوحيد هو الدعوة التي بعث بها كل رسول إلى أمته فقال: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (النحل:36), يخبر تعالى, أن حجته قامت على جميع الأمم, وانه ما من أمة متقدمة أو متأخرة, إلا وبعث الله فيها رسولا وكلهم متفقون على دعوة واحدة, ودين واحد, وهو: عبادة الله وحده لا شريك له " أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ". فانقسمت الأمم, بحسب استجابتها لدعوة الرسل وعدمها, قسمين.
" فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ " فاتبعوا المرسلين, علما, وعملا.
" وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ " متبع لسبيل الغي.
" فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ " بأبدانكم وقلوبكم " فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ " فإنكم سترون من ذلك, العجائب, فلا تجد مكذبا, إلا كان عاقبته الهلاك. أ.هـ .
وهذا الأصل العظيم إنما هو المعنى العملي لهذه الدعوة الربانية العظيمة والذي يترتب عليه أحكام الإيمان والضلال فمن كان ضالا في الدنيا فهو ضال في الآخرة لقوله تعالى: وَمَن كَانَ فِي هَـذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً (الإسراء:72) ومن كان في هذه الدنيا مهتديا فله حكم الظاهر بالهداية والله أعلم بالمهتدين وهذه الدعوة هي قوله تعالى:لاَّ تَجْعَل مَعَ اللّهِ إِلَـهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَّخْذُولاً (الإسراء:22), وهو معنى قوله تعالى: وَقَالَ اللّهُ لاَ تَتَّخِذُواْ إِلـهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلهٌ وَاحِدٌ فَإيَّايَ فَارْهَبُونِ (النحل:51),وكذلك معنى قوله تعالى: وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ (الأعراف:65), فمدار هذه الدعوة العظيمة على أربع كلمات ركنها العمل:
- أعبدوا: وهي العمل من الخلق.
- الله : وهو المعبود بحق.
- اجتنبوا: وهو العمل من الخلق.
- الطاغوت: وهو المعبود من دون الله وكل معبود من دون الله فهو المعبود بالباطل.
وحقيقة التوحيد تتوقف على العلم بهذه المصطلحات الأربعة أعلاه والعمل بها والتي تشكل أركان كلمة التوحيد, وما حصل الخلل والتفرق إلا في تحديد مدلولات هذه المصطلحات, فإذا أردنا النجاة فلا بد من ضبط وتحديد المراد من هذه الألفاظ على مراد الله سبحانه وتعالى من خلال كتابه في آياته المحكمات الواضحات البينات لنحقق العلم بـ لا إله إلا الله كما أمر الله تعالى بقوله: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (محمد:19).
أولا: العبـــادة
يعتبر مصطلح العبادة والذي يدور عليه رحى الدين وأساس الملة الإسلامية أكثر الأمور محاربة من قبل أعداء الله تعالى بدءا من إبليس الذي زين لأهل الابتداع الذين أرادوا التقرب إلى الله تعالى فضلوا السبيل وانتهاء باليهود والصليبيين الذين تيقنوا من أن قوة الإسلام وأهله إنما تقوم على فهم حقيقة الدين الذي ينطلق من وضوح مفاهيمه ومصطلحاته فأدخلوا التحريف فيه عبر مخطط محكم بدأ من مهاجمتها من الخارج بكسر قوتها العسكرية ثم أعملوا المباضع فيها من داخلها بأيدي حكامها وما يسمى بالعلماء الذين تربوا في أحضان الأنظمة التي ما وجدت إلا لاستكمال حلقة الحرب على هذا الدين لإطفاء نور الله تعالى والله متم نوره ولو كره الكافرون فالعبادة يدور معناها على ثلاثة أمور في كتاب الله تعالى سيتم بيانها بالتفصيل هي :
1- الدعــاء: دليل ذلك قوله تعالى: وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاء رَبِّي شَقِيّاً) (48) فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلّاً جَعَلْنَا نَبِيّاً (49) مريم.
2- الحكـم :ودليل ذلك قوله تعالى: إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ (يوسف:40), وقوله تعالى: إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (يوسف:67), وقوله تعالى: قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً (الكهف:26) مرادف لقوله تعالى:قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (الكهف:110).
3- الـولاء: ودليل ذلك قوله تعالى :أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (الزمر:3).
وهذه الأمور الثلاثة عامة تشمل كل أفرادها المتعلقة بها والتي جاء قول الله تعالى فصلا بتحديدها فلا يحدد المراد منها إلا هو سبحانه كيف لا وهو الذي أمر بها لأن الدين يقوم على قاعدتين :
الأولى: الشعائر والتنسك، الأصل فيها التوقف أي لا يجوز التقرب إلى الله تعالى إلا بما ورد النص به لأننا لا نعلم ما يرضي ربنا إلا عن طريق وحيه.
الثانية: الأشياء- ما خلقه الله تعالى في هذا الكون وسخره للثقلين- الأصل فيها الإباحة إلا إذا ورد الدليل من الله تعالى على خلاف ذلك لأنه خالق البشر وخالق ما هو مسخر للبشر فله الحكم والأمر.
وهذه المظاهر الثلاثة للعبادة قد أحاط بها معنى العبادة بشكل معجز لأن قول الله تعالى معجز ومن إعجازه إحاطته بالمعاني والمدلولات وقد جاءت اللغة واشتملت عليها ولذلك سنقدم في دراستنا هذه المعاني اللغوية كمدخل للمعاني الربانية التي أرادها الله سبحانه وتعالى لنبرهن على أن أصل الإسلام الذي نزل به القرآن هو بحسب اللغة العربية وقواعدها ومعانيها :إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (الزخرف:3), وأن أحكامه عربية كذلك:وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْماً عَرَبِيّاً وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ وَاقٍ(الرعد:37), وأنه أنذر وبشر بلسان عربي:وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَاماً وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُّصَدِّقٌ لِّسَاناً عَرَبِيّاً لِّيُنذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ (الأحقاف:12), وأنه لم يأت مخالفا لما عهده العرب وألفوه من لغتهم:قُرآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُون(الزمر:28), وأنه جاء مفصلا بحسب اللغة واضحا بينا لا يحتاج معها إلى غيرها أو ما يخرج عن مدلولاتها, والنتيجة أنه بلسان عربي واضح صريح قال تعالى: بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ(الشعراء:195), وهذه الأمور الثلاثة – معاني العبادة - متداخلة مع بعضها البعض,وهذه الأمور الثلاثة – معاني العبادة -متداخلة مع بعضها البعض.
العبـادة في اللغة: وأَصل العُبودِيَّة الخُضوع والتذلُّل.وتَعَبَّدَ اللَّهُ العَبْدَ بالطاعة أَي استعبده, والتَّعَبُّدُ التَّنَسُّكُ والعِبادَةُ الطاعة, وقال الزجاج في قوله تعالى: إياك نعبد أي:نطيع الطاعة التي يخضع معها, وقيل إياك نوحد, ومعنى العبادة في اللغة الطاعة مع الخضوع.
قال الأَزهري غلط الليث في القراءة والتفسير ما قرأَ أَحد من قرَّاء الأَمصار وغيرهم وعَبُدَ الطاغوتُ برفع الطاغوت إِنما قرأَ حمزة وعَبُدَ الطاغوتِ وأَضافه قال والمعنى فيما يقال خَدَمُ الطاغوتِ قال وليس هذا بجمع لأَن فَعْلاً لا يُجْمَعُ على فَعُلٍ مثل حَذُرٍ ونَدُسٍ فيكون المعنى وخادِمَ الطاغوت.
وكلُّ من دانَ لملك فهو عابد له وقال ابن الأَنباري فلان عابد وهو الخاضع لربه المستسلم المُنْقاد لأَمره وقوله عز وجل: اعبدوا ربكم() أَي: أَطيعوا ربكم وعَبَّدَ الرجلُ أَسْرعَ وما عَبَدَك عَنِّي أَي:ما حَبَسَك, وعَبِدَ به لَزِمَه فلم يُفارِقْه أ.هـ لسان العرب3/273.
والعَبْدِيَّةُ والعُبودِيَّةُ والعُبودَةُ والعِبادَةُ : الطَّاعَةُ أ.هـ القاموس المحيط 1/378.
وقال آخَرُونَ : العُبُودَةُ : الرِّضا بما يَفْعَلُ الرَّبُّ والعِبَادَةُ : فِعْلُ ما يَرْضَى به الرَّبُّ, وأَما عَبَدَ الله فَمَصْدَرهُ : عِبَادَة وعُبُودة وعُبُودِيّة أَي أَطاعه.وفي اللسان : وعَبَد اللهَ يَعبُده عِبادَةً ومَعْبَداً : تَأَلَّه له .
والمُعَبَّدُ كمُعَظَّمٍ : المُذَلَّلُ من الطريق وغيره يقال: بَعِيرٌ مُعَبَّد أي مُذَلَّلٌ طريقٌ مُعَبَّدٌ أي مسْلُوكٌ مُذَلَّل.وقيل: هو الذي تَكثرُ فيه المُخْتَلِفةُ . قال الأزهريُّ: والمُعَبَّد: الطَّريقُ المُوطُوءُ. والمُعَبَّدُ: المُكَرَّمُ المُعَظَّم كأَنّه يُعَبَد ضِدٌّ قال حاتم: تَقُولُ أَلا تُبْقِي عليكَ فإِنَّني.. أَرى المالَ عِنْدَ المُمْسِكِينَ مُعَبَّدَا أي مُعَظَّماً مَخْدُوماً وبَعِيرٌ مُعَبَّدٌ: مُكَرَّمٌ أ.هـ تاج العروس1/2096-2101.
( تَعَبَّدْتُهُ ) دعوته إلى الطاعة أ.هـ المصباح المنير2/289.
العبادة فعل المكلف على خلاف هوى نفسه تعظيما لربه وقيل تعظيم الله وامتثال أوامره وقيل هي الأفعال الواقعة على نهاية ما يمكن من التذلل والخضوع المتجاوز لتذلل بعض العباد لبعض أ.هـ التعاريف 1/498.
ومعنى العبادة في اللغة العربية قبل حدوث المصطلحات الشرعية دقيق الدلالة وكلمات أئمة اللغة فيه خفيه والذي يستخلص منها أنها إظهار الخضوع للمعبود واعتقاد أنه يملك نفع العابد وضره ملكا ذاتيا مستمرا فالمعبود إله للعابد كما حكى الله قول فرعون (وقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ) أ.هـ التحرير والتنوير 1/4159.
أقوال المفســـرين في العبادة
لقد ورد مصطلح العبادة عند المفسرين بمعان متعددة ومتنوعة تدل دلالة واضحة على شموليته وإحاطته بجميع مظاهره القائمة على الذل والخضوع اعتبارا على أصل دلالته اللغوية لأن مهمة الرسل من أول لحظة في دعوتهم لأقوامهم إنما هي تذكير الخلق بالحكمة من خلقهم وبيان حقيقة العبادة ومعناها ومظاهرها وصورها كلٌ بلسان قومه: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (إبراهيم:4), وهذه المعاني هي:
1- التوحيد بأن يكون الخضوع لله وحده وطاعته وحده
روي عن مجاهد فيه أَنه يقول:إِن كان لله ولد في قولكم فأَنا أَوّل من عبد الله وحده وكذبكم بما تقولون قال الأَزهري وهذا واضح ومما يزيده وضوحاً أَن الله عز وجل قال لنبيِّه قل يا محمد للكفار إِن كان للرحمن ولد في زعمكم فأَنا أَوّل العابدين إِلهَ الخَلْق أَجمعين الذي لم يلد ولم يولد وأَوّل المُوَحِّدِين للرب الخاضعين المطيعين له وحده أ.هـ لسان العرب3/273.
وإنما اخترنا البيان عن تأويله بأنه بمعنى نخشع ونذل ونستكين دون البيان عنه بأنه بمعنى نرجو ونخاف وإن كان الرجاء والخوف لا يكونان إلا مع ذلة لأن العبودية عند جميع العرب أصلها الذلة وأنها تسمي الطريق المذلل الذي قد وطئته الأقدام وذللته السابلة : معبدا والشواهد على ذلك من أشعار العرب وكلامها أكثر من أن تحصى وفيما ذكرناه كفاية لمن وفق لفهمه إن شاء الله تعالى أ.هـ تفسير الطبري1/98.
2- الإسلام
{ونحن له مسلمون}ونحن له خاضعون بالعبودية والطاعة وقيل: منقادون لأمره ونهيه.أ.هـ تفسير الطبري 1/ 612, روح المعاني1/396.
فتأويل قوله : ** إن الدين عند الله الإسلام } : إن الطاعة التي هي الطاعة عنده الطاعة له وإقرار الألسن والقلوب له بالعبودية والذلة وانقيادها له بالطاعة فيما أمر ونهى وتذللها له بذلك من غير استكبار عليه ولا انحراف عنه دون إشراك غيره من خلقه معه في العبودة والألوهة أ.هـ تفسير الطبري3/211.
3- القنـوت
القنوت في كلام العرب معان أحدها: الطاعة والآخر: القيام والثالث: الكف عن الكلام والإمساك عنه, وأولى معاني القنوت في قوله:{كل له قانتون} الطاعة والإقرار لله عز وجل بالعبودية.أ.هـ تفسير الطبري 1/554
{كل له قانتون} روي عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:كل قنوت في القرآن فهو طاعة, قال النحاس: مطيعون طاعة انقياد وقيل: قانتون مقرون بالعبودية وإما قالة وإما دلالة.أ.هـ تفسير القرطبي 14/ 18 .
والقانت : المطيع الخاضع : أي كل من في السموات والأرض مطيعون له خاضعون لعظمته خاشعون لجلاله والقنوت في أصل اللغة القيام قال الزجاج : فالخلق قانتون أي قائمون بالعبودية إما إقرارا وإما أن يكونوا على خلاف ذلك فأثر الصنعة بين عليهم وقيل:أصله الطاعة ومنه {والقانتين والقانتات}.أ.هـ فتح القدير1/207.
قانتون أي :مطيعون وقيل مقرون بالعبودية والقنوت على وجوه الطاعة والقيام في الصلاة والدعاء والصمت.أ.هـ التبيان تفسير غريب القرآن1/104.
ويقنت معناه : يطيع ويخضع بالعبودية قاله الشعبي وقتادة أ.هـ تفسير الثعالبي3/226.
4- الانقياد والطاعة والإتباع
{إن كنتم إياه تعبدون} يقول:إن كنتم منقادين لأمره سامعين مطيعين أ.هـ تفسير الطبري2/88.
{إلا آتي الرحمن عبدا} إلا وهو مملوك له يأوي إليه بالعبودية والانقياد أ.هـ تفسير البيضاوي1/36.
ونحن له مسلمون أي مذعنون مقرون بالعبودية وقيل: خاضعون منقادون مستسلمون لنهيه وأمره قولا وعقدا وقيل: داخلون في الإسلام ثابتون عليه أ.هـ روح المعاني1/391.
الاشتغال بالعبودية من أداء الأوامر واجتناب النواهي والتسليم في القدر أ.هـ روح المعاني7 /113.
أن الإسلام طوعا هو الانقياد والامتثال لما أمر الله تعالى من غير معارض أ.هـ روح المعاني3/214.
جوز أن يكون اسم الجلالة بدلا من( ربكم) في (وقال ربكم) اتبع ( ربكم) بالاسم العلم ليقضى بذلك حقان: حق استحقاقه أن يطاع بمقتضى الربوبية والعبودية وحق استحقاقه الطاعة لصفات كماله التي يجمعها اسم الذات, وعن مجاهد وزيد بن أسلم تفسير قوله (إلا ليعبدون) بمعنى:إلا لآمرهم وأنهاهم.أ.هـ التحرير والتنوير1/3772.
5- الديـن
قال أبو جعفر : ومعنى {الدين} في هذا الموضع : الطاعة والذلة أ.هـ تفسير الطبري 3/211.
{إن هدى الله هو الهدى} يقول:إن طريق الله الذي بينه لنا وأوضحه وسبيله الذي أمرنا بلزومه ودينه الذي شرعه لنا فبينه هو الهدى والاستقامة التي لا شك فيها لا عبادة الأوثان والأصنام التي لا تضر ولا تنفع فلا نترك الحق ونتبع الباطل{وأمرنا لنسلم لرب العالمين}يقول:وأمرنا ربنا ورب كل شيء تعالى وجهه لنسلم له لنخضع له بالذلة والطاعة والعبودية فنخلص ذلك له دون ما سواه من الأنداد والآلهة.أ.هـ تفسير الطبري5/231.
وانتصب(دينا) على التمييز, وإسلام الوجه كناية عن تمام الطاعة والاعتراف بالعبودية وهو أحسن الكنايات لأن الوجه أشرف الأعضاء وفيه ما كان به الإنسان إنسانا وفي القرآن (فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعني ) أ.هـ التحرير والتنوير1/1031
6- الإخبـات
وقوله{فله أسلموا} يقول: فلإلهكم فاخضعوا بالطاعة وله فذلوا بالإقرار بالعبودية وقوله:{وبشر المخبتين} يقول تعالى ذكره: وبشر يا محمد الخاضعين لله بالطاعة المذعنين له بالعبودية المنيبين إليه بالتوبة أ.هـ تفسير الطبري 9/150.
7- التشريع والحكم
نص سبحانه على أن التفريق بين الله ورسله كفر وإنما كان كفرا لأن الله سبحانه فرض على الناس أن يعبدوه بما شرع لهم على ألسنة الرسل فإذا جحدوا الرسل ردوا عليهم شرائعهم ولم يقبلوها منهم فكانوا ممتنعين التزام العبودية التي أمروا بالتزامها فكان كجحد الصانع سبحانه وجحد الصانع كفر لما فيه من ترك التزام الطاعة والعبودية وكذلك التفريق بين رسله في الإيمان بهم كفر أ.هـ تفسير القرطبي6/8.
وعلى الثاني يريد أن تلك الأحكام حدود حاجزة بين الألوهية والعبودية فالإله يحكم والعباد تنقاد فلا تقربوا الأحكام لئلا تكونوا مشركين بالله تعالى أ.هـ روح المعاني2/69.
8- التسخير
(فاتخذتموهم سخريا ) هزؤا وقرأ نافع وحمزة و الكسائي هنا وفي ( ص ) بالضم وهما مصدر سخر زيدت فيهما ياء النسب للمبالغة وعند الكوفيين المكسور بمعنى الهزء والمضموم من السخرة بمعنى الانقياد والعبودية أ.هـ تفسير البيضاوي1/170.
9- التنسك
{واسجد} أي صل لله {واقترب} أي تقرب إلى الله جل ثناؤه بالطاعة والعبادة أ.هـ تفسير القرطبي 20/118.
وفيما يلي كلاما جامعا في العبودية:وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً (النساء: 36).
فيه ثمان عشرة مسألة :الأولى - أجمع العلماء على أن هذه الآية من المحكم المتفق عليه ليس منها شيء منسوخ وكذلك هي في جميع الكتب ولو لم يكن كذلك لعرف ذلك من جهة العقل وإن لم ينزل به الكتاب وقد مضى معنى العبودية وهي التذلل والافتقار لمن له الحكم والاختيار فأمر الله تعالى عبادة بالتذلل له والإخلاص فيه فالآية أصل في خلوص الأعمال لله تعالى وتصفيتها من شوائب الرياء وغيره أ.هـ تفسير القرطبي 5/171
وقال الألوسي رحمه الله تعالى: وأما التعبد فأما من الحمد لله لأنه للتعليم فيقدر أمر يفيده والأمر الإيجابي يلزمه النهي عن الضد في الجملة ولا نرى فيه بأسا أو من أهدنا الصراط المستقيم إن أريد به ملة الإسلام أو من تقدير قولوا بسم الله ومن تأخير متعلقه وإما من إياك نعبد فإنه إخبار عن تخصيصه بالعبادة وهي التحقق بالعبودية بارتسام ما أمر السيد أو نهى أ.هـ روح المعاني1/35.
وقال الراغب الأصفهاني رحمه الله تعالى: عبد- العبودية : إظهار التذلل والعبادة أبلغ منها لأنها غاية التذلل ولا يستحقها إلا من له غاية الإفضال وهو الله تعالى ولهذا قال : ** ألا تعبدوا إلا إياه } [ الإسراء / 23 ]والعبادة ضربان:عبادة بالتسخير وهو كما ذكرناه في السجود ؛ وعبادة بالاختيار: وهي لذوي النطق وهي المأمور بها في نحو قوله : اعبدوا ربكم (البقرة:21), واعبدوا الله (النساء:36), والعبد يقال على أربعة أضرب :
الأول: عبد بحكم الشرع وهو الإنسان الذي يصح بيعه وابتياعه نحو:العبد بالعبد (البقرة:178), و:عبدا مملوكا لا يقدر على شيء (النحل:75)
الثاني:عبد بالإيجاد وذلك ليس إلا لله وإياه قصد بقوله:{إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا (مريم:93).
والثالث : عبد بالعبادة والخدمة والناس في هذا ضربان :
عبد لله مخلص وهو المقصود بقوله :واذكر عبدنا أيوب (ص:41),( إنه كان عبدا شكورا (الإسراء:3).( نزل الفرقان على عبده(الفرقان:1),(على عبده الكتاب (الكهف:1),(إن عبادي ليس لك عليهم سلطان (الحجر:42),(كونوا عبادا لي (آل عمران:79),( إلا عبادك منهم المخلصين (الحجر:40),(وعد الرحمن عباده بالغيب(مريم:61),( وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا (الفرقان:63) فأسر بعبادي ليلا (الدخان:23),(فوجدا عبدا من عبادنا (الكهف:65).
وعبد للدنيا وأعراضها وهو المعتكف على خدمتها ومراعاتها وإياه قصد النبي عليه الصلاة والسلام بقوله : تعس عبد الدرهم تعس عبد الدينار ( أخرجه البخاري في كتاب الرقائق 7/ 175) وعلى هذا النحو يصح أن يقال : ليس كل إنسان عبد الله فإن العبد على هذا بمعنى العابد لكن العبد أبلغ من العابد والناس كلهم عباد الله بل الأشياء كلها كذلك لكن بعضها بالتسخير وبعضها بالاختيار وجمع العبد الذي هو مسترق : عبيد وقيل عبدي (في اللسان : ومن الجمع : عبدان وعبدان وعبدان) وجمع العبد الذي هو العابد عباد فالعبيد إذا أضيف إلى الله أعم من العباد , ولهذا قال :وما أنا بظلام للعبيد(ق:29), فنبه أنه لا يظلم من يختص بعبادته ومن انتسب إلى غيره من الذين تسموا بعبد الشمس وعبد اللات ونحو ذلك, ويقال : طريق معبد أي : مذلل بالوطء وبعير معبد: مذلل بالقطران وعبدت فلانا : إذا ذللته وإذا اتخذته عبدا.قال تعالى:أن عبدت بني إسرائيل (الشعراء:22 أ.هـ مفردات القرآن1/319. ولم يذكر الرابع إلا أن يكون تقسيمه للثالث على اعتبار أنهما اثنان والله أعلم.
تنبيه هام : إن العلماء عند ذكرهم لمعنى العبادة فيذكرون لفظ العبادة الصريح وبعض معانيه كالطاعة وغيرها لا يقصدون التغاير المضاد وإنما يقصدون اختلاف التنوع من باب عطف الخاص على العام وعطف العام على الخاص كما هو معهود الخطاب في الشرع واللغة وذكرهم لمصطلح العبادة يقصدون به أحد معنيي التوحيد : توحيد التأله وهو توحيد التوجه – القصد والطلب ( الشعائر والتنسك)- أما المعنى الآخر فهو توحيد الربوبية الذي هو توحيد مصدر التلقي , لأن التوحيد لا يتحقق إلا بهذين الأمرين بحيث يكون مصدر التلقي وهو الأمر والنهي والأحكام ظاهراً وباطنا من الله تعالى وحده والتوجه إلى الله تعالى وحده بالأفعال الظاهرة والباطنة من خلال هذه الأوامر والنواهي والأحكام فتكتمل الدائرة من الله تعالى وحده وعلى مراد الله وحده وإلى الله وحده وبهذا يتحقق التوحيد لأن معنى التوحيد إنما هو من التفرد والوحدانية بحيث يكون مصدر التلقي والتوجه واحدا وهذا هو معنى سورة الإخلاص.
يتبع إن شاء الله تعالى
أعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت (العبادة2)
معاني العبـادة ومظاهرها التفصيـلية
1-:الدعــاء فالدعاء هو الدين والعبادة وله ثلاثة معان وكيفيات في كتاب الله تعالى هي:
أ‌- التسمية بالأسماء الحسنى: قال تعالى: وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (الأعراف:180), وهذا ما اصطلح عليه العلماء بتوحيد الأسماء والصفات ولذلك فكل من أسبغ على نفسه صفة من صفات الله تعالى أو نسب إلى نفسه أو إلى غيره ما اختص الله تعالى به نفسه فقد جعل مع الله إلها آخر سواء بالقول أو العمل.
ب‌- السؤال والاستغاثة قال تعالى: هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء (آل عمران:38), وقال تعال:ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ(الأعراف:55),والآيات كثيرة.
ت‌- الطـاعة( التنسك والتقرب) قال تعالى: وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ (الأعراف:56), وقوله تعالى: قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا
دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً (الفرقان:77) ,وقوله: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (غافر:60), ومن معان الدعاء أيضا الأمر قال تعالى: إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (النور:51), وسيأتي مزيد تفصيل للطاعة عند بحث الولاء إن شاء الله تعالى.
الدعـاء في اللغـة
( دعا ) قال الله تعالى وادْعوا شُهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين قال أَبو إسحق يقول ادْعوا من اسْتَدعَيتُم طاعتَه ورجَوْتم مَعونتَه في الإتيان بسورة مثله وقال الفراء وادعوا شهداءكم من دون الله يقول آلِهَتَكم يقول اسْتَغِيثوا بهم فالدعاء هاهنا بمعنى الاستغاثة وقد يكون الدُّعاءُ عِبادةً إن الذين تَدْعون من دون الله عِبادٌ أَمثالُكم وقال أَبو إسحق في قوله أُجِيبُ دعوة الدَّاعِ إذا دَعانِ معنى الدعاء لله على ثلاثة أَوجه:
فضربٌ منها: توحيدهُ والثناءُ عليه كقولك يا اللهُ لا إله إلا أَنت وكقولك ربَّنا لكَ الحمد.
والضرب الثاني: مسأَلة الله العفوَ والرحمة وما يُقَرِّب منه كقولك اللهم اغفر لنا.
والضرب الثالث:مسأَلة الحَظِّ من الدنيا كقولك اللهم ارزقني مالاً وولداً وإنما سمي هذا جميعه دعاء لأَن الإنسان يُصَدّر في هذه الأَشياء بقوله يا الله يا ربّ يا رحمنُ فلذلك سُمِّي دعاءً. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أَنه قال الدُّعاءُ هو العِبادَة ثم قرأَ: وقال ربُّكم ادْعوني أَسْتَجِبْ لكم إنَّ الذين يسْتَكْبرون عن عِبادتي() وقال مجاهد في قوله:واصْبِرْ نفْسَكَ مع الذين يَدْعُون رَبَّهم بالغَداةِ والعَشِيّ() قال يُصَلُّونَ الصَّلَواتِ الخمسَ ورُوِي مثل ذلك عن سعيد بن المسيب في قوله: لن نَدْعُوَ من دونه إلهاً() أَي لن نَعْبُد إلهاً دُونَه وقال الله عز وجل: أَتَدْعُون بَعْلاً أَي أَتَعْبُدون رَبّاً سِوَى الله .. والدُّعاءُ الرَّغْبَةُ إلى الله عز وجل.ودَعا الرجلَ دَعْواً ودُعاءً ناداه والاسم الدعْوة ودَعَوْت فلاناً أَي صِحْت به واسْتَدْعَيْته وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يُقدِّمُ الناسَ في أَعطِياتِهِم على سابِقتِهم فإذا انتهت الدَّعْوة إليه كَبَّر أَي النداءُ والتسميةُ وأَن يقال دونكَ يا أَميرَ المؤمنين,وقوله عز وجل أَنْ دَعَوْا للرحمن وَلَداً أَي جعَلوا وأَنشد بيت ابن أَحمر أَيضاً وقال أَي كنت أَجعل وأُسَمِّي أ.هـ لسان العرب14/257.
و (الدعاء) بالضم ممدودا (الرغبة إلى الله تعالى) فيما عنده من الخير والابتهال إليه بالسؤال ومنه قوله تعالى ادعوا ربكم تضرعا وخفية ,(دعوته زيدا) ودعوته (بزيد) إذا سميته به, والاسم الدعوة والدعاوة ويكسران) الذي في المحكم والاسم الدعوى والدعوة وفى المصباح ادعيت الشئ طلبته لنفسي والاسم الدعوى, والدعوة بالفتح في الطعام اسم من دعوت الناس إذا طلبتهم ليأكلوا عندك يقال نحن في دعوة فلان ومثله في الصحاح(واندعى أجاب) قال الاخفش سمعت من العرب من يقول لو دعونا لاندعينا أي لأجبنا, والدعاء العبادة والاستغاثة,وما دعاك إلى هذا الأمر أي ما الذي جرك إليه واضطرك أ.هـ تاج العروس1/8381-8383, القاموس المحيط 1/1655,المصباح المنير1/194-195.
أقوال المفسرين في الدعـاء
قال ابن منظور رحمه الله: لأن الدعاء معناه العبادة هذا قول الزجاج أ.هـ لسان العرب14/235, وقال أيضا: لن ندعو من دونه إلها أي لن نعبد إلها دونه وقال الله عز وجل أتدعون بعلا أي: تعبدون ربا سوى الله وقال ولا تدع مع الله إلها آخر أي: لا تعبد أ.هـ لسان العرب 14/257-262.
قال الطبري رحمه الله : عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الدعاء هو العبادة ثم قرأ وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين فأخبر صلى الله عليه وسلم أن دعاء الله إنما هو عبادته أ.هـ التفسير 2/160-161.
وقال أيضا: وقوله: وقال ربكم ادعوني أستجيب لكم يقول تعالى ذكره ويقول ربكم أيها الناس لكم ادعوني يقول اعبدوني وأخلصوا لي العبادة دون من تعبدون من دون الأوثان والأصنام وغير ذلك أ.هـ التفسير24/78-79.
قال القرطبي رحمه الله : ومعنى تدعون تعبدون أ.هـ التفسير 7/204.وقال أيضا: فالدعاء بمعنى العبادة أ.هـ التفسير 2/208-212 .
قال ابن الجوزي رحمه الله: قوله تعالى أين ما كنتم تدعون أي: تعبدون من دون الله أ.هـ زاد المسير 3/ 194.
قال ابن تيمية رحمه الله : فلهذا كان هذا أقوى القولين أي ما يعبأ بكم لولا أنكم تدعونه فتعبدونه وتسألونه فقد كذبتم فسوف يكون لزاما أي عذاب لازم للمكذبين .أ.هـ دقائق التفسير 2/359.
وقال النسفي رحمه الله في تفسيره قولا جامعا نصه: وقال ربكم ادعوني: اعبدوني,استجب لكم :أثبكم فالدعاء بمعنى العبادة كثير في القرآن ويدل عليه قوله: إن الذين يستكبرون عن عبادتي .وقال عليه السلام:الدعاء هو العبادة وقرا هذه الآية صلى الله عليه وسلم وعن ابن عباس رضي الله عنهما: وحدوني اغفر لكم وهذا تفسير للدعاء بالعبادة ثم للعبادة بالتوحيد وقيل سلوني أعطكم أ.هـ التفسير4/78.
فهذا تفسير الله تعالى وتفسير رسوله عليه الصلاة والسلام وإجماع أهل العلم بالتفسير واللغة.
يتبع إن شاء الله تعالى
أعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ( العبادة3)
2- :الحكــــــم: والحكم هو الدين ويتعلق به ثلاثة أمور تشريع الأحكام والحكم بها والتحاكم إليها وهو ما دلت عليه اللغة وقرره علماء الأصول:
أ‌- تشريع الأحكام التكليفية والوضعية قال تعالى: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ (المائدة :50) وقوله تعالى: أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (الشورى:21) ,وقال تعالى: ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (الجاثية:18).
ب-‌ الحكم بالأحكام ( تكليفية أو وضعية)قال تعالى:وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (المائدة:49) , وقوله تعالى:إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (المائدة:44).
ت‌- التحاكم إلى الأحكام: قال تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً (النساء:60) وقوله تعالى: فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً (النساء:65), فالتحاكم إلى غير الله تعالى وغير رسوله عليه الصلاة والسلام إيمان بالطاغوت وقد بينه سبحانه بأنه الضلال البعيد الذي هو عدم الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر لقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً(النساء:136).
الحكـم في اللغـتة
حكم أصله: منع منعا لإصلاح ومنه سميت اللجام: حكمة الدابة فقيل: حكمته وحكمت الدابة: منعتها بالحكمة وأحكمتها: جعلت لها حكمة وكذلك: حكمت السفيه وأحكمته أ.هـ مفردات القرآن 1/347
- [ حكم ] ح ك م : الحُكْمُ القضاء وقد حَكَم بينهم يحكم بالضم حُكْما و حَكَم له وحكم عليه والحُكْمُ أيضا الحكمة من العلم والحكِيمُ العالم وصاحب الحكمة والحكيم أيضا المتقن للأمور وقد حَكُم من باب ظرُف أي صار حكيما وأحكَمَهُ فاسْتَحْكَمَ أي صار مُحْكَما والحَكَمُ بفتحتين الحاكم وحَكَّمه في ماله تحكِيماً إذا جعل إليه الحكم فيه فاحْتَكَمَ عليه في ذلك واحتكموا إلى الحاكم وتَحَاكمُوا بمعنى والمُحاكَمَةُ المخاصمة إلى الحاكم وفي الحديث {إن الجنة للمحكمين} وهم قوم من أصحاب الأخدود حُكموا وخُيروا بين القتل والكفر فاختاروا الثبات على الإسلام مع القتل أ.هـ مختار الصحاح1/167.
الحكـم عند علماء الأصـول: وقوله أحكامنا مفعول المصدر جمع حكم وعرفوه بأنه القضايا والنسب التامة والأحكام المراد بها الخمسة:الوجوب والتحريم والندب والكراهة والإباحة وما يتعلق بها والتعريف فيها .أ.هـ إجابة السائل شرح بغية الآمل 1/25.
الحكم هو الخطاب المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع فيتناول اقتضاء الوجود واقتضاء العدم إما مع الجزم أو مع جواز الترك فيدخل في هذا الواجب والمحظور والمندوب والمكروه وأما التخيير فهو الإباحة وأما الوضع فهو السبب والشرط والمانع فالأحكام التكليفية خمسة لأن الخطاب إما أن يكون جازما أو لا يكون جازما فإن كان جازما فإما أن يكون طلب الفعل وهو لإيجاب أو طلب الترك وهو التحريم وإن كان غير جازم فالطرفان إما أن يكونا على السوية وهو الإباحة أو يترجح جانب الوجود وهو الندب أو يترجح جانب الترك وهو الكراهة فكانت الأحكام ثمانية : خمسة تكليفية وثلاثة وضعية وتسمية الخمسة تكليفية تغليب إذ لا تكليف في الإباحة بل ولا في الندب والكراهة التنـزيهية عند الجمهور وسميت الثلاثة وضعية لأن الشارع وضعها علامات لأحكام تكليفية وجودا وانتفاء أ.هـ إرشاد الفحول1/10, والمراد بالاقتضاء الطلب فيشمل طلب الفعل إيجابا أو ندبا وطلب الترك تحريما أو كراهة والمراد بالتخيير الإباحة أ.هـ الإبهاج1/44.
والحكم هو إمضاء قضية في شيء ما وهو في الدين تحريم أو إيجاب أو إباحة مطلقة أو بكراهة أو باختيار أ.هـ الإحكام لابن حزم 1/49.
الحكم الشرعي:خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير وزاد ابن الحاجب فيه أو الوضع ليدخل جعل الشيء سببا أو شرطا أو مانعا كجعل الله تعالى زوال الشمس موجبا للظهر وجعله الطهارة شرطا لصحة الصلاة والنجاسة مانعة من صحتها فإن الجعل المذكور حكم شرعي لأنا إنما استفدناه من الشارع وليس فيه طلب ولا تخيير لأنه ليس من أفعالنا حتى يطلب منا أو نخير فيه أ.هـ التمهيد في تخريج الفروع على الأصول 1/48.
لعلك تقول أصول الفقه تشتمل على أبواب كثيرة وفصول منتشرة فكيف يندرج جملتها تحت هذه الأقطاب الأربعة فنقول القطب الأول هو الحكم وللحكم حقيقة في نفسه وانقسام وله تعلق بالحاكم وهو الشارع والمحكوم عليه وهو المكلف وبالمحكوم فيه وهو فعل المكلف وبالمظهر له وهو السبب والعلة ففي البحث عن حقيقة الحكم في نفسه يتبين أنه عبارة عن خطاب الشرع وليس وصفا للفعل ولا حسن ولا قبح ولا مدخل للعقل فيه ولا حكم قبل ورود الشرع وفي البحث عن أقسام الحكم يتبين حد الواجب والمحظور والمندوب والمباح والمكروه والقضاء والأداء والصحة والفساد والعزيمة والرخصة وغير ذلك من أقسام الأحكام وفي البحث عن الحاكم يتبين أن لا حكم إلا لله وأنه لا حكم للرسول ولا للسيد على العبد ولا لمخلوق على مخلوق بل كل ذلك حكم الله تعالى ووضعه لا حكم لغيره وفي البحث عن المحكوم عليه يتبين خطاب الناسي والمكره والصبي وخطاب الكافر بفروع الشرع وخطاب السكران ومن يجوز تكليفه ومن لا يجوز وفي البحث عن المحكوم فيه يتبين أن الخطاب يتعلق بالأفعال لا بالأعيان وأنه ليس وصفا للأفعال في ذواتها وفي البحث عن مظهر الحكم يتبين حقيقة السبب والعلة والشرط والمحل والعلامة فيتناول هذا القطب جملة من تفاريق فصول الأصول أوردها الأصوليون مبددة في مواضع شتى لا تتناسب ولا تجمعها رابطة فلا يهتدي الطالب إلى مقاصدها ووجه الحاجة إلى معرفتها وكيفية تعلقها بأصول الفقه أ.هـ المستصفى1/8.
وفيما يلي تفصيل شامل لمعاني الحكـم الثلاثـة:
أ‌- تشريع الأحكام التكليفية والوضعية قال تعالى: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ (المائدة :50) وقوله تعالى: أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (الشورى:21) , وقال تعالى: ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (الجاثية:18).
أقوال المفسـرين وأهل العلـم
ولكنا أنشأنا قرونا أي:ولكنا خلقنا بين زمانك وزمان موسى قرونا كثيرة فتطاول عليهم العمر وتمادى الأمد فتغيرت الشرائع والأحكام وعميت عليهم الأنباء لا سيما على آخرهم فاقتضى الحال التشريع الجديد فأوحينا إليك ..وقوله تعالى ليدبروا آياته, متعلق بـ أنزلناه أي: أنزلناه ليتفكروا في آياته التي من جملتها هذه الآيات المعربة عن أسرار التكوين والتشريع فيعرفوا ما يدبر ظاهرها من المعاني الفائقة والتأويلات اللائقة أ.هـ تفسير أبي السعود 7 /225.
وقوله تعالى: اليوم أكملت لكم دينكم أي: في التشريع بالأمر والنهى..وقول السائل ما قاله في عمره أو بعد النبوة أو تشريعا فكل ما قاله بعد النبوة واقر عليه ولم ينسخ فهو تشريع أ. هـ الفتاوى7/232, 18/11.
فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الأقضية والأنكحة والبيوع: وليس الغرض من ذلك ذكر التشريع العام وإن كانت أقضيته الخاصة تشريعا عاما وإنما الغرض ذكر هديه في الحكومات الجزئية التي فصل بها بين الخصوم وكيف كان هديه في الحكم بين الناس أ.هـ زاد المعاد 5/5
والذي قال لنا وما آتاكم الرسول فخذوه هو الذي شرع لنا هذه الزيادة على لسانه والله سبحانه ولاه منصب التشريع عنه ابتداء كما ولاه منصب البيان لما أراده بكلامه كله بل كلامه كله بيان عن الله والزيادة بجميع وجوهها لا تخرج عن البيان بوجه من الوجوه بل كان السلف الصالح الطيب إذا سمعوا الحديث عنه وجدوا تصديقه في القرآن ولم يقل أحد منهم قط في حديث واحد أبدا إن هذا زيادة على القرآن فلا نقبله ولا نسمعه ولا نعمل به ورسول الله صلى الله عليه وسلم - أجل في صدورهم وسنته أعظم عندهم من ذلك وأكبر أ.هـ إعلام الموقعين2/313.
الثالث( من مقاصد القرآن): التشريع وهو الأحكام خاصة وعامة. قال تعالى: إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله () ولقد جمع القرآن جميع الأحكام جمعا كليا في الغالب وجزئيا في المهم فقوله ( تبيانا لكل شيء ) وقوله : ( اليوم أكملت لكم دينكم ) المراد بهما إكمال الكليات التي منها الأمر بالاستنباط والقياس . قال الشاطبي لأنه على اختصاره جامع والشريعة تمت بتمامه ولا يكون جامعا لتمام الدين إلا والمجموع فيه أمور كلية...
هذا وإن القرآن كتاب جاء لهدي أمة والتشريع لها وهذا الهدي قد يكون واردا قبل الحاجة وقد يكون مخاطبا به قوم على وجه الزجر أو الثناء أو غيرهما وقد يكون مخاطبا به جميع من يصلح لخطابه وهو في جميع ذلك قد جاء بكليات تشريعية وتهذيبية والحكمة في ذلك أن يكون وعى الأمة لدينها سهلا عليها وليمكن تواتر الدين وليكون لعلماء الأمة مزية الاستنباط وإلا فإن الله قادر أن يجعل القرآن أضعاف هذا المنـزل وأن يطيل عمر النبي صلى الله عليه وسلم للتشريع أكثر مما أطال عمر إبراهيم وموسى ولذلك قال تعالى ( وأتممت عليكم نعمتي ) فكما لا يجوز حمل كلماته على خصوصيات جزئية لأن ذلك يبطل مراد الله كذلك لا يجوز تعميم ما قصد منه الخصوص ولا إطلاق ما قصد منه التقييد ؛ لأن ذلك قد يفضي إلى التخليط في المراد أو إلى إبطاله من أصله وقد اغتر بعض الفرق بذلك . قال ابن سيرين في الخوارج : إنهم عمدوا إلى آيات الوعيد النازلة في المشركين فوضعوها على المسلمين فجاءوا ببدعة القول بالتكفير بالذنب وقد قال الحرورية لعلي رضي الله عنه يوم التحكيم ( إن الحكم إلا لله ) فقال علي " كلمة حق أريد بها باطل " وفسرها في خطبة له في نهج البلاغة وثمة فائدة أخرى عظيمة لأسباب النـزول وهي أن في نزول القرآن عند حدوث حوادث دلالة على إعجازه من ناحية الارتجال وهي إحدى طريقتين لبلغاء العرب في أقوالهم فنـزوله على حوادث يقطع دعوى من ادعوا أنه أساطير الأولين ...إن القرآن هو المعجزة المستمرة على تعاقب السنين لأنه قد يدرك إعجازه العقلاء من غير الأمة العربية بواسطة ترجمة معانيه التشريعية والحكمية والعلمية والأخلاقية وهو دليل تفصيلي لأهل تلك المعاني وإجمالي لمن تبلغه شهادتهم بذلك .. وأن تكاليف الله للعباد على ألسنة الرسل ما أراد بها إلا صلاحهم العاجل والآجل وحصول الكمال النفساني لذلك الصلاح فلا جرم أن الله أراد من الشرائع كمال الإنسان وضبط نظامه الاجتماعي في مختلف عصوره. وتلك حكمة إنشائه فاستتبع قوله ( إلا ليعبدون ) أنه ما خلقهم إلا لينتظم أمرهم بوقوفهم عند حدود التكاليف التشريعية من الأوامر والنواهي فعبادة الإنسان ربه لا تخرج عن كونها محققة للمقصد من خلقه وعلة لحصوله عادة أ.هـ التحرير والتنوير1/4160,59,26,19
ب-‌ الحكـم بالأحكام ( تكليفية ووضعية): وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (المائدة:49) , وقوله تعالى:إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (المائدة:44).
وفيما يلي تفصيـل لمسألة الحكـم .
إن مسألة الحكم والحكام قد انتشرت فيها المؤلفات والخطب والمحاضرات التي لا تشفي عليلا ولا تروي غليلا تباينت الأقوال فيها بين إفراط وتفريط ومن ذلك خطبة قد جاءت بعجائب ومخالفات للنصوص وقواعد الأصول الشرعية تمثل ما استقر في عقول وقلوب فئة كبيرة من الناس ممن ينتسبون إلى الإسلام بما يتعلق بمسائل الحكم من حيث الاعتقاد والعمل فكان لزاما تبيين ذلك ذبا عن دين الله تعالى وإعادة الأمور إلى نصابها وتوضيح الأمور عسى الله تعالى أن يهدي من ضل عن جادة الصواب وقد اخترت معالجة هذه القضية العظيمة من خلال مناقشة ما ورد في هذه الخطبة كونها استوعبت ما لم يستوعبه غيرها من الخلل والانحراف والتحريف والتي حاءت .
التشابه والإحكام في آية الحكم
- قوله: فإني أركز كلامي على مسألة من هذه المسائل قد اشتبهت على كثير من الناس، وهي مسألة الحكم بغير ما أنزل الله تبارك وتعالى، الحكم بالدساتير والقوانين الوضعية أ.هـ
أقول:
1- إنه يقرر هنا بأنها من المتشابهات على الناس أي: مسألة الحكم بالقوانين الوضعية التي هي غير ما أنزل الله تعالى ومعلوم أن الحكم بغير ما أنزل الله تعالى لم يحدث في حياة الرسول عليه السلام ولا في حياة الخلفاء الراشدين من بعده فهذا أمر حادث والرسول عليه السلام يقول: من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد (رواه الشيخان وأهل الآثار) وفي رواية: ومن عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد وفي رواية: من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد.أ.هـ وعن العرباض بن سارية قال :وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما بعد صلاة الغداة موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب فقال رجل : إن هذه موعظة مودع فماذا تعهد إلينا يا رسول الله ؟ قال:أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن عبد حبشي فإنه من يعش منكم يرى اختلافا كثيرا وإياكم ومحدثات الأمور فإنها ضلالة فمن أدرك ذلك منكم فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ أ.هـ( رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجة وغيرهم), فالحكم بغير ما أنزل الله تعالى أمر مردود غير مقبول لا نعض عليه بالنواجذ بل نتركه ولا نتمسك به.
2- لم يبين ما هي حقيقة التشابه الموجود في هذه المسألة ليبني عليه أحكامه وكلامه ليكون هاديا فهو قد استدل بحديث: لئن يهدي الله بك رجلا واحدا أحب إليك من حمر النعم () ومعلوم أن الهداية تكون لأمر شرعي غير مردود مع أن الهداية المقصودة في الحديث هي الهداية إلى الإسلام.كما أن التشابه لا يكون في الأحكام وإنما يكون في الأمر والفعل المتعلق به الحكم فقد لا يعلم الإنسان حقيقة أمر ما فيظنه بكيفية معينة ويكون الحق في كيفية أخرى أما الحكم فلا تشابه فيه لكن قد يجهله الإنسان وهذا بحق من دخل الإسلام ورضي به دينا مثال ذلك: قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (البقرة:278), فهذه الآية تشتمل على أمرين:
الأول: حكم وهو التحريم المستفاد من النهي ( وذروا).
الثاني: الشيء المحرم وهو الربا.
فإذا ورد هذا النص على شخص ما فإنه يتيقن من أن الربا منهي عنه أي: محرم، ولا يشتبه عليه هذا الحكم لأن الأحكام صريحة واضحة منصوص عليها لا لبس فيها أما الربا فقد يشتبه عليه من حيث عدم معرفة معناه وكيفيته وقد يعلم معناه ولا يعلم كيفيته وهكذا فلم يبين هذا التشابه المزعوم .
3- بما انه قرر أن هذا التشابه متعلق بفتنة التكفير والمتعلقة بالحكم بغير ما أنزل الله تعالى فهو يقصد ولا شك تكفير الحاكم بغير ما أنزل الله تعالى وعليه فالمقصود هو قوله تعالى: إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (المائدة :44),وهذه الآية تتضمن أمرين لا ثالث لهما:
الأول:الفعل وهو(وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ), وهو متعلق بأشخاص مكلفين سواء كان هذا الحكم قوانين وضعية بالشكل المتعارف عليه أو أي شكل آخر فالعبرة انه غير ما أنزل الله تعالى.
الثاني: حكم الله تعالى بالكفر على من لم يحكم بما انزل الله تعالى بقوله: فأولئك هم الكافرون().
والسؤال هنا:هل التشابه في قوله تعالى: ومن لم يحكم بما أنزل الله (), أم في قوله: فأولئك هم الكافرون() أم في الأمرين معا؟ وما المقصود بالتشابه وكيفيته ؟ هذا هو أصل المسألة التي لم يتطرق إليها بحال. فحكم الكفر في الآية واضح بين صريح : فأولئك هم الكافرون() وهذا قول الله تعالى وحكمه لا يمكن لأحد مهما كان أن يغيره فلا تشابه فيه.
وأما قوله: ومن لم يحكم بما أنزل الله () فهو مناط حكم الله تعالى وهو أيضا واضح بين صريح، فالله تعالى حكم على أمور سواء حكما تكليفيا أو حكما وضعيا فإذا تحقق في قضية ما، ما يثبت فيها حكما تكليفيا أو وضعيا ولم يحكم فيه الذي أسند إليه الحكم فيها بحكم الله تعالى وحكم فيها بغير ما أنزل الله فيتحقق فيه حكم الله تعالى بأنه كافر ( فأولئك هم الكافرون) فهذا أمر واضح بين صريح قطعي الثبوت والدلالة. فما هو إذن التشابه وأين هو وكيف يزال هذا التشابه المزعوم؟وهل يزال بغير قول الله تعالى وقول رسوله عليه السلام؟!قطعا وجزما لا فلا يوجد متشابه إلا عند أهل الزيغ والضلال.
حالات الحكـم بغير ما أنزل الله
قوله: قال تعالى: وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (المائدة :44), وقال عز وجل: وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (المائدة :45), وقال: وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (المائدة: 47) فالحكم بغير ما أنزل الله له أربعة أحوال:
الأول:أن يحكم بغير ما أنزل الله معتقدا أن الأحكام الوضعية أفضل من حكم الله عز وجل، فهذا كافر خارج من ملة الإسلام.
الثاني:أن يحكم بغير ما أنزل الله معتقدا أن الأحكام الوضعية وحكم الله متساويان في الفضيلة، فهذا كافر خارج من ملة الإسلام.
الثالث:أن يحكم بغير ما أنزل الله معتقدا أن الحكم السماوي أفضل من الأحكام الوضعية لكنه يعتقد أن الحكم السماوي لا يصلح لهذا الزمان، فهذا أيضا كافر خارج من ملة الإسلام.
الرابع:أن يحكم بغير ما أنزل الله معتقدا أن الحكم السماوي هو الأفضل والأصلح، لكنه لهواه وعصيانه أو لظلمه وفسقه أو لإكراهه؛ حكم بغير ما انزل الله، فهذا لا يخرج من ملة الإسلام، بل هو عاص كبقية العصاة من المسلمين، وهذه هي التي خالف فيها الخوارج أ.هـ
أقول:
1- هل هذا القول بناءً على أدلة شرعية وفهم صحيح لها أم من عنده ؟ فان كان من عنده فكلامه باطل ولا يعول عليه وإن كان من أدلة شرعية فيجب عليه أن يبينها أي: أن يكون هناك نص على ما قاله وهذا لا يوجد حقيقة وإنما قوله بناءً على فهم ويلزم من ذلك أن يبين كيفية هذا الفهم. وفهم النصوص الشرعية له تكييف شرعي محدد إما مفهوم موافقة أو مفهوم مخالفة وهذا كله دلالة مفهوم ولكن النصوص الشرعية لا تقتصر على هذا النوع من الدلالة فهناك دلالة المنطوق وهو النص والظاهر.
2- كلامه كله متعلق بالاعتقاد الذي لم يبين كيفيته ( أعني الاعتقاد) فهو يقول: إن حكم بغير ما انزل الله تعالى معتقدا انه أفضل أو مساو لحكم الله أو أن حكم الله تعالى لا يصلح فهذا يكفر كفرا اكبر مخرجا من الملة، مع أن قوله تعالى متعلق بفعل الحكم وليس بالاعتقاد فمن اعتقد أن الحكم بغير ما أنزل الله أفضل من حكم الله أو أنه مساو له فقد كفر سواء حكم أم لم يحكم وكذلك من اعتقد أن حكم الله لا يصلح كفر بمجرد الاعتقاد.
فالسؤال: أين مناط الآية وهو: ومن لم يحكم بما أنزل الله, الذي هو منطوقها, أي:الفعل الذي هو نص الآية وظاهرها والذي حكم الله تعالى على فاعله بأنه كافر؟ فتركَ الشيء المنصوص عليه الذي هو مناط الحكم ولم يجعل له اعتبار وهو الفعل المجرد عن الاعتقاد، علما بأن المناط الذي جعله للآية هو من باب مفهوم الموافقة وهو: المسكوت عنه أولى بالمنطوق, فالاعتقاد أولى بالحكم من الفعل الذي هو عدم الحكم بما أنزل الله مع ثبوت الحكم للمنصوص عليه وهو عدم الحكم بما أنزل الله، وقوله تعالى نص على كفر من لم يحكم بما أنزل الله فمجرد عدم الحكم بما أنزل الله حكمه الكفر فمن باب أولى أن يكفر من حكم بغير حكم الله تعالى وأولى منهما من اعتقده ولكن غره كما غر غيره عدم ذكر العلماء صورة من حكم بغير حكم الله تعالى مع اعتقاده أن حكم الله أفضل وهذا القسم أشد كفرا لأنه أولى بالكفر من غيره إذ لا مسوغ له للحكم بغير حكم الله تعالى ولم يذكره العلماء لأن هذا كفره معلوم اضطرارا.
3- أما الحالة الرابعة فقد وقع من خلالها في عدة مصائب:
الأولى: أنه جعلها في الاعتقاد أيضا ومعلوم أن النص يتكلم عن فعل الحكم.
الثانية: أنه اخرج حالة من عموم النص بغير دليل.
الثالثة: أنه جعل الإكراه والهوى متساويان ولم يفرق بينهما.
الرابعة: أنه جعل الإكراه متعلق بالحاكم ولم يبين كيفيته.
الخامسة: لم يبين كيفية الحكم هوىً وعصيانا ودليله على ذلك.
فالله تعالى يقول: وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (المائدة :44), وهو يقول: من حكم بغير ما انزل الله معتقدا أن حكمه أفضل من حكم الله أو مساو له أو أن حكم الله لا يصلح فهو كافر خارج من الملة لكن من حكم بغير ما أنزل الله معتقدا أن حكم الله أفضل ولكن من اجل ثمن قليل فهذا لا يكفر ؟ والله تعالى يقول: وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (المائدة :44), فما جعله الله تعالى وهو الثمن القليل- لأي سبب كان- سببا للحكم بغير ما انزل الله ورتب عليه حكم الكفر المخرج من الملة جاء هو ومن على شاكلته وقالوا بأنه ليس كفر.
مصطلح الكفـر حقيقتـه ومعناه الشرعي
- قوله: وهنا أيضا مسألة أخرى مهمة؛ ألا وهي أنه في النصوص الشرعية جاء الكفر على نوعين: كفر أكبر مخرج من الملة، و كفر أصغر غير مخرج من الملة أ.هـ
أقول:
1- من المعلوم أن النصوص الشرعية هي قول الله تعالى وقول رسوله عليه السلام.
2- إن التعامل مع النصوص الشرعية تكون بردها إلى الأصول المحكمات والأصل في الكلام الحقيقة الشرعية ولا يتم صرفها عن حقيقتها إلا بقرائن من الأدلة الواضحة, ومعلوم أن لفظ الكفر الأصل فيه المعنى الشرعي وهو نقض الإيمان المخرج من الملة ولا يصار إلى صرفه عن هذه الحقيقة إلا بدليل, كذلك فان التعامل مع الخطاب الشرعي يكون بحسب معهود المتكلم فمصطلح الكفر ورد في قول الله تعالى وقول رسوله عليه الصلاة والسلام فما هو حقيقة ورود هذا اللفظ في كلا الخطابين؟, ومن الخطأ المستبين والتحريف للدين أن نجعل كلام الله تعالى مبينا لكلام رسوله فإن الله تعالى أنزل الكتاب على رسوله وجعل رسوله مبينا لهذا الكتاب قال تعالى: بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (النحل:44),وهذا أحد مسالك أهل الضلال بتحريف الدين فقول الله مثلا: وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ(),لا نستدل على معناه بنصوص تتعلق بمسائل أخرى من قول الرسول عليه السلام وإنما يجب أن يكون البيان لنفس النص بمعنى أن هذا نص في الحكم فيجب بيانه من خلال نصوص تتعلق بالحكم سواء للألفاظ أو الأحكام إذ أن مسألتنا هي في كفر من لم يحكم بما أنزل الله هل هو أكبر أم أصغر ؟ وليست مسألتنا هل ورد معنى الكفر في كلام الرسول عليه السلام بمعنى الكفر الأصغر أم لا ؟ وعليه فإن لفظ الكفر بجميع تصريفاته اللغوية ورد في كتاب الله تعالى في أكثر من 428 آية وهو ما يقارب الألف لفظ ولم يرد أي لفظ من هذه الألفاظ بمعنى الكفر الأصغر لا بقرائن ذاتية ولا خارجية إلا لفظ واحد وهو قوله تعالى: ُيعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ(الفتح:29), حيث ورد عن بعض العلماء تفسير كلمة الكفار بالزراع والأكثر على أن الراجح في معناها هو المعنى الشرعي وهو نقض الإيمان ( الكفر الأكبر) وعلى فرض أن معناها الزراع فهذا خارج مسألتنا, فمعهود الخطاب للفظ الكفر في كلام الله تعالى أنه الكفر الأكبر ولم يرد قرائن تصرفه عن ذلك في أي نص ومن أدعى غير ذلك فليأتنا بسلطان مبين وإلا فقد افترى على الله تعالى الكذب وهو من المحرفين للدين.
أما قول الرسول عليه السلام فقد ورد فيه لفظ الكفر أيضا بتصريفات مختلفة ويجب أن ترد إلى المعنى الوارد في كلام الله تعالى وأن لا يصرف عن ذلك إلا بقرائن وهنا أصل وقاعدة ثابتة مجمع عليها لا يخالف فيها إلا ضال خرج عن دين الإسلام وهي أن الذي يصرف حكم الكفر في الخطاب الشرعي عن الأكبر المخرج من الملة إلى الأصغر غير المخرج من الملة هو نص شرعي من قول الله تعالى أو قول رسول الله عليه السلام فقط لا غير سواء نص صريح أو قرينة ذاتية أو خارجية أما غير ذلك فلا نقبل منه أيا كان سواء كان صحابيا كبيرا أو صغيرا مشهورا بالعلم أو غير مشهور-وحاشاهم أن يفعلوا ذلك- فكيف بمن دونهم.
- قوله: وإن شئت فقل: كفر اعتقادي وكفر عملي لا يضاد الإيمان، فالكفر الأكبر أو الكفر الاعتقادي يكفر صاحبه ويخرجه من ملة الإسلام، والكفر العملي الذي لا يضاد الإيمان أو الكفر الأصغر لا يكفر صاحبه إلا إذا اعتقد حل فعل ذلك العمل المحرم فينتقل من الكفر العملي إلى الكفر الاعتقادي الذي يكفر به كفرا أكبر مخرجا من الملة. أ.هـ
أقول:1- كلامه هنا يدل على أنه حاطب ليل لا يدري ما يقول ونسألهم أين الدليل على هذا التقسيم؟.
2-أنه جعل الكفر المخرج من الملة مقيدا بالاعتقاد فقط وأن الكفر العملي لا يخرج من الملةونريد منه ومن يقول بقوله أن يجيبونا على الأفعال التي حكم الله تعالى عليها أنها كفر أكبر مخرج من الملة من ذلك قوله تعالى: وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ(65)لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ(66,التوبة), فالله تعالى قد حكم عليهم بالكفر المخرج من الملة لمجرد الاستهزاء المجرد عن الاعتقاد.
وكذلك قوله تعالىَّ: لقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَآلُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ (7, المائدة), فهؤلاء قد كفروا لمجرد القول.وكذلك قوله تعالى: وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ (74:التوبة), فهنا أيضا كفروا لمجرد قولهم كلمة الكفر.وكذلك أجمعت الأمة على أن من سب الله أو سب رسوله فقد كفر بمجرد السب وكذلك من داس المصحف لمجرد الفعل يكفر والأمثلة كثيرة على ذلك.وكذلك ماذا يقول في قوله تعالى:لاَّ تَجْعَل مَعَ اللّهِ إِلَـهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَّخْذُولاً (الإسراء:22), ومعلوم أن كلمة تجعل تعني العموم سواء أن يجعل بباطنه أو ظاهره قولا وعملا ولا يمكن أن يكون بالاعتقاد وهنا يرد سؤال هل يعلم هو ومن يقول بقوله كيف يجعل الإنسان بقوله وعمله وقلبه إلها مع الله فإذا كان فليقولوا لنا كيف؟
وكذلك ماذا يقول بقوله تعالى: وَقَالَ اللّهُ لاَ تَتَّخِذُواْ إِلـهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلهٌ وَاحِدٌ فَإيَّايَ فَارْهَبُونِ (النحل:51), ومعلوم أن الاتخاذ يكون قولا وعملا ظاهرا وباطنا فليقولوا لنا كيف يتخذ الإنسان الهين اثنين أو أكثر؟, ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الرجل ليتكلم بالكلمة ما يتبين ما فيها يزل بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب .
وخرج الإمام أحمد والترمذي والنسائي من حديث بلال بن الحارث المزني قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إن أحدكم ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت فيكتب الله بها رضوانه إلى يوم يلقاه وإن أحدكم ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت فيكتب الله بها سخطه إلى يوم يلقاه أ.هـ
فإن قالوا أن هذه تدل على الإعتقاد ’ قلنا لهم فأنتم جهمية وكيف عرفتم أنها تدل على الاعتقاد ؟ ونقول له ولمن يقول بقوله: هل الشرك فقط في الاعتقاد الذي هو استحلال المحرم؟ فأين النص الذي يبين هذا والقرآن ما نزل والرسول ما أُرسل إلا لبيان الشرك والنهي عنه ؟: ُقلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (النمل:64).
3- أنه قيد الكفر الأكبر بتحريم ما أحل الله تعالى ومعلوم أن الشرع قد قرر أن المحرمات على نوعين: مكفرات وغير مكفرات. فالمكفرات لمجرد فعلها يكفر فاعلها أما غير المكفرات فلا يكفر فاعلها إلا باستحلالها. فهل السجود للصنم كشرب الخمر؟ وهل الطواف بالقبر كالسرقة؟ وهل سب الله تعالى كالربا؟ وهل قتل النبي كالنميمة؟ وهل تحريف كتاب الله تعالى كسب المسلم؟ إلى غير ذلك.
- قوله: ومثال الكفر العملي، قول النبي:( سباب المسلم فسوق وقتاله كفر ) فهل هذا كفر يخرج من دين الإسلام ؟,الجواب:لا، يعني لو أنك تقاتلت مع أخيك فهل تكفر كفرا أكبر ؟ الجواب: لا، هذا يسمى كفرا أصغر؛ لا يخرج من ملة الإسـلام,وهكذا, فمن استحل قتال المسلم واعتقد حل ذلك فهذا كفره كفرٌ اعتقاديٌ، وحينئذ يخرج من الملة.وهكذا...إذاً؛ فالمعاصي قد يطلق عليها كفر أصغر أو كفر عملي، والكفر الأصغر لا يخرج من ملة الإسلام، وعقيدة أهل السنة والجماعة في الكبائر أنهم لا يكفرون بالمعاصي والكبائر، بل هو مؤمن ناقص الإيمان، ولا تفارقه صفة الإيمان، والذين يكفرون بالمعاصي هم الخوارج، وكذا المعتزلة في الآخرة لمن مات على كبيرة ولم يتب منـها.أ.هـ
أقول:
1- كيف عرف أن قتال المسلم غير مخرج من الملة هل من نفس النص أم من نص آخر وهل كل قتال للمسلم غير كفر؟ فمثلا قتال المشركين للمسلمين في غزوة بدر وقتال المرتدين للصحابة أليس كفرا ؟
إنه يقرر أن أهل السنة والجماعة لا يكفرون بالمعاصي والكبائر فهل يا ترى الكفر ليس من الكبائر, فعن أبي بكرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم ( ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ) ثلاثا قالوا: بلى يا رسول الله , قال: الإشراك بالله وعقوق الوالدين - وجلس وكان متكئا فقال - ألا وقول الزور. قال: فما زال يكررها حتى قلنا ليته يسكت أ.هـ (رواه الشيخان), فهل من فعل الشرك لا يكفره أهل السنة والجماعة ؟ سبحان الله!! .
3- إن الكبائر تنقسم إلى قسمين كبائر مكفرة وكبائر غير مكفرة فكيف نميز بينها ؟,علما بأن الله تعالى قد حكم على الكفار بالكفر بناء على العمل بنص واضح صريح وليس بموجب الاستحلال أو الإعتقاد القلبي بقوله :هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاء فَيَشْفَعُواْ لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ (الأعراف:53), وقوله تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (36) وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ) (فاطر:37), وقوله تعالى:هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (المطففين:36), فأين الكفر الاعتقادي يا معشر المحرفين للدين أحفاد جهم؟.
فبعد هذا أليس هم من يحرفون الدين ويقولون على الله تعالى بلا علم ولا هدى ولا كتاب منير ويصدق عليهم قوله تعالى:وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ (8)ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ (9 ) سورة الحج.
مصطلح الكفر عموما وفي الحكم خصوصا عند الصحابة رضي الله عنهم
أما ما ينسبه للصحابة والعلماء من بعدهم فقد ثبت خلافه عنهم رضي الله عنهم فإنهم قد حكموا على من حكم بغير ما أنزل الله أنه كافر كفرا أكبرا مخرجا من الملة روى ذلك البيهقي وابن جرير والهيثمي والطبراني عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وما أدراك ما ابن مسعود فهو من أعلم الصحابة بكتاب الله عز وجل بعد الخلفاء الراشدين شهد لنفسه بذلك وأقره الصحابة ففي خطبة له قال : والله لقد أخذت من في رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعا وسبعين سورة والله لقد علم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أني من أعلمهم بكتاب الله وما أنا بخيرهم قال شقيق فجلست في الحلق أسمع ما يقولون فما سمعت رادا ذلك () .أ.هـرواه البخاري رحمه الله في صحيحه.
وعن مسروق قال: قال عبد الله رضي الله عنه: والله الذي لا إله غيره ما أنزلت سورة من كتاب الله إلا أنا أعلم أين أنزلت ولا أنزلت آية من كتاب الله إلا أنا أعلم فيما أنزلت ولو أعلم أحدا أعلم مني بكتاب الله تبلغه الإبل لركبت إليه. أ.هـ رواه الشيخان.
وعبد الله بن مسعود رضي الله عنه ممن أمرنا الرسول عليه السلام بأخذ القرآن عنه قراءةً وتفسيرا فعن مسروق: ذكر عبد الله بن عمرو عبد الله بن مسعود فقال لا أزال أحبه سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : خذوا القرآن من أربعة من عبد الله بن مسعود وسالم ومعاذ وأبي بن كعب أ.هـ (صحيح البخاري) , فلو صح ما روي عن ابن عباس رضي الله عنه وثبت عن عبد الله بن مسعود خلافه فالقول قول ابن مسعود رضي الله عنه, قال ابن كثير رحمه الله تعالى: إذا لم نجد التفسير في القرآن ولا في السنة رجعنا في ذلك إلى أقوال الصحابة فإنهم أدرى بذلك لما شاهدوا من القرائن والأحوال التي اختصوا بها ولما لهم من الفهم التام والعلم الصحيح والعمل الصالح لا سيما علماؤهم وكبراؤهم كالأئمة الأربعة الخلفاء الراشدين والأئمة المهتدين المهديين وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهم أ.هـ تفسير ابن كثير1/4.
فعن مسروق قال: سألت عبد الله يعني بن مسعود عن السحت فقال: الرشا وسألته عن الجور في الحكم فقال ذلك الكفر.وفي رواية أخرى: قال: سئل عبد الله عن السحت فقال: هي الرشا فقال: في الحكم فقال: عبد الله ذلك الكفر وتلا هذه الآية ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون.وفي رواية أخرى , قال: سألت بن مسعود عن السحت أهو رشوة في الحكم قال: لا ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون والظالمون والفاسقون ولكن السحت أن يستعينك رجل على مظلمة فيهدي لك فتقبله فذلك السحت أ.هـ سنن البيهقي 10/139, وهذه أسانيد منها الحسن ومنها الصحيح.
وعن ابن مسعود قال: الرشوة في الحكم كفر وهو بين الناس سحت. رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح مجمع الزوائد4/198.
عن مسروق قال سألت ابن مسعود عن السحت أهو الرشا في الحكم فقال: لا من لم يحكم بما أنزل الله فهو كافر, وفي رواية أخرى: : سألت ابن مسعود عن السحت قال: الرشا فقلت في الحكم قال: ذاك الكفر..أ.هـ تفسير الطبري 6/240.
وقال ابن جرير الطبري رحمه الله: وأما قوله : وأكلهم السحت(), فإنه يعني به الرشوة التي كانوا يأخذونها على حكمهم بغير كتاب الله لمن حكموا له به أ.هـ تفسير الطبري 6/298.
فابن مسعود رضي الله عنه حكم بأن الحكم بغير ما أنزل الله كفر مجرد أي:كفر أكبر , ولو كان كفرا أصغر لبين رضي الله عنه ذلك ولما فرق بينها وبين السحت الذي هو معصية دون الكفر, ولم يعهد عن الصحابة رضي الله عنهم أنهم ذكروا مصطلح كفر أصغر أو كفر دون كفر إلا ما ينسب لابن عباس رضي الله عنه ولم يصح ذلك , وأما أن المعاصي دون الكفر يطلق عليها كفر أصغر سواء كانت كبائر أو صغائر فهذا المصطلح لم يعهد إلا عن التابعين ومن بعدهم وكذلك فلا فرق بين السحت أو الهوى أو أي معصية, ومن المعلوم والثابت قطعا ويقينا أن لفظ الكفر إذا ورد مجردا عند الصحابة رضي الله عنهم فإن معناه الكفر الأكبر المخرج من الملة بدليل ما رواه البخاري وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ثم أريت النار فإذا أكثر أهلها النساء يكفرن، قيل أيكفرن بالله.قال: يكفرن العشير ويكفرن الإحسان لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم رأت منك شيئا قالت ما رأيت منك خيرا قط أ.هـ ولو كان معنى الكفر في القرآن يحتمل معنيين لسأل الصحابة عن ذلك ولبين لهم الرسول ذلك أيضا,قال الإمام الشافعي ترك الاستفصال في حكاية الحال مع قيام الاحتمال ينـزل منـزلة العموم في المقال.أ.هـ إرشاد الفحول1/198 ,القواعد والفوائد الأصولية1/234.
فانظروا يا عباد الله فهذا ابن عباس الذي يُنقل عنه انه قال كفر دون كفر يروي لنا أن الصحابة لا تفهم من كلمة الكفر المجردة إذا وردت في النصوص الشرعية - القرآن والسنة- إلا الكفر بالله وهو الكفر الأكبر المخرج من الملة وهذا إجماع منهم مع إقرار الرسول عليه الصلاة والسلام لهم بهذا الفهم ولا يمكن لابن عباس رضي الله عنه أن يخالف في ذلك فقوله قولهم,وقبل ذلك لو ورد لفظ الكفر في كتاب الله تعالى بمعنى الكفر الأصغر لبين ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ من المقرر بالإجماع عند أهل العلم المعتبرين أنه: لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة. فكيف يترك صلوات الله وسلامه عليه بيان قضية يترتب عليها تفرق الأمة ومتعلقة بأصل الدين ولأجلها أرسلت الرسل وأنزلت الكتب وهي بيان الكفر المخرج من الدين من غيره والله تعالى أمر في آيات كثيرة على الاجتماع وعدم التفرق: قال تعالى: وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ(103, آل عمران), وحبل الله تعالى هو كتاب الله تعالى وقال تعالى: وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (آل عمران:105), فهذه البينات المحكمات الواضحات من ربنا قد بينت أن الكفر في كتاب الله تعالى لا يعني إلا أمرا واحدا وهو الكفر الأكبر المخرج من الملة فهل ابن عباس يجهل هذه الأصول ليقول بخلافها ويكون ممن يبذر بذرة التفرق والاختلاف, معاذ الله ولكنه الفهم الفاسد وحب الدنيا الذي جعل أناسا يفترون عليه وَيٌقولونه ما لم يقل, ونقول لهم: هذا ما فهمتموه من قوله ولكن نريد قولا واضحا يقول فيه من حكم بغير ما أنزل الله سواء حكما تكليفيا أو وضعيا أنه كفر دون كفر وأتونا بسلف لكم إن كنتم صادقين.
أما سبب الضلال عنده فهو ما قاله بنفسه ينبز به غيره ما نصه: منشأه أنه فهم آيات الله عز وجل بعقله المجرد دون أن يرجع إلى فهم الرعيل الأول سلف الأمة من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان، ومن سار على دربهم من العلماء الربانيين في كل قرن، أ.هـ. فقوله نقوله له ولمن يقلدهم: أنك ومن تقلدهم قد فهمتم ليس آيات الله تعالى وأحاديث نبيه صلى الله عليه وسلم فهما فاسدا وإنما فهمتم أقوالا لبشر غير معصومين لم يؤتوا كلاما معجزا أو جوامع الكلم فحصل فيها لبس فهمتموها بعقولكم المجردة دون ردها إلى آيات الله المحكمات وأحاديث رسوله المبينات وأقوال صحابته الذين عرفوا التنـزيل وفهموا حقيقة الدين غضا طريا.
فهذا بعض ما قاله الرعيل الأول والعلماء الربانيين الذين تتشدقون باقتفاء أثرهم فأفتيتم بغير علم فضللتم وأضللتم الناس فحملتم أوزاركم وأوزارا مع أوزاركم وجعلتم الدين أرق من الحرير.
الاستدلال الفاسد والجهل بقواعد التعامل مع النصوص الشرعية
قوله: وينبغي لنا أن نبين أمرا مهما هنا لكي نجلي الشبهات ونبين عقيدة أهل السنة والجماعة في هذه المسألة الهامة دون محاباة لا لحاكم ولا لمحكوم:هذه الآيات آنفة الذكر، بدأت جميعا بـ (من) ومن هنا اسم موصول للعاقل يفيد العموم؛ أي يشمل كل الناس حاكما كان أو محكوما؛ ذكرا أو أنثى، غنيا أو فقيرا؛وبيانه:أنك لو قيل لك أخرج إلى الشارع، وأحضر ( من ) وجدت لهذه الوليمة مثلا، فلو وجدت عشرة رجال وأحضرت خمسة وتركت خمسة فأنت حينئذ لم تعمل بمقتضى هذا الأمر فقوله تعالى ( من ) يشمل العموم.وقوله تعالى:( بما)،(ما) هنا تفيد العموم لغير العاقل، فهي تشمل كل الأحكام التي أنزلها الله سبحانه وتعالى، فالأمر بالصلاة حكم أنزله الله سبحانه، وهكذا الصيام والزكاة والحج، كلها أحكام شرعية أنزلها سبحانه وتعالى، وكذلك تحريم الزنا واللواط والسرقة والربا والغيبة والنميمة وغيرها من المحرمات، فهذه كلها أحكام شرعية أنزلها المولى عز وجل، والمقصود أنه لا فرق بين حاكم أو محكوم في هذه الأحكام فالكل مأمور بها وبتطبيقها.أ.هـ .
أقول:
1- إذا كانت عامة كما يقر هو وأمثاله في الأحكام والأشخاص فكيف استثنى منها حالة أو شخص فعموم الآية يشمل كل حالات الحكم وكل شخص حاكم ؟ ومع ذلك فقد وقع في مصيبة وهي انه حرف الآية عن مناطها فالآية تتكلم عن الحاكم فجعل عمومها متعلق بالحاكم والمحكوم فلا علاقة للمحكوم بهذه المسألة فالآية تتكلم عن الحاكم فأين ذكر الله تعالى المحكوم ؟.
2- هذا القائل حاطب ليل يهرف بما لا يعرف ودليل ذلك انه لا يفرق بين الأفعال والأوامر والأحكام؟ لأن كل من الأمر والحكم والفعل له تكييف شرعي محدد تترتب عليه الأحكام،أنظر إلى قوله: فالأمر بالصلاة حكم أنزله الله سبحانه أ.هـ قلت:هل قوله: وأقيموا الصلاة(), حكم أم أمر ؟ إنه أمر يترتب عليه حكم والحكم المترتب على هذا الأمر هو الوجوب. فهو يريد أن يقول: أن من لم يصل فقد حكم بغير ما أنزل الله تعالى وبالتالي فكفره مختلف فيه وكذلك الصوم والحج والزكاة فأقول له: هل من صلى يلزم منه أنه يحكم عليها بحكم الله وهو الوجوب ؟ وهل يلزم ممن لم يصل أنه يحكم بغير حكم الله؟ ومعلوم أن هذا بطلانه أشهر من نار على علم.
ثم أنظر إلى قوله: وكذلك تحريم الزنا واللواط والسرقة والربا والغيبة والنميمة وغيرها من المحرمات، فهذه كلها أحكام شرعية أنزلها المولى عز وجل أ.هـ فنقول له: إن ما ذكرته ليس أحكام وإنما أوامر تتعلق بأفعال لها أحكام فالزنا والربا والنميمة أفعال منهي عنها وحكم هذا النهي هو التحريم فلا يلزم ممن زنا أن يحكم على الزنا بغير حكم الله تعالى وكذلك من يرابي وكذلك من يسرق وأيضا لا يلزم ممن لا يسرق أن يحكم على السرقة بحكم الله تعالى, فهو يخلط بين الأفعال التي نص الشرع عليها أنها دون الكفر الأكبر وبين حكم التحريم لها وعليه فهناك فرق كبير بين المخالفة في الفعل الذي هو دون الكفر الأكبر وبين المخالفة في حكمه, ومراده من هذا التحريف والتخليط القائم على الجهل بالدين أن يخلص إلى المساواة بين الأحكام والأفعال دون تمحيص وعلم فحكم الوجوب للصلاة غير فعل الصلاة وحكم التحريم للزنا غير فعل الزنا وحكم القطع على السرقة غير فعل السرقة وحكم الجلد على الزنا غير فعل الزنا وهكذا.
اتخـاذ المشايخ أرباب من دون الله تعالى في الأمة
قوله: حينئذ يقال: ما الفرق بين حاكم يزني وبين محكوم يزني؟لا فرق؛ فكلاهما وقع في مخالفة لا يخرج بها من الملة، إلا إذا استحلها، واعتقد في قلبه حلّ هذا الأمر فهذا يكفر سواء كان حاكما أو محكوما حتى ولو:وسعنا الصورة: محكوم قتل مائة نفس محرمة القتل، وحاكم قتل مائة نفس محرمة القتل … ما الفرق ؟
الجواب: لا فرق؛ كلاهما عاص فاعل لكبيرة عظيمة من الكبائر، اللهم إلا أن يستحلا ذلك فهما حينئذ كافران خارجان من دين الإسلام، فلو أن المحكوم قتل مائة نفس لأنهم مسلمون، وأراد بذلك حرب الإسلام لأنه إسلام فهذا يكفر، وكذلك لو أن الحاكم قتل مائة نفس وأراد بذلك أن يقضي على الإسلام فهذا كافر خارج من دين الإسلام.لكن … حاكم أو محكوم؛ قتل مثل هذا العدد لكي يحافظ على كرسيه لا أنه يريد حرب الإسلام؛ فهذا لا يكفر وإنما فعل فعلا شنيعا عظيما عند الله. أ.هـ
أقول :
1- وهذا دليل آخر على انه حاطب ليل فهو في واد وآية الحكم في واد آخر فما علاقة زنا الحاكم بمسألة الحكم في الآية فالحديث عن الحكم بغير ما أنزل الله تعالى وليس عن فعل المخالفة التي هي دون الكفر وكذلك فليس الحديث عن كون الشخص حاكم أو محكوم فالله تعالى: يقول: ومن لم يحكم بما أنزل الله () وهذا متعلق بعموم الناس فأي قضية يُحكم فيها بغير حكم الله تعالى فيكون الحاكم بهذا الحكم كافرا سواءً كان أميرا أو إنسانا عاديا إذ أن الإنسان سواء كان أميرا أو غير أمير فهو حاكم في أمور تتعلق بوصفه.فالحاكم إذا زنى هل حكم بغير ما أنزل الله ؟ نقول: لا,هو فعل فِعل( بكسر الفاء) الزنا ولم يحكم فالشرع يتكون من أفعال وأحكام فما يتعلق بالحكم له كيفية وما يتعلق بالفعل له كيفية وهذه صورة واقعية للأئمة المضلين في الأمة الذين يفتون بجهل فيَِضلون ويُضلون.
فنقول له ولمن يقول بقوله: إن إبليس لعنه الله أول من سن الكفر وحكم الله عليه بالكفر لأنه رفض السجود لآدم عليه السلام فأين الاستحلال هنا ؟ فالله تعالى حكم عليه بالكفر لأنه أبى: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (البقرة:34), ولم يقل إلا إبليس استحل وكان من الكافرين, ثم كيف عرفنا انه كفر كفرا أكبر ؟ فقوله تعالى: وكان من الكافرين() فإنها تحتمل على تأصيله الكفر الأصغر بل إن كفر إبليس على تأصيله كفر كفرا أصغر لأنه لم يستحل كونه لم يفعل فعلا أصلا وإنما رفض فعل, ثم نقول له أليس: حكم الزنا الحرمة ومن قال بخلافه كفر ؟ أليس حكم الزاني الجلد وحكم الزنا الحرمة ؟ فما الفرق بين من قال إن الزنا حلال وبين من قال إن حكم الزاني السجن فكلاهما حكم وهما سواء؟.
2- أنظر إلى الإضطراب وعدم الفهم عند القوم حيث يقول: إلا إذا استحلها، واعتقد في قلبه حلّ هذا الأمر أ.هـ فهو هنا يقيد الاستحلال باعتقاد القلب إذ أنه لا يكتفي بالاستحلال ليحكم بالكفر إلا إذا رافق ذلك اعتقاد قلبي بذلك أيضا بمعنى أن لو إنسانا قال أن الخمر حلال مع علمه بالتحريم فهذا لا يكفر عنده حتى يعتقد في قلبه أيضا ومعلوم أن الأحكام في الإسلام إنما هي على الظاهر وأما السرائر فعلمها عند الله سبحانه فقط: قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (النمل:65), فعن أبي سعيد الخدري قال: بعث علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من اليمن بذهبية في أديم مقروظ لم تحصل من ترابها قال فقسمها بين أربعة نفر بين عيينة بن بدر وأقرع بن حابس وزيد الخيل والرابع إما علقمة وإما عامر بن الطفيل فقال رجل من أصحابه كنا نحن أحق بهذا من هؤلاء قال فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ألا تأمنونني وأنا أمين من في السماء يأتيني خبر السماء صباحا ومساء. قال فقام رجل غائر العينين مشرف الوجنتين ناشز الجبهة كث اللحية محلوق الرأس مشمر الإزار فقال يا رسول الله اتق الله قال: ويلك أو لست أحق أهل الأرض أن يتقي الله . قلا ثم ولى الرجل . قال خالد بن الوليد يا رسول الله ألا أضرب عنقه ؟ قال:لا لعله أن يكون يصلي.فقال خالد:وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :إني لم أومر أن أنقب قلوب الناس ولا أشق بطونهم أ.هـ(رواه الشيخان).
وكذلك حادثة أسامة بن زيد رضي الله عنه قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية فصبحنا الحرقات من جهينة فأدركت رجلا فقال لا إله إلا الله فطعنته فوقع في نفسي من ذلك فذكرته للنبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أقال لا إله إلا الله وقتلته ؟ قال قلت يا رسول الله إنما قالها خوفا من السلاح قال أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا فما زال يكررها علي حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ أ.هـ(صحيح مسلم), فهنا أمور منها:
1- قول الرجل الصريح لا إله إلا الله وهو عمل ظاهر.
2- الخوف من السلاح – وهو أمر قلبي - بناء على قرينة ظنية محتملة.
3- قوله عليه الصلاة والسلام : أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا أ.هـ.
فالرسول عليه الصلاة والسلام ينكر على أسامة الحكم على الرجل بناء على الباطن- ما في القلب- وعلى الأمور الظنية المحتملة مقابل الفعل الظاهر الواضح الذي لم يرافقه أو يعقبه فعل أو قول ظاهر يخالفه,ولذلك جاء في رواية ابن ماجة بسند حسن ما نصه: قال: يا رسول الله لو شققت بطنه لكنت أعلم ما في قلبه , قال : فلا أنت قبلت ما تكلم به ولا أنت تعلم ما في قلبه أ.هـ , علما بأن هؤلاء يحرفون الاستدلال بهذا الحديث ويجعلونه في الحكم على الأشخاص بناء على الأمور القلبية الباطنة!!!!.
وعن عبد الله بن عتبة قال سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: إن أناسا كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن الوحي قد انقطع وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم فمن أظهر لنا خيرا أمناه وقربناه وليس إلينا من سريرته شيء الله يحاسبه في سريرته ومن أظهر لنا سوءا لم نأمنه ولم نصدقه وإن قال إن سريرته حسنة أ.هـ صحيح البخاري.
وقد بوب النووي رحمه الله تعالى في كتابه رياض الصالحين بابا بعنوان:باب إجراء أحكام الناس على الظاهر.أ.هـ
فما في القلوب لا يعلمه إلا علام الغيوب فهو وأمثاله يطالبوننا بأن نكون آلهة من دون الله نعلم الغيب وما في قلوب العباد فهم بذلك يشاقون الله ورسوله ويتبعون غير سبيل المؤمنين وهدي الخلفاء الراشدين المهديين.
ونسألهم كيف يكون الاستحلال ؟ وكيف نعلم أنه يستحل ذلك في قلبه؟ فلو قال قائل أنا استحل ذلك في قلبي لما تحقق شرطه لأن هذا قول لسانه وليس قول قلبه (اعتقاده )- مع أنه لم يبين الاعتقاد كيف يكون فهو يتكلم عن شرط مبهم غير محدد لا ضوابط له ولا معنى- وعليه فالشروط التي جعلها للتكفير لا يمكن بحال أن تتحقق - وبهذا يكون هو ومن يقول بقوله قد ألغى حكم الكفر من الإسلام من حيث يدري أو لا يدري وجعل ذلك أساس الإسلام وأنه دين الصحابة والتابعين ومن تبعهم وجميع العلماء ونحن نتحداهم أن يأتونا بقول صحابي أو تابعي أو قول عالم معتبر من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال ببدعتهم وضلالهم أن من وقع في مخالفة قد نص الشرع على أنها كفر مجرد لا يخرج بها من الملة، إلا إذا استحلها، واعتقد في قلبه حلّ هذا الأمر, فإذا لم تكن هذه عقيدة غلاة الإرجاء فلا إرجاء على وجه الأرض.
3- أنظر إلى قوله: وكذلك لو أن الحاكم قتل مائة نفس وأراد بذلك أن يقضي على الإسلام فهذا كافر خارج من دين الإسلام، لكن حاكم أو محكوم؛ قتل مثل هذا العدد لكي يحافظ على كرسيه لا أنه يريد حرب الإسلام؛ فهذا لا يكفر وإنما فعل فعلا شنيعا عظيما عند الله. أ.هـ
أقول: سبحان الله وإنا لله وإنا إليه راجعون إن مسألتنا في الحكم وليس في فعل المخالفات الشرعية التي نص الشرع على أنها حرام ( دون الكفر) فأنت ترى الخلط عندهم وعدم تمييز المسائل, كما أن من أراد القضاء على الإسلام كفر سواء قتل أم لم يقتل فهل يا ترى من أراد القضاء على الإسلام دون أن يفعل شيئا يكفر عندهم أم لا؟!! , ثم بخصوص حكام اليوم فهل هؤلاء عندما يقتلون الذين يدعون إلى تحكيم الشرع يفعلون ذلك من أجل المحافظة على كرسيهم؟فإن كان كذلك فهذا يعني أن الشرع يسلبهم كراسيهم فإن لم تكن هذه حربا على الإسلام فما هي الحرب على الإسلام ؟وما نسمعه هذه الأيام من حرب على الإرهاب وقتل الإرهابيين بزعمهم موافقة وطاعة لأسيادهم اليهود والنصارى أليست هذه حربا على الإسلام والمسلمين أم أنها حرب على أهل الأوثان ؟!!!!
ونقول لهم هل رأيتم في أحلامكم أن هؤلاء هدموا قبرا يعبد ؟!!!!وهل رأيت من تزين لهم عملهم دعوا إلى تحكيم شرع الله من 100سنة إلى الآن؟!!وهل رأيتهم يقفون في وجه اليهود والنصارى ؟!!!!!!وهل رأيتهم يمنعون الفساد وينصرون الفضيلة ؟!!!!
استقيظ هداك الله أنت وشيعتك فأنتم تغطون في سبات عميق وانظر بعين البصيرة وقل لنا هل هناك شيء يستند إلى شرع الله تعالى في تصريفهم لشؤون البلاد والعباد ؟!!!
الافتراء على الله تعالى وعلى علماء الأمة
- قوله: وهذا التأصيل السني الذي نص عليه علماء أهل السنة في كتبهم ينطبق تماما على الظلم وكذا الشرك وكذا الفسق، فالفسق فسقان والشرك شركان والظلم ظلمان، فكل من هذه الثلاثة أصغر وأكبر وبهذا جاءت النصوص.أ.هـ وسرد نصوصا شرعية.
فنقول له:إن هذا التأصيل شيطاني فأنتم لم تكتفوا بالجهل والابتداع في الدين وتحريف نصوص رب العالمين حتى جعلتم ذلك هو دين الصحابة الصالحين. ثم كيف عرفتم أن هذا ظلما اكبر أو اصغر وأن هذا فسقا اكبر أو أصغر ؟ أليس أن الأصل في هذه الألفاظ أنها الأكبر إلا إذا ورد نص أو قرينة تدل على غير ذلك,أم أن الأصل عندكم أنها الأصغر إلا إذا جاءت قرينة تدل على أنها الأكبر أم أن الأصل فيها أنها أصغر مطلقا؟, فهؤلاء القوم وجدوا نصا في الكفر حسب فهمهم وأنه يتعلق بمعصية معينة دون الكفر الأكبر فجعلوا ذلك عاما في جميع الذنوب, فوقعوا فيما قاله وهو, قوله: وبعد؛ ما هو منشأ ضلال من ضل وغلا في هذه الآيات حتى كفّر الموظفين والعمال الذين يعملون عند الحكام الجواب: منشأه أنه فهم آيات الله عز وجل بعقله المجرد دون أن يرجع إلى فهم الرعيل الأول سلف الأمة من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان، ومن سار على دربهم من العلماء الربانيين في كل قرن، أ.هـ
أقول:
1- بعد هذا البيان الواضح من الذي يتكلم في آيات الله بعقله المجرد فضل عن سبيل الله تعالى وأضل الخلق وحرف الدين وهو يحسب أنه من المهتدين؟!,إنه هو ومن يقول بقوله, ثم يأت هو ومن على شاكلته ليقول:إن ابن عباس رضي الله يقول عن هؤلاء أنهم مسلمون وأن ما يقومون به ذنوب كفر دون كفر.
2- إن الأصل في الرد إنما هو إلى الله تعالى وإلى رسوله: فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (النساء:59), ولم يقل سبحانه فردوه إلى فهم الرعيل الأول أو إلى أصحاب العمائم أو الحاصلين على الشهادات من أنظمة طاغوتية أو حتى إلى الصحابة.
3- إن الأدلة الشرعية دلالتها إما منطوق أو مفهوم, فمن قصر دلالة النصوص الشرعية على المفهوم فقط فقد افترى على الله إثما عظيما لان هذا الدين إنما هو لجميع الناس, والناس عقولهم متفاوتة ففي الشرع نصوص دلالتها لا تحتاج إلى تعمق ونظر وإعمال قواعد فهم خاصة وإنما دلالتها منطوقة ظاهرة, فقوله تعالى: وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (المائدة:44), دلالته منطوقة أي: ما دل عليه اللفظ في محله, وليس فيه إشكال ولا صعوبة ولا يحتاج إلى تدقيق وأعمال لقواعد فهم النصوص.
4- إن قواعد فهم النصوص الشرعية ليست حكرا على احد وهي معلومة ومن تعامل مع النصوص من خلالها فقد وصل إلى الحق.
5- إن الله تعالى حذر من الرد إلى غير الله ورسوله وبالأخص إلى العلماء في مخالفة النصوص الواضحة الصريحة قال تعالى: اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـهاً وَاحِداً لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (التوبة:31), وهذا هو سبب ضلال الشيعة الذين جعلوا كلام علمائهم معصوما نسخوا به النصوص الشرعية تخصيصا وتقييدا وبيانا وهو سبب ضلال اليهود والنصارى والله تعالى يقول: وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَـئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (المائدة:43), فانظر رحمك الله إلى هذا النص الواضح البين الصريح الذي حكم فيه سبحانه وتعالى حكما أبديا على من حكَّم أيا كان مع وجود حكم الله تعالى بأنه كافر خارج من الملة إذ تحكيم غير الله تعالى في هذه الحالة ما هو إلا رد لحكم الله وعدم قبوله وإلا لماذا تطلبون وتبحثون عن حكم من لم يحكم بما أنزل الله وحكم الله تعالى واضح بين في أعظم كتاب أنزله الله تعالى؟
6- قوله: ولو عاد لوجد أن هذا الفهم هو فهم ابن عباس رضي الله عنهما وطاووس ومجاهد ومذهب أصحاب المذاهب الأربعة وعلماء أهل السنة والجماعة من المفسرين والمحدثين كأمثال الطبري والقرطبي وابن كثير والشنقيطي، ومن علمائنا المعاصرين كأمثال العلامة المحدث ناصر الدين الألباني والعلامة ابن باز رحمة الله عليهم جميعا وأسكنهم فسيح جناته، وجعلنا ممن يستمسكون بغرزهم، ويسيرون على دربهم ويحشرون في زمرتهم، آمين آمين، أ.هـ
أقول: لا والذي بعث محمدا بالحق وأنزل الكتاب بالحق وحكم بالحق وجعل أحكامه محكمة واضحة ما هو بقول ابن عباس أو قول أحد من أتباع محمد صلى الله عليه وسلم وقد بينت ذلك سابقا بيانا محكما وسنزيده بيانا وأما المعاصرون فهم مقلدون للسابقين وكثير منهم يقول بقولهم دون فهم ودون تحقيق وأساس قولهم جميعا القول المنسوب لابن عباس رضي الله عنهما, يقول الشيخ أحمد شاكر رحمه الله تعالى: وهذه الآثار عن ابن عباس وغيره مما يلعب به المضللون في عصرنا هذا المنتسبين للعلم ومن غيرهم الجرءآء على الدين يجعلونها عذرا وإباحة للقوانين الوثنية التي ضربت على بلاد المسلمين أ.هـ حكم الجاهلية 39.
فهذا عالم من علماء الأمة المشهود له يحكم على هؤلاء بأنهم مضللون, ونحن نقول أنكم مضللون وما جئنا بجديد.
فعن أي شيء يتحدث ابن عباس لو فرضنا جدلا صحة ما ينسب إليه وهو غير صحيح؟ وبحق من يتحدث؟ ومع من يتحدث ؟وما هو سبب قوله ومعناه؟
وهل قال ابن عباس إن من حكم على السارق بالسجن مع ثبوت السرقة انه كفر دون كفر ؟
وهل قال بأن من حكم على الزاني بالسجن أو الغرامة المالية أنه كفر دون كفر؟.
وهل قال من جعل أساس حكمه الرد إلى القوانين الوثنية أنه كفر دون كفر ؟
وهل قال من جعل نفسه مطيعا ومتبعا لشرائع اليهود والنصارى أنه كفر دون كفر ؟
وهل سيقول أحد أن غير قول الله وقول الرسول يخصص أو يقيد أو يبين الأدلة الشرعية؟
أما مسألة الحكم فهي من أصول الدين التي بينها سبحانه وتعالى وفصلها تفصيلا محكما بعشرات الآيات لا تحتاج إلى قول أيٍ كان فالله سبحانه وتعالى يصف الحاكم بغير حكم الله تعالى أنه طاغوت بقوله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً (النساء:60), وهؤلاء يقولون أنه مؤمن بالله واليوم الآخر فهل يوجد في شرع الله تعالى طاغوت مؤمن ؟!!! ويصف المتحاكم إليه بأن إيمانه زعم وليس حقيقيا, فكيف يكون المتحاكم إلى من لا يحكم بما أنزل الله كافرا كفرا أكبر والحاكم بهذا الحكم (بغير ما انزل الله) كفره أصغر !!! لا أقول إلا سبحان الله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم فهذا حال من انقلبت موازينه واتبع هواه بغير هدى من الله فالطاغوت كافر كفرا أكبر ثم يأت أناس ويدعون بأن ابن عباس رضي الله عنه قال بأنه كافر كفرا أصغر.
فبأي الأقوال نقول؟ أنترك قول ربنا سبحانه وتعالى لأفهام الأفهام فلا نقول أن هذا فهم ابن عباس رضي الله عنهما ولكن هذا ما فهمه الخلف من فهم نسب إليه وليس بصحيح, فأصبحنا نتعلق بأفهام الأفهام وليس بالأفهام الواضحة المستندة إلى أدلة واضحة, فقولهم مبني على الظن المتصف بوصفين شرعيين:
الأول: قوله تعالى: وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئا ً(النجم:28).
الثاني: قوله عليه السلام: إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث () متفق عليه.
فمن كان كلامه أكذب الحديث وأنه لا يغني من الحق شيئا كيف يكون أصلا للدين؟ فإن كان دين البشر فنعم, أما الإسلام دين الله تعالى فلا, وحتى نجلي الأمر بشكل واضح وأشمل سأتناول ما يتعلق بهذه الآية من خلال أقوال من زعم أنهم يقولون بقوله الذي هو افتراء على الله تعالى وقولا بغير علم ولا كتاب منير.
1- لقد بينا بيانا شافيا ومحكما بالأدلة الشرعية أن لفظ الكفر إذا ورد في القرآن معناه الشرعي والحقيقي هو الكفر المخرج من الملة وإذا ورد في كلام الرسول عليه الصلاة والسلام الأصل في معناه هو المعنى الشرعي وهو المخرج من الملة كما فهم ذلك الصحابة رضي الله عنهم إلا إذا جاءت قرينة ( نص شرعي) يدل على صرفه عن معناه الشرعي وهو الكفر الأكبر إلى الكفر الأصغر.
2- ما هو المعنى الشرعي لمصطلح الحكم عندهم ؟ وقد تم بيان ذلك بالتفصيل علما بأن الحكم إذا كان إلزاميا فهو متعلق بحكم القاضي أو الأمير وهو القضاء، وإذا كان غير ملزم فهو الفتوى.وهذا كله هو معنى الحكم وهو: خطاب الشارع للمكلفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع أي:بمعنى آخر: هو خطاب الشرع والمتعلق بالفصل وإصدار الأحكام على الأفعال والأقوال الظاهرة والباطنة من وجوب وحرام وحلال ومكروه ومستحب سواء كانت بالتكليف أو الفصل في القضاء بين المتخاصمين من قطع وجلد وإصلاح وتفريق وغيرها وهي الأحكام الوضعية.
3- هل هذه الآيات نزلت بحق المسلمين؟ بمعنى هل حدث وأن أحدا من المسلمين في زمن نزول الوحي سواء كان أميرا أو غير أمير لم يحكم بما أنزل الله سواء كان الحكم وضعيا أو تكليفيا أو بمعنى أدق رد الحكم إلى غير الشرع ؟.
الجواب: إن معرفة ذلك يسيرة من خلال معرفة سبب النـزول فإن الصحابة رضي الله عنهم الذين شهدوا التنـزيل قد أجمعوا على أن هذا لم يحدث من أحد من المسلمين بأي صفة كان وأن هذه الآيات نزلت في أهل الكتاب الذين لم يحكموا بما أنزل الله تعالى روى ذلك أهل الحديث وأهل التفسير:
عن البراء بن عازب في قوله تعالى: ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون في الكافرين كلها.أ.هـ تفسير الطبري4/588.
عن أبي البختري قال سأل رجل حذيفة عن هؤلاء الآيات ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون فأولئك هم الظالمون فأولئك هم الفاسقون قال فقيل ذلك في بني إسرائيل قال: نعم الإخوة لكم بنوا إسرائيل إن كانت لهم كل مرة ولكم كل حلوة كلا والله لتسلكن طريقهم قدر الشراك.أ.هـ الطبري 4/588.
عن علقمة ومسروق أنهما سألا ابن مسعود عن الرشوة فقال : من السحت قال : فقالا أفي الحكم قال ذاك الكفر ثم قرأ هذه الآية ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون.أ.هـ تفسير الطبري4/579, 588.
عن ابن عباس قال إن الله أنزل ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون و فأولئك هم الظالمون و فأولئك هم الفاسقون قال: قال ابن عباس أنزلها الله في الطائفتين من اليهود.أ.هـ تفسير ابن كثير 2/80.
وقال ابن كثير رحمه الله: وقد روى العوفي وعلي بن أبي طلحة الوالبي عن ابن عباس أن هذه الآيات نزلت في اليهوديين اللذين زنيا كما تقدمت الأحاديث بذلك أ.هـ التفسير 2/80.
هذا ما ورد عن الصحابة رضي الله عنهم وعن ابن عباس تخصيصا ولم يرد عن الصحابة ما يخالف ذلك أما ما ورد عن التابعين مما يخالف ذلك فلا يعارض به ما ورد عن الصحابة رضي الله عنهم.
قال ابن جرير الطبري رحمه الله بعد أن ذكر أقوال الصحابة والتابعين: وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب قول من قال: نزلت هذه الآيات في كفار أهل الكتاب لأن ما قبلها وما بعدها من الآيات ففيهم نزلت وهم المعنيون بها وهذه الآيات سياق الخبر عنهم فكونها خبرا عنهم أولى أ.هـ التفسير 4/588.
وقال رحمه الله مقدمة لقول الصحابة والتابعين ما نصه: يقول تعالى ذكره ومن كتم حكم الله الذي أنزله في كتابه وجعله حكما بين عباده فأخفاه وحكم بغيره كحكم اليهود في الزانيين المحصنين بالتجبيه والتحميم وكتمانهم الرجم وكقضائهم في بعض قتلاهم بدية كاملة وفي بعض بنصف الدية وفي الأشراف بالقصاص وفي الأدنياء بالدية وقد سوى الله بين جميعهم في الحكم عليهم في التوراة :فأولئك هم الكافرون() يقول : هؤلاء الذين لم يحكموا بما أنزل الله في كتابه ولكن بدلوا وغيروا حكمه وكتموا الحق الذي أنزله في كتابه هم الكافرون يقول هم الذين ستروا الحق الذي كان عليهم كشفه وتبيينه وغطوه عن الناس وأظهروا لهم غيره وقضوا به لسحت أخذوه منهم عليه وقد اختلف أهل التأويل في تأويل الكفر في هذا الموضع فقال بعضهم بنحو ما قلنا في ذلك من أنه عنى به اليهود الذين حرفوا كتاب الله وبدلوا حكمه. أ.هـ التفسير 6/251-257.
وقال ابن كثير رحمه الله: وقوله تعالى ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون قال البراء بن عازب وحذيفة بن اليمان وابن عباس وأبو مجلز وأبو رجاء العطاردي وعكرمة وعبيد الله بن عبد الله والحسن البصري وغيرهم نزلت في أهل الكتاب زاد الحسن البصري وهي علينا واجبة وقال عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن منصور عن إبراهيم قال: نزلت هذه الآيات في بني إسرائيل ورضي الله لهذه الأمة بها أ.هـ التفسير 2/61-62. فأين قولهم بأن ما قالوه هو قول السلف من الصحابة والتابعين؟.
فهذا هو القول الثابت والمعتبر ومن المعلوم العبرة بعموم النص وأن سبب النـزول وصورة سبب النـزول داخلان في عموم النص. فمن فعل فِعل( بكسر الفاء) اليهود فهو داخل في حكم عموم النص فاليهود كانوا مقرين بحكم الله تعالى ولم يكونوا معتقدين خلافه كما ثبت من سبب النـزول وأنه بقي واضحا في التوراة ولم يغيروه منها وكان معلوما عندهم ولكنهم حكموا بغير ما أنزل الله لمصلحة عظيمة هي الحفاظ على جماعة اليهود من التفرق بمعاقبة الشريف والوضيع منهم والأخذ على يد المفسد,وهذا واضح وصريح في ما رواه مسلم رحمه الله في صحيحه: عن البراء بن عازب قال: مر على النبي صلى الله عليه وسلم بيهودي محمما مجلودا فدعاهم صلى الله عليه وسلم فقال: هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم ؟,قالوا: نعم فدعا رجلا من علمائهم, فقال:أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم ؟,قال: لا ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك نجده الرجم ولكنه كثر في أشرافنا فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد قلنا تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم إني أول من أحيا أمرك إذا أماتوه, فأمر به فرجم فأنزل الله عز وجل: يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر..إلى قوله :إن أوتيتم هذا فخذوه (المائدة:41 ), يقول ائتوا محمدا صلى الله عليه وسلم فإن أمركم بالتحميم والجلد فخذوه وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا فأنزل الله تعالى: ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون(المائدة:44),( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون (المائدة:45), ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون (المائدة:47) في الكفار كلها أ.هـ
ومن الملاحظ أن فعل اليهود إنما هو في الحكم بحكم وضعي وهو حد الزنا والذي نزل حكم الله تعالى فيمن حكم بغيره أنه كافر وكل الأحكام التي يحكم بها الحكام في هذا الزمان إنما هي أحكام وضعية, وكذلك فإن حكم الله تعالى بالكفر نزل بحق من حكم في نازلة واحدة كما فعل اليهود في الحكم على الزانيين بغير حكم الله تعالى وهذا قول فصل في الرد على من يدّعي أنه لا تدخل في الحكم الحادثة والحادثتان افتراء على الله تعالى وتحريفا لدينه سبحانه.
4- لقد ثبت معنى الحكم وأن مناطه متعلق بعموم الأحكام التكليفية والوضعية سواءً بسواء فلا فرق بين من حكم على الخمر أنها حلال وبين من حكم على السارق بالسجن, والحرمة للخمر والقطع للسارق كلاهما حكم,علما بأن سبب النـزول هو الحكم الوضعي فمن فرّق فعليه الدليل ولن يستطيع، ومن خصص أو قيد فعليه الدليل ولن يستطيع, فلا اعتبار في تغير سببه سواء للشهوة أو القرابة أو الرشوة أو غيره كما ثبت والحمد لله رب العالمين.
ولا يشوش على ذلك كما فعل بعض الجهلة الذين ليس لهم حظ من العلم بما ورد في الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة وزيد بن خالد: أن رجلين اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أحدهما اقض بيننا بكتاب الله وقال الآخر وهو أفقههما أجل يا رسول الله فاقض بيننا بكتاب الله وأذن لي أن أتكلم قال(تكلم). قال إن ابني كان عسيفا على هذا - قال مالك والعسيف الأجير - زنى بامرأته فأخبروني أن على ابني الرجم فافتديت منه بمائة شاة وجارية لي ثم أني سألت أهل العلم فأخبروني أن ما على ابني جلد مائة وتغريب عام وإنما الرجم على امرأته فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أما والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله أما غنمك وجاريتك فرد عليك ) , وجلد ابنه مائة وغربه عاما وأمر أنيس الأسلمي أن يأتي امرأة الآخر فإن اعترفت رجمها فاعترفت فرجمها أ.هـ
قلت:
أ- إن هذه المسألة متعلقة بشق الإثبات وهو ثبوت الإسلام للشخص وأحد أركانه أن الحكم كله لله بمعنى أن لا يرد الحكم لغير الله تعالى مع علمه بالحكم وأما عند جهله بالحكم فهو يرده إلى أصل الإيمان بحسب قواعد الإسلام والمسلم مع إقراره بهذا الركن وعمله به قد يقع في قضايا يجهل حكم الله فيها بمعنى لم يصله نص الحكم فيتعامل معها بناء على ما أداه إليه اجتهاده وهذا الذي افتدى لم يثبت لديه نص الحكم ابتداء حتى قام بسؤال أهل العلم ورفع القضية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بصفته القاضي والحاكم وحتى وصوله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تكن القضية قد رفعت إلى القضاء فهو طالب لحكم الله تعالى وحكم رسوله عليه السلام.
ب- هناك من المخالفات ما هو متعلق بحق الله تعالى ومنها ما هو متعلق بحق الخلق ومنها ما هو متعلق بحق الله تعالى وبحق الخلق معا وهذه الحقوق منها ما يجوز فيه الصلح ومنه ما لا يجوز فيه الصلح وكون الفداء بالمال واقع فقد ظن الصحابي الذي زنى ابنه أن الحدود تدرأ بالصلح .
ت- عارض الجهل قد حصل للصحابي من جهتين من جهة الحكم حيث أخبره زوج المرأة أن على ابنه الرجم وكذلك حصل له الجهل من جهة ظنه ان الحد حق لولي المجني عليها وكذلك من جهة أن الحد يدرأ بالفداء, ولم يترجم أحد من العلماء أو يذكر ما ذكره الخلف هذه الأيام وجعلوا ذلك إباحة للحكم بحكم الأوثان وأحكام اليهود والصليبيين ولم يجعلوها من مسائل الحكم بغير ما أنزل الله .
5- لقد وردت الأحاديث الصحيحة التي تبين وتفصل في أن الحكم في الأحكام الوضعية والتي تكون على سبيل القضاء أن المخالف فيها في النار وهذا لا يكون إلا بحق الكفر لقوله تعالى: وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ(غافر:6), إلا إذا ورد دليل يصرفه عن ذلك فعن النبي صلى الله عليه وسلم قال:القضاة ثلاثة واحد في الجنة واثنان في النار فأما الذي في الجنة فرجل عرف الحق فقضى به ورجل عرف الحق فجار في الحكم فهو في النار ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار. قال أبو داود وهذا أصح شيء فيه يعني حديث بن بريدة القضاة ثلاثة وهو حديث صحيح, فهذا الحديث يبين ما يلي:
أ - أن الذي يحكم إما كافر وإما مؤمن إما في الجنة وإما في النار.
ب - أن الذي في الجنة هو الذي يحكم بحكم الله تعالى.
ت - أن الذي في النار صنفان هما:
- من عرف حكم الله تعالى وحكم بغيره وهذا يشمل كل الأسباب لرشوة أو شهوة أو قرابة الخ وسواء حكم مرة واحدة أو أكثر.
- ومن لم يكن عالما بحكم الله وحكم بجهله.
ث - بين عليه الصلاة والسلام أنه يخرج من هذا من كان مؤهلا للحكم وحكم باجتهاده ردا إلى شرع الله تعالى في حال عدم علمه بالحكم الشرعي فعن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر فحدثت به أبا بكر بن حزم فقال هكذا حدثني أبو سلمة عن أبي هريرة.أ.هـ (رواه أبو داوود بسند صحيح). فهذا ما بينه الرسول عليه السلام بخصوص مسألة الحكم والقضاء ولا قول لغيره عليه الصلاة والسلام ولم يرد تفصيل يخالف ذلك.
6- وهنا نقول عن أي شيء يتحدث ابن عباس رضي الله عنه- على التسليم بصحة ما نسب إليه- وبعض التابعين والعلماء من بعدهم بخصوص الحكم بغير ما أنزل الله وأنه كفر دون كفر ؟
الجواب: من المعلوم اضطرارا أنه لا يمكن لصحابي أو تابعي أو أحد من علماء المسلمين أن يغير حكما لله تعالى فإذا عرفنا معنى الحكم الذي يقصده هؤلاء تكشفت الحقائق:
أ – بخصوص القول المنسوب لابن عباس والتابعين إنما هو رد على الخوارج الذين حكموا على من فعل معصية من الأمراء أنه كافر كونه حاكم وهذا كان في مفهوم الخوارج أنه حكم بغير ما أنزل الله تعالى فالمسألة هي عدم فهم الخوارج لمعنى الحكم حيث ظنوا أن كل مخالفة للشرع تسمى حكم ويتنـزل على فاعلها حكم الله تعال بأنه كافر فلم يفرقوا بين الأحكام والأفعال وجعلوها شيئا واحدا.
فجاء المعاصرون ووافقوا الخوارج في إطلاق لفظ الحكم ومعناه على المخالفات الشرعية ولم يفرقوا بين الأفعال والأحكام فهما سواء في سوء الفهم، لكن الخوارج أحكم مسلكا وسبيلا منهم فحكموا على فهمهم الفاسد بنص حكم الله تعالى بينما المعاصرون حكموا على فهمهم الفاسد بالقول المنسوب لابن عباس رضي الله عنه، ولا شك أن من رد أقواله إلى قول الله تعالى وقول رسوله عليه السلام أهدى سبيلا لقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا ً(النساء :59), فلذلك كان عند الخوارج أن من فعل منهيا عنه وترك مأمورا به فقد حكم بغير ما أنزل الله وبالتالي فهو كافر مخلد في جهنم ,وعند هؤلاء أنه مؤمن عاصي,والأقوال المتعلقة بالحكم عند الصحابة والتابعين إنما هو رد عليهم فيما كان حادثا في ذلك الزمان من بعض الأمراء من مخالفات شرعية في الأفعال وليس مخالفات في الأحكام حيث لم يثبت إطلاقا دون نزاع أنه حصل في زمان ابن عباس رضي الله عنه أن قاضيا أو أميرا حكم على من زنا بالسجن أو على من سرق بالغرامة أو على من شرب الخمر بحكم مخالف لحكم الشرع ومن ادعى ذلك فعليه بالدليل المحكم الصريح الواضح الذي لا شبهة فيه, فكما أن حكم من حكم على الخمر أنها حلال مع علمه بحكم الله أنه كافر فكذلك فإن حكم من حكم على السارق بالسجن مع علمه بحكم الله أنه كافر أيضا سواء بسواء وكذلك من رد الحكم إلى غير شرع الله تعالى ولو كان مشابها لحكم الله تعالى أو حكم رسوله عليه الصلاة والسلام فهو كافر فهذا القول الذي أثر عن السلف موضع النـزاع ليس تفسيرا للآية وإنما فتوى لواقعة حصلت استدل المخالف لهم بالآية في غير محلها فأنكروا أن تكون دليلا على صحة ما ذهبوا إليه, فيجب قبل الإستشهاد بقولهم أن نعلم حقيقة الواقعة وهذا مالم يتعرض له مرجئة هذا الزمان جهلا وغفلة وتعالما فأرونا الواقعة ثم انقشوا.
عن عمران بن حدير قال : أتى أبا مجلز ناس من بني عمرو بن سدوس فقالوا:يا أبا مجلز أرأيت قول الله :ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون(), أحق هو ؟ قال:نعم, قالوا:ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون (المائدة :45),أحق هو ؟ قال:نعم!قال فقالوا : يا أبا مجلز فيحكم هؤلاء بما أنزل الله ؟ قال: هو دينهم الذي يدينون به وبه يقولون وإليه يدعون فإن هم تركوا شيئا منه عرفوا أنهم قد أصابوا ذنبا ! فقالوا:لا والله ولكنك تفرق ! قال : أنتم أولى بهذا مني ! لا أرى وإنكم أنتم ترون هذا ولا تحرجون ولكنها أنزلت في اليهود والنصارى وأهل الشرك أو نحوا من هذا, وفي رواية أخرى:قعد إلى أبي مجلز نفر من الإباضية قال فقالوا له:يقول الله:ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون()فأولئك هم الظالمون (المائدة:45) (فأولئك هم الفاسقون(المائدة:47), قال أبو مجلز: إنهم يعملون بما يعملون - يعني الأمراء - ويعلمون أنه ذنب ! قال:وإنما نزلت هذه الآية في اليهود والنصارى قالوا: أما والله وإنك لتعلم مثل ما نعلم ولكنك تخشاهم قال:أنتم أحق بذلك منا! أما نحن فلا نعرف ما تعرفون! قالوا:ولكنكم تعرفونه ولكن يمنعكم أن تمضوا أمركم من خشيته.أ.هـ تفسير الطبري 4/588.
فقول الخوارج إفراط وقول المعاصرين تفريط وقولنا هو الحق لا إفراط ولا تفريط فالمخالف في الأفعال( التي ورد الدليل أنها ليست كفر), مسلم عاص والمخالف في الأحكام كافر خارج من الملة, فالحكم له صورتان لا ثالث لها وهي:
الأولى: الحكم بحكم الله إما عدلا وهي الإيمان أو ظلما وهي الفسق أو الكفر الأصغر.
الثانية: الحكم بغير حكم الله وهي الكفر.
وضل من ضل بسبب عدم التمييز بين هذه الأمور للشبهات والشهوات التي طغت على قلوبهم.
ب - إن ما تقرر هو قول العلماء من بعد ابن عباس رضي الله عنه فلا يوجد على الإطلاق عالم من السلف قال بأن الذي يخالف في الحكم الشرعي الوضعي أو التكليفي أنه مسلم ولكنهم يشترطون العلم بالحكم والرد إلى شرع الله تعالى فإذا تحقق علمه بالحكم فقد حكموا عليه بالإجماع أنه كافر خارج من الملة، ولذلك فان أقوالهم متعلقة بمن سرق أو زنا أو شرب الخمر ونحو ذلك أي: ما هو مثله أي المخالفة في الأفعال - النواهي والأوامر دون الكفر- وأذكر قولا جامعا لشيخ الإسلام محمد بن نصر المروزي رحمه الله: ومن ترك الإيمان الذي هو عمل مثل الزكاة والحج والصوم أو ترك الورع عن شرب الخمر والزنا فقد زال عنه بعض الإيمان ولا يجب أن يستتاب عندنا ولا عند من خالفنا من أهل السنة وأهل البدع ممن قال إن الإيمان تصديق وعمل إلا الخوارج وحدها فكذلك لا يجب بقولنا كافر من جهة تضييع العمل أن يستتاب ولا يزول عنه الحدود وكما لم يكن بزوال الإيمان الذي هو عمل استتابته ولا إزالة الحدود عنه إذ لم يزل أصل الإيمان عنه فكذلك لا يجب علينا استتابته وإزالة الحدود والأحكام عنه بإثباتنا له اسم الكفر من قبل العمل إذ لم يأت بأصل الكفر الذي هو جحد بالله أو بما قال قالوا ولما كان العلم بالله إيمانا والجهل به كفرا وكان العمل بالفرائض إيمانا والجهل بها قبل نزولها ليس بكفر وبعد نزولها من لم يعملها ليس بكفر لأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أقروا الله في أول ما بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم إليهم ولم يعملوا الفرائض التي افترضت عليهم بعد ذلك فلم يكن جهلهم ذلك كفرا ثم انزل الله عليهم هذه الفرائض فكان إقرارهم بها والقيام بها إيمانا وإنما يكفر من جحدها لتكذيبه خبر الله ولو لم يأت خبر من الله ما كان بجهلها كافرا وبعد مجيء الخبر من لم يسمع بالخبر من المسلمين لم يكن بجهلها كافرا والجهل بالله في كل حال كفر قبل الخبر وبعد الخبرقالوا فمن ثم قلنا أن ترك التصديق بالله كفر به وان ترك الفرائض مع تصديق الله انه أوجبها كفر ليس بكفر بالله إنما هو كفر من جهة ترك الحق كما يقول القائل كفرتني حقي ونعمتي يريد ضيعت حقي وضيعت شكر نعمتي قالوا ولنا في هذا قدوة بمن روى عنهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين إذ جعلوا للكفر فروعا دون أصله لا تنقل صاحبه عن ملة الإسلام كما ثبتوا للإيمان من جهة العمل فرعا للأصل لا ينقل تركه عن ملة الإسلام من ذلك قول ابن عباس في قوله: ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون.
أنواع الفسق والشرك والكفر: قال أبو عبد الله قالوا وكذلك الفسق فاحتطنا فسق ينقل عن الملة وفسق لا ينقل عن الملة فيسمى الكافر فاسقا والفاسق من المسلمين فاسقا ذكر الله إبليس فقال ففسق عن أمر ربه وكان ذلك الفسق منه كفرا وقال الله تعالى وأما الذين فسقوا فمأواهم النار يريد الكفار دل على ذلك قوله كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون وسمي القاذف من المسلمين فاسقا ولم يخرجه من الإسلام قال الله والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون وقال الله فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج فقالت العلماء في تفسير الفسوق ها هنا هي المعاصي كان الظلم ظلمين والفسوق فسقين كذلك الكفر كفران أحدهما ينقل عن الملة والآخر لا ينقل عنها فكذلك الشرك شركان شرك في التوحيد ينقل عن الملة وشرك في العمل لا ينقل عن الملة وهو الرياء قال الله جل وعز فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعباده ربه أحدا يريد بذلك المراءاة بالأعمال الصالحة وقال النبي صلى الله عليه وسلم الطيرة شرك قال أبو عبد الله فهذان مذهبان هما في الجملة محكيان عن أحمد بن حنبل وموافقيه من أصحاب الحديث.
حكى الشالنجي أنه سأل أحمد بن حنبل عن المصر على الكبائر يطلبها بجهده إلا أنه لم يترك الصلاة والزكاة والصوم هل يكون مصرا من كانت هذه حاله؟؟ قال هو مصر مثل قوله: لا يزني حين يزني وهو مؤمن يخرج من الإيمان ويقع في الإسلام ومن نحو قوله لا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن ومن نحو قول ابن عباس في قوله ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون فقلت له :ما هذا الكفر قال كفر لا ينقل عن الملة مثل الإيمان بعضه دون بعض فكذلك الكفر حتى يجيء من ذلك أمر لا يختلف فيه. وقال ابن أبي شيبة لا يزني حين يزني وهو مؤمن لا يكون مستكمل الإيمان يكون ناقصا من إيمانه أ.هـ تعظيم قدر الصلاة 521-528.
فانظر رحمك الله بعين البصيرة وليس بعين التقليد إلى قوله: فكذلك الكفر حتى يجيء من ذلك أمر لا يختلف فيه أ.هـ أين النصوص الشرعية واختلاف العلماء فيمن حكم بالسجن على السارق أو بالسجن على الزاني وما شابه ذلك أو من رد حكمه إلى غير شرع الله تعالى أنه فاسق داخل دائرة الإيمان؟.
فالنتيجة: أن من لم يحكم على من لم يحكم بما أنزل الله بالكفر فقد حكم بغير ما أنزل الله وينطبق عليه حكم الله بأنه كافر قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في ذكره لأنواع الطواغيت ما نصه:
الثاني : الحاكم الجائر، المغير لأحكام الله تعالى، والدليل قوله تعالى : أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً (النساء:60).
الثالث : الذي يحكم بغير ما أنزل الله، والدليل قوله تعالى: َمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُون (المائدة:44) أ.هـ الدرر السنية 1/162.
أنظر كيف أنه فرق بين الحاكم الجائر المغير أي: الذي شرع من عنده وبدل وبين من لم يشرع ولكن حكم بغير ما أنزل الله تعالى فجعلهما سواء وأنهما طاغوت ولم يتطرق إلى الاعتقاد.
يتبع إن شاء الله تعالى
أعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ( العبادة4)
- الـولاء هو الدين والعبادة وله أربعة معاني:
أ‌ - الطــاعة: قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُواْ خَاسِرِينَ) (149) بَلِ اللّهُ مَوْلاَكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (150)آل عمران.
ب‌-الإتبـاع: قال تعالى:اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ (الأعراف : 3 ).
ت - النـصرة: قال تعالى: وَمَا كَانَ لَهُم مِّنْ أَوْلِيَاء يَنصُرُونَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن سَبِيلٍ (الشورى:46) ,وقال تعالى: وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ (يس:74).
ث- المحـبة: قال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً لِّلّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (165) إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ(166),البقرة,وقال تعالى: قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (آل عمران:31),وقوله تعالى:يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءكُم مِّنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاء مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ (الممتحنة:1).
معـنى الـولاء في اللغــة
والوَلْيُ: القُرْبُ والدُّنُوُّ, الوِلاية بالكسر السلطان و الوَلايةُ و الولاية النُّصرة. قال الفراء: والوَلِيُّ والمَوْلى واحد في كلام العرب, قوله تعالى( أَن تَولَّوْهم )أَي: تَنْصُروهم, قال ابن الأَعرابي: ووالى فلان فلاناً إِذا أَحبَّه قال الأَزهري: وللموالاة معنى ثالث سمعت العرب تقول والُوا حَواشِيَ نَعَمِكم عن جِلَّتِها أَي اعْزِلوا صِغارَها عن كِبارِها وقد والَيْناها فتَوالَتْ إِذا تميزت. قال أبو منصور: وهو اسم يقع على جماعة كثيرة فهو: الرَّبُّ والمالِك والسَّيِّدُ والمُنْعِم والمُعْتِقُ والنَّاصِر والمُحِبُّ والتَّابع والجارُ وابن العَم والحَلِيفُ والعَقِيدُ والصِّهْرُ والعَبْدُ والمُعْتَقُ والمُنْعَمُ عليه قال : وأَكثرها قد جاءَت في الحديث فيضاف كل واحد إِلى ما يقتضيه الحديث الوارد فيه .
والمُوالاةُ : ضِدّ المُعاداة والوَلِيُّ: ضدّ العدوّ ويقال منه تَوَلاَّه.وقوله عزَّ وجل:** فتكون للشَّيطان وَلِيّاً } قال ثعلب: كلُّ مَن عَبَد شيئاً مِنْ دون الله فقد اتَّخذه وِليّاً.
والمُوالاةُ:المُتابعَةُ. وافْعَلْ هذه الأَشياء على الولاءِ أَي مُتابَعَةً والولي فعيل بمعنى الفاعل وهو من توالت طاعته من غير أن يتخللها عصيان, ويقال : أَوْلاني مَلَّكني المعروف وجعله منسوباً إِليَّ وَلِيّاً عَليَّ من قولك هو وَلِيُّ المرأَة أَي صاحبُ أَمرها والحاكم عليها قال : ويجوز أَن يكون معناه عَضَّدَني بالمعروف ونَصَرَني وقَوَّاني من قولك بنو فلان وَلاء على بني فلان أَي هم يُعِينونهم . وقال أَبو معاذ النحوي : و تَوَلَّيْتُ فلاناً أَي اتَّبَعْتُه ورَضِيتُ به. والتَّوَلِّي يكون بمعنى الإِعْراضِ ويكون بمعنى الإتباع قال الله تعالى:{وإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قوماً غيركم} أَي إِنْ تُعْرِضوا عن الإِسلام.وقوله تعالى:** ومَن يَتَوَلَّهُمْ منكم فإِنه منهم } معناه: مَن يَتَّبِعْهُم ويَنْصُرْهم والله أعلم.أ.هـ لسان العرب 15/ 405, القاموس المحيط 1/1732, تاج العروس1/865-8657, مختار الصحاح1/740, التعريفات1 /329, كتاب العين 8/ 365, المغرب في ترتيب المعرب2/372, النهاية في غريب الأثر 5 /510, المصباح المنير 2-672, 673.
تفصيل شـامل لمعاني الـولاء
أ‌ -الطــاعة: قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُواْ خَاسِرِينَ) (149) بَلِ اللّهُ مَوْلاَكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (150)آل عمران.
والطاعة : اسم للطوع الذي هو مصدر طاع يطوع بمعنى انقاد وفعل ما يؤمر به عن رضى دون ممانعة فالطاعة ضد الكره . والطاعة : امتثال الأوامر واجتناب النواهي قالوا ولا تكون الطاعة إلا عن أمر كما أن الجواب لا يكون إلا عن قول يقال أمره ( فَأَطَاعَ ) والطوع الانقياد بسهولة والطاعة مثله لكن أكثر ما يقال في الائتمار فيما أمر والارتسام فيما رسم. وقيل : طَاع : إذا انْقَاد وأطِاع : اتَّبَع الأمْرَ ولم يُخَالفه, فإذا مَضى لأَمرِه فقد أَطاعَهُ فإذا وافقَه فقد طاوَعَهُ أ.هـ تاج العروس1/ 5426 -5427، لسان العرب 8 / 240, القاموس المحيط 1/ 962, مختار الصحاح1/403, المصباح المنير2/380, النهاية في غريب الأثر3/322 , كتاب العين2/209, التعريفات1/182, التعاريف1/487, التحرير والتنوير1/1400, 2927.
فالطاعة هي امتثال الأمر والتي تعني الرضى وعدم الكره أي المحبة,و امتثل أمره: احتَذاه وعمل على مِثاله, و( امْتَثَلْتُ ) أمره أطعته, ورَسَمْتُ له كذا فارْتَسَمَه إذا امتَثله أ.هـ لسان العرب11/610, 12/241, المغرب في ترتيب المعرب2/258, المصباح المنير 2/564.
الأَمْرُ :معروف نقيض النَّهْيِ وأَمَرَهُ يَأْمُرُه أَمْراً وإِماراً فأْتَمَرَ أَي قَبِلَ أَمْرَه وائْتَمَرَ الأَمرَ أَي امتثله ,فأْتَمَرَ أَي أَطاعها وأُولُو الأَمْرِ : الرُّؤساءُ والعلماءُ ,. والأمر بمعنى الحال جمعه ( أُمُورٌ ) وعليه ( وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ ) و( الأَمْرُ ) بمعنى الطلب جمعه ( أَوَامِرُ ) وعليه أكثرُ الفُقَهاء وهو الجارِي في ألْسِنَة الأقوام أ.هـ لسان العرب4/ 26, القاموس المحيط 1/439, تاج العروس 1 / 2463 , المصباح المنير جزء 1 /21 .
الأمر عند علـماء الأصول والبلاغـة والتفسيـر والحديث هو: استدعاء الفعل بالقول ممن هو دونه على سبيل الوجوب وصيغته افعل وهي عند الإطلاق والتجرد عن القرينة تحمل عليه إلا ما دل الدليل على أن المراد منه الندب أو الإباحة ولا تقتضي التكرار على الصحيح إلا ما دل الدليل على قصد التكرار ولا تقتضى الفور أو هو طلب الفعل بالقول على سبيل الاستعلاء والإلزام أو اقتضاء فعل غير كف على جهة الاستعلاء , والاقتضاء طلب (والطَّلَبُ: مُحاوَلَةُ وِجْدانِ الشَّيءِ وأَخْذِه ) الفعل مع المنع عن الترك وهو الإيجاب أو بدونه وهو الندب أو طلب الترك مع المنع عن الفعل وهو التحريم أو بدونه وهو الكراهة والأمر والدعاء يتشاركان لفظا ومعنى ويتفاوتان بالاستعلاء والتسفل وقيل: بالرتبة والدعاء إذا استعملت في طلب الفعل على سبيل التضرع نحو ( رب اغفر لي ولوالدي ) والالتماس إذا استعملت فيه على سبيل التلطف كقولك لمن يساويك في الرتبة أفعل بدون الاستعلاء والاحتقار نحو (ألقوا ما أنتم ملقون).أ.هـ إرشاد الفحول1/140, الإحكام للآمدي2/258, , المحصول للرازي2/22,المدخل1/223, المستصفى1/202, روضة الناظر1/189, الورقات1/13, التعريفات 1/50, لسان العرب1/559, الكشاف1/ 59, تفسير البيضاوي1/69, تفسير النسفي1/34, الإيضاح في علوم البلاغة جزء 1/141-143, شرح سنن ابن ماجه 1/63 , مجموع الفتاوى28/168, الاستقامة2/292.
ولأن مسألة الطاعة أثير حولها كثير من الشبهات ومن ذلك أنهم جعلوا للطاغوت طاعة وأن هذا لا يناقض التوحيد فإليك أقوال أهل العلم من المفسرين لتكون على بينة ولتعلم حقيقة التحريف والجهل في هذا الأمر وأن التوحيد هو إخلاص الطاعة لله وجعلها له وحده ليس لمن دونه منها شيء بنص صريح كما أن البعض حرف معنى الطاعة وجعلها حق الطاعة ومعلوم أن هذا تقييد للمعنى الشرعي لا بد من نص شرعي صريح عليه مع ان حق الطاعة تتعلق بالباطن وهو الإعتقاد القلبي والطاعة شيء آخر.
أمن الأمان و الأمانة بمعنى وقد أمنت فأنا أمن و آمنت غيري من الأمن و الأمان و الأمن ضد الخوف و الأمانة ضد الخيانة والإيمان ضد الكفر..والأمانة تقع على الطاعة والعبادة والوديعة والثقة والأمان أ.هـ لسان العرب 13/21 , النهاية في غريب الأثر 1/166 , المطلع 1/248, عون المعبود9/58, فيض القدير 6/261, نيل الأوطار 9/103.
وقال شيخ المفسرين رحمه الله تعالى: والذي أراد ابن عباس إن شاء الله بقوله في تأويل قوله:اعبدوا ربكم, وحدوه أي: أفردوا الطاعة والعبادة لربكم دون سائر خلقه أ.هـ تفسيرالطبري1/160.
وقال أيضا: ويكون الدين كله لله يقول حتى تكون الطاعة والعبادة كلها لله خالصة دون غيره أ.هـ الطبري9/248.
وقال أيضا: يقول تعالى ذكره اجتنبوا أيها الناس عبادة الأوثان وقول الشرك مستقيمين لله على
إخلاص التوحيد له وإفراد الطاعة والعبادة له خالصا دون الأوثان والأصنام غير مشركين به شيئا من دونه أ.هـ تفسير الطبري17/155.
وقال أيضا: وقوله: ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى يقول تعالى ذكره ومن الناس من يخاصم في توحيد الله وإخلاص الطاعة والعبادة له بغير علم عنده بما يخاصم ولا هدى يقول ولا بيان يبين به صحة ما يقول ولا كتاب منير يقول ولا بتنزيل من الله جاء بما يدعى يبين حقية دعواه أ.هـ تفسير الطبري21/79.
والدين ما ورد به الشرع من التعبد ويطلق على الطاعة والعبادة والجزاء والحساب أ.هـ الحدود الأنيقة 1/70.
وقال الواحدي رحمه الله تعالى:وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة أي شرك يعني قاتلوهم حتى يسلموا وليس يقبل من المشرك الوثني جزية ويكون الدين أي: الطاعة والعبادة لله وحده فلا يعبد دونه شئ فإن انتهوا عن الكفر فلا عدوان أي فلا قتل ولا نهب إلا على الظالمين والكافرين أ.هـ الوجيز1/155.
وقال البغوي رحمه الله تعالى: هو الذي يريكم آياته وينزل لكم من السماء رزقا يعني المطر الذي هو سبب الأرزاق وما يتذكر وما يتعظ بهذه الآيات إلا من ينيب يرجع إلى الله تعالى في جميع أموره فادعوا الله مخلصين له الدين: الطاعة والعبادة ولو كره الكافرون أ.هـ معالم التنـزيل 4/94
وقال الشوكاني رحمه الله تعالى: لله رب العالمين أي خالصا له لا شريك له فيه والإشارة بذلك إلى ما أفاده لله رب العالمين لا شريك له من الإخلاص في الطاعة وجعلها لله وحده أ.هـ فتح القدير 2/185
وقال ابن تيمية رحمه الله : وحقيقته( التوحيد) أن تفنى بعبادته عما سواه ومحبته عن محبة ما سواه وبخشيته عن خشية ما سواه وبطاعته عن طاعة ما سواه وبموالاته عن موالاة ما سواه وبسؤاله عن سؤال ما سواه وبالإستعاذه به عن الاستعاذة بما سواه وبالتوكل عليه عن التوكل على ما سواه وبالتفويض إليه عن التفويض إلى ما سواه وبالإنابة إليه عن الإنابة إلى ما سواه وبالتحاكم إليه عن التحاكم إلى ما سواه وبالتخاصم إليه عن التخاصم إلى ما سواه أ.هـ منهاج السنة 5/347.
وقال أيضا رحمه الله كلاما جامعا صريحا واضحا:الاستسلام لله وحده يتضمن عبادته وحده وطاعته وحده فهذا دين الإسلام الذي لا يقبل الله غيره وذلك إنما يكون أن يطاع في كل وقت بفعل ما أمر به في ذلك الوقت .. إلى قوله: فالدين هو الطاعة والعبادة ..وقال صلى الله عليه وسلم : إنا معاشر
الأنبياء ديننا واحد. متفق عليه, وهو الاستسلام لله لا لغيره بأن تكون العبادة والطاعة له والذل وهو حقيقة لا إله إلا الله. أ.هـ الفتاوى 5/184.
فهؤلاء علماء الأمة يجمعون على أن العبادة بعمومها تعني الطاعة بعمومها ولم يستثن أحد منهم شيئا منها لأن الله سبحانه بين بأن الصراط المستقيم الذي هو الإسلام والتوحيد هو طاعة الله وحده وطاعة رسوله لا ثالث لهما بقوله: وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقا (النساء: 69).وعليه فإن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت يكون معناه: أطيعوا الله واجتنبوا طاعة الطاغوت فمن استثنى شيئا من العموم كالقول بجواز طاعة الطاغوت في المباح فيكون معناه جواز عبادة الطاغوت في المباح , ومن قال بجواز طاعة الطاغوت في الأمور الإدارية يكون قوله جواز عبادة الطاغوت في الأمور الإدارية وهكذا لأن معنى العبادة الطاعة فأينما وجد مصطلح العبادة في أي نص نضع معناه وهو الطاعة فيكون المعنى صحيحا لا لبس فيه وهو مراد الله تعالى وكذلك فإن معنى الدين الطاعة فمن أطاع الله تعالى فهو في دين الله تعالى ومن أطاع الطاغوت كان في دين الطاغوت ومن قال يجوز طاعة الطاغوت في شيء فقد جعل للطاغوت من الدين شيء والتوحيد( الإسلام) إنما هو أن يكون الدين كله لله كما نص القرآن على ذلك بلفظ صريح واضح:وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه الآية (الأنفال:39).
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: واعلم : أن الإنسان ما يصير مؤمناً بالله، إلاّ بالكفر بالطاغوت، والدليل قوله تعالى : َمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (البقرة:256) الرشد : دين محمد ؛ والغي : دين أبي جهل ؛ والعروة الوثقى : شهادة أن لا إلَه إلا ّ الله، وهي متضمنة للنفي والإثبات . تنفي جميع أنواع العبادة عن غير الله تعالى، وتثبت جميع أنواع العبادة كلها لله وحده لا شريك له.أ.هـ الدرر السنية 1/163.
ونقول أيضا:إن الله تعالى جعل الطاعة في الإسلام لله ولرسوله إستقلالا وطاعة أولي الأمر تبعا لطاعتهما لقوله تعالى:َيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (النساء:59), فطاعة الرسول طاعة لله لقوله تعالى:مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً(النساء:80),وطاعة أولي الأمر – العلماء والأمراء- الذين حققوا اجتناب الطاغوت وجعلوا حياتهم قائمة على طاعة الله ورسوله- مقيدة بطاعة الله ورسوله فطاعتهم إنما تكون إذا أمروا بطاعة الله ورسوله وعند ذلك تكون طاعتهم طاعة لله ورسوله لقوله عليه الصلاة والسلام: من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله ومن أطاع أميري فقد أطاعني ومن عصى أميري فقد عصاني أ.هـ (رواه البخاري ومسلم), وقوله أميري: هو كل من يتولى على المسلمين ويعمل فيهم بما شرعه صلى الله عليه وسلم
وعليه فمن أطاع الطاغوت وأنها تجوز وهي من دين الله تعالى فهو بين أمرين :
الأول: إما أن تكون طاعتهم طاعة لله ورسوله.
الثاني:إما أن يكونوا من أولي الأمر من المسلمين لقوله تعالى: وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ(),وبذلك جعل الطاغوت مسلما وتجوز ولايته على المسلمين بمعنى: أنه تجوز موالاته, وكلا الأمرين لا يمكن القول بأحدهما ولم يقل بهما أحد من المسلمين فضلا عن علمائهم وهو من مشاقة الله ورسوله واتباع غير سبيل المؤمنين.
ب‌-الإتبـاع: قال تعالى:اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ (الأعراف:3).
( تبع ) تَبِعَ الشيءَ تَبَعاً وتَباعاً في الأَفعال وتَبِعْتُ الشيءَ تُبوعاً سِرْت في إِثْرِه أَتْبَعَهُ أَيْ حَذَا حَذْوَهُ قفا أثره وذلك تارة بالجسم وتارة بالارتسام والائتمار..ويقال:أتبعه:إذا لحقه قال تعالى: فأتبعوهم مشرقين(الشعراء:60)التّابع :التاليِ ومنه التتبّعُ والمتابعة والإتباع واتَّبَعَ القرآنَ ائْتَمَّ به وعَمِلَ بما فيه..يَتْلُونه حقَّ تِلاوته أَي يَتَّبِعونه حقَّ اتِّباعه وأَراد لا تَدَعُوا تِلاوته والعملَ به فتكونوا قد جعلتموه وراءَكم كما فَعل اليهود حين نَبَذُوا ما أُمروا به وراء ظهورهم.أ.هـ مفردات القرآن1/176, تاج العروس1/5125, كتاب العين2/78, لسان العرب 8 /27.
ت - النـصرة: قال تعالى: وَمَا كَانَ لَهُم مِّنْ أَوْلِيَاء يَنصُرُونَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن سَبِيلٍ (الشورى:46) , وقال تعالى: وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ (يس:74).
والنُّصْرة حُسْن المَعُونة والنَّصْر العَطاء ونَصَرَهُ منه:نَجَّاهُ وخَلَّصَه و انْتَصَرَ منه انتقم.وقد نَصَره يَنْصُرُه نَصْرا إذا أعانَه على عدوّه وشَدّ منه وفي الحديث انصرْ أخاك ظالماً أو مظلوماً, وتفسيره:أن يمنعه من الظُّلْم إن وَجَدَه ظالماً وان كان مظلوماً ِأعانه على ظالمِهِ والأنصارُ جماعة الناصِر وأنصار النبيَّ أعوانُه, والنَّصيرُ والنّاصِرُ واحدٌ وقال الله جلَّ وعَزَّ:نِعمَ المَوْلَى ونعم النصيرُ ونُصرَة الله لنا ظاهِرةٌ, ونُصرَتُنا لله هو النُّصْرَة لعباده أو القيام بحفظِ حدوده وإعانةِ عهوده وامتثالِ أوامره واجتناب نواهيه قال اللهُ تعالى:إنْ تَنْصُروا اللهَ يَنْصُرْكم() وهو ناصِرٌ أ.هـ لسان العرب5/210,القاموس المحيط1/621, تاج العروس1/3539, مختار الصحاح1/ 688,النهاية في غريب الأثر5/143, كتاب العين 7 /108.
ث- المحـبة: قال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً لِّلّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (165) إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ(166),سورة البقرة ), وقال تعالى: قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (آل عمران :31 ) وقوله تعالى:يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءكُم مِّنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاء مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ (الممتحنة:1).
الحُبُّ نَقِيضُ البُغْضِ والحُبُّ الودادُ والمَحَبَّةُ وكذلك الحِبُّ بالكسر.وفي حديث أُحُدٍ " هُوَ جَبَلٌ يُحِبُّنَا ونُحِبّهُ " قال ابن الأَثير : وهذا محمولٌ على المجازِ أَراد أَنه جَبَلٌ يُحِبُّنَا أَهْلُهُ ونُحِبُّ أَهْلَهُ وهُم الأَنْصَارُ ويجوزُ أَن يكونَ من باب المَجَاز الصَّريحِ أَي أَنَّنَا نُحِبُّ الجَبَلَ بِعَيْنِه لأَنَّه في أَرْضِ مَنْ نُحِبُّ. اسْتَحَبَّهُ عليه أي آثره عليه واختاره ومنه قوله تعالى ** فاستحبوا العمى على الهدى } وحقيقة الاستحباب : أن يتحرى الإنسان في الشيء أن يحبه واقتضى تعديته ب ( على ) معنى الإيثار.
والمحبة : انفعال نفساني ينشأ عند الشعور بحسن شيء : من صفات ذاتية . أو إحسان أو اعتقاد أنه يحب المستحسن ويجر إليه الخير . فإذا حصل ذلك الانفعال عقبه ميل وانجذاب إلى الشيء المشعور بمحاسنه فيكون المنفعل محبا ويكون المشعور بمحاسنه محبوبا وتعد الصفات التي أوجبت هذا الانفعال جمالا عند المحب إرادة ما تراه أو تظنه خيرا وهي على ثلاثة أوجه:
- محبة للذة كمحبة الرجل المرأة ومنه: ويطعمون الطعام على حبه مسكينا (الإنسان:8).
- ومحبة للنفع كمحبة شيء ينتفع به ومنه: وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب (الصف:13).
- ومحبة للفضل كمحبة أهل العلم بعضهم لبعض لأجل العلم.
والمحبة في كلام العرب على ضروب منها المحبة في الذات والمحبة من الله لعباده المغفرة والرحمة والثناء عليها والمحبة من عباده له القصد لطاعته والرضا لشرائعه.أ.هـ معاني القرآن1/384, مفردات القرآن1/287,النهاية في غريب الأثر 1/869,لسان العرب1/289,تاج العروس 1/379 -380, مختار الصحاح1/167, التحرير والتنوير1/744.
أعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت -الله جل وعلا-
ثانيـا: الله سبـحانه وتعـالى
وقد عرف نفسه _ وهو الغني عن التعريف_ في آيات كثيرة منها قوله تعالى: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (22) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ(23)هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 24 ) الحشر.
وعرف نفسه - إذ لا يعرف ذاته إلا هو- : قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1 ) اللَّهُ الصَّمَدُ (2 )لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ( 3 )وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ( 4 ) سورة الإخلاص.
وعرف نفسه وأنه المتصرف بالخلق والمنعم على خلقه بقوله:أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاء فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ(60 )أَمَّن جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ(61 )أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ (62 )أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (63 )أَمَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (64 )قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (65 ) سورة النمل.
عن أبي هريرة رضي الله عنهأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن لله تسعة وتسعين اسما مائة إلا واحدا من أحصاها دخل الجنة أ.هـ أخرجه الشيخان وغيرهما من أهل السنن والمسانيد.
فكون الله تعالى هو الخالق فهو :
الأعلم بما يصلح عباده فلا يمكن أن يتركهم بلا شريعة ونظام يكفل صلاحهم قي الدنيا والآخرة .
الأعلم بخلقه _ ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير _ فهو المحيط بكل ما يتعلق بمخلوقاته فيكون شرعه عن علم وخبرة .
الأرحم بخلقه فلذلك جعل أول علاقة مع خلقه علاقة الرحمة فقال بعد أن بين أنه رب العالمين أنه _ الرحمن الرحيم_ فطاعة الخلق له لا تزيد في ملكه ومعصيتهم لا تنقص من ملكه .
فهو مالك يوم الدين فيجب أن نعمل له ونطيعه كما يريد هو لأنه يملك الثواب والعقاب .
فهو القادر على كل شيء فلا لجوء إلا إليه لأنه هو القادر وغيره عاجز.
فهو الرازق والرزاق ولا رازق سواه وأن رزق العبد مقدر لا يزيده الحرص ولا ينقصه تكالب الخلق فنحن نؤمن بالله تعالى ولا خوف على أرزاقنا فكل الخلق هو يرزقهم ولا يرزقون أنفسهم فكيف بغيرهم
وما بين الله تعالى أسمائه وصفاته ووصفها بأنها الحسنى إلا ليطمئن من آمن به ويلجأ إليه لأن حقيقة العبودية هي اللجوء إلى المعبود .
وحقيقة شرح أسمائه وصفاته وتعلقها بالتوحيد لا يسعها المجلدات وحسبي الإشارة إلى ذلك ومن أراد ابإشتزادة فعلماء الأمة قد وسعوت البحث فيها
أعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت - الإجتناب -
ثالثـا: الاجتنـاب ( اجتنبوا)
مصطلح الاجتناب بينه سبحانه وتعالى من خلال ردود الأقوام على دعوة رسلهم فكل رسول قال لقومه:اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ الآية كما يلي:
- رد قوم نوح عليه السلام كما أخبر عز وجل بقوله: وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلَا سُوَاعاً وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً (نوح:23).
- رد قوم هود عليه السلام كما أخبر عز وجل بقوله:قَالُواْ يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (هود:53), وقوله تعالى: قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (الأعراف:70).
- رد قوم صالح عليه السلام كما أخبر عز وجل بقوله: قَالُواْ يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّاً قَبْلَ هَـذَا أَتَنْهَانَا أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (هود:62).
- رد قوم شعيب عليه السلام كما أخبر عز وجل بقوله:قَالُواْ يَا شُعَيْبُ أَصَلاَتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاء إِنَّكَ لَأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (هود:87).
- رد فرعون وقومه كما أخبر عز وجل بقوله:قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاء فِي الأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ (يونس:78)وقوله تعالى: وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءهُمْ وَنَسْتَحْيِـي نِسَاءهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ (الأعراف:127).
- رد العرب قوم محمد عليه الصلاة والسلام كما أخبر الله تعالى بقوله: إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (الصافات:35), ففهمت أقوام الرسل عليهم السلام أن اجتناب الطاغوت هو ترك معبوداتهم من دون الله (الطاغوت) ويذروها ويلتفتون عنها والنهي عنها.
مصـطلح الاجتنـاب في اللغـة
وجنب الشيء وتجنبه وجانبه وتجانبه واجتنبه بعد عنه وجنبه الشيء وجنبه إياه وجنبه يجنبه وأجنبه نحاه عنه وفي التنزيل العزيز إخبارا عن إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام: وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ (إبراهيم:35), أي:نجني وقد قرىء واجنبني وبني بالقطع ويقال جنبته الشر وأجنبته وجنبته بمعنى واحد أ.هـ لسان العرب 1/278, القاموس المحيط للفيروزأبادي.
والجار الجنب(النساء:36)، أي: البعيد، قال عز وجل: إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه (النساء:31)، .. و: اجتنبوا الطاغوت (الزمر:17),عبارة عن تركهم إياه، }فاجتنبوه لعلكم تفلحون)المائدة:90)، وذلك أبلغ من قولهم: اتركوه. أ.هـ المفردات في غريب القرآن للأصفهاني.
مصطلح الاجتناب ودلالاته في القرآن
الاجتناب ورد في ثمان آيات لا تاسع لها في كتاب الله تعالى وهي متعلقة بأصل الدين وتفصيلاته ولا يتغير معناه بتغير متعلقه فالمصطلح الشرعي ثابت المعنى وسأذكر بعض أقوال العلماء على كل آية.
أولا:آيات الاجتناب المتعلقة بأصل الدين:
الآية الأولى:وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (النحل:36).
(واجتنبوا الطاغوت),أي: اتركوا كل معبود دون الله كالشيطان والكاهن والصنم، وكل من دعا إلى الضلال.أ.هـ تفسير القرطبي10/94.
(فهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ),أي: ليس الأمر كما تزعمون أنه لم ينكره عليكم بل قد أنكره عليكم أشد الإنكار ونهاكم عنه آكد النهي وبعث في كل أمة أي: في كل قرن وطائفة من الناس رسولا وكلهم يدعون إلى عبادة الله وينهون عن عبادة ما سواه (أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ) أ.هـ, تفسير ابن كثير2/750.
ومعنى اجتنبوا الطاغوت أعرضوا عن عبادته وخصوا عبادتهم بالله عز وجل أ.هـ فتح القدير4/456.
الآية الثانية : ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (الحج:30).
الوثن: التمثال من خشب أو حديد أو ذهب أو فضة ونحوها، وكانت العرب تنصبها وتعبدها, والنصارى تنصب الصليب وتعبده وتعظمه فهو كالتمثال أيضا,وقال عدي بن حاتم: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب فقال:(ألق هذا الوثن عنك) أي الصليب؛ وأصله من وثن الشيء أي أقام في مقامه. وسمي الصنم وثنا لأنه ينصب ويركز في مكان فلا يبرح عنه. يريد اجتنبوا عبادة الأوثان. أ.هـ تفسير القرطبي12/52.
الآية الثالثة :وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (الزمر:17),أي: تباعدوا من الطاغوت وكانوا منها على جانب فلم يعبدوها.. وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ أي: رجعوا إلى عبادته وطاعته.أ.هـ تفسير القرطبي15/213.
ثانيا:آيات الاجتناب المتعلقة بتفصيلات الشريعة
الآية الأولى:قوله تعالى: إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيماً (النساء:31), أي: إذا اجتنبتم كبائر الآثام التي نهيتم عنها أ.هـ تفسير ابن كثير1/636.
الآية الثانية: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون (المائدة :90). فاجتنبوه أريد :أبعدوه واجعلوه ناحية؛ فأمر الله تعالى باجتناب هذه الأمور....قوله: (فاجتنبوه) تقتضي الاجتناب المطلق الذي لا ينتفع معه بشيء بوجه من الوجوه؛ لا بشرب ولا بيع ولا تخليل ولا مداواة ولا غير ذلك. وعلى هذا تدل الأحاديث الواردة في الباب. أ.هـ تفسير القرطبي6/266.
" فَاجْتَنِبُوهُ " أي: اتركوه " لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ " فإن الفلاح, لا يتم إلا بترك ما حرم الله, خصوصا هذه الفواحش المذكورة. فهذه الأربعة, نهى الله عنها, وزجر, وأخبر عن مفاسدها الداعية إلى تركها, واجتنابها. تفسير السعدي
( فاجتنبوه ) الضمير عائد على الرجس أي: اتركوه ( لعلكم تفلحون) أ.هـ تفسير ابن كثير2/125.
الآية الثالثة: وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (الشورى:37).
الآية الرابعة: الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (النجم:32). وهم الذين يبتعدون عن كبائر الذنوب والفواحش إلا اللمم.أ.هـ .تفسير السعدي.
الآية الخامسة:يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ (الحجرات:12).
قال علماؤنا: فالظن هنا وفي الآية هو التهمة, ومحل التحذير والنهي أ.هـ تفسير القرطبي16/282.
يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن كونوا منه على جانب يقال جنبه الشر إذا أبعده عنه وحقيقته جعله في جانب فيعدى إلى مفعولين أ.هـ تفسير البيضاوي 1/218,تفسير النسفي 4/166
أي تباعدوا منه وأصل اجتنبه كان على جانب منه ثم شاع في التباعد اللازم له أ.هـ تفسير الالوسي 26/156.
مصطلح الاجتناب في السنة
قال أبو طلحة كنا قعودا بالأفنية نتحدث فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام علينا فقال: مالكم ولمجالس الصعدات اجتنبوا مجالس الصعدات فقلنا إنما قعدنا لغير ما باس قعدنا نتذاكر ونتحدث قال: إما لا فأدوا حقها غض البصر ورد السلام وحسن الكلام أ.هـ صحيح الإمام مسلم.
عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اجتنبوا اللاعنين قالوا وما اللاعنان يا رسول الله قال الذين يبرزون على طريق الناس أو في مجلس قوم أ.هـ مسند أبو عوانة 1/166.
عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اجتنبوا من الأوعية الدباء والمزفت والحنتم أ.هـ مسند الإمام أحمد ابن حنبل
عن أيمن بن خريم قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيبا فقال يا أيها الناس عدلت شهادة الزور إشراكا بالله ثلاثا ثم قال: اجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور.أ.هـ مسند أحمد.
عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اجتنبوا هذه الشجرة المنكرة من أكلها فلا يقربن مسجدنا أ.هـ المعجم الأوسط 7/335.
ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب عليه السلام فقال:اخرج في آثار القوم فانظر ماذا يصنعون وماذا يريدون فإن كانوا قد اجتنبوا الخيل وامتطوا الإبل فإنهم يريدون مكة وإن ركبوا الخيل وساقوا الإبل فهم يريدون المدينة فوالذي نفسي بيده لئن (أرادوا المدينة)لأسيرن إليهم فيها ثم لأناجزنهم قال علي فخرجت في آثارهم أنظر ماذا يصنعون فلما اجتنبوا الخيل وامتطوا الإبل توجهوا إلى مكة أ.هـ تاريخ الطبري2/71.
وفي الصحيحين ' عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال اجتنبوا السبع الموبقات قيل يا رسول الله وما هن قال الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات.أ.هـ
معـنى الاجتنـاب عند علـماء الحديث
قوله اجتنبوا أي:ابتعدوا من الاجتناب من باب الافتعال من الجنب وهو أبلغ من أبعدوا واحذروا ونحو ذلك أ.هـ عمدة القاري14/61.
اتقوا دعوة المظلوم أي :اجتنبوا دعوة من تظلمونه وذلك مستلزم لتجنب جميع أنواع الظلم على أبلغ وجه وأوجز إشارة وأفصح عبارة لأنه إذا اتقى دعاء المظلوم لم يظلم فهو أبلغ من قوله لا تظلم وهذا نوع شريف من أنواع البديع يسمى تعليقا أ.هـ فيض القدير 1/141.
اجتنبوا :أبعدوا وهو أبلغ من لا تفعلوا لأن نهي القربان أبلغ من نهي المباشرة أ.هـ فيض القدير 1/153.
( فاجتنبوا الطريق ) أي اعدلوا وأعرضوا عنها وانزلوا يمنة أو يسرة أ.هـ فيض القدير1/370.
إياكم والوصال أي: اجتنبوا تتابع الصوم بغير فطر فيحرم لأنه يورث الضعف والملل والعجز عن المواظبة على كثير من وظائف العبادات والقيام بحقها أ.هـ فيض القدير 3/123.
اجتنبوا ما أسكر أي :احترزوا عن المسكر أ.هـ عون المعبود 10/118.
مصطلح التـرك
التَّرْكُ وَدْعُك الشيء وتَرَكْتُ الشيءَ تَرْكاً خليته أ.هـ لسان العرب 10/405.
تَرَكْتُ المنزل(تَرْكًا) رحلت عنه و(تَرَكْتُ) الرجل فارقته ثم استعير للإسقاط في المعاني فقيل( تَرَكَ) حقه إذا أسقطه و( تَرَكَ) ركعة من الصلاة لم يأتِ بها أ.هـ المصباح المنير 1/74.
ترَك الشيء خلاّه أ.هـ مختار الصحاح 1/83.
ولم يأت مصطلح الترك في القرآن والسنة إلا على المعنى اللغوي المعهود عند العرب في لغتهم ولم يفهموا منه إلا لما وضع له.
مصطلح نذر في اللغة:
قال الراغب الأصفهاني:وذر,يقال: فلان يذر الشيء.أي: يقذفه لقلة اعتداده به، ولم يستعمل ماضيه وقال تعالى: قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونذرما كان يعبد آباؤنا (الأعراف:70)،(ويذرك وآلهتك (الأعراف:127).أ.هـ الغريب في مفردات القرآن
وذَرْهُ، أي: دَعْهُ، يَذَرُهُ تَرْكاً .أ.هـ القاموس المحيط.
مصطلح نذر عند علـماء التفسيـر
قالوا أجئتنا لنعبد الله وحدهونذر: نترك أ.هـ تفسير الجلالين
قال أبو بكر الأنباري: ويذرك وإلاهتك؛ بمعنى ويتركك وعبادة الناس لك. وقراءة العامة "وآلهتك ". أ.هـ تفسير القرطبي 7/213.
( ويذرك وآلهتك ) قال بعضهم الواو ها هنا حالية أي أتذره وقومه يفسدون في الأرض وقد ترك عبادتك وقرأ ذلك أبي بن كعب وقد تركوك أن تعبد وآلهتك حكاه ابن جرير وقال آخرون هي عاطفة أي أتدعهم يصنعون من الفساد ما قد أقررتهم عليه وعلى ترك آلهتك وقرأ بعضهم إلاهتك أي:عبادتك وروي ذلك عن ابن عباس ومجاهد وغيره وعلى القراءة الأولى قال بعضهم كان لفرعون إله يعبدهأ.هـ تفسير ابن كثير2/319 .
وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ ,أي:يدعك أنت وآلهتك,وينهى عنك,ويصد الناس عن اتباعك.أ.هـ تفسير السعدي.
مصطلح نذر في السنة
عن النعمان بن سالم قال سمعت أوسا يقول:أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في وفد ثقيف فكنت معه في قبة فنام من كان في القبة غيري وغيره فجاء رجل فساره فقال:اذهب فأقتله فقال: أليس يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله,قال:يشهد, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذره ثم قال: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها حرمت دماؤهم وأموالهم إلا بحقها قال محمد فقلت لشعبة أليس في الحديث أليس يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله قال أظنها معها ولا أدري
قال ابن الأثير: والمراد في الحديث: أي يقر بالشهادة لاجئا إليها لتدفع عنه القتل وليس بمخلِص فلذلك قال له النبي صلى الله عليه وسلم "ذره" أي أتركه ودعه أ.هـ جامع الأصول 1/249.
وأما مصطلحي أتنهانا وتلفتنا , فـ أتنهانا من النهي وهو الكف وتلفتنا من لفته أي صرفته وكلاهما يتضمن معنى الترك أيضا.
فالاجتناب يعني ترك المعبودات من دون الله تعالى تركا عاما وهذا الأمر تجلى من خلال التطبيق العملي الذي بينه الله تعالى في كتابه لأهل التوحيد من خلال إبراهيم عليه الصلاة والسلام والذي لا يقبل الله عز وجل إلا ملته فأمر بها خير رسله محمد عبد الله ورسوله عليه الصلاة والسلام بقوله :ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (النحل:123), فملة إبراهيم عليه السلام هي التوحيد قولا وعملا ظاهرا وباطنا وما سواها الشرك وقد تجلى هذا التطبيق العملي من خلال مصطلحيين عمليين هما الاعتزال والبراءة .
مصطلح الاعتزال فيما يتعلق بأصل التوحيد ورد في أربع آيات هي:
1- قوله تعالى:وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحمته ويُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقاً (الكهف:16).
2- قوله تعالى:وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاء رَبِّي شَقِيّاً (مريم:48).
3- قوله تعالى:فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلّاً جَعَلْنَا نَبِيّاً (مريم:49).
4- قوله تعالى: وَإِنْ لَّمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ (الدخان:21).
فالاعتزال في القرآن كما بينه سبحانه وتعالى من خلال إبراهيم عليه الصلاة والسلام بقوله تعالى:وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (الصافات:99), وقوله تعالى :فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (العنكبوت:26), فهو المفارقة والهجرة وهو ما نص عليه أهل التفسير واللغة بالإجماع .
مصطلح الاعتـزال في اللغـة
اعتزل الشيء إذا كان بمعزل منه فمعنى اعتزلي أي كوني وحدك في جانب أ.هـ المطلع1/336.
العزلة خروج عن مخالطة الخلق بالانزواء والانقطاع أ.هـ التعاريف1/513.
الاعتزال طلب العزل وهو الانفراد عما شأنه الاشتراك والاعتزال تجنب الشيء عمالة أو إمارة أو غيرهما بالبدن أو القلب أ.هـ التعاريف1/75 .
عزلت الشَّيء نحّيته.أ.هـ كتاب العين1/353.
العزلة جانبهم وزايلهم وفارقهم وبات منهم وانفتل عنهم أ.هـ الألفاظ المؤتلفة 1/183.
الاعْتِزالُ والأَعْزَلُ: الرَّمْلُ المُنْفَرِدُ المُنْقَطِعُ أ.هـ القاموس المحيط 1/1333.
واعْتَزَلْتُ القومَ أَي:فارَقْتهم وتَنَحَّيت عنهم أ.هـ لسان العرب11/440.
مصطلح الاعتزال عند علماء التفسير:
وقوله: وأعتزلكم وما تدعون من دون الله() يقول: وأجتنبكم وما تدعون من دون الله من الأوثان والأصنام أ.هـ تفسير الطبري8/349.لاحظ كيف فسر الاعتزال بالاجتناب.
وأعتزلكم وما تدعون من دون الله() أي: أهاجر بديني عنكم وعن معبوداتكم حيث لم تقبلوا نصحي ولا نجعت فيكم دعوتي أ.هـ فتح القدير 3 /481.
وأعتزلكم وما تدعون من دون الله() أي : أعتزل ما تعبدون من دون الله : قال مقاتل : كان اعتزاله إياهم أنه فارقهم من ( كوثى ) فهاجر منها إلى الأرض المقدسة أ.هـ معالم التنزيل للبغوي1/235.
وأعتزلكم وما تدعون من دون الله } بالمهاجرة بديني أ.هـ تفسير البيضاوي1/19.
وأعتزلكم وما تدعون } أفارقكم وأفارق ما تعبدون من أصنامكم.أ.هـ الوجيز للواحدي 1/683.
قوله تعالى وأعتزلكم أي: وأتنحى عنكم وأعتزل ما تدعون من دون الله أ.هـ زاد المسير5/238.
مصطلح الاعتـزال في السنة وعند علماء الحديث
( إذا قرأ ابن آدم السجدة ) أي آيتها ( فسجد ) للتلاوة ( اعتزل ) أي تباعد وكل من عدل إلى جانب فهو معتزل ومنه سميت الفرقة العدلية معتزلة أ.هـ فيض القدير1/415.
فلما كان جواب رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاوية بن حيدة لما سئل عن آية الإسلام أن تقول أسلمت وجهي لله وتخليت وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتفارق المشركين إلى المسلمين وكان التخلي هو ترك كل الأديان إلى الله ثبت بذلك أن كل من لم يتخل مما سوى الإسلام لم يعلم بذلك دخوله في الإسلام أ.هـ شرح معاني الآثار 3/216.
وتخليت التخلي التفرغ أراد التبعد من الشرك وعقد القلب على الإيمان أي:تركت جميع ما يعبد من دون الله وصرت عن الميل إليه فارغا ولعل هذا كان بعد أن نطق بالشهادتين لزيادة رسوخ الإيمان في القلب ويحتمل أن يكون هذا إنشاء الإسلام لأنه في معنى الشهادة بالتوحيد والشهادة بالرسالة قد سبقت منه بقوله إلا ما علمني الله ورسوله أو أن هذا الكلام يتضمن الشهادة بالرسالة لما في أسلمت وجهي من الدلالة على قبوله جميع أحكامه تعالى ومن جملة تلك الأحكام أن يشهد الإنسان لرسوله بالرسالة ففيه أن المقصود الأصلي هو إظهار التوحيد والشهادة بالرسالة بأي عبارة كانت والله تعالى أعلم أ.هـ حاشية السندي على النسائي5/5.
مصطلح البراءة فيما يتعلق بأصل التوحيد ورد في تسع آيات مرادفة لمعنى الاعتزال وهي قوله تعالى:
1- وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ (الزخرف:26).
2- قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (الممتحنة:4).
3- قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ اللّهِ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُل لاَّ أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَـهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ (الأنعام:19).
4- فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـذَا رَبِّي هَـذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ (الأنعام:7).
5- وَأَذَانٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (التوبة:3 ).
6- وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَاْ بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ (يونس:41).
7- أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَاْ بَرِيءٌ مِّمَّا تُجْرَمُونَ (هود:35).
8- إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوَءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللّهِ وَاشْهَدُواْ أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ (هود:54).
9- فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ (الشعراء:216).
مصطلح البـراءة في اللغـة
بَرِئَ إِذا تخَلَّصَ وبَرِئَ إِذا تَنَزَّهَ وتباعَدَ وبَرِئَ إِليَّ وبارَأْتُ شَرِيكي إِذا فارَقْتَه, بَرِئَ منه ومن الدين والعيب سلم أ.هـ لسان العرب1/31, تاج العروس1/77, مختار الصحاح 1/73.
التنـزيه التبرئة ونزهت الله عن السوء برأته منه أ.هـ التعاريف 1/209.
مصطلح البراءة عند علماء التفسير
برئت من الشيء أبرأ براءة فأنا منه بريء إذا أزلته عن نفسك وقطعت سبب ما بينك وبينه أ.هـ تفسير القرطبي8/60, فتح القدير 2/481.
المراد من قوله: ( لست منهم في شيء ) أي: أنت منهم بريء وهم منك براء تقول العرب: إن فعلت كذا فلست مني ولست منك أي: كل واحد منا بريء من صاحبه أ.هـ معالم التنزيل للبغوي1/208.
وأصل التركيب لخلوص الشئ عن غيره إما على سبيل التقصي كقولهم بريء المريض من مرضه المديون من دينه أو الإنشاء كقولهم برأ الله آدم من الطين أ.هـ تفسير البيضاوي1/324.
برئت من الأمر إذا تخليت منه أ.هـ روح المعاني25/111.
والتبرؤ تكلف البراءة وهي التباعد من الأمر الذي من شأن قربه أن يكون مضرا ولذلك يقال تبارا إذا أبعد كل الآخر من تبعه محققة أو متوقعة أ.هـ التحرير والتنوير1/480.
- أصل البرء والبراء والتبري : التقصي مما يكره مجاورته أ.هـ مفردات القرآن 1/112.
مصطلح البراءة في السنة وعند علماء الحديث
قوله تخليت معناه تبرأت من الشرك وانقطعت عنه أ.هـ غريب الحديث للخطابي1/323.
أسْلَمْتُ وَجْهِي إلى اللهِ وَتَخَلَّيْتُ أي تَبَرَّأْتُ من الشِّرْك أ.هـ غريب الحديث لابن الجوزي1/302.
الخلاصة: اتفاق علماء اللغة والتفسير والحديث بالإجماع على أن الاجتناب هو الترك والاعتزال والبراءة والمراد به العموم المطلق لما وضعت له ولا يوجد نص في كتاب الله تعالى ولا في سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم ولا في اقوال الصحابة أو قول للتابعين أو تابعي التابعين أو أحد من علماء المسلمين قال بغير ذلك.
أعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت (الطاغوت)
رابعـا: الطاغـوت ( المعبود من دون الله )
مصطلح الطاغوت ورد في كتاب الله تعالى في ثمان آيات لا تاسع لها لم تجعل للطاغوت من عموم معاني العبادة التي ورد بيانها شيئا وإنما أقتصر الذكر الحكيم على ذكرها لبيان:
1- أصل الدين: قوله تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (النحل : 36 ), وقوله تعالى:لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(البقرة:256).
2-أن الطاغوت يكون بمعنى الجمع بقوله تعالى: اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (البقرة:257).
3- أن الطاغوت يأت بمعنى المؤنث بقوله تعالى: وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (الزمر : 17 ).
4-أن عبادة الطاغوت ليست خاصة بمن لم يأتهم رسول أو كتاب, قال تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاء أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً (النساء:51).
5- أن أهل الكتاب منهم من عبد الطاغوت مع وجود الكتاب ولم ينفعهم ذلك بقوله تعالى: قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللّهِ مَن لَّعَنَهُ اللّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُوْلَـئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ عَن سَوَاء السَّبِيلِ (المائدة:60).
6- بعض مظاهر العبادة التي قد يظن البعض أنها ليست عبادة مع ادعائهم الإيمان ولكنهم ممن عبدوا الطاغوت:
أ- التحاكم, قال تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً (النساء:60).
ب- الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان وأن كل قتال لا يكون تحت راية الإسلام يكون للطاغوت بدليل قوله تعالى: الَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاء الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً (النساء:76).
معـنى الطاغـوت
والطاغوت يعم كل مخلوق معبود من دون الله تعالى من الجمادات والنباتات والحيوانات الثقلين وممن رضي بالعبادة من الجن والإنس.
قال النووي رحمه الله تعالى: قوله الطواغيت هو جمع طاغوت قال الليث وأبو عبيدة روينا وجماهير أهل اللغة الطاغوت كل ما عبد من دون الله تعالى وقال ابن عباس ومقاتل والكلبى وغيرهم الطاغوت الشيطان وقيل هو الأصنام قال الواحدى الطاغوت يكون واحدا وجمعا ويؤنث ويذكر... قال النحويون وزنه فعلوت والتاء زائدة وهو مشتق من طغى وتقديره طغووت ثم قلبت الواو ألفا والله أعلم أ.هـ شرح النووي لمسلم 3/18.
وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله : والطاغوت : عام في كل ما عبد من دون الله، فكل ما عبد من دون الله، ورضي بالعبادة، من معبود، أو متبوع، أو مطاع في غير طاعة الله ورسوله، فهو طاغوت ؛ والطواغيت كثيرة،ورؤوسهم خمسة:
الأول : الشيطان، الداعي إلى عبادة غير الله، والدليل قوله تعالى : أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (يس:60).
الثاني : الحاكم الجائر، المغير لأحكام الله تعالى، والدليل قوله تعالى :أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً (النساء:60).
الثالث: الذي يحكم بغير ما أنزل الله، والدليل قوله تعالى: وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (المائدة:44).
الرابع:الذي يدعي علم الغيب من دون الله،والدليل قوله تعالى:عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً ()إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً (الجن:26- 27), وقال تعالى : وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ (الأنعام:59).
الخامس: الذي يعبد من دون الله، وهو راض بالعبادة والدليل قوله تعالى:وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِّن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (الأنبياء: 29 ).أ.هـ الدرر السنية1/162-163.
وقال أيضا: قال ابن القيم: رحمه الله تعالى، معنى الطاغوت: ما تجاوز به العبد حده، من معبود، أو متبوع، أو مطاع.
والطواغيت كثيرة، ورؤوسهم، خمسة، إبليس لعنه الله، ومن عبده وهو راض، ومن ادعى شيئاً من علم الغيب، ومن دعا الناس إلى عبادة نفسه، ومن حكم بغير ما أنزل الله ؛ والدليل قوله تعالى : ( لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى ( البقرة 256) وهذا : معنى لا إلَه إلا ّ الله. أ.هـ الدرر السنية 1/135.
وقال أيضا: والطواغيت كثيرة والمتبين لنا منهم خمسة : أولهم الشيطان، وحاكم الجور، وآكل الرشوة، ومن عبد فرضي، والعامل بغير علم أ.هـ 1/137.
والطاغوت على ضربين:
الأول: طاغوت يعقل( جن أو إنس).
الثاني: طاغوت لا يعقل ( جماد أو نبات أو حيوان).
والطاغوت عموما ينقسم إلى ثلاثة أقسام بحسب مظاهر العبادة:
أ- طاغـوت دعــاء ( تنسك وسؤال واستغاثة وطاعة وتسمية) وهو ما يطلق عليه التنسك أو النسك أو التقرب دليل ذلك قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (الأعراف: 194 ).
ب- طاغـوت حكــم: دليل ذلك قال تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدا ً(النساء : 60 ).
ت- طاغـوت ولاء: دليل ذلك قال تعالى: اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (البقرة : 257) ,وقال تعالى: الَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاء الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً (النساء:76).
ولذلك بين سبحانه وتعالى أن الدعاء والحكم والولاء هو العبادة والتأليه ومن جعل ذلك لغير الله تعالى فقد اتخذ إلها آخر وأشرك بالله العظيم:
1- أما الدعـاء فدليله قوله تعالى: قُلْ أَنَدْعُو مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَىَ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (الأنعام:71).
2- وأما الحـكم فدليله قوله تعالى: أَفَغَيْرَ اللّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ(الأنعام 114).
3- وأما الـولاء فدليله قوله تعالى: قُلْ أَغَيْرَ اللّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ قُلْ إِنِّيَ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكَينَ (الأنعام:14).
وجمع الله تعالى ذلك كله بقوله : قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (الزمر:64).
فالمعبود بحق هو الله الخالق ولا خالق إلا هو سبحانه وتعالى والمعبود بالباطل ( الطاغوت) هو كل مخلوق ينسب له الحكم والأمر والاستغاثة والإتباع والمحبة والنصرة دون الرد إلى الله تعالى وإلى رسوله عليه السلام سواء كان يعقل- إذا رضي بذلك - أو لا يعقل وغالب المعبودات التي لا تعقل هي الأوثان (الجمادات) سواء كانت على هيئتها التي خلقها الله تعالى عليها أو وضعها( صنعها) الإنسان أو شكلها بأي شكل أو صورة ومها أطلق عليها من أسماء,وكل ما يصدر عن الإنسان فهو جماد كما بين تعالى في محاجة إبراهيم لقومه: قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (الصافات:95) , وحقيقتها واحدة مهما اختلف شكلها وتغير اسمها فهي لا تسمع ولا تبصر ولا تضر ولا تنفع ولا تأكل ولا تشرب ولا تمشي ولا تدافع عن نفسها كما قال تعالى: قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (72 )أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (73-72, الشعراء),وقال تعالى: قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ (الأنبياء:63) ,وقال تعالى:فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (الصافات:91) , وهذه هي الحجة التي أوتيها إبراهيم عليه السلام على قومه والتي ذكرها سبحانه وتعالى: وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاء إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (الأنعام:83), ولذلك قال الله تعالى: أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُواْ شُرَكَاءكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلاَ تُنظِرُونِ (الأعراف:195), ولا يمكن بحال أن تكون الجمادات مما ينسب لها شيء من شرع الله تعالى كما يقال موافق للشرع أو مخالف للشرع- إذ كيف يكون للجماد أمر ونهي ؟ وهل يقول ذلك عاقل ؟ وكيف يكون لجماد تنظيم حياة البشر وهي القاصرة عن تنظيم نفسها إذ لا حياة فيها ؟ والطاغوت في زماننا هو:
أولا: الطاغـوت من غيـر العقـلاء :
1- الأوثـان: وهي الدساتير والقوانين التي ينسبون إليها تنظيم حياة البشر من خلال الحكم والأمر والنهي والسياسات المختلفة والأوطان التي جعلوها القبلة التي يتوجهون إليها ويعملون من أجلها... الخ , قال تعالى: ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (الحج:30) , وقال تعالى: إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (العنكبوت:17).
2- الهـوى:قال تعالى:أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً (الفرقان:43), وقال تعالى:أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (الجاثية:23).وقوله تعالى:فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (القصص:50).
ثانيا: الطاغـوت من العقـلاء:
1- السادة والكبراء وهم أصحاب السلطان ( الأمر والنهي) الذين يأمرون بغير أمر الله أو يحكمون بغير حكم الله أو يُتَّبَعون على غير شرع الله تعالى ويردون شؤونهم إلى غير الله والرسول قال تعالى:إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً (الأحزاب:64),إلى قوله:وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (الأحزاب:67), وغالبا ما يكونون ممن يحافظون على الطواغيت ممن لا تعقل وخاصة الوثنية سواء كانوا بصفة فردية أو مؤسسات و أنظمة ويتكلمون باسمها كما قال ابن عباس رضي الله عنه: ـ الجبت: الأصنام؛ والطاغوت: تراجمة الأصنام، الذين يكونون بين أيديهم، يعبرون عنها الكذب ليضلوا الناس أ.هـ الدرر السنية2/301.
وهم يردون ذلك إلى أمور جعلوا لها قداسة وتعظيما من دون الله تعالى وأسبغوا عليها هالة تمنع الناس من السؤال عن حقيقتها ليتمكنوا من الاستخفاف بالناس والسيطرة عليهم ويستخدمون كل الطرق بالترغيب والترهيب لتعبيد الناس لها.
وقد بين تعالى أن السلطان هو سلطان القوة والأمر بقوله: وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاء لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِّنَ النَّارِ(غافر:47), وقال تعالى:وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَن نَّكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَاداً وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (سبأ:33).
2- العلمـاء ( الأحبار والرهبان) وهم بسلطانهم المعنوي الديني الذين يحرفون الأدلة بتأويل باطل من إباحة الكفر أو تحليل الحرام و تحريم الحلال, قال تعالى: اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـهاً وَاحِداً لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ(التوبة:31).وقد بين تعالى أن طاغوتية الأحبار والرهبان من خلال الإدعاء بأن ما يقولونه هو من عند الله تعالى بمعنى أنه مما يصدقه الشرع ويتوافق مع النصوص الشرعية وفي الحقيقة أنه من عند أنفسهم قال تعالى : وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ(آل عمران:78), وهؤلاء هم الذي يحرفون الكلم عن مواضعه تارة وتارة بتحريف الكلم من بعد مواضعه.
3- الشيطان الجـني : فالطواغيت من البشر هم شياطين الإنس وكما سبق ذكره فإن طاغوتيتهم مستمدة من السلطان المادي والمعنوي وأما الشيطان الجني فليس له سلطان على الإنس سواء معنوي أو مادي بدليل قوله تعالى: وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيم ٌ(إبراهيم:22), ومن قوله تعالى يتبين ما يلي:
أ- أنه نفى السلطان وقد جاء لفظ السلطان نكرة في سياق النفي مما يفيد العموم أي : أنه لم يكن له سلطان مادي أو معنوي وهذا حق فالشيطان لم تكن له إمارة وحكم على الناس وكذلك لم يكن من الأحبار والرهبان يعيش بين الناس لأنه كما بين تعالى :يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ (الأعراف:27), فهو يرانا ولا نراه فمعنى ذلك ليس له خطاب موجه لبني آدم يأمرهم به وينهاهم ويحل لهم ويحرم عليهم.
ب- الإستثناء في قوله تعالى : إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ(),استثناء منقطع إذ أن الدعوة ليست من السلطان وإنما هي طلب فعل على سبيل التخيير مع امتلاك المخير حرية الاختيار, فليس في ذلك سلطان من قوة ولا حجة.
ج- إن مظاهر علاقة الشيطان مع البشر هي:
1- الإغواء قال تعالى:قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (ص:82).
قال القرطبي رحمه الله تعالى: لأغوينهم () لاستدعينهم إلى المعاصي وقد علم أنه لا يصل إلا إلى الوسوسة ولا يفسد إلا من كان لا يصلح لو لم يوسوسه أ.هـ تفسير القرطبي 15/201.
وقال الشوكاني رحمه الله تعالى: فأقسم بعزة الله أنه يضل بني آدم بتزيين الشهوات لهم وإدخال الشبه عليهم حتى يصيروا غاوين جميعا.أ.هـ فتح القدير 4/634.
2- التزيين : قال تعالى:قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (الحجر:39).
قال الشوكاني رحمه الله تعالى:أي ما داموا في الدنيا والتزيين منه إما بتحسين المعاصي لهم وإيقاعهم فيها أو يشغلهم بزينة الدنيا عن فعل ما أمرهم الله به فلا يلتفتون إلى غيرها.أ.هـ (فتح القدير3/188).
3 - الوسوسة: قال تعالى: فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى (طه:120).
قال الراغب الأصفهاني رحمه الله تعالى: الوسوسة : الخطرة الرديئة وأصله من الوسواس وهو صوت الحلي والهمس الخفي.أ.هـ المفردات522.
وجاء في التبيان تفسير غريب القرآن ما نصه:فوسوس إليه الشيطان ألقى في نفسه شرا.أ.هـ 291.
4- النزغ: قال تعالى: وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتعِذْ بِاللّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(الأعراف :200).
قال الطبري رحمه الله تعالى:وأصل ( النزغ ) الفساد يقال : ( نزغ الشيطان بين القوم ) إذا أفسد بينهم وحمل بعضهم على بعض أ.هـ التفسير 6/155.
وعليه فإن عبادة الشيطان التي حذر منها سبحانه وتعالى بقوله: أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (يس:60),هي بفعل الشرك والذي لا يكون إلا بتزيين الشيطان كما بين تعالى عن المشركين بقوله: وَعَاداً وَثَمُودَ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (العنكبوت:38),وقوله تعالى: وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (النمل:24), وقال تعالى: تَاللّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (النحل:63) , ولذلك بين سبحانه وتعالى أن السلطان الذي للشيطان على المشركين هو استجابتهم لتزيينه بقوله:وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم(), ولقد بين تعالى أن عبادة الشيطان تكون باتباعه بقوله:وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ (سبأ:20), وبين هذا الإتباع بأنه السير على خطوات الشيطان بقوله تعالى: وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (الأنعام:142).
وأما الفعل المجرد للمخالفة دون الكفر فهي المعصية ولا تكون عبادة للشيطان كما أخبر سبحانه وتعالى عن آدم عليه السلام: فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى(طه: 121), وكما أخبر تعالى عن شرب الخمر بقوله:إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ (المائدة:91), فطاغوتية الشيطان إنما هي طاغوتية مقيدة بتزيين الشرك فمن فعل شركا من نفسه مخيرا فيه فقد استجاب لدعوة الشيطان وتولى عن دعوة الله تعالى فيكون قد أتخذه إلها من دون الله سبحانه تعالى ومن فعل المعصية بتزيين الشيطان وغوايته كان عاصيا وليس عابدا للشيطان.
والطاغوت الوثني طاغوتيته مطلقة وتتعلق بعموم الأفعال إذ لا تعامل معه إلا من منطلق الطاغوتية, بخلاف الطاغوت البشري فقد تكون طاغوتيته مطلقة وقد تكون مقيدة وما يكون طاغوتا بحق أناس قد لا يكون طاغوتا بحق آخرين وما يكون طاغوتا في حال قد لا يكون طاغوتا في حال آخر وما يكون طاغوتا في وقت قد يكون مسلما في وقت آخر بخلاف الأوثان وهذا قليل من يتفطن له في التعامل مع الأدلة الشرعية التي لا بد من معرفة الحكم أولا ثم معرفة الواقع للزمن والأشخاص ولا بد من التفريق فيما يتعلق بالأدلة الشرعية الواردة بحق الطاغوت بين حقيقة الطاغوت من حيث أنه يعقل أو لا يعقل ومن حيث كونه جني أو إنسي ومن حيث كونه ممن يرد الأمور إلى شرع الله تعالى أو إلى غير شرع الله تعالى وعدم ضبط الأمور بهذه الكيفية وتحديدها هو مزلة الأقدام وخاصة في هذا الزمان حيث أصبح النظر في الأدلة الواردة بحق الطاغوت غير واضحة ومنضبطة ومحددة فتأخذ على العموم حسب الهوى وتقيد حسب الهوى فمن ذلك قولهم جواز طاعة الطاغوت بالمباح وهذا قول يشمل عموم الطاغوت ويسقط قولهم هذا لأنه يدخل فيه الطاغوت من الأوثان والتي لا يمكن بحال أن تكون مطاعة سواء بمباح أو غيره وكذلك الشيطان لا يأمر بمباح ولا يزينه ولا يعتبر من الغواية ونحن نستدل بعموم الاجتناب حيث يجتنب اجتنابا عاما كونه طاغوتا.
وإن قالوا لا نستدل بعموم الطاغوت وإنما استدلالنا يتوافق مع ما يتعلق به من حيث حقيقته ومجال طاغوتيته فقد رجعوا وسلموا للحق.
فإذا ثبت بأن معاني العبادة هي ( التنسك والتسمية بالأسماء الحسنى والطاعة والتشريع والحكم والتحاكم والإتباع والنصرة والمحبة), بالعموم المطلق نستطيع أن نفقه قول الله تعالى المتعلق بالتوحيد الصريح كقوله تعالى : قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (الأحقاف:4),فهذا المطاع والحاكم والمتحاكم إليه والمشرع والمتَبَع والذي يُعمل له ومن أجله ماذا خلق من الأرض؟ فلا خالق إلا الله تعالى ليس بشرا وحجرا ولا غير ذلك من المخلوقات فإن الخالق وحده هو المطاع والمشرع والحكم والمتحاكم إليه والمتَبَع شرعه والذي يُعمل من أجله وله ولذلك حكم الله تعالى حكما واضحا وصريحا بقوله: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (الأحقاف:5), فالدعاء هو العبادة بمعانيه كلها غير مختزلة وعليه فلا يوجد أضل ممن أطاع غير الله تعالى أو حكم بغير حكم الله تعالى أو تحاكم إلى غير حكم الله أو اتبع غير شرع الله أو عمل لغير الله تعالى وعاقبة من فعل ذلك كما بين تعالى بقوله :إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (الأنبياء:98).
الأصول الشرعية الدالة على عموم اجتناب الطاغوت والمطلق
إن أصل الإسلام الذي جاءت به الرسل عليهم السلام إلى أقوامهم بينه تعالى بقوله: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (النحل:36), كما مر بيان ذلك بالتفصيل فالكفر والإيمان ميزانه اجتناب الطاغوت فمن اجتنب الطاغوت فقد حقق عبادة الله تعالى وحده وهو من الذين هداهم الله تعالى وأما من لم يجتنب الطاغوت فقد عبد غير الله تعالى وهو ممن حقت عليه الضلالة ممن قال تعالى فيهم: فَرِيقاً هَدَى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلاَلَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ اللّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ (الأعراف:30), إنهم هؤلاء الذين يتبعون ما تشابه من كتاب الله تعالى ويحسبون كونهم يستندون إلى كتاب الله تعالى أنهم مهتدون بدليل قوله تعالى: هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ(آل عمران: 7) , فليس الحق في أن تحسب- وهذا هو الظن- نفسك على هداية ولكن الهداية أن تكون على ما أحكمه الله تعالى وهو اليقين قال تعالى: وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً (النجم:28), وقال عليه الصلاة والسلام: إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث أ.هـ (رواه البخاري ومسلم), فكيف يكون حال من كان دينه يتصف بوصفين شرعيين: لا يغني شيئا وأنه أكذب الحديث. ولذلك يظن الكثيرون أن اجتناب الطاغوت ليس المقصود منه الترك العام وقد مر بيان ذلك علما بأن هذا الترك إنما هو متعلق بالمخلوق كونه يُمارَس بحقه أي مظهر من مظاهر العبادة التي سبق ذكرها بالتفصيل مع التنبيه أن الطاغوت قد يتصف بجميع مظاهر العبادة فيكون طاغوتا مطلقا ومنهم من يتصف بمظهر أو مظهرين وكل بحسبه وإليك الدلالات والقواعد الشرعية التي تدل على عموم الترك (الاجتناب):
أولا: قوله تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ(النحل:36) , مرادف لقوله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (الأنبياء:25), وهو مرادف لقول كل نبي جاء إلى قومه: َ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ (الأعراف:59),وكل نص من هذه المترادفات يشتمل على ركني التوحيد وهما النفي والإثبات:
فالإثبات هو: (اعبدوا الله ) و (إلا أنا فاعبدون).
والنفي هو: (اجتنبوا الطاغوت)و (لا إله).
فاجتناب الطاغوت هو تأليه الله تعالى وحده وعدم اجتناب الطاغوت هو تأليه لغير الله تعالى لأن الاجتناب مقابل للتأليه وهذا نص عام لا مخصص له بحال إذ لا يمكن بحال جواز تأليه غير الله تعالى لأن عدم الاجتناب تأليه كونه شق النفي المقابل لشق الإثبات فمن لم ينف مطلقا لم يثبت مطلقا فهذا من المسلمات العقلية والشرعية التي لا تقبل جدالا, والله تعالى يقول:لاَّ تَجْعَل مَعَ اللّهِ إِلَـهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَّخْذُولاً (الإسراء:22), وهذا نص عام يقابله نص عام هو الاجتناب العام فمن لم يجتنب الطاغوت فقد جعل مع الله إلها آخر، وقال تعالى: وَقَالَ اللّهُ لاَ تَتَّخِذُواْ إِلـهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلهٌ وَاحِدٌ فَإيَّايَ فَارْهَبُونِ (النحل:51), وهذا نص عام يقابله نص عام هو اجتنبوا الطاغوت فمن لم يجتنب الطاغوت بأي مظهر وجزئية فقد اتخذه إلها, فمن أجل ذلك أرسل الله رسله وأنزل كتبه. وبهذا يثبت عموم الاجتناب وأنه لا مخصص له.
ثانيـا: قوله تعالى: إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورا ً(163 ) وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيماً(164, النساء), وهذه الآيات مدنية وممن قص الله على نبيه قبل هذه الآية قصة يوسف عليه السلام وهو مما لا شك فيه داخل في قوله تعالى أيضا: وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ () والذي أوحاه الله تعالى إليهم هو قوله: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ (), كل بلسان قومه ليبين لهم كما قال تعالى:وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (إبراهيم:4),ولا شك أن هذا الأمر هو الذي اتفقت عليه الرسل وهو أصل ما شرعه الله تعالى للرسل قال تعالى: شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ (الشورى:13) , وهذا الأمر ليس الذي قال فيه سبحانه: لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً (المائدة:48), فالأصل فيه اتفاق وهو التوحيد وفروع مختلفة وهي الشريعة, وهذه الآية فيها دلالات عظيمة منها :
- أن التفرق يكون في أصل الشرعة والمنهاج أي في:اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت.
- كون الاجتناب المطلوب في الدعوة عام ومطلق هو ما كبر على المشركين دعوتهم إليه.
- أن الاجتباء يكون بحق النبوة ( الله يعلم حيث يجعل رسالته).
- أن الهداية تكون على الله تعالى للمنيبين إليه الذين يتبعون المحكم ويفوضون المتشابه إلى الله في حال عدم توجيهه مع المحكم وحالهم ومقالهم: آمنا به كل من عند ربنا.
والله تعالى قص علينا قصص الأنبياء من نوح إلى محمد عليهم الصلاة والسلام بأحكم بيان وأتم تفصيل وكلهم اتفقوا على هذه الدعوة وبين تعالى بنصوص محكمة أنهم دعوا إلى اجتناب الطاغوت اجتنابا عاما وليس في أحوالهم مقالا أو عملا أو تقريرا مخالف للاجتناب العام فهذا هو المحكم من أحوالهم ولا يوجد في أحوالهم متشابه قد يفهم منه غير ذلك إلا ما فهمه الخلف في هذا الزمان من قصة يوسف عليه السلام والذي جاء في زمان وسط بين الأنبياء فلا يوجد في أحوال من سبقه من الأنبياء متشابه ولا فيمن بعده فنعلم يقينا أن حاله كحالهم وما تشابه ( وليس فيه متشابه إلا في عقول أهل الزيغ) فنرده إلى المحكم ليتفق معه فإن علمنا ذلك فالحمد لله وإن لم نعلم ذلك فوضناه إلى ربنا وقلنا: آمنا به كل من عند ربنا () والخلل في عقولنا وليس في منقولنا,وسأبين بكل تفصيل إن شاء الله تعالى ما يتعلق بقصة يوسف عليه السلام في بحث مستقل, وبهذا أيضا يثبت عموم الاجتناب وأنه لا مخصص له.
ثالثـا: حسب القاعدة الأصولية التي تنص على أنه: لا يجوز تأخير البيان لمجمل أو ظاهر يراد غير ظاهره عن وقت حاجة العمل به أ.هـ فالعمل بالتوحيد مطلوب فورا فلو كان المطلوب غير العموم الظاهر لكان ينبغي أن يبين الله تعالى ذلك في نفس الدعوة أي: اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت في كذا وكذا ولا تجتنبوا في كذا وكذا وهذا لم يوجد في دعوة أي نبي حتى في دعوة يوسف عليه السلام حين بينها للفتيين معه في السجن فقد دعاهم دعوة عامة لا تخصيص فيها فما من مسألة شرعية وخاصة في الفرعيات إلا وبين الشرع أدق تفصيلاتها فكيف بأصل الدين فهل يعقل أن يكون من مسائل الاجتهاد متروكا لإفهام البشر المختلفة فأصل الدين هو مراد الله تعالى ولا يعلم مراده إلا منه وليس من البشر، إذ أن أفهام البشر لا ضابط لها, فبما انه لم يأت نص يخصص الاجتناب العام فيبقى على عمومه ولا يوجد نص لا في القرآن ولا فيما أنزله الله تعالى على السابقين لا قولا ولا عملا ونقول نريد نصا لا فهما يحتمل فإذا ورد الاحتمال بطل الاستدلال فهذا بحق النصوص في معنيين فكيف بحق الأفعال التي اتفق فيها جمهور الأصوليين على أنها لا عموم لها ولا يستدل بالفعل إلا على صورته المطابقة له, وبهذا أيضا يظهر أن الاجتناب المطلوب هو عموم الاجتناب.
رابعـا: إن أصل الإسلام لا إله إلا الله والذي هو: أعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت، تقوم على قاعدة النفي والإثبات أي النهي والأمر.
فالنفي: اجتنبوا الطاغوت الذي هو: لا إله وهذا هو النهي.
والإثبات: اعبدوا الله الذي هو: إلا الله وهو الأمر.
فالله تعالى يقول: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (الحشر:7) , وبين عليه الصلاة والسلام هذا بقوله: ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم.أ.هـ رواه مسلم.
ولا شك أن ما نهى الله عنه وأمر به يدخل في هذا النص من باب أولى.
وهذه القاعدة مقررة في الشرع بالإجماع قال ابن تيمية رحمه الله: فالمنهي عنه يجب تركه بكل حال والمأمور به يجب فعله في حال دون حال أ.هـ شرح العمدة 4/329.
فنص النهي يفيد الترك بكل حال تركا عاما إلا إذا ورد نص يخصص والمنهيات لها قاعدة الضرورات تبيح المحظورات, وهذا بحق المحرمات دون الكفر حتى أن هناك من المحرمات لا تباح بحال كشرب الخمر الذي ورد النهي عن استعماله حتى كدواء كما ورد في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام أحمد والدارقطني وابن أبي شيبة أن رجلا يقال له سويد بن طارق:سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الخمر فنهاه عنها فقال إني أصنعها للدواء فقال النبي صلى الله عليه وسلم إنها داء وليست بدواء, وفي رواية بلفظ:نصفها للدواء (),وكذلك قتل النفس المحرمة لأن الأصل في الدماء الحرمة.أ.هـ.
أما الكفر فله قاعدة الإكراه:إلا من أكره.
وعليه فالطاغوت - المعبود من دون الله تعالى-, يجب اجتنابه اجتنابا عاما وفي كل حال.
وأما نص الأمر فله قاعدة الاستطاعة أن يفعله على حال دون حال وقد يسقط بكل حال وهذا بحق تفصيلات الشريعة أما عبادة الله كأصل عام فيجب تحقيقه وهو ليس بحثنا ومن جعل القياس في المنهيات على المأمورات أو العكس فقد قال على الله مالا يعلم فثبت أيضا أن الاجتناب المطلوب هو اجتناب عام لا خصوص فيه.
خامسـا: شهادة التوحيد التي هي( لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ أو اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ,أو عْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ), تتضمن النفي والإثبات بلفظ دقيق فنص الإثبات قوله: اعْبُدُواْ اللَّهَ (), والذي هو إثبات لعبادة الله تعالى وليس إثباتا لذات الله تعالى لأن ذات الله تعالى ثابتة في الفطر فهي الخلقة التي خلق الله تعالى عليها البشر متأصلة في العقول ليس هناك ما يدل على خلافها .
وأما النفي فهو نفي لذات الطاغوت وهو المعبود من دون الله سبحانه بنص واضح صريح وهو قوله تعالى : َاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ (), لأن نفي الذات أبلغ من نفي الفعل بحقه فليس هناك حق لوجود معبود من دون الله تعالى فكيف بعبادته ؟! إذ أن وجود معبود دون الله تعالى أمر تستنكره العقول ولا تقبله وترفضه رفضا قاطعا فالمشركون الذين يعبدون غير الله تعالى يستنكرون ذلك وينفونه إذا واجهتهم بالمصطلح الصريح بأنكم تعبدون غير الله تعالى وذلك لأنهم مفطورون على عبادة الله وحده ولكن الخلل في عدم فهم مصطلح العبادة بحيث يصبح معناه مختزلا يتوافق مع المعنى العرفي الذي اصطلح عليه الناس بالألفة والتقليد ولذلك عندما سمع الصحابي عدي بن حاتم رضي الله عنه قبل إسلامه- وكان على النصرانية -رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ قوله تعالى: اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ الآية قال مستنكرا : ما عبدناهم(), فمن قوله هذا نستطيع أن نتبين أمورا هامة تنبيء عن حقيقة عقلية المشرك وهي:
أ‌- أن اتخاذ الأرباب هو اتخاذ معبود من دون الله تعالى.
ب‌- أنه استنكر أن يكون هناك معبود غير الله تعالى.
ت‌- أن الخلل إنما يكون في فهم مصطلح العبادة كمفهوم عام شامل.
ث‌- أن عبادة غير الله تعالى لا تكون إلا عن جهل وغفلة وتقليد.
ج‌- أن وجود الكتب السماوية لا يعتبر مانعا من وجود الشرك عند أهلها وأن الأحبار
والرهبان- العلماء والعباد- هم أصل الشرك في أممهم وبوابة الخروج من دين الله تعالى وأنهم الوسيلة التي يتخذها الحكام لذلك.
فقولنا لا إله إلا الله لا بد أن نقصد منه المعنى الذي يريده الله تعالى الذي هو نفي المعبود من دون الله تعالى وليس ما اصطلح عليه الناس في واقعهم فيجب أن تكون شهادة حق صريحة واضحة بمعنى:
- لا لأي مسئول ومستغاث به ومطاع ومسمى بالأسماء الحسنى والصفات العلى إلا الله تعالى.
- لا لأي شرع وحكم إلا تشريع وحكم الله تعالى.
- لا لأي منصور ومحبوب إلا الله تعالى.
- لا إتباع إلا لشرع الله تعالى.
فالمسلم ليس في حياته إلا قول الله تعالى وقول رسوله عليه السلام حكما وإتباعا وطاعة وتحاكما ومحبة ونصرة وتشريعا وأولوا الأمر هم القائمون والمحافظون على قول الله تعالى وقول رسوله عليه السلام والذين ليس في حياتهم إلا طاعة الله تعالى وطاعة رسوله عليه السلام وسوى ذلك فهو الكفر والطاغوتية , والمرء على دين من يطيع ويتبع ويتحاكم إليه ويحبه وينصره ومن جعل لغير الله تعالى مع الله تعالى شيئا من ذلك فهو المشرك الكافر, فالله يريد ذلك كله خالصا له وهذا معنى قوله تعالى: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه فَإِنِ انتَهَوْاْ فَإِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (الأنفال :39),أي: حتى يكون الدعاء كله( تنسكا وسؤالا واستغاثة وطاعة وتسمية بالأسماء الحسنى) والحكم كله( تشريعا وحكما وتحاكما) والولاء كله ( طاعة واتباعا ومحبة ونصرة) وانظر إلى لفظ كله أي: ليس لغيره منه شيء والتي تعني العموم المطلق فالدين هو العبادة وهو الدعاء والولاء والحكم بمعناها العام فلا يكون المرء مسلما إلا إذا جعل كل ذلك كله بإطلاق لله وحده ومن جعل أي شيء منه لغير الله تعالى فقد خرج إلى الشرك فالله تعالى يقول:فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدا (الكهف:110).
رد مع اقتباس
إضافة رد


*** مواقع صديقة ***
للإعلان هنا تواصل معنا > واتساب
محامي ||| عقارات تركيا ||| استقدام خادمات / عاملات ||| برجولات ||| سجاد صلاة ||| مقاول ترميم ||| ترافيان ||| العاب الاندرويد ||| نشر سناب ||| درويدي بلاي ||| شركة عزل اسطح بجدة ||| شركة عزل اسطح بجازان ||| العاب مهكرة ||| توريدات كهربائية و بترولية ||| تقوية شبكة المحمول ||| شاليهات شرق الرياض ||| تفاصيل ||| تصميم المواقع الالكترونية في العراق ||| خدماتي ||| محامي في الرياض ||| محامي بالرياض ||| محامي في الرياض ||| موثق ||| محامي في جدة ||| محامي في جدة ||| تصليح سيارات ||| تصميم موقع ||| نشر سناب

كود خصم سيارة اونلاين ||| كود خصم بات بات اطفال ||| كوبون خصم

خدمة تعقيم المنزل من كورونا ||| مكافحة الحشرات والقوارض ||| مكافحة الصراصير في المنزل

نشر سناب ، اضافات سناب ، متابعين سناب ، سنابي | | | نشر سناب

منتديات شباب الأمة ||| وادي العرب

السنة النبوية | كوبون خصم | حياة المصريين | الأذكار | موقع المرأة العربية | أولاد مصر
تطوير موقع الموقع لخدمات المواقع الإلكترونية
Powered by vBulletin Copyright ©2000 - 2021 Jelsoft Enterprises Ltd