="الأذكار           

مكتبة دار الزمان
 
العودة أنصار السنة > الفرق الإسلامية > منكرو السنة
 

إضافة رد

 
أدوات الموضوع
  #11  
قديم 2011-01-12, 04:27 PM
مجاهد مجاهد غير متواجد حالياً
عضو فعال
 
تاريخ التسجيل: 2007-07-23
المشاركات: 235
مجاهد
افتراضي

أدلة المثبتين لهذا النوع من النسخ
إن الذين أجازوا هذا النوع من النسخ استدلوا له بثلاثة أدلة
أحدها أن نسخ الطلب قبل التمكن من امتثاله لا يترتب على وقوعه محال عقلي وكل ما كان كذلك فهو جائز عقلا
ثانيها أن النسخ قبل التمكن من الفعل مانع كسائر الموانع التي تمنع العبد منه إذ لا فارق بينه وبينها يؤثر فلو لم يجز هذا النوع من النسخ لم يجز أن يأمر الله عبده بفعل في مستقبل زمانه ثم يعوقه عنه بمرض أو نوم أو نحوهما لكن المشاهد غير ذلك باعتراف المانعين أنفسهم فكثيرا ما تحول الحوائل بين المرء وما أمره الله في مستقبله فليجز هذا النوع من النسخ أيضا

ثالثها أن هذا النوع من النسخ قد وقع فعلا والوقوع دليل الجواز وزيادة
ثم إن لهم على وقوع هذا النوع من النسخ دليلين
الدليل الأول أن الله تعالى حين حدثنا عن إبراهيم وولده إسماعيل صلوات الله وسلامه عليهما قال : فبشرناه بغلام حليم فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين فلما أسلما وتله للجبين وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين إن هذا لهو البلاء المبين وفديناه بذبح عظيم وتركنا عليه في الآخرين سلام على إبراهيم كذلك نجزي المحسنين إنه من عبادنا المؤمنين فأنت ترى في هذا العرض الكريم لقصة إبراهيم الخليل وولده الذبيح إسماعيل ما يفيد أنه سبحانه قد أمر إبراهيم بذبح ولده ثم نسخ ما أمره به قبل أن يتمكن من تنفيذه وفعله
أما أنه أمره بالذبح فيرشد إليه أولا قول إبراهيم لولده : إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى لأن رؤيا الأنبياء حق من ناحية ولأن مفاوضة إبراهيم لولده في هذا الأمر الجلل تدل على أن هذا أمر لا بد منه من ناحية أخرى وإلا لما فاوضه تلك المفاوضة الخطيرة المزعجة التي هي أول مراحل السعي إلى التنفيذ
ثانيا أن إسماعيل أجاب أباه بإعلان خضوعه وامتثاله لأمر ربه : قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين
ثالثا أن إبراهيم اتخذ سبيله إلى مباشرة الأسباب القريبة للذبح حيث أسلم ولده وأسلم إسماعيل نفسه : فلما أسلما وتله للجبين
رابعا أن الله ناداه بأنه قد صدق الرؤيا أي فعل فعل من صدقها وحققها ولو لم يكن هذا أمرا من الله واجب الطاعة ما مدحه الله على تصديقه لرؤياه وسعيه إلى تحقيق ما أمره مولاه
خامسا أن الله فدى إبراهيم يذبح عظيم فلو لم يكن ذبح إسماعيل مطلوبا لما كان ثمة داع يدعو إلى الفداء
سادسا أن الله امتدح إبراهيم بأنه من المؤمنين ومن المحسنين المستحقين لإكرام الله إياه بالفرج بعد الشدة وقرر سبحانه أن هذا هو البلاء المبين وكافأه بأنه ترك عليه في الآخرين : سلام على إبراهيم وكل ذلك يدل على أن الله أمره فأطاع وابتلاه أشد الابتلاء فاستسلم وانصاع

وأما أن الله نسخ هذا الأمر قبل تمكن إبراهيم من امتثاله فيرشد إليه محاولة إبراهيم للتنفيذ بالخطوات التي خطاها والمحاولات التي حاولها وهي مفاوضة ولده حتى يستوثق منه أو يتخذ إجراء آخر ثم استسلامهما بالفعل لحادث الذبح وصرعه فلذة كبده وقرة عينه على جبينه كيما يضع السكين ويذبحه كما أمره رب العالمين ولكن جاء النداء بالفداء قبل التمكن من الامتثال وتنفيذ الذبح وبعيد كل البعد بل محال في مجرى العادة أن يكون إبراهيم قد وجد فرصة يتمكن فيها من الامتثال قبل ذلك ثم تركها حتى يقال إن النسخ بالفداء حصل بعد التمكن من الذبح فثبت أن أمره بالذبح قد نسخ بالفداء قبل التمكن من الامتثال ووقع هذا دليل الجواز بل هو أول دليل على الجواز
الدليل الثاني أنه جاء في السنة المطهرة ما يفيد أن الله فرض ليلة المعراج على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى أمته خمسين صلاة ثم نسخ الله في هذه الليلة نفسها خمسا وأربعين منها بعد مراجعات تسع من النبي صلى الله عليه وسلم بين موسى وربه وواضح أن هذا النسخ في تلك المرات التسع كان قبل أن يتمكن النبي وأمته من الامتثال وهذا الوقوع أول دليل على الجواز كما هو مقرر
شبهات المنكرين ودفعها
للمنكرين شبهات كثيرة منها ما صاغوه في صورة أدلة على إنكارهم ومنها ما وجهوه إلى أدلة المثبتين السابقة في صورة مناقشة لها وإبطال لدلالتها وها هي ذي نضعها بين يديك مشفوعة بما يدحضها
الشبهة الأولى ودفعها
يقولون لو نسخ الطلب قبل التمكن من امتثاله لكن طلبا مجردا من الفائدة ومثل هذا يكون عبثا والعبث على الله محال
وندفع هذه الشبهة بأن الطلب في هذه الصورة لم يتجرد من الفائدة كما يزعمون بل إن من فوائده وحكمته ابتلاء الله لعباده أيقبلون أم يرفضون فإن قبلوه وأذعنوا له وآمنوا به ووطنوا أنفسهم على امتثاله فلهم أجر كبير وظهر فضلهم كما ظهر فضل إبراهيم في ابتلائه بذبح ولده إسماعيل مع أنه لم يتمكن من تنفيذ ما أمر به ومن أبى من عباد الله مثل هذا الطلب بأن ضلاله وخذلانه واستحق الحرمان والهوان عن عدل وإنصاف : وما ربك بظلام للعبيد
الشبهة الثانية ودفعها
يقولون إن الفعل الذي ينسخ طلبه قبل التمكن من امتثاله إما أن يكون مطلوبا وقت
ورود النسخ أو لا فإن كان مطلوبا وقت ورود النسخ أدى ذلك إلى توارد النفي والإثبات على شيء واحد وهو محال وإن لم يكن الفعل مطلوبا وقت ورود النسخ فلا نسخ لأن النسخ لا بد لتحققه من حكم سابق يرد عليه ويرفعه والفرض هنا أنه ورد والحكم مرتفع
وندفع هذه الشبهة أولا بأن الفعل لم يكن مطلوبا وقت ورود الناسخ ولكن هذا لا ينفي حقيقة النسخ كما زعموا بل هو المحقق له لأن النسخ كالعلة في ارتفاع الحكم والمعلوم مقارن للعلة في الزمن وإن تأخر عنها في التعقل فالحكم إذن لا بد أن يرتفع عند ورود الناسخ بسبب وروده وإلا لم يعقل النسخ
ثانيا أن هذه الشبهة تجري في كل صورة من صور النسخ وحينئذ لا مفر لهم من إحدى اثنتين أن يمنعوا النسخ مطلقا مع أنهم لا يقولون به أو يكونوا في شبهتهم هذه مبطلين
الشبهة الثالثة ودفعها
يقولون إذا قال الشارع صوموا غدا لزم أن يكون صوم الغد حسنا وفيه مصلحة فإذا نهى عنه قبل مجيء الغد لزم أن يكون قبيحا فيه مفسدة واجتماع الحسن والقبح في شيء واحد في آن واحد محال
وندفع هذه الشبهة أولا بأنها قامت على أساس باطل هو قاعدة الحسن والقبح العقليين وتقرير بطلان هذه القاعدة معروف عند الأشاعرة من أهل السنة
ثانيا أن نهي الشارع عن الشيء المطلوب قبل التمكن من أدائه يتبين منه أن ذلك الشيء قبيح عقلا متى نهى الله عنه أما طلبه قبل ذلك فلا يدل على حسنه هو إنما يدل على حسن ما اتصل به مما استلزمه ذلك الطلب وهو إيمان العباد به واطمئنان نفوسهم إليه وعزمهم على تنفيذه وفي ذلك ما فيه من ترويضهم على الطاعة وتعويدهم الامتثال وإثابتهم على حسن نياتهم وكأن المأمور به في هذه الصورة هو المقدمات التي تسبق الفعل لا نفس الفعل بدليل نسخ الفعل قبل التمكن من امتثاله لكنهم أمروا بالفعل نفسه لأن عزمهم عليه والإتيان بمقدماته لا يتأتى إلا بالأمر على هذه الصورة فتأمل
الشبهة الرابعة ودفعها
يقولون إن استدلالكم بقصة إبراهيم وولده الذبيح استدلال لا يسلم من جملة مؤخذات
أولها أن رؤيا إبراهيم ما هي إلا رؤيا رآها فخيل إليه أنه مأمور بالذبح والحقيقة أنه لم يؤمر به

والجواب أن رؤيا الأنبياء وحي حق لا باطل فيه ولا تخييل والوحي يصحبه علم ضروري في الموحى إليه بأن ما أوحي إليه حق والأنبياء لا يتمثل لهم الشيطان ولا سلطان له عليهم لا في اليقظة ولا في المنام
ومن ذا الذي يهمل عقله ويسفه نفسه فيصدق أن شيخا كبيرا في جلالة إبراهيم خليل الرحمن يتأثر بخيال فاسد ويصدر عن وهم كاذب في أن يقدم على أكبر الكبائر وهو قتل ولده وذبح وحيده وفلذة كبده بعد أن بشره مولاه بأنه غلام حليم ورزقه إياه على شيخوخة وهرم وحقق فيه ما بشره به فشب الوليد وترعرع حتى بلغ مع أبيه السعي فكان إبراهيم يراه وهو يسعى معه فيملأ عينه نورا وقلبه بهجة وحبورا
ثانيا قالوا إن إبراهيم على فرض كون رؤياه حقا لم يك مأمورا بذبح ولده إنما كان مأمورا بالعزم على الذبح فحسب امتحانا له بالصبر على هذا العزم ولا ريب أن إبراهيم بمحاولته التي حاولها وصورها القرآن قد عزم وأدى ما وجب عليه فلا نسخ
والجواب من وجهين أحدهما أن الامتحان الذي ذكروه لا يتحقق إلا بالعزم على ما أوجبه عليه لأن العزم على ما ليس بواجب لا يجب وإذن فإبراهيم كان قد وجب عليه ذبح ولده حتى يكون عزمه على ذلك واجبا يتحقق به معنى الابتلاء والاختبار والآخر أن المأمور به لو كان هو العزم دون الذبح لما كان هناك معنى للفداء لأن إبراهيم قد فعل كل ما أمره به ربه لم يترك شيئا ولم يخفف الله عنه شيئا على زعمهم
ثالثها قالوا إن الأمر في الحقيقة كان بمقدمات الذبح من إضجاع إبراهيم لولده وصرعه إياه على جبينه وإمراره لسكينه وما أمر إبراهيم بالذبح والجواب أن إبراهيم قد جاء بهذه المقدمات فإذا كانت هي المأمور به دون الذبح فقد أدى إبراهيم كل ما عليه فأي معنى للفداء إذن
رابعها قالوا أن إبراهيم على فرض أنه كان مأمورا بالذبح نفسه قد بذل وسعه في الامتثال والتنفيذ ولكن الله تعالى قلب عنق الذبيح نحاسا أو حديدا حتى لا ينقطع فسقط التكليف عن إبراهيم لهذا العذر المانع لا لوجود الناسخ
والجواب من ثلاثة أوجه الأول أن ما ذكروه من انقلاب عنقه حديدا أو نحاسا خبر موضوع ورواية هازلة لا أصل لها الثاني أن وجوب الذبح لو سقط لهذا العذر لما كان هناك معنى للفداء الثالث أنهم إذا جوزوا أن يأمرنا الله تعالى بالشيء ثم يحول بيننا وبينه بالناسخ لأنه ليس بين الحيلولتين فارق مؤثر

خامسها قالوا إن إبراهيم قد أدى الواجب وذبح ولده فعلا ولكن الجرح قد اندمل وعنق الذبيح قد اتصل والتأم فلا نسخ
والجواب أولا أن هذه الرواية موضوعة أيضا بل هي أدخل في الكذب وأبعد عن ظاهر آيات القصة من الرواية السابقة ولو حصل ذلك لحدثنا القرآن به لأنه ليس أقل شأنا من أمر الفداء أو لحدثنا الرسول صلى الله عليه وسلم به على الأقل ولو كان النقل متواترا لأن مثله مما تتوافر الدواعي على نقله وتواتره
ثانيا أن هذا الواجب إذا كان قد أدى على أتم وجوهه وذبح إبراهيم ولده بالفعل ولم يحدث مانع ولم يوجد ناسخ فأي معنى للفداء
سادسها قالوا لا نسلم أن وجوب الذبح قد سقط عن إبراهيم بورود الفداء بل هو باق حتى يذبح الفداء فلو قصر في ذبحه لأثم إثم من كلف بذبح ولده ولم يذبحه ولو كان وجوب ذبح الولد مرتفعا بورود الفداء ما صح تسمية الفداء فداء كما لم يصح تسمية استقبال الكعبة بعد استقبال بيت المقدس فداء وذلك لأن حقيقة الفداء لا بد فيها من أمرين يقوم أحدهما مقام الآخر في تلقي المكروه وعلى هذا لا نسخ
والجواب أن هذا كلام أشبه باللغو فإنهم لا يستطيعون أن ينكروا أن إبراهيم لو ذبح ولده بعد نزول الفداء كان آثما فيكون ذبحه إياه وقتئذ حراما وقد كان قبل نزول الفداء واجبا وينطبق عليه تمام الانطباق أنه رفع حكم شرعي بدليل شرعي ولا معنى للنسخ إلا ذلك
الشبهة الخامسة ودفعها
يقولون إن استدلالكم بنسخ فرضية الصلوات الخمسين في ليلة المعراج استدلال باطل لأنه خبر غير ثابت وجمهور المعتزلة ينكرون المعراج جملة ومن أثبته منهم نفى خبر فرضية الصلوات الخمسين وما ورد عليها من نسخ وقال إن ذلك من وضع القصاص واستدل على أنها زيادة موضوعة بأنها تقتضي نسخ الحكم قبل التمكن من العلم به وهو ممنوع بالإجماع ووجه هذا الاقتضاء أن فرض الخمسين صلاة لم يكن على النبي صلى الله عليه وسلم خاصة بل كان عليه وعلى أمته معه وقد نسخ قبل أن تعلم به الأمة وعلى تسليم صحة هذه الزيادة لا نسلم أن ذلك كان فرضا على العزم والتعيين بل فوض الله تعالى ذلك إلى اختيار الرسول ومشيئته فإن اختار الخمسين فرضها وإن اختار الخمس فرض الخمس
وندفع هذه الشبهة أولا بأن خبر المعراج ثابت من طرق صحيحة متعددة لا من
طريق واحد وإنكار أهل الأهواء والبدع له لا يغض من قيمة ثبوته بل يغض من قيمتهم هم قال بعد الظاهر البغدادي وليس إنكار القدرية خبر المعراج إلا كإنكارهم خبر الرؤية والشفاعة وعذاب القبر والحوض والميزان والخبر الصحيح لا يرد بطعن أهل الأهواء كما لم يرد خبر المسح على الخفين بطعن الروافض فيه وكما لم يرد خبر الرجم بإنكار الخوارج له
ثانيا أن هذه الزيادة ثابتة في الصحيحين وغيرهما وعلى فرض خلو بعض الروايات منها فإن ذلك لا يضيرها لأن زيادة الثقة مقبولة وهذه رواية ثقات عدول ضابطين بلغوا شأوا بعيدا من الثقة والعدالة والضبط حتى روى البخاري ومسلم عنهم في صحيحهما وحسبك برجال البخاري ومسلم في الصحيحين
ثالثا أن قولهم هذا نسخ للحكم قبل تمكن الأمة من العلم به لا يفيدهم شيئا لأن الرسول صلى الله عليه وسلم فرض الله عليه الخمسين صلاة في كل يوم وليلة كما فرضها على أمته وقد علم الرسول بذلك طبعا ونسخ الله هذا الفرض بعد علم الرسول به وقبل تمكنه من امتثاله وذلك كاف في إثبات ما نحن بسبيله من نسخ الطلب قبل التمكن من الامتثال
رابعا أن قولهم إن فرض الخمسين لم يكن فرضا عزما كلام فاسد لا برهان لهم به بل نفس الرواية ترد عليهم وتثبت أن الأمر لم يوكل إلى مشيئة الرسول إن اختار الخمسين فرضها الله خمسين وإن اختار الخمس فرضها الله خمسا كما يزعمون ذلك أن الله قال له في هذا المعرض فرضت عليك وعلى أمتك خمسين صلاة وقبل الرسول ذلك طائعا مختارا وهبط على اسم الله حتى إذا لقي موسى سأله موسى ما فعل ربك قال فرض علي وعلى أمتي خمسين صلاة فقال له موسى ارجع إلى ربك واسأله التخفيف وذكر له أنه خبر بني إسرائيل من قبله فعجزوا وما زال به حتى رجع إلى مقام المناجاة وسأل التخفيف من مولاه فحط عنه خمسا وعاد إلى موسى فراجعه وما زال يرجع بين موسى وربه وفي كل مرة يحط الله عنه خمسا حتى لم يبق إلا خمس من الخمسين وأشار عليه موسى أيضا أن يرجع ويسأل التخفيف فاعتذر بأنه سأل حتى استحيى فهل بعد ذلك كله يصح في الأذهان أن يقال أو أن يفهم أن فرض الخمسين لم يكن فرضا عزما وأن الله فرض الأمر في اختيار الخمسين أو الخمس إلى مشيئة رسوله : إن يقولون إلا كذبا
رد مع اقتباس
  #12  
قديم 2011-01-12, 04:28 PM
مجاهد مجاهد غير متواجد حالياً
عضو فعال
 
تاريخ التسجيل: 2007-07-23
المشاركات: 235
مجاهد
افتراضي

النسخ في دورانه بين الكتاب والسنة
النسخ في الشريعة الإسلامية قد يرد به القرآن وقد ترد به السنة والمنسوخ كذلك قد يرد به القرآن وقد ترد به السنة فالأقسام أربعة

نسخ القرآن بالقرآن
القسم الأول نسخ القرآن بالقرآن وقد أجمع القائلون بالنسخ من المسلمين على جوازه ووقوعه أما جوازه فلأن آيات القرآن متساوية في العلم بها وفي وجوب العمل بمقتضاها وأما وقوعه فلما ذكرنا وما سنذكر من الآيات الناسخة والمنسوخة وهذا القسم يتنوع إلى أنواع ثلاثة نسخ التلاوة والحكم معا ونسخ الحكم دون التلاوة ونسخ التلاوة دون الحكم وقد أشبعنا الكلام عليها فيما سبق
نسخ القرآن بالسنة
القسم الثاني نسخ القرآن بالسنة وقد اختلف العلماء في هذا القسم بين مجوز ومانع ثم اختلف المجوزون بين قائل بالوقوع وقائل بعدمه وإذن يجري البحث في مقامين اثنين مقام الجواز ومقام الوقوع
مقام الجواز
القائلون بالجواز هم مالك وأصحاب أبي حنيفة وجمهور المتكلمين من الأشاعرة والمعتزلة وحجتهم أن نسخ القرآن بالسنة ليس مستحيلا لذاته ولا لغيره أما الأول فظاهر وأما الثاني فلأن السنة وحي من الله كما أن القرآن كذلك لقوله تعالى : وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ولا فارق بينهما إلا أن ألفاظ القرآن من ترتيب الله وإنشائه وألفاظ السنة من ترتيب الرسول وإنشائه والقرآن له خصائصه وللسنة خصائصها وهذه الفوارق لا أثر لها فيما نحن بسبيله ما دام أن الله هو الذي ينسخ وحيه بوحيه وحيث لا أثر لها فنسخ أحد هذين الوحيين بالآخر لا مانع يمنعه عقلا كما أنه لا مانع يمنعه شرعا أيضا فتعين جوازه عقلا وشرعا
هذه حجة المجيزين أما المانعون وهم الشافعي وأحمد في إحدى روايتين عنه وأكثر أهل الظاهر فيستدلون على المنع بأدلة خمسة وها هي ذي مشفوعة بوجوه نقضها
دليلهم الأول أن الله تعالى يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم : وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم وهذا يفيد أن وظيفة الرسول منحصرة في بيان القرآن والسنة إن نسخت القرآن لم تكن حينئذ بيانا له بل تكون رافعة إياه
وننقض هذا الاستدلال أولا بأن الآية لا تدل على انحصار وظيفة السنة في البيان لأنها خالية من جميع طرق الحصر وكل ما تدل عليه الآية هو أن سنة الرسول مبينة للقرآن وذلك لا ينفي أن تكون ناسخة له ونظير هذه الآية قول سبحانه : تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا
فإنه يفيد أنه صلى الله عليه وسلم نذير للعالمين ولا تنفي عنه أنه بشير أيضا للعالمين
ثانيا أن وظيفة السنة لو انحصرت في بيان القرآن ما صح أن تستقل بالتشريع من نحو إيجاب وتحريم مع أن إجماع الأمة قائم على أنها قد تستقل بذلك كتحريمه صلى الله عليه وسلم كل ذي مخلب من الطيور وكل ذي ناب من السباع وكحظره أن يورث بقوله نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة
ثالثها أن السنة نفسها نصت على أنها قد تستقل بالتشريع وإفادة الأحكام يحدثنا العرباض بن سارية رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام فقال أيحسب أحدكم متكئا على أريكة يظن أن الله لم يحرم شيئا إلا ما في هذا القرآن ألا إني قد أمرت ووعظت ونهيت عن أشياء إنها لمثل القرآن أو أكثر وإن الله لم يحل لكم أن تدخلوا بيوت أهل الكتاب إلا بإذن ولا ضرب نسائهم ولا أكل ثمارهم إلا إذا أعطوكم الذي فرض عليهم
رابعا أنه على فرض دلالة الآية على الحصر فالمراد بالبيان فيها التبليغ لا الشرح وقد بلغ الرسول كل ما أنزله الله إلى الناس وهذا لا ينافي أنه نسخ ما شاء الله نسخه بالسنة
خامسا أنه على فرض دلالة الآية على الحصر ودلالة البيان على خصوص الشرح فإن المراد بما أنزل إلى الناس هو جنسه الصادق ببعضه وهذا لا ينافي أن تكون السنة ناسخة لبعض آخر فيكون الرسول مبينا لما ثبت من الأحكام وناسخا لما ارتفع منها
دليلهم الثاني أن القرآن نفسه هو الذي أثبت أن السنة النبوية حجة فلو نسخته السنة لعادت على نفسها بالإبطال لأن النسخ رفع وإذا ارتفع الأصل ارتفع الفرع والدليل على أن القرآن هو الذي أثبت حجية السنة ما نقرؤه فيه من مثل قوله سبحانه : وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول : وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا : قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم
وننقض هذا الاستدلال أولا بأن كلامنا ليس في جواز نسخ السنة لنصوص القرآن الدالة على حجيتها حتى ترجع على نفسها بالإبطال بل هو في جواز نسخ ما عدا ذلك مما يصح أن يتعلق به النسخ
ثانيا أن ما استدلوا به حجة عليهم لأن وجوب طاعة الرسول وابتاعه يقضي بوجوب قبول ما جاء به على أنه ناسخ
دليلهم الثالث أن قوله تعالى : قل نزله روح القدس من ربك بالحق
قد جاء ردا على من أنكروا النسخ وعابوا به الإسلام ونبي ا لإسلام بدليل قوله سبحانه قبل هذه الآية : وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون ومعلوم أن روح القدس إنما ينزل بالقرآن وإذن فلا ينسخ القرآن إلا بقرآن
وننقض هذه الاستدلال بأن الكتاب والسنة كلاهما وحي من الله وكلاهما نزل به روح القدس بدليل قوله سبحانه : وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى فالذهاب إلى أن ما ينزل به روح القدس هو خصوص القرآن باطل
دليلهم الرابع أن الله تعالى يقول : وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي وهذا يفيد أن السنة لا تنسخ القرآن لأنها نابعة من نفس الرسول صلى الله عليه وسلم
وندفع هذا الاستدلال بمثل ما دفعنا به سابقه وهو أن السنة ليست نابعة من نفس الرسول على أنها هوى منه وشهوة بل معانيها موحاة من الله تعالى إليه وكل ما استقل به الرسول أنه عبر عنها بألفاظ من عنده فهي وحي يوحى وليست من تلقاء نفسه على هذا الاعتبار وإذن فليس نسخ القرآن بها تبديلا له من تلقاء نفسه إنما هو تبديل يوحى
دليلهم الخامس أن آية : ما ننسخ من آية أو ننسها تدل على امتناع نسخ القرآن بالسنة من وجوه ثلاثة أولها أن الله تعالى قال : نأت بخير منها أو مثلها والسنة ليست خيرا من القرآن ولا مثله
ثانيها أن وقوله : نأت يفيد أن الآتي هو الله والسنة لم يأت بها الله إنما الذي أتى بها رسوله
ثالثها أن قوله : ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير : ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير يفيد أن النسخ لا يصدر إلا عمن له الاقتدار الشامل والملك الكامل والسلطان المطلق وهو الله وحده
وندفع الوجه الأول من هذا الاستدلال بأن النسخ في الآية الكريمة أعم من أن يكون في الأحكام أو في التلاوة والخيرية والمثلية أعم من أن تكونا في المصلحة أو في الثواب وقد سبق بيان ذلك وإذن فقد تكون السنة الناسخة خيرا من القرآن المنسوخ من هذه الناحية وإن كان القرآن خيرا من السنة من ناحية امتيازه بخصائصه العليا دائما
وندفع الوجه الثاني بأن السنة وحي من الله وما الرسول إلا مبلغ ومعبر عنها فقط فالآتي بها على الحقيقة هو الله وحده

وندفع الوجه الثالث بانا نقول بموجبه وهو أن الناسخ في الحقيقة هو الله وحده والسنة إذا نسخته فإنما تنسخه من حيث إنها وحي صادر منه سبحانه
شبهتان ودفعهما
لقائل أن يقول إن من السنة ما يكون ثمرة لاجتهاده صلى الله عليه وسلم وهذا ليس وحيا أوحي إليه به بدليل العتاب الذي وجهه القرآن إلى الرسول في لطف تارة وفي عنف أخرى فكيف يستقيم بعد هذا أن نقول إن السنة وحي من الله
والجواب أن مرادنا هنا بالسنة ما كانت عن وحي جلي أو خفي أما السنة الاجتهادية فليست مرادة هنا ألبتة لأن الاجتهاد لا يكون إلا عند عدم النص فكيف يعارضه ويرفعه وقد شرحنا أنواع السنة في كتابنا المنهل الحديث في علوم الحديث فارجع إليه إن شئت
ولقائل أن يقول إن من السنة ما كان آحاديا وخبر الواحد مهما صح فإنه لا يفيد القطع والقرآن قطعي المتن فكيف ينسخ بالسنة التي لا تفيد القطع ومتى استطاع الظن أن يرفع اليقين
والجواب أن المراد بالسنة هنا السنة المتواترة دون الآحادية والسنة المتواترة قطيعة الثبوت أيضا كالقرآن فهما متكافئان من هذه الناحية فلا مانع أن ينسخ أحدهما الآخر أما خبر الواحد فالحق عدم جواز نسخ القرآن به للمعنى المذكور وهو أنه ظني والقرآن قطعي والظني أضعف من القطعي فلا يقوى على رفعه
والقائلون بجواز نسخ القرآن بالسنة الأحادية اعتمادا على أن القرآن ظني للدلالة حجتهم داحضة لأن القرآن إن لم يكن قطعي الدلالة فهو قطعي الثبوت والسنة الآحادية ظنية الدلالة والثبوت معا فهي أضعف منه فكيف ترفعه ب
مقام الوقوع
ما أسلفناه بين يديك كان في الجواز أما الوقوع فقد اختلف المجوزون فيه منهم من أثبته ومنهم من نفاه ولكل وجهة هو موليها وهاك وجهة كل من الفريقين لتعرف أن الحق مع النافين
استدل المثبتون على الوقوع بأدلة أربعة
الدليل الأول أن آية الجلد وهي : الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة تشمل المحصنين وغيرهم من الزناة ثم جاءت السنة فنسخت عمومها بالنسبة إلى المحصنين وحكمت بأن حزاءهم الرجم

وقد ناقش النافون هذا الدليل بأمرين أحدهما أن الذي ذكروه تخصيص لا نسخ والآخر أن آية الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموها ألبتة هي المخرجة لصور التخصيص وإن جاءت السنة موافقة لها وقد سبق الكلام على آية الشيخ والشيخة في عداد ما نسخت تلاوته وبقي حكمه فلا تغفل
الدليل الثاني أن قوله تعالى : كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين منسوخ بقوله صلى الله عليه وسلم لا وصية لوارث
وقد ناقشه النافون بأمرين
أولهما أن الحديث المذكور خبر آحاد وقد تقرر أن الحق عدم جواز نسخ القرآن بخبر الآحاد
ثانيهما أن الحديث بتمامه يفيد أن الناسخ هو آيات المواريث لا هذا الحديث وإليك النص الكامل للحديث المذكور إن الله أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث
ويؤيد ذلك ما أخرجه أبو داود في صحيحه ونصه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى : إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين وكانت الوصية كذلك حتى نسختها آية المواريث
الدليل الثالث أن قوله سبحانه : واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا منسوخ بقوله صلى الله عليه وسلم خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة والرجم
وقد ناقشه النافون أولا بأن الناسخ هنا هو آية الجلد وآية الشيخ والشيخة وإن جاء الحديث موافقا لهما
ثانيا بأن ذلك تخصيص لا نسخ لأن الحكم الأول جعل الله له غاية هو الموت أو صدور تشريع جديد في شأن الزانيات وقد حققنا أن رفع الحكم ببلوغ غايته المضروبة في دليله الأول ليس نسخا
الدليل الرابع أن نهيه صلى الله عليه وسلم عن كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطيور ناسخ لقوله سبحانه : قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به

وقد ناقشه النافون بأن الآية الكريمة لم تتعرض لإباحة ما عدا الذي ذكر فيها إنما هو مباح بالبراءة الأصلية والحديث المذكور ما رفع إلا هذه البراءة الأصلية ورفعها لا يسمى نسخا كما سلف بيانه
من هذا العرض يخلص لنا أن نسخ القرآن بالسنة لا مانع يمنعه عقلا ولا شرعا غاية الأمر أنه لم يقع لعدم سلامة أدلة الوقوع كما رأيت
نسخ السنة بالقرآن
هذا هو القسم الثالث وفيه خلاف العلماء أيضا بين تجويز ومنع على نمط ما مر في القسم الثاني بيد أن صوت المانعين هنا خافت وحجتهم داحضة أما المثبتون فيؤيدهم دليل الجواز كما يسعفهم برهان الوقوع ولهذا نجد في صف الإثبات جماهير الفقهاء والمتكلمين ولا نرى في صف النفي سوى الشافعي في أحد قوليه ومعه شرذمة من أصحابه ومع ذلك فنقل هذا عن الشافعي فيه شيء من الاضطراب أو إرادة خلاف الظاهر
دليل الجواز
استدل المثبتون على الجواز هنا بمثل ما استدلوا على القسم السالف فقالوا إن نسخ السنة بالقرآن ليس مستحيلا لذاته ولا لغيره أما الأول فظاهر وأما الثاني فلأن السنة وحي كما أن القرآن وحي ولا مانع من نسخ وحي بوحي لمكان التكافؤ بينهما من هذه الناحية
أدلة للوقوع والجواز
واستدلوا على الوقوع بوقائع كثيرة كل واقعة منها دليل على الجواز كما هي دليل على الوقوع لما علمت من أن الوقوع يدل على الجواز وزيادة
من تلك الوقائع أن استقبال بيت المقدس في الصلاة لم يعرف إلا من السنة وقد نسخه قوله تعالى : فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره
ومنها أن الأكل والشرب والمباشرة كان محرما في ليل رمضان على من صام ثم نسخ هذا التحريم بقوله تعالى : فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر
ومنها أن النبي صلى الله عليه وسلم أبرم مع أهل مكة عام الحديبية صلحا كان من شروطه أن من
جاء منهم مسلما رده عليهم وقد وفى بعده في أبي جندل وجماعة من المكيين جاؤوا مسلمين ثم جاءته امرأة فهم أن يردها فأنزل الله : يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن الآية
شبهة للمانعين ودفعها
أورد المانعون على هذا الاستدلال المعتمد على تلك الوقائع شبهة قالوا في تصويرها يجوز أن يكون النسخ فيما ذكرتم ثابتا بالسنة ثم جاء القرآن موافقا لها وبهذا يؤول الأمر إلى نسخ السنة بالسنة ويجوز أن الحكم المنسوخ كان ثابتا أولأ بقرآن نسخت تلاوته ثم جاءت السنة موافقة له وبهذا يؤول الأمر إلى نسخ قرآن بقرآن
وندفع هذه الشبهة بأنها قائمة على مجرد احتمالات واهية لا يؤيدها دليل ولو فتحنا بابها وجعلنا لها اعتبارا لما جاز لففيه أن يحكم على نص بأنه ناسخ لآخر إلا إذا ثبت ذلك صريحا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن ذلك باطل بإجماع الأمة على خلافه واتفاقها على أن الحكم إنما يسند إلى دليله الذي لا يعرف سواه بعد الاستقراء الممكن
أدلة المانعين ونقضها
قالوا إن قوله سبحانه وتعالى : وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم يفيد أن السنة ليست إلا بيانا للقرآن فإذا نسخها القرآن خرجت عن كونها بيانا له
وننقض هذا بأن الآية ليس فيها طريق من طرق الحصر وعلى فرض وجود الحصر فالمراد بالبيان في الآية التبليغ لا الشرح ولا ريب أن التبليغ إظهار وعلى فرض أن الآية حاصرة للسنة في البيان بمعنى الشرح لا التبليغ فبيانها بعد النسخ باق في الجملة وذلك بالنسبة لما لم ينسخ منها وأنت تعلم أن بقاء الحكم الشرعي مشروط بعدم ورود ناسخ فتدبر ولاحظ التفصيل الذي ذكرناه هناك في نقض الدليل لمانعي نسخ القرآن بالسنة فإنه يفيدك هنا
قال المانعون أيضا إن نسخ السنة بالقرآن يلبس على الناس دينهم ويزعزع ثقتهم بالسنة ويوقع في روعهم أنها غير مرضية لله وذلك يفوت مقصود الشارع من وجوب اتباع الرسول وطاعته واقتداء الخلق به في أقواله وأفعاله ولا ريب أن هذا باطل فما استلزمه وهو نسخ السنة بالقرآن باطل
وننقض هذا الاستدلال أولا بأن مثله يمكن أن يقال في أي نوع آخر من أنواع النسخ التي تقولون بها فما يكون جوابا لكم يكون مثله جوابا لنا

ثانيا أن ما ذكروه من استلزام نسخ السنة بالقرآن لهذه الأمور الباطلة غير صحيح لأن أدلة القرآن متوافرة على أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى وذلك يمنع لزوم هذه المحاولات الفاسدة ويجعل نسخ السنة بالقرآن كنسخ السنة بالسنة والقرآن بالقرآن في نظر أي منصف كان
نسخ السنة بالسنة
نسخ السنة بالسنة يتنوع إلى أنواع أربعة نسخ سنة متواترة بمتواترة ونسخ سنة آحادية بآحاديه ونسخ سنة آحادية بسنة متواترة ونسخ سنة متواترة بسنة آحادية أما الثلاثة الأول فجائزة عقلا وشرعا وأما الرابع وهو نسخ سنة متوارترة بآحادية فاتفق علماؤنا على جوازه عقلا ثم اختلفوا في جوازه شرعا فنفاه الجمهور وأثبته أهل الظاهر
أدلة الجمهور
استدل الجمهور على مذهبهم بدليلين
أولهما أن المتواتر قطعي الثبوت وخبر الواحد ظني والقطعي لا يرتفع بالظني لأنه أقوى منه والأقوى لا يرتفع بالأضعف
ثانيهما أن عمر رضي الله عنه رد خبر فاطمة بنت قيس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يجعل لها سكنى مع أن زوجها طلقها وبت طلاقها وقد أقر الصحابة عمر على رده هذا فكان إجماعا وما ذاك إلا لأنه خبر آحادي لا يفيد إلا الظن فلا يقوى على معارضة ما هو أقوى منه وهو كتاب الله إذ يقول : أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم وسنة رسوله المتواترة في جعل السكن حقا من حقوق المبتوتة
ملاحظة
روت كتب الأصول في هذا الموضوع خبر فاطمة بنت قيس بصيغة مدخولة فيها أن عمر قال حين بلغه الخبر لا نترك كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت حفظت أم نسيت وعزا بعضهم هذه الرواية المدخولة إلى الإمام مسلم في صحيحة والحقيقة أن الرواية بهذا الصورة غير صحيحة كما أن عزوها إلى مسلم غير صحيح
والرواية الصحيحة في مسلم وغيره ليس فيها كلمة أصدقت أم كذبت بل اقتصرت على كلمة أحفظت أم نسيت ومثلك حماك الله يعلم أن الشك في حفظ فاطمة ونسيانها لا يقدح في عدالتها وصدقها فإياك أن تخوض مع الخائضين من المستشرفين وأذنابهم فتطعن في الصحابة وتجرحهم في تثبتهم لمثل هذا الخبر المردود
وإن شئت المزيد من التعليق على هذا الخبر وما شابهه فاقرأ ما كتبناه تحت عنوان دفع شبهات في هذا المقام من كتابنا المنهل الحديث في علوم الحديث
أدلة الظاهر
اعتمد أهل الظاهر في جواز نسخ المتواتر بالآحاد شرعا على شبهات ظنوها أدلة وما هي بأدلة
منها أن النسخ تخصيص لعموم الأزمان فيجوز بخبر الواحد وإن كان المنسوخ متواترا كما أن تخصيص عموم الأشخاص يجوز بخبر الواحد وإن كان العام المخصوص متواترا
وندفع هذا أولا بأن المقصود من النص المنسوخ جميع الأزمان وليس المقصود منه استمرار الحكم إلى وقت النسخ فقط وإذن فالنسخ رفع لمقتضى العموم لا تخصيص للعموم فكيف يقاس النسخ على التخصيص الذي هو بيان محض للمقصود من اللفظ
ثانيا أننا نمنع جواز تخصيص المتواتر بخبر الواحد كما هو رأي الحنفية
ومنها أن أهل قباء كانوا يصلون متجهين إلى بيت المقدس فأتاهم آت يخبرهم بتحويل القبلة إلى الكعبة فاستجابوا له وقبلوا خبره واستداروا وهم في صلاتهم وبلغ ذلك رسول الله فأقرهم وهذا دليل على أن خبر الواحد ينسخ المتواتر
وندفع هذا بأن خبر الواحد في هذه الحادثة احتفت به قرائن جعلته يفيد القطع وكلامنا في خبر الواحد الذي لا يفيد القطع وهذه القرائن التي تفيد القطع هنا نعلمها من أن الحادثة المروية حادثة جزئية حسية لا تحتمل الخطأ ولا النسيان وأنها تتصل بأمر عظيم هو صلاة جمع من المسلمين وأن الراوي لها صحابي جليل وأنه لا واسطة بينه وبين الرسول وأنه واثق من أنه إن كذب فسيتفتضح أمره لا محالة وسيلاقي من العنت والعقاب ما يحيل العقل عادة معه تسبب هذا الراوي العظيم له يضاف إلى هذا أن التوجه إلى بيت المقدس كان متوقع الانتساخ لما هو معروف من حب العرب وحب الرسول معهم لاستقبال الكعبة التي هي مفخرتهم ومفخرة آبائهم وأجدادهم فكان عليه الصلاة والسلام يرفع وجهه إلى السماء انتظارا لنزول الوحي بذلك : قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره
رد مع اقتباس
  #13  
قديم 2011-01-12, 04:30 PM
مجاهد مجاهد غير متواجد حالياً
عضو فعال
 
تاريخ التسجيل: 2007-07-23
المشاركات: 235
مجاهد
افتراضي

نسخ القياس والنسخ به
ينطوي تحت نسخ القياس والنسخ به صور ثلاث أولاها أن ينسخ القياس حكما
دل عليه قياس ومثلوا لذلك بأن يوجب الشارع إكرام زيد لسخائه فنقيس عليه عمرا لوجود علة السخاء فيه ثم بعد ذلك يوجب الشارع إهانة بكر لكونه سكيرا فنقيس عليه عمر المذكور لوجود علة السكر فيه وبذلك ينتسخ وجوب إكرام عمر وبوجوب إهانته عند ترجيح هذا القياس الثاني على الأول
ثانيتها أن ينسخ القياس حكما دل عليه نص كأن ينص الشارع على إباحة النبيذ ثم بعد ذلك يحرم الخمر لإسكاره فنقيس النبيذ عليه لوجود علة الإسكار فيه وبذلك ينتسخ حكم الإباحة الثابت نصا بحكم التحريم الثابت قياسا
ثالثتها أن ينسخ النص قياسا كأن يحرم الشارع الخمر لكونه مسكرا فنحمل عليه النبيذ لإسكاره ثم بعد ذلك ينص الشارع على إباحة النبيذ فتنسخ حرمة النبيذ الثابتة قياسا بإباحته الثابتة نصا
وقد اختلف علماؤنا فمنهم من منع نسخ القياس والنسخ به مطلقا ومنهم من جوزه مطلقا ومنه من فصل والجمهور على جواز نسخه والنسخ به إن كان قطعيا وعلى منعه إن كان ظنيا والقطعي ما قطع فيه بنفي الفارق كقياس صب البول في الماء الراكد على البول فيه فيأخذ حكمه وهو الكراهة
أدلة المانعين مطلقا
وقد استدل القائلون بمنع نسخ القياس مطلقا بأن نسخه يقتضي ارتفاع حكم الفرع مع بقاء حكم الأصل وهذا لا يقبله العقل لأن العلة التي رتب عليها الشارع حكم الأصل موجودة في الفرع وهي قاضية ببقاء الحكم في الفرع ما دام باقيا في الأصل
ونوقش هذا الاستدلال بأمرين أحدهما أن نسخ القياس لا يقتضي ما ذكروه بل يقتضي ارتفاع حكم الأصل تبعا لارتفاع حكم الفرع على معنى أن نسخ حكم الفرع يدل على أن الشارع قد ألغى العلة التي رتب عليها حكم الأصل وإلغاؤها يقتضي ارتفاع حكمه
والآخر أنه لا مانع عقلا من أن ينسخ الشارع الفرع بناء على أنه اعتبر قيدا في العلة لم يكن معتبرا من قبل وهذا القيد موجود في الأصل وليس موجودا في الفرع
هذا دليل المانعين لجواز نسخ القياس مطلقا مع مناقشته أما الدليل على منعهم جواز النسخ به مطلقا فيتلخص في أن المنسوخ به إما أن يكون نصا أو إجماعا أو قياسا لا جائز أن يكون نصا لأن دلالته أقوى من دلالة القياس والضعيف لا يرفع ما هو أقوى منه ولا جائز أن يكون المنسوخ به إجماعا لأن الإجماع لا يصلح أن يكون ناسخا ولا منسوخا كما سيأتي تحقيقه ولا جائز أن يكون قياسا لأنه يشترط لصحة القياس أن يسلم
من المعارض المساوي له والأرجح منه وهذا القياس المتأخر مفروض أنه أرجح من الأول وإذن يتبين بظهوره بطلان القياس الأول وإذا تبين بطلانه بطل القول بنسخه لأن النسخ رفع لحكم ثابت من قبل وهذا قد تبين خطؤه وعدم ثبوته
ونوقش هذا الاستدلال بأن إطلاق القول بأن النص أقوى دلالة من القياس غير مسلم فإن هناك من النصوص ما تخفي دلالته حتى لا يفقهها إلا الخواص على حين أن هناك من الأقيسة ما تظهر دلالته لكل باحث منصف
دليل المجوزين مطلقا
واستند المجوزون لنسخ القياس والنسخ به مطلقا إلى أن القياس دليل شرعي لم يقم دليل عقلي ولا نقلي على امتناع نسخه أو النسخ به
ونوقش هذا الاستدلال بأن إطلاقهم هذا يستلزم التسوية بين ظني القياس وقطعيه ويستلزم جواز ارتفاع القطعي منه بالظني وكلاهما غير مقبول عقلا ولا نقلا
دليل الجمهور
واستدل الجمهور على جواز نسخه والنسخ به إن كان قطعيا بأن القياس القطعي لا يستلزم نسخه ولا النسخ به محالا عقليا ولا شرعيا واستدلوا على عدم جواز نسخه والنسخ به إن كان ظنيا بأن جواز ذلك يستلزم المحال أما بيانه بالنسبة لعدم جواز نسخه فهو أن الناسخ له إما أن يكون قطعيا أو ظنيا لا جائز أن يكون قطعيا لأن الظن لا يقوى على رفع اليقين ولا جائز أن يكون ظنيا وكلا هذين مبطل للقياس الأول والباطل لا ثبوت له حتى ينتسخ ويستدلون على أن كلا هذين مبطل للقياس الأول بأن اقتضاء القياس للحكم مشروط بألا يظهر له معارض مساو له أو أرجح منه ولا ريب أن القياس القطعي المتأخر أقوى من الأول وأن الظني أرجح منه حتى يعقل نسخه له فبظهور أحدهما يتبين بطلان ذلك القياس الأول وإذن فلا نسخ ودليلهم على عدم جواز النسخ به هو أن المنسوخ بالقياس الظني إما أن يكون قطعيا أو ظنيا لأن اقتضاء القياس الظني للحكم مشروط بألا يظهر له معارض مساو له أو أرجح منه وفي هذه الصورة قد ظهر له معارض وهو القياس المتأخر عنه الذي لا بد أن يكون أرجح منه حتى يعقل نسخه له وعلى هذا يكون القياس المتأخر مبينا بطلان اقتضاء القياس المتقدم للحكم لا ناسخا له
نسخ الإجماع والنسخ به
جمهور الأصوليين على أن الإجماع لا يجوز أن يكون ناسخا ولا منسوخا واستدلوا على أنه لا يجوز أن يكون ناسخا بأن المنسوخ به إ ما أن يكون نصا أو إجماعا أو قياسا
لا جائز أن يكون نصا لأن الإجماع لا بد أن يكن له نص يستند إليه خصوصا إذا انعقد على خلاف النص وإذن يكون الناسخ هو ذلك النص الذي استند إليه الإجماع لا نفس الإجماع ولا جائز أن يكون المنسوخ بالإجماع إجماعا لأن الإجماع لا يكون إلا عن مستند يستند إليه من نص أو قياس إذ الإجماع بدون مستند قول على الله بغير علم والقول على الله بغير علم ضلالة والأمة لا تجتمع على ضلالة ومستند الإجماع الثاني لا بد أن يكون نصا حدث بعد الإجماع الأول لأن ذلك النص لو تحقق قبل الإجماع الأول ما أمكن أن ينعقد الإجماع على خلافه ولا ريب أن حدوث نص بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم محال فما أدى إليه وهو نسخ الإجماع بالإجماع محال ولا جائز أن يكن المنسوخ بالإجماع قياسا لأن الإجماع على خلاف القياس يقتضي أحد أمرين إما خطأ القياس وإما انتساخه بمستند الإجماع وعلى كلا التقديرين فلا يكون الإجماع ناسخا واستدلوا على أنه لا يجوز أن يكون الإجماع منسوخا بأن الإجماع لا يعتبر حجة إلا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذن فالناسخ له إما أن يكون نصا أو قياسا أو إجماعا لا جائز أن يكون نصا لأن الناسخ متأخر عن المنسوخ أو لا يعقل أن يحدث نص بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا جائز أن يكون الناسخ للإجماع قياسا لأن نسخ الإجماع بالقياس يقتضي أن يكون الحكم الدال على الأصل حادثا بعد الرسول وهو باطل ولا جائز أن يكون الناسخ للإجماع إجماعا لما سبق وأما قولهم هذا الحكم منسوخ إجماعا فمعناه أن الإجماع انعقد على أنه نسخ بدليل من الكتاب أو السنة لا أن الإجماع هو الذي نسخه
المجوزون ومناقشتهم
ما تقدم هو مذهب الجمهور ولكن بعض المعتزلة وآخرون جوزوا أن يكون الإجماع ناسخا لكل حكم صلح النص ناسخا له واستدلوا بأدلة منها أن نصيب المؤلفة قلوبهم من الزكوات ثابت بصريح القرآن وقد نسخ بإجماع الصحابة في زمن الصديق على إسقاطه
ونوقش هذا بوجوه أولها أن الإجماع المذكور لم يثبت بدليل اختلاف الأئمة المجتدين في سقوط نصيب هؤلاء
ثانيها أن العلة في اعتبار المؤلفة قلوبهم من مصارف الزكاة هي إعزاز الإسلام بهم وفي عهد أبي بكر اعتز الإسلام فعلا بكثرة أتباعه واتساع رقعته فأصبح غير محتاج إلى إعزاز وسقط نصيب هؤلاء المؤلفة لسقوط علته
ثالثها أنه على فرض صحة هذا الإجماع فإن الإجماع لا بد له من مستند وإذن فالناسخ هو هذا المستند لا الإجماع نفسه

موقف العلماء من الناسخ والمنسوخ
العلماء في موقفهم من الناسخ والمنسوخ يختلفون بين مقصر ومقتصد وغال فالمقصرون هم الذين حاولوا التخلص من النسخ إطلاقا سالكين به مسلك التأويل بالتخصيص ونحوه كأبي مسلم ومن وافقه وقد بينا الرأي في هؤلاء سابقا
والمقتصدون هم الذين يقولون بالنسخ في حدوده المعقولة فلم ينفوه إطلاقا كما نفاه أبو مسلم وأضرابه ولم يتوسعوا فيه جزافا كالغالين بل يقفون به موقف الضرورة التي يقتضيها وجود التعارض الحقيقي بين الأدلة مع معرفة التقدم منها والمتأخر
والغالون هم الذين تزيدوا فأدخلوا في النسخ ما ليس منه بناء على شبه ساقطة ومن هؤلاء أبو جعفر النحاس في كتابه الناسخ والمنسوخ وهبة الله بن سلامة وأبو عبد الله محمد بن حزم وغيرهم فإنهم ألفوا كتبا في النسخ أكثروا فيها من ذكر الناسخ والمنسوخ اشتباها منهم وغلطا ومنشأ تزيدهم هذا أنهم انخدعوا بكل ما نقل عن السلف أنه منسوخ وفاتهم أن السلف لم يكونوا يقصدون بالنسخ هذا المعنى الاصطلاحي بل كانوا يقصدون به ما هو أعم منه مما يشمل بيان المجمل وتقييد المطلق ونحوها
منشأ غلط المتزيدين تفصيلا
ونستطيع أن نرد أسباب هذا الغلط إلى أمور خمسة
أولها ظنهم أن ما شرع لسبب ثم زال سببه من المنسوخ وعلى هذا عدوا الآيات التي وردت في الحث على الصبر وتحمل أذى الكفار أيام ضعف المسلمين وقلتهم منسوخة بآيات القتال مع أنها ليست منسوخة بل هي من الآيات التي دارت أحكامها على أسباب فالله أمر المسلمين بالصبر وعدم القتال في أيام ضعفهم وقلة عددهم لعلة الضعف والقلة ثم أمرهم بالجهاد في أيام قوتهم وكثرتهم لعلة القوة والكثرة وأنت خبير بأن الحكم يدور مع علته وجودا وعدما وأن انتفاء الحكم لانتفاء علته لا يعد نسخا بدليل أن وجوب التحمل عند الضعف والقلة لا يزال قائما إلى اليوم وأن وجوب الجهاد والدفاع عند القوة والكثرة لا يزال قائما كذلك إلى اليوم
ثانيها توهمهم أن إبطال الإسلام لما كان عليه أهل الجاهلية من قبيل ما نسخ الإسلام فيه حكما بحكم كإبطال نكاح نساء الآباء وكحصر عدد الطلاق في ثلاث وعدد الزواج في أربع بعد أن لم يكونا محصورين مع أن هذا ليس نسخا لأن النسخ رفع حكم شرعي وما ذكروه من هذه الأمثلة ونحوها رفع الإسلام فيه البراءة الأصلية وهي حكم عقلي لا شرعي

ثالثها اشتباه التخصيص عليهم بالنسخ كالآيات التي خصصت باستثناء أو غاية مثل قوله سبحانه : والشعراء يتبعهم الغاوون ألم تر أنهم في كل واد يهيمون وأنهم يقولون ما لا يفعلون إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا ومثل قوله : فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره
رابعها اشتباه البيان عليهم بالنسخ في مثل قوله سبحانه : ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف فإن منهم من توهم أنه ناسخ لقوله سبحانه : إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا مع أنه ليس ناسخا له وإنما هو بيان لما ليس بظلم وببيان ما ليس بظلم يعرف الظلم وبضدها تتميز الأشياء
خامسها توهم وجود تعارض بين نصين على حين أنه لا تعارض في الواقع وذلك مثل قوله تعالى : أنفقوا من ما رزقناكم وقوله : ومما رزقناهم ينفقون فإن بعضهم توهم أن كلتا الآيتين منسوخة بآية الزكاة لتوهمه أنها تعارض كلا منهما على حين أنه لا تعارض ولا تنافي لأنه يصح حمل الإنفاق في كلتا الآيتين الأوليين على ما يشمل الزكاة وصدقة التطوع ونفقة الأهل والأقارب ونحو ذلك وتكون آية الزكاة معهما من قبيل ذكر فرد من أفراد العام بحكم العام ومثل هذا لا يقوى على تخصيص العام فضلا عن أن ينسخه وذلك لعدم وجود تعارض حقيقي لا بالنسبة إلى كل أفراد العام حتى يكون ناسخا ولا بالنسبة إلى بعضها حتى يكون مخصصا
الآيات التي اشتهرت بأنها منسوخة
قد عرفت أن المتزيدين أكثروا القول بالآيات المنسوخة غلطا منهم واشتباها ونزيدك هنا أن بعض فطاحل العلماء تعقب هؤلاء المتزيدين بالنقد كالقاضي أبي بكر بن العربي وكجلال الدين السيوطي الذي حصر ما يصح لدعوى النسخ من آيات القرآن في اثنتين وعشرين آية ثم ذكر أن الأصح في آيتي الاستئذان والقسمة الإحكام لا النسخ وها هي ذي مشفوعة بالتعليق عليها مرتبة بترتيب المصحف الشريف
الآية الأولى
: ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله قيل إنها منسوخة بقوله سبحانه : فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره
لأن الآية الأولى تفيد جواز استقبال غير المسجد الحرام في الصلاة ما دامت الآفاق كلها لله وليست له جهة معينة والثانية تفيد عدم جواز استقبال غيره فيها ما دامت تحتم استقبال المسجد الحرام في أي مكان نكون فيه
وقيل إن الآية المذكورة ليست منسوخة وإنما هي محكمة وهذا ما نرجحه لأنها نزلت ردا على قول اليهود حين حولت القبلة إلى الكعبة : ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها إذن فهي متأخرة في النزول عن آية التحويل كما قال ابن عباس وليس بمعقول أن يكون الناسخ سابقا على المنسوخ ثم إن معناها هكذا إن الآفاق كلها لله وليس سبحانه في مكان خاص منها وليس له جهة معينة فيها وإذن فله أن يأمر عباده باستقبال ما يشاء من الجهات في الصلاة وله أن يحولهم من جهة إلى جهة وهذا المعنى كما ترى لا يتعارض وأن يأمر الله عباده وجوبا باستقبال الكعبة دون غيرها بعد أن أمرهم باستقبال بيت المقدس وحيث لا تعارض فلا نسخ بل الآيتان محكمتان ويؤيد إحكام هذه الآية أن جملة : ولله المشرق والمغرب وردت بنصها في سياق الآيات النازلة في التحويل إلى الكعبة ردا على من طعنوا فيه اقرأ إن شئت قوله سبحانه : سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب وبعضهم يمنع التعارض ويدفع النسخ بأن آية : ولله المشرق والمغرب تفيد جواز التوجه إلى غير الكعبة في خصوص صلاة النافلة سفرا على الدابة ويقول إن هذا الحكم باق لم ينسخ أما الآية الثانية فتفيد وجوب استقبال الكعبة في الفرائض وبعضهم يحمل الآية الأولى على التوجه في الدعاء والثانية على التوجه في الصلاة وإذن لا تعارض على هذين الاحتمالين وحيث لا تعارض فلا نسخ ولكن هذين الرأيين وإن وافقا الرأي السابق في إحكام الآية فهما مبنيان على تأويل في معنى الآية يخالف الظاهر كما هو ظاهر نعم إن آية : فول وجهك شطر المسجد الحرام ناسخة لما كان واجبا بالسنة من وجوب استقبال بيت المقدس على رأي من لا يمنع نسخ السنة بالقرآن
الآية الثانية
: كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين فإنها تفيد أن الوصية للوالدين والأقربين فرض مكتوب وحق واجب على من حضرهم الموت من المسلمين وقد اختلف في نسخ هذه الآية وفي ناسخها فالجمهور على أنها منسوخة وأن ناسخها آيات المواريث وقيل إنها منسوخة بالسنة وهي قوله صلى الله عليه وسلم لا وصية لوارث وقيل منسوخة بإجماع الأمة على عدم وجوب الوصية للوالدين والأقربين وقيل إنها محكمة لم تنسخ ثم اختلف هؤلاء
القائلون بالإحكام فبعضهم يحملها على من حرم الإرث من الأقربين وبعضهم يحملها على من له ظروف تقضي بزيادة العطف عليه كالعجزة وكثيري العيال من الورثة
ورأيي أن الحق مع الجمهور في أن الآية منسوخة وأن ناسخها آيات المواريث أما القول بإحكامها فتكلف ومشي في غير سبيل لأن الوالدين وقد جاء ذكرهما في الآية لا يحرمان من الميراث بحال ثم إن أدلة السنة متوافرة على عدم جواز الوصية لوارث محافظة على كتلة الوارثين أن تتفتت وحماية للرحم من القطعية التي نرى آثارها السيئة بين من زين الشيطان لمورثهم أن يزرع لهم شجرة الضغينة قبل موته بمفاضلته بينهم في الميراث عن طريق الوصية
وأما القول بأن الناسخ السنة فيدفعه أن هذا الحديث آحادي والآحادي ظني والظني لا يقوى على نسخ القطعي وهو الآية وأما القول بأن الناسخ هو الإجماع فيدفعه ما بيناه من عدم جواز نسخ الإجماع والنسخ به نعم إن نسخ آية الوصية بآيات المواريث فيه شيء من الخفاء والاحتمال ولكن السنة النبوية أزالت الحفاء ورفعت الاحتمال حين أفادت أنها ناسخة إذ قال صلى الله عليه وسلم بعد نزول آية المواريث إن ا لله أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث وفي هذا المعنى ينقل عن الشافعي ما خلاصته إن الله تعالى أنزل آية الوصية وأنزل آية المواريث فاحتمل أن تكون الوصية باقية مع المواريث واحتمل أن تكون المواريث ناسخة للوصية وقد طلب العلماء ما يرجح أحد الاحتمالين فوجدوه في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا وصية لوارث وهذا الخبر وإن كان آحاديا لا يقوى على نسخ الآية فإنه لا يضعف عن بيانها وترجيح احتمال النسخ على احتمال عدمه فيها
هذا ولا يفوتنا أن نشير إلى أن ا لشعبي والنخعي ذهبا إلى عدم نسخ آية الوصية مستندين إلى أن حكمها هو الندب لا الوجوب فلا تعارض بينها وبين آية المواريث كما لا تعارض بينها وبين حديث لا وصية لوارث لأن معناه لا وصية واجبة وهو لا ينافي ندب الوصية وحيث لا تعارض فلا نسخ ولكن هذا الرأي سقيم فيما نفهم لأنه خلاف الظاهر المتبادر من لفظ كتب المعروف في معنى الفرضية ومن لفظ حقا على المتقين المعروف في معنى الإلزام ومن شواهد السنة الناهية عن الوصية لوارث
الآية الثالثة
: وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون فإنها تفيد تخيير من يطيق الصوم بين الصوم والإفطار مع الفدية وقد نسخ ذلك بقوله سبحانه : فمن شهد منكم الشهر فليصمه المفيد لوجوب الصوم دون تخيير على كل صحيح مقيم من المسلمين

وقيل إ ن الآية محكمة لم تنسخ لأنها على حذف حرف النفي والتقدير : وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين ويدل على هذا الحذف قراءة يطوقونه بتشديد الواو وفتحها والمعنى يطيقونه بجهد ومشقة وإذن لا تعارض ولا نسخ ويرد هذا الرأي أولا بأنه مبني على أن في الآية حذفا ولا ريب أن الحذف خلاف الأصل أما قراءة يطوقونه بالتشديد فلا تدل على مشقة تصل بصاحبها إلى جواز الفطر بعد إيجاب الصوم من غير تخيير بل تدل على مشقة ما ولا شك أن كل صوم فيه مشقة ما خصوصا أول مشروعيته ثانيا أن أبا جعفر النحاس روى في كتابه الناسخ والمنسوخ عن أبي سلمة بن الأكوع أنه قال لما نزلت هذه الآية ( وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين ) كان من شاء منا صام ومن شاء أن يفتدي فعل حتى نسختها الآية بعدها
الآية الرابعة
: يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم فإن هذا التشبيه يقتضي موافقة من قبلنا فيما كانوا عليه من تحريم الوطء والأكل بعد النوم ليلة الصوم وقد نسخ ذلك بقوله سبحانه : أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم كذلك قالوا ولكنك تعلم أن التشبيه لا يجب أن يكون من كل وجه وإذن فالتشبيه في الآية الأولى لا يقضي بما ذكروه من وجوب موافقة أهل الكتاب فيما كانوا عليه في صومهم استدلالا بالتشبيه في قوله : كما كتب على الذين من قبلكم وعلى هذا فلا تعارض بين الآيتين وحيث انتفى التعارض انتفى النسخ
الآية الخامسة
: يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير فإنها تفيد حرمة القتال في الشهر الحرام وقد روى ابن جرير عن عطاء بن ميسرة أنها منسوخة بقوله تعالى : وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة ونقل أبو جعفر النحاس إجماع العلماء ما عدا عطاء على القول بهذا النسخ ووجه ذلك أن آية : وقاتلوا المشركين كافة أفادت الإذن بقتال المشركين عموما والعموم في الأشخاص يستلزم العموم في الأزمان وأيدوا ذلك بأن رسول صلى الله عليه وسلم قاتل هوزان بحنين وثقيفا بالطائف في شوال وذي القعدة سنة ثمان من الهجرة ولا ريب أن ذا القعدة شهر حرام وقيل إن النسخ لم يقع بهذه الآية إنما وقع بقوله سبحانه : فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم فإن عموم الأمكنة يستلزم عموم الأزمنة

ذلك رأي الجمهور وهو محجوج فيما نفهم بما ذهب إليه عطاء وغيره من أن عموم الأشخاص في الآية الأولى وعموم الأمكنة في الآية الثانية ولا يستلزم واحد منهما عموم الأزمنة وإذن فلا تعارض ولا نسخ بل الآية الأولى نهت على العموم في الأشخاص والثانية نبهت على العموم في الأمكنة وكلاهما غير مناف لحرمة القتال في الشهر الحرام لأن عموم الأشخاص وعموم الأمكنة يتحققان في بعض الأزمان الصادق بما عدا الأشهر الحرم ويؤيد ذلك أن حرمة القتال في الشهر الحرام لا تزال باقية اللهم إلا إذا كان جزاء لما هو أشد منه فإنه يجوز حينئذ لهذا العارض كما دل عليه قول الله في الآية نفسها : وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل
الآية السادسة
: والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج فإن خرجن فلا جناح عليكم في ما فعلن في أنفسهن من معروف فإنها منسوخة بقوله سبحانه : والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف لأن الآية الأولى أفادت أن من توفي عنها زوجها يوصي لها بنفقة سنة وبسكنى مدة حول ما لم تخرج فإن خرجت فلا شيء لها وأما الثانية فقد أفادت وجوب انتظارها أربعة أشهر وعشرا ولازم هذا أنه لا يجوز لها أن تخرج في هذه المدة أو تتزوج
وقيل إن ذلك تخصيص لا نسخ فإن المرأة قد تكون عدتها سنة كاملة إذا كانت حاملا ويرد هذا بأن الآية الأولى تفيد اعتداد المرأة حولا كاملا إذا كانت غير حامل أو كانت حاملا ولم يمكث حملها سنة والآية الثانية قد رفعت هذا جزما وذلك محقق للنسخ على أن الاعتداد حولا كاملا فيما إذا كانت المرأة حاملا ليس لدلالة الآية الأولى عليه بل لآية : وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن وهذا لا يتقيد بعام بل ربما يزيد أو ينقص
وقيل إن الآية الأولى محكمة ولا منافاة بينها وبين الثانية لأن الأولى فيما إذا كان هناك وصية للزوجة بذلك ولم تخرج ولم تتزوج أما الثانية ففي بيان العدة والمدة التي يجب عليها أن تمكثها وهما مقامان مختلفان ويرد هذا بأن الآية الأولى تجعل للمتوفى عنها حق الخروج في أي زمن وحق الزواج ولم تحرم عليها شيئا منهما قبل أربعة أشهر وعشر أما الثانية فقد حرمتهما وأوجبت عليها الانتظار دون خروج وزواج طوال هذه المدة فالحق هو القول بالنسخ وعليه جمهور العلماء

الآية السابعة
: وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فإنها منسوخة بقوله سبحانه : لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لأن الآية الأولى تفيد أن الله يكلف العباد حتى بالخطرات التي لا يملكون دفعها والآية الثانية تفيد أنه لا يكلفهم بها لأنه لا يكلف نفسا إلا وسعها والذي يظهر لنا أن الآية الثانية مخصصة للأولى وليست ناسخة لأن إفادة الأولى لتكليف الله عباده بما يستطيعون مما أبدوا في أنفسهم أو أخفوا لا تزال هذه الإفادة باقية وهذا لا يعارض الآية الثانية حتى يكون ثمة نسخ
وقال بعضهم إن الآية محكمة لأنها خاصة بكتمان الشهادة وإظهارها ويرده أنه لا دليل على هذا التخصيص وقال بعضهم إنها محكمة مع بقائها على عمومها والمعنى أن الله يحاسب المؤمنين والكافرين بما أبدوا وبما أخفوا فيغفر للمؤمنين ويعذب الكافرين والمنافقين ويرده أن هذا العموم لا يسلم بعد ما تقرر من أن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها سواء أكانت نفسا مؤمنة أم كافرة لأن لفظ نفسا نكرة في سياق النفي فيعم
الآية الثامنة
: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته قال السيوطي ليس في آل عمران آية يصح فيها دعوى النسخ إلا هذه الآية فقد قيل إنها منسوخة بقول الله تعالى ( فاتقوا الله ما استطعتم )
والذي يبدو لنا أنها غير منسوخة لأن الآيتين غير مسلم فإن تقوى الله حق تقوه المأمور بها في الآية الأولى معناها الإتيان بما يستطيعه المكلفون من هداية الله دون ما خرج عن استطاعتهم وقد ورد تفسيرها بأن يحفظ الإنسان رأسه وما وعى وبطنه وما حوى ويذكر الموت والبلى ولا ريب أن ذلك مستطاع بتوفيق الله فإذن لا تعارض بينها وبين قوله ( فاتقوا الله ما استطعتم ) وحيث لا تعارض فلا نسخ
الآية التاسعة
( 8وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه وقولوا لهم قولا معروفا ) قيل إنها منسوخة بآيات المواريث والظاهر أنها محكمة لأنها تأمر بإعطاء أولي القربى والمساكين الحاضرين لقسمة التركة شيئا منها وهذا الحكم باق على وجه الندب ما دام المذكورون غير وارثين ولا تعارض ولا نسخ
نعم لو كان حكم إعطاء هؤلاء هو الوجوب ثم رفع بآيات المواريث وتقرر الندب بدليل آخر بدلا من الحكم الأول فلا مفر من القول بالنسخ ولكن المأثور عن ابن عباس أن الآية محكمة غير أن الناس تهاونوا بالعمل بها وهذا يجعلنا نرجع أن في الآية كان للندب لا للوجوب من أول الأمر حتى يتأتى القول بإحكامها فتأمل
الآية العاشرة
( 8والذين عقدت أيمانكم فئاتوهم نصيبكم ) نسخها قوله الله ( وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ) وقيل إنها على توريث الموالاة وتوريثهم باق غير أن رتبتهم في الإرث بعد رتبة ذوي الأرحام وبذلك يقول فقهاء العراق
الآية الحادية عشرة
( 8والاتى يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعه منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا والذان يأتيانها منكم فئاذوهما فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما ) فإنها منسوخة بآية النور وهي ( الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جادة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الأخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين ) وذلك بالنسبة إلى البكر رجلا كان أو امرأة أما الثيب من الجنسين فقد نسخ الحكم الأول بالنسبة إليهما وأبدل بالرجم الذي دلت عليه تلك الآية المنسوخة التلاوة وهي الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة دلت عليه السنة أيضا
وبعضهم يقول بالإحكام وعدم النسخ ذاهبا إلى أن الآية الأولى جاءت فيمن أتين مواضع الريب والفسوق ولم يتحقق زناهن أما الثانية فإنها فيمن تحقق زناهن ولكن هذا مردود من وجهين أحدهما أنه تأويل يصادم الظاهر بدون دليل لأن قوله : يأتين الفاحشة يتبادر منه مقارفتهن نفس الفاحشة لا مجرد غشيان مكانها والأخذ بأسبابها والآخر قوله صلى الله عليه وسلم خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب جلد مائة والرجم
أولي القربى واليتامى والمساكين الحاضرين لقسمة التركة شيئا منها وهذا الحكم باق على وجه الندب ما دام المذكورون غير وارثين ولا تعارض ولا نسخ
نعم لو كان حكم إعطاء هؤلاء هو الوجوب ثم رفع بآيات المواريث وتقرر الندب بدليل آخر بدلا من الحكم الأول فلا مفر من القول بالنسخ ولكن المأثور عن ابن عباس أن الآية محكمة غير أن الناس تهاونوا بالعمل بها وهذا يجعلنا نرجح أن في الأمر الآية كان للندب لا للوجوب من أول الأمر حتى يتأتى القول بإحكامها فتأمل
الآية العاشرة
: والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم نسخها قوله الله ( وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ) وقيل إنها غير منسوخة لأنها تدل على توريث الموالاة وتوريثهم باق غير أن رتبتهم في الإرث بعد رتبة ذوي الأرحام وبذلك يقول فقهاء العراق
الآية الحادية عشرة
: واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا واللذان يأتيانها منكم فآذوهما فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما فإنها منسوخة بآية النور وهي : الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين وذلك بالنسبة إلى البكر رجلا كان أو امرأة أما الثيب من الجنسين فقد نسخ الحكم الأول بالنسبة إليهما وأبدل بالرجم الذي دلت عليه تلك الآية المنسوخة التلاوة وهي الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة دلت عليه السنة أيضا
وبعضهم يقول بالإحكام وعدم النسخ ذاهبا إلى أن الآية الأولى جاءت فيمن أتين مواضع الريب والفسوق ولم يتحقق زناهن أما الثانية فإنها فيمن تحقق زناهن ولكن هذا مردود من وجهين أحدهما أنه تأويل يصادم الظاهر بدون دليل لأن قوله : يأتين الفاحشة يتبادر منه مقارفتهن نفس الفاحشة لا مجرد غشيان مكانها والأخذ بأسبابها والآخر قوله صلى الله عليه وسلم خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة والرجم

الآية الثانية عشرة
: يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام قيل إن قوله : ولا الشهر الحرام منسوخ بمقتضى عموم قوله : وقاتلوا المشركين كافة وقد سبق القول في هذا فالحق عدم النسخ
الآية الثالثة عشرة : فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم فإنها منسوخة بقوله : وأن احكم بينهم بما أنزل الله وقد قيل بعدم النسخ وأن الآية الثانية متممة للأولى فالرسول مخير بمقتضى الآية الأولى بين أن يحكم بينهم وأن يعرض عنهم وإذا اختار أن يحكم بينهم وجب أن يحكم بما أنزل الله بمقتضى الآية الثانية وهذا ما نرجحه لأن النسخ لا يصح إلا حيث تعذر الجمع
الآية الرابعة عشرة
: يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم فإن قوله : أو آخران من غيركم منسوخ بقوله : وأشهدوا ذوي عدل منكم وقيل إنه لا نسخ لأن الآية الأولى خاصة بما إذا نزل الموت بأحد المسافرين وأراد أن يوصي فإن الوصية تثبت بشهادة اثنين عدلين من المسلمين أو غيرهم توسعة على المسافرين لأن ظرف السفر ظروف دقيقة قد يتعسر أو يتعذر وجود عدلين من المسلمين فيها فلو لم يبح الشارع إشهاد غير المسلمين لضاق الأمر وربما ضاعت الوصية أما الآية الثانية فهي القاعدة العامة في غير ظروف السفر
الآية الخامسة عشرة
: إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون فإنها منسوخة بقوله سبحانه : الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين ووجه النسخ أن الآية الأولى أفادت وجوب ثبات الواحد للعشرة وأن الثانية أفادت وجوب ثبات الواحد للاثنين وهما حكمان متعارضان فتكون الثانية ناسخة للأولى وقيل لا تعارض بين الآيتين ولا نسخ لأن الثانية لم ترفع الحكم الأول بداهة أنه لم يقل فيها لا يقاتل الواحد العشرة إذا قدر
على ذلك بل هي مخففة فحسب على معنى أن المجاهد إن قدر على قتال العشرة فله الخيار رخصة من الله له بعد أن اعتز المسلمون ولكنك ترى أن النسخ على هذا الوجه لا مفر منه أيضا لأن الآية الأولى عينت على المجاهد أن يثبت لعشرة والثانية خيرته بين الثبات لعشرة وعدم الثبات لأكثر من اثنين ولا ريب أن التخيير يعارض الإلزام على وجه التعيين
الآية السادسة عشرة
: انفروا خفافا وثقالا فإنها نسخت بآيات العذر وهي قوله : ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله وقوله : وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون وقيل إن الآية الأخيرة في النفر للتعليم والتفقه لا للحرب والآيتان قبلها مخصصتان لا ناسختان للآية الأولى كأنه قال من أول الأمر لينفر منكم خفافا وثقالا كل من احتيج إليه وهو قادر لا عذر له
الآية السابعة عشرة
: الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك فإنها منسوخة بقوله سبحانه : وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم لأن الآية خبر بمعنى النهي بدليل قراءة : لا ينكح بالجزم والقراءات يفسر بعضها بعضا وقيل بعدم النسخ تفسير للآية الأولى بأن الزاني المعروف بالزنى لا يستطيع أن ينكح إلا زانية أو مشركة لنفور المحصنات المؤمنات من زواجه وكذلك المرأة المعروفة بالزنى لا يرغب في نكاحها إلا زان أو مشرك لنفور المؤمنين الصالحين من زواجها والحق أن الآية منسوخة لأنها خبر بمعنى النهي كما سبق ولأن الأمر بالنسبة للمشرك والمشركة لا يستقيم إلا مع القول بالنسخ
الآية الثامنة عشرة
: يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلاة العشاء قيل إن هذه الآية منسوخة لكن لا دليل على نسخها فالحق أنها محكمة وهي أدب عظيم يلزم الخدم والصغار البعد عن مواطن كشف العورات حماية للأعراض من الانتهاك وحفظا للأنظار أن ترى ما لا تليق رؤيته في أوقات التبذل

الآية التاسعة عشرة
: لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج نسخها قول الله : يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي هاجرن معك وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين
واعلم أن هذا النسخ لا يستقيم إلا على أن هذه الآية متأخرة في النزول عن الآية الأولى وأن الله قد أحل للرسول في آخر حياته ما كان قد حرمه عليه من قبل في قوله : لا يحل لك النساء من بعد الخ
وذلك مروي عن علي كرم الله وجهه وعن ابن عباس رضي الله عنه وعن أم سلمة رضوان الله عليها وعن الضحاك رحمه الله وعن الصديقة بنت الصديق رضي الله عنهما أخرج أبو داود في ناسخه والترمذي وصححه والنسائي والحاكم وصححه أيضا وابن المنذر وغيرهم عن عائشة رضي الله عنها قالت لم يمت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحل الله تعالى له أن يتزوج من النساء إلا ذات محرم الخ
والسر في أن الله حرم على الرسول أولا ما عدا أزواجه ثم أحل له ما حرمه عليهن هو أن التحريم الأول فيه تطبيب لقلوب نسائه ومكافأة لهن على اختيارهن الله ورسوله والدار الآخرة بعد أن نزلت آيات التخيير في القرآن ثم إن إحلال هذا الذي حرم على رسوله مع عدم زواج الرسول من غيرهن بعد هذا الإحلال كما ثبت ذلك فيه بيان لفضله صلى الله عليه وسلم ومكرمته عليهن حيث قصر نفسه ولم يتزوج بغيرهن مع إباحة الله له ذلك
وقد جاءت روايات أخرى في هذا الموضوع تخالف ما ذكرناه لكن لم يثبت لدينا صحة شيء منها ولهذا رجحنا ما بسطناه ولا يعكر صفو القول بالنسخ هنا ما نلاحظه من تأخر الآية المنسوخة عن الناسخة في المصحف لأن المدار على ترتيب النزول لا على ترتيب المصحف كما تعلم
الآية العشرون
: يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة ذلك خير فإنها نسخت بقوله سبحانه عقب تلك الآية ( ءأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الله ورسوله )
قيل لا نسخ بحجة أن الآية الثانية بيان للصدقة المأمور بها في الأولى وأنه يصح أن تكون صدقة غير مالية من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة الله ورسوله وأنت خبير بأن هذا ضرب من التكلف في التأويل يأباه ما هو معروف من معنى الصدقة حتى أصبح لفظها حقيقة عرفية في البذل المالي وحده وقيل إن وجوب تقديم الصدقة إنما زال بزوال سببه وهو تمييز المنافق من غيره وهذا مردود بأن كل حكم منسوخ فإنما نسخه الله لحكمة من نحو مصلحة أو سبب كان يرتبط به الحكم الأول ثم زالت تلك المصلحة أو ذلك السبب
الآية الحادية والعشرون
: وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا قيل نسختها آية الغنيمة وهي قوله سبحانه ( واعملوا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسة وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ) وبيان ذلك أن الآية الأولى تفيد أن زوجات المسلمين اللاتي ارتددن ولحقن بدار الحرب يجب أن يدفع إلى أزواجهن مثل مهورهن من الغنائم التي يغنمها المسلمون ويعاقبون العدو بأخذها والآية الثانية تفيد أن الغنائم تخمس أخماسا ثم تصرف كما رسم الشارع ولكنك بالتأمل تستظهر معنا أنه لا نسخ لأن الآيتين لا تتعارضان بل يمكن الجمع بينهما بأن يدفع من الغنائم أولا مثل مهور هذه الزوجات المرتدات اللاحقات بدار الحرب ثم تخمس الغنائم بعد ذلك أخماسا وتصرف في مصارفها الشرعية
الآية الثانية والعشرون
: يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا نصفه أو انقص منه قليلا أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا فإنها منسوخة بقوله سبحانه في آخر هذه السورة : إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك والله يقدر الليل والنهار علم أن لن تحصوه فتاب عليكم فاقرؤوا ما تيسر من القرآن الخ وبيان ذلك أن الآية الأولى أفادت وجوب قيامه صلى الله عليه وسلم من الليل نصفه أو أنقص منه قليلا أو أزيد عليه أما الثانية فقد أفادت أن الله تاب على النبي وأصحابه في هذا بأن رخص لهم في ترك هذا القيام المقدر ورفع عنهم كل تبعة في ذلك الترك كما رفع التبعات عن المذنبين بالتوبة إذا تابوا
ولا ريب أن هذا الحكم الثاني رافع للحكم الأول فتعين النسخ
وقد قيل في تفسير هذه الآيات كلام كثير لا نرى حاجة إلى ذكره والله يكفينا كثرة القيل والقال ويتوب علينا من النزاع والخلاف ويجمع صفوفنا على دينه وحبه آمين وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين
رد مع اقتباس
  #14  
قديم 2011-01-12, 04:31 PM
مجاهد مجاهد غير متواجد حالياً
عضو فعال
 
تاريخ التسجيل: 2007-07-23
المشاركات: 235
مجاهد
افتراضي

نسخ القياس والنسخ به
ينطوي تحت نسخ القياس والنسخ به صور ثلاث أولاها أن ينسخ القياس حكما
دل عليه قياس ومثلوا لذلك بأن يوجب الشارع إكرام زيد لسخائه فنقيس عليه عمرا لوجود علة السخاء فيه ثم بعد ذلك يوجب الشارع إهانة بكر لكونه سكيرا فنقيس عليه عمر المذكور لوجود علة السكر فيه وبذلك ينتسخ وجوب إكرام عمر وبوجوب إهانته عند ترجيح هذا القياس الثاني على الأول
ثانيتها أن ينسخ القياس حكما دل عليه نص كأن ينص الشارع على إباحة النبيذ ثم بعد ذلك يحرم الخمر لإسكاره فنقيس النبيذ عليه لوجود علة الإسكار فيه وبذلك ينتسخ حكم الإباحة الثابت نصا بحكم التحريم الثابت قياسا
ثالثتها أن ينسخ النص قياسا كأن يحرم الشارع الخمر لكونه مسكرا فنحمل عليه النبيذ لإسكاره ثم بعد ذلك ينص الشارع على إباحة النبيذ فتنسخ حرمة النبيذ الثابتة قياسا بإباحته الثابتة نصا
وقد اختلف علماؤنا فمنهم من منع نسخ القياس والنسخ به مطلقا ومنهم من جوزه مطلقا ومنه من فصل والجمهور على جواز نسخه والنسخ به إن كان قطعيا وعلى منعه إن كان ظنيا والقطعي ما قطع فيه بنفي الفارق كقياس صب البول في الماء الراكد على البول فيه فيأخذ حكمه وهو الكراهة
أدلة المانعين مطلقا
وقد استدل القائلون بمنع نسخ القياس مطلقا بأن نسخه يقتضي ارتفاع حكم الفرع مع بقاء حكم الأصل وهذا لا يقبله العقل لأن العلة التي رتب عليها الشارع حكم الأصل موجودة في الفرع وهي قاضية ببقاء الحكم في الفرع ما دام باقيا في الأصل
ونوقش هذا الاستدلال بأمرين أحدهما أن نسخ القياس لا يقتضي ما ذكروه بل يقتضي ارتفاع حكم الأصل تبعا لارتفاع حكم الفرع على معنى أن نسخ حكم الفرع يدل على أن الشارع قد ألغى العلة التي رتب عليها حكم الأصل وإلغاؤها يقتضي ارتفاع حكمه
والآخر أنه لا مانع عقلا من أن ينسخ الشارع الفرع بناء على أنه اعتبر قيدا في العلة لم يكن معتبرا من قبل وهذا القيد موجود في الأصل وليس موجودا في الفرع
هذا دليل المانعين لجواز نسخ القياس مطلقا مع مناقشته أما الدليل على منعهم جواز النسخ به مطلقا فيتلخص في أن المنسوخ به إما أن يكون نصا أو إجماعا أو قياسا لا جائز أن يكون نصا لأن دلالته أقوى من دلالة القياس والضعيف لا يرفع ما هو أقوى منه ولا جائز أن يكون المنسوخ به إجماعا لأن الإجماع لا يصلح أن يكون ناسخا ولا منسوخا كما سيأتي تحقيقه ولا جائز أن يكون قياسا لأنه يشترط لصحة القياس أن يسلم
من المعارض المساوي له والأرجح منه وهذا القياس المتأخر مفروض أنه أرجح من الأول وإذن يتبين بظهوره بطلان القياس الأول وإذا تبين بطلانه بطل القول بنسخه لأن النسخ رفع لحكم ثابت من قبل وهذا قد تبين خطؤه وعدم ثبوته
ونوقش هذا الاستدلال بأن إطلاق القول بأن النص أقوى دلالة من القياس غير مسلم فإن هناك من النصوص ما تخفي دلالته حتى لا يفقهها إلا الخواص على حين أن هناك من الأقيسة ما تظهر دلالته لكل باحث منصف
دليل المجوزين مطلقا
واستند المجوزون لنسخ القياس والنسخ به مطلقا إلى أن القياس دليل شرعي لم يقم دليل عقلي ولا نقلي على امتناع نسخه أو النسخ به
ونوقش هذا الاستدلال بأن إطلاقهم هذا يستلزم التسوية بين ظني القياس وقطعيه ويستلزم جواز ارتفاع القطعي منه بالظني وكلاهما غير مقبول عقلا ولا نقلا
دليل الجمهور
واستدل الجمهور على جواز نسخه والنسخ به إن كان قطعيا بأن القياس القطعي لا يستلزم نسخه ولا النسخ به محالا عقليا ولا شرعيا واستدلوا على عدم جواز نسخه والنسخ به إن كان ظنيا بأن جواز ذلك يستلزم المحال أما بيانه بالنسبة لعدم جواز نسخه فهو أن الناسخ له إما أن يكون قطعيا أو ظنيا لا جائز أن يكون قطعيا لأن الظن لا يقوى على رفع اليقين ولا جائز أن يكون ظنيا وكلا هذين مبطل للقياس الأول والباطل لا ثبوت له حتى ينتسخ ويستدلون على أن كلا هذين مبطل للقياس الأول بأن اقتضاء القياس للحكم مشروط بألا يظهر له معارض مساو له أو أرجح منه ولا ريب أن القياس القطعي المتأخر أقوى من الأول وأن الظني أرجح منه حتى يعقل نسخه له فبظهور أحدهما يتبين بطلان ذلك القياس الأول وإذن فلا نسخ ودليلهم على عدم جواز النسخ به هو أن المنسوخ بالقياس الظني إما أن يكون قطعيا أو ظنيا لأن اقتضاء القياس الظني للحكم مشروط بألا يظهر له معارض مساو له أو أرجح منه وفي هذه الصورة قد ظهر له معارض وهو القياس المتأخر عنه الذي لا بد أن يكون أرجح منه حتى يعقل نسخه له وعلى هذا يكون القياس المتأخر مبينا بطلان اقتضاء القياس المتقدم للحكم لا ناسخا له
نسخ الإجماع والنسخ به
جمهور الأصوليين على أن الإجماع لا يجوز أن يكون ناسخا ولا منسوخا واستدلوا على أنه لا يجوز أن يكون ناسخا بأن المنسوخ به إ ما أن يكون نصا أو إجماعا أو قياسا
لا جائز أن يكون نصا لأن الإجماع لا بد أن يكن له نص يستند إليه خصوصا إذا انعقد على خلاف النص وإذن يكون الناسخ هو ذلك النص الذي استند إليه الإجماع لا نفس الإجماع ولا جائز أن يكون المنسوخ بالإجماع إجماعا لأن الإجماع لا يكون إلا عن مستند يستند إليه من نص أو قياس إذ الإجماع بدون مستند قول على الله بغير علم والقول على الله بغير علم ضلالة والأمة لا تجتمع على ضلالة ومستند الإجماع الثاني لا بد أن يكون نصا حدث بعد الإجماع الأول لأن ذلك النص لو تحقق قبل الإجماع الأول ما أمكن أن ينعقد الإجماع على خلافه ولا ريب أن حدوث نص بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم محال فما أدى إليه وهو نسخ الإجماع بالإجماع محال ولا جائز أن يكن المنسوخ بالإجماع قياسا لأن الإجماع على خلاف القياس يقتضي أحد أمرين إما خطأ القياس وإما انتساخه بمستند الإجماع وعلى كلا التقديرين فلا يكون الإجماع ناسخا واستدلوا على أنه لا يجوز أن يكون الإجماع منسوخا بأن الإجماع لا يعتبر حجة إلا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذن فالناسخ له إما أن يكون نصا أو قياسا أو إجماعا لا جائز أن يكون نصا لأن الناسخ متأخر عن المنسوخ أو لا يعقل أن يحدث نص بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا جائز أن يكون الناسخ للإجماع قياسا لأن نسخ الإجماع بالقياس يقتضي أن يكون الحكم الدال على الأصل حادثا بعد الرسول وهو باطل ولا جائز أن يكون الناسخ للإجماع إجماعا لما سبق وأما قولهم هذا الحكم منسوخ إجماعا فمعناه أن الإجماع انعقد على أنه نسخ بدليل من الكتاب أو السنة لا أن الإجماع هو الذي نسخه
المجوزون ومناقشتهم
ما تقدم هو مذهب الجمهور ولكن بعض المعتزلة وآخرون جوزوا أن يكون الإجماع ناسخا لكل حكم صلح النص ناسخا له واستدلوا بأدلة منها أن نصيب المؤلفة قلوبهم من الزكوات ثابت بصريح القرآن وقد نسخ بإجماع الصحابة في زمن الصديق على إسقاطه
ونوقش هذا بوجوه أولها أن الإجماع المذكور لم يثبت بدليل اختلاف الأئمة المجتدين في سقوط نصيب هؤلاء
ثانيها أن العلة في اعتبار المؤلفة قلوبهم من مصارف الزكاة هي إعزاز الإسلام بهم وفي عهد أبي بكر اعتز الإسلام فعلا بكثرة أتباعه واتساع رقعته فأصبح غير محتاج إلى إعزاز وسقط نصيب هؤلاء المؤلفة لسقوط علته
ثالثها أنه على فرض صحة هذا الإجماع فإن الإجماع لا بد له من مستند وإذن فالناسخ هو هذا المستند لا الإجماع نفسه

موقف العلماء من الناسخ والمنسوخ
العلماء في موقفهم من الناسخ والمنسوخ يختلفون بين مقصر ومقتصد وغال فالمقصرون هم الذين حاولوا التخلص من النسخ إطلاقا سالكين به مسلك التأويل بالتخصيص ونحوه كأبي مسلم ومن وافقه وقد بينا الرأي في هؤلاء سابقا
والمقتصدون هم الذين يقولون بالنسخ في حدوده المعقولة فلم ينفوه إطلاقا كما نفاه أبو مسلم وأضرابه ولم يتوسعوا فيه جزافا كالغالين بل يقفون به موقف الضرورة التي يقتضيها وجود التعارض الحقيقي بين الأدلة مع معرفة التقدم منها والمتأخر
والغالون هم الذين تزيدوا فأدخلوا في النسخ ما ليس منه بناء على شبه ساقطة ومن هؤلاء أبو جعفر النحاس في كتابه الناسخ والمنسوخ وهبة الله بن سلامة وأبو عبد الله محمد بن حزم وغيرهم فإنهم ألفوا كتبا في النسخ أكثروا فيها من ذكر الناسخ والمنسوخ اشتباها منهم وغلطا ومنشأ تزيدهم هذا أنهم انخدعوا بكل ما نقل عن السلف أنه منسوخ وفاتهم أن السلف لم يكونوا يقصدون بالنسخ هذا المعنى الاصطلاحي بل كانوا يقصدون به ما هو أعم منه مما يشمل بيان المجمل وتقييد المطلق ونحوها
منشأ غلط المتزيدين تفصيلا
ونستطيع أن نرد أسباب هذا الغلط إلى أمور خمسة
أولها ظنهم أن ما شرع لسبب ثم زال سببه من المنسوخ وعلى هذا عدوا الآيات التي وردت في الحث على الصبر وتحمل أذى الكفار أيام ضعف المسلمين وقلتهم منسوخة بآيات القتال مع أنها ليست منسوخة بل هي من الآيات التي دارت أحكامها على أسباب فالله أمر المسلمين بالصبر وعدم القتال في أيام ضعفهم وقلة عددهم لعلة الضعف والقلة ثم أمرهم بالجهاد في أيام قوتهم وكثرتهم لعلة القوة والكثرة وأنت خبير بأن الحكم يدور مع علته وجودا وعدما وأن انتفاء الحكم لانتفاء علته لا يعد نسخا بدليل أن وجوب التحمل عند الضعف والقلة لا يزال قائما إلى اليوم وأن وجوب الجهاد والدفاع عند القوة والكثرة لا يزال قائما كذلك إلى اليوم
ثانيها توهمهم أن إبطال الإسلام لما كان عليه أهل الجاهلية من قبيل ما نسخ الإسلام فيه حكما بحكم كإبطال نكاح نساء الآباء وكحصر عدد الطلاق في ثلاث وعدد الزواج في أربع بعد أن لم يكونا محصورين مع أن هذا ليس نسخا لأن النسخ رفع حكم شرعي وما ذكروه من هذه الأمثلة ونحوها رفع الإسلام فيه البراءة الأصلية وهي حكم عقلي لا شرعي

ثالثها اشتباه التخصيص عليهم بالنسخ كالآيات التي خصصت باستثناء أو غاية مثل قوله سبحانه : والشعراء يتبعهم الغاوون ألم تر أنهم في كل واد يهيمون وأنهم يقولون ما لا يفعلون إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا ومثل قوله : فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره
رابعها اشتباه البيان عليهم بالنسخ في مثل قوله سبحانه : ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف فإن منهم من توهم أنه ناسخ لقوله سبحانه : إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا مع أنه ليس ناسخا له وإنما هو بيان لما ليس بظلم وببيان ما ليس بظلم يعرف الظلم وبضدها تتميز الأشياء
خامسها توهم وجود تعارض بين نصين على حين أنه لا تعارض في الواقع وذلك مثل قوله تعالى : أنفقوا من ما رزقناكم وقوله : ومما رزقناهم ينفقون فإن بعضهم توهم أن كلتا الآيتين منسوخة بآية الزكاة لتوهمه أنها تعارض كلا منهما على حين أنه لا تعارض ولا تنافي لأنه يصح حمل الإنفاق في كلتا الآيتين الأوليين على ما يشمل الزكاة وصدقة التطوع ونفقة الأهل والأقارب ونحو ذلك وتكون آية الزكاة معهما من قبيل ذكر فرد من أفراد العام بحكم العام ومثل هذا لا يقوى على تخصيص العام فضلا عن أن ينسخه وذلك لعدم وجود تعارض حقيقي لا بالنسبة إلى كل أفراد العام حتى يكون ناسخا ولا بالنسبة إلى بعضها حتى يكون مخصصا
الآيات التي اشتهرت بأنها منسوخة
قد عرفت أن المتزيدين أكثروا القول بالآيات المنسوخة غلطا منهم واشتباها ونزيدك هنا أن بعض فطاحل العلماء تعقب هؤلاء المتزيدين بالنقد كالقاضي أبي بكر بن العربي وكجلال الدين السيوطي الذي حصر ما يصح لدعوى النسخ من آيات القرآن في اثنتين وعشرين آية ثم ذكر أن الأصح في آيتي الاستئذان والقسمة الإحكام لا النسخ وها هي ذي مشفوعة بالتعليق عليها مرتبة بترتيب المصحف الشريف
الآية الأولى
: ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله قيل إنها منسوخة بقوله سبحانه : فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره
لأن الآية الأولى تفيد جواز استقبال غير المسجد الحرام في الصلاة ما دامت الآفاق كلها لله وليست له جهة معينة والثانية تفيد عدم جواز استقبال غيره فيها ما دامت تحتم استقبال المسجد الحرام في أي مكان نكون فيه
وقيل إن الآية المذكورة ليست منسوخة وإنما هي محكمة وهذا ما نرجحه لأنها نزلت ردا على قول اليهود حين حولت القبلة إلى الكعبة : ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها إذن فهي متأخرة في النزول عن آية التحويل كما قال ابن عباس وليس بمعقول أن يكون الناسخ سابقا على المنسوخ ثم إن معناها هكذا إن الآفاق كلها لله وليس سبحانه في مكان خاص منها وليس له جهة معينة فيها وإذن فله أن يأمر عباده باستقبال ما يشاء من الجهات في الصلاة وله أن يحولهم من جهة إلى جهة وهذا المعنى كما ترى لا يتعارض وأن يأمر الله عباده وجوبا باستقبال الكعبة دون غيرها بعد أن أمرهم باستقبال بيت المقدس وحيث لا تعارض فلا نسخ بل الآيتان محكمتان ويؤيد إحكام هذه الآية أن جملة : ولله المشرق والمغرب وردت بنصها في سياق الآيات النازلة في التحويل إلى الكعبة ردا على من طعنوا فيه اقرأ إن شئت قوله سبحانه : سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب وبعضهم يمنع التعارض ويدفع النسخ بأن آية : ولله المشرق والمغرب تفيد جواز التوجه إلى غير الكعبة في خصوص صلاة النافلة سفرا على الدابة ويقول إن هذا الحكم باق لم ينسخ أما الآية الثانية فتفيد وجوب استقبال الكعبة في الفرائض وبعضهم يحمل الآية الأولى على التوجه في الدعاء والثانية على التوجه في الصلاة وإذن لا تعارض على هذين الاحتمالين وحيث لا تعارض فلا نسخ ولكن هذين الرأيين وإن وافقا الرأي السابق في إحكام الآية فهما مبنيان على تأويل في معنى الآية يخالف الظاهر كما هو ظاهر نعم إن آية : فول وجهك شطر المسجد الحرام ناسخة لما كان واجبا بالسنة من وجوب استقبال بيت المقدس على رأي من لا يمنع نسخ السنة بالقرآن
الآية الثانية
: كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين فإنها تفيد أن الوصية للوالدين والأقربين فرض مكتوب وحق واجب على من حضرهم الموت من المسلمين وقد اختلف في نسخ هذه الآية وفي ناسخها فالجمهور على أنها منسوخة وأن ناسخها آيات المواريث وقيل إنها منسوخة بالسنة وهي قوله صلى الله عليه وسلم لا وصية لوارث وقيل منسوخة بإجماع الأمة على عدم وجوب الوصية للوالدين والأقربين وقيل إنها محكمة لم تنسخ ثم اختلف هؤلاء
القائلون بالإحكام فبعضهم يحملها على من حرم الإرث من الأقربين وبعضهم يحملها على من له ظروف تقضي بزيادة العطف عليه كالعجزة وكثيري العيال من الورثة
ورأيي أن الحق مع الجمهور في أن الآية منسوخة وأن ناسخها آيات المواريث أما القول بإحكامها فتكلف ومشي في غير سبيل لأن الوالدين وقد جاء ذكرهما في الآية لا يحرمان من الميراث بحال ثم إن أدلة السنة متوافرة على عدم جواز الوصية لوارث محافظة على كتلة الوارثين أن تتفتت وحماية للرحم من القطعية التي نرى آثارها السيئة بين من زين الشيطان لمورثهم أن يزرع لهم شجرة الضغينة قبل موته بمفاضلته بينهم في الميراث عن طريق الوصية
وأما القول بأن الناسخ السنة فيدفعه أن هذا الحديث آحادي والآحادي ظني والظني لا يقوى على نسخ القطعي وهو الآية وأما القول بأن الناسخ هو الإجماع فيدفعه ما بيناه من عدم جواز نسخ الإجماع والنسخ به نعم إن نسخ آية الوصية بآيات المواريث فيه شيء من الخفاء والاحتمال ولكن السنة النبوية أزالت الحفاء ورفعت الاحتمال حين أفادت أنها ناسخة إذ قال صلى الله عليه وسلم بعد نزول آية المواريث إن ا لله أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث وفي هذا المعنى ينقل عن الشافعي ما خلاصته إن الله تعالى أنزل آية الوصية وأنزل آية المواريث فاحتمل أن تكون الوصية باقية مع المواريث واحتمل أن تكون المواريث ناسخة للوصية وقد طلب العلماء ما يرجح أحد الاحتمالين فوجدوه في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا وصية لوارث وهذا الخبر وإن كان آحاديا لا يقوى على نسخ الآية فإنه لا يضعف عن بيانها وترجيح احتمال النسخ على احتمال عدمه فيها
هذا ولا يفوتنا أن نشير إلى أن ا لشعبي والنخعي ذهبا إلى عدم نسخ آية الوصية مستندين إلى أن حكمها هو الندب لا الوجوب فلا تعارض بينها وبين آية المواريث كما لا تعارض بينها وبين حديث لا وصية لوارث لأن معناه لا وصية واجبة وهو لا ينافي ندب الوصية وحيث لا تعارض فلا نسخ ولكن هذا الرأي سقيم فيما نفهم لأنه خلاف الظاهر المتبادر من لفظ كتب المعروف في معنى الفرضية ومن لفظ حقا على المتقين المعروف في معنى الإلزام ومن شواهد السنة الناهية عن الوصية لوارث
الآية الثالثة
: وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون فإنها تفيد تخيير من يطيق الصوم بين الصوم والإفطار مع الفدية وقد نسخ ذلك بقوله سبحانه : فمن شهد منكم الشهر فليصمه المفيد لوجوب الصوم دون تخيير على كل صحيح مقيم من المسلمين

وقيل إ ن الآية محكمة لم تنسخ لأنها على حذف حرف النفي والتقدير : وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين ويدل على هذا الحذف قراءة يطوقونه بتشديد الواو وفتحها والمعنى يطيقونه بجهد ومشقة وإذن لا تعارض ولا نسخ ويرد هذا الرأي أولا بأنه مبني على أن في الآية حذفا ولا ريب أن الحذف خلاف الأصل أما قراءة يطوقونه بالتشديد فلا تدل على مشقة تصل بصاحبها إلى جواز الفطر بعد إيجاب الصوم من غير تخيير بل تدل على مشقة ما ولا شك أن كل صوم فيه مشقة ما خصوصا أول مشروعيته ثانيا أن أبا جعفر النحاس روى في كتابه الناسخ والمنسوخ عن أبي سلمة بن الأكوع أنه قال لما نزلت هذه الآية ( وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين ) كان من شاء منا صام ومن شاء أن يفتدي فعل حتى نسختها الآية بعدها
الآية الرابعة
: يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم فإن هذا التشبيه يقتضي موافقة من قبلنا فيما كانوا عليه من تحريم الوطء والأكل بعد النوم ليلة الصوم وقد نسخ ذلك بقوله سبحانه : أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم كذلك قالوا ولكنك تعلم أن التشبيه لا يجب أن يكون من كل وجه وإذن فالتشبيه في الآية الأولى لا يقضي بما ذكروه من وجوب موافقة أهل الكتاب فيما كانوا عليه في صومهم استدلالا بالتشبيه في قوله : كما كتب على الذين من قبلكم وعلى هذا فلا تعارض بين الآيتين وحيث انتفى التعارض انتفى النسخ
الآية الخامسة
: يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير فإنها تفيد حرمة القتال في الشهر الحرام وقد روى ابن جرير عن عطاء بن ميسرة أنها منسوخة بقوله تعالى : وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة ونقل أبو جعفر النحاس إجماع العلماء ما عدا عطاء على القول بهذا النسخ ووجه ذلك أن آية : وقاتلوا المشركين كافة أفادت الإذن بقتال المشركين عموما والعموم في الأشخاص يستلزم العموم في الأزمان وأيدوا ذلك بأن رسول صلى الله عليه وسلم قاتل هوزان بحنين وثقيفا بالطائف في شوال وذي القعدة سنة ثمان من الهجرة ولا ريب أن ذا القعدة شهر حرام وقيل إن النسخ لم يقع بهذه الآية إنما وقع بقوله سبحانه : فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم فإن عموم الأمكنة يستلزم عموم الأزمنة

ذلك رأي الجمهور وهو محجوج فيما نفهم بما ذهب إليه عطاء وغيره من أن عموم الأشخاص في الآية الأولى وعموم الأمكنة في الآية الثانية ولا يستلزم واحد منهما عموم الأزمنة وإذن فلا تعارض ولا نسخ بل الآية الأولى نهت على العموم في الأشخاص والثانية نبهت على العموم في الأمكنة وكلاهما غير مناف لحرمة القتال في الشهر الحرام لأن عموم الأشخاص وعموم الأمكنة يتحققان في بعض الأزمان الصادق بما عدا الأشهر الحرم ويؤيد ذلك أن حرمة القتال في الشهر الحرام لا تزال باقية اللهم إلا إذا كان جزاء لما هو أشد منه فإنه يجوز حينئذ لهذا العارض كما دل عليه قول الله في الآية نفسها : وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل
الآية السادسة
: والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج فإن خرجن فلا جناح عليكم في ما فعلن في أنفسهن من معروف فإنها منسوخة بقوله سبحانه : والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف لأن الآية الأولى أفادت أن من توفي عنها زوجها يوصي لها بنفقة سنة وبسكنى مدة حول ما لم تخرج فإن خرجت فلا شيء لها وأما الثانية فقد أفادت وجوب انتظارها أربعة أشهر وعشرا ولازم هذا أنه لا يجوز لها أن تخرج في هذه المدة أو تتزوج
وقيل إن ذلك تخصيص لا نسخ فإن المرأة قد تكون عدتها سنة كاملة إذا كانت حاملا ويرد هذا بأن الآية الأولى تفيد اعتداد المرأة حولا كاملا إذا كانت غير حامل أو كانت حاملا ولم يمكث حملها سنة والآية الثانية قد رفعت هذا جزما وذلك محقق للنسخ على أن الاعتداد حولا كاملا فيما إذا كانت المرأة حاملا ليس لدلالة الآية الأولى عليه بل لآية : وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن وهذا لا يتقيد بعام بل ربما يزيد أو ينقص
وقيل إن الآية الأولى محكمة ولا منافاة بينها وبين الثانية لأن الأولى فيما إذا كان هناك وصية للزوجة بذلك ولم تخرج ولم تتزوج أما الثانية ففي بيان العدة والمدة التي يجب عليها أن تمكثها وهما مقامان مختلفان ويرد هذا بأن الآية الأولى تجعل للمتوفى عنها حق الخروج في أي زمن وحق الزواج ولم تحرم عليها شيئا منهما قبل أربعة أشهر وعشر أما الثانية فقد حرمتهما وأوجبت عليها الانتظار دون خروج وزواج طوال هذه المدة فالحق هو القول بالنسخ وعليه جمهور العلماء

الآية السابعة
: وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فإنها منسوخة بقوله سبحانه : لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لأن الآية الأولى تفيد أن الله يكلف العباد حتى بالخطرات التي لا يملكون دفعها والآية الثانية تفيد أنه لا يكلفهم بها لأنه لا يكلف نفسا إلا وسعها والذي يظهر لنا أن الآية الثانية مخصصة للأولى وليست ناسخة لأن إفادة الأولى لتكليف الله عباده بما يستطيعون مما أبدوا في أنفسهم أو أخفوا لا تزال هذه الإفادة باقية وهذا لا يعارض الآية الثانية حتى يكون ثمة نسخ
وقال بعضهم إن الآية محكمة لأنها خاصة بكتمان الشهادة وإظهارها ويرده أنه لا دليل على هذا التخصيص وقال بعضهم إنها محكمة مع بقائها على عمومها والمعنى أن الله يحاسب المؤمنين والكافرين بما أبدوا وبما أخفوا فيغفر للمؤمنين ويعذب الكافرين والمنافقين ويرده أن هذا العموم لا يسلم بعد ما تقرر من أن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها سواء أكانت نفسا مؤمنة أم كافرة لأن لفظ نفسا نكرة في سياق النفي فيعم
الآية الثامنة
: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته قال السيوطي ليس في آل عمران آية يصح فيها دعوى النسخ إلا هذه الآية فقد قيل إنها منسوخة بقول الله تعالى ( فاتقوا الله ما استطعتم )
والذي يبدو لنا أنها غير منسوخة لأن الآيتين غير مسلم فإن تقوى الله حق تقوه المأمور بها في الآية الأولى معناها الإتيان بما يستطيعه المكلفون من هداية الله دون ما خرج عن استطاعتهم وقد ورد تفسيرها بأن يحفظ الإنسان رأسه وما وعى وبطنه وما حوى ويذكر الموت والبلى ولا ريب أن ذلك مستطاع بتوفيق الله فإذن لا تعارض بينها وبين قوله ( فاتقوا الله ما استطعتم ) وحيث لا تعارض فلا نسخ
الآية التاسعة
( 8وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه وقولوا لهم قولا معروفا ) قيل إنها منسوخة بآيات المواريث والظاهر أنها محكمة لأنها تأمر بإعطاء أولي القربى والمساكين الحاضرين لقسمة التركة شيئا منها وهذا الحكم باق على وجه الندب ما دام المذكورون غير وارثين ولا تعارض ولا نسخ
نعم لو كان حكم إعطاء هؤلاء هو الوجوب ثم رفع بآيات المواريث وتقرر الندب بدليل آخر بدلا من الحكم الأول فلا مفر من القول بالنسخ ولكن المأثور عن ابن عباس أن الآية محكمة غير أن الناس تهاونوا بالعمل بها وهذا يجعلنا نرجع أن في الآية كان للندب لا للوجوب من أول الأمر حتى يتأتى القول بإحكامها فتأمل
الآية العاشرة
( 8والذين عقدت أيمانكم فئاتوهم نصيبكم ) نسخها قوله الله ( وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ) وقيل إنها على توريث الموالاة وتوريثهم باق غير أن رتبتهم في الإرث بعد رتبة ذوي الأرحام وبذلك يقول فقهاء العراق
الآية الحادية عشرة
( 8والاتى يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعه منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا والذان يأتيانها منكم فئاذوهما فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما ) فإنها منسوخة بآية النور وهي ( الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جادة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الأخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين ) وذلك بالنسبة إلى البكر رجلا كان أو امرأة أما الثيب من الجنسين فقد نسخ الحكم الأول بالنسبة إليهما وأبدل بالرجم الذي دلت عليه تلك الآية المنسوخة التلاوة وهي الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة دلت عليه السنة أيضا
وبعضهم يقول بالإحكام وعدم النسخ ذاهبا إلى أن الآية الأولى جاءت فيمن أتين مواضع الريب والفسوق ولم يتحقق زناهن أما الثانية فإنها فيمن تحقق زناهن ولكن هذا مردود من وجهين أحدهما أنه تأويل يصادم الظاهر بدون دليل لأن قوله : يأتين الفاحشة يتبادر منه مقارفتهن نفس الفاحشة لا مجرد غشيان مكانها والأخذ بأسبابها والآخر قوله صلى الله عليه وسلم خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب جلد مائة والرجم
أولي القربى واليتامى والمساكين الحاضرين لقسمة التركة شيئا منها وهذا الحكم باق على وجه الندب ما دام المذكورون غير وارثين ولا تعارض ولا نسخ
نعم لو كان حكم إعطاء هؤلاء هو الوجوب ثم رفع بآيات المواريث وتقرر الندب بدليل آخر بدلا من الحكم الأول فلا مفر من القول بالنسخ ولكن المأثور عن ابن عباس أن الآية محكمة غير أن الناس تهاونوا بالعمل بها وهذا يجعلنا نرجح أن في الأمر الآية كان للندب لا للوجوب من أول الأمر حتى يتأتى القول بإحكامها فتأمل
الآية العاشرة
: والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم نسخها قوله الله ( وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ) وقيل إنها غير منسوخة لأنها تدل على توريث الموالاة وتوريثهم باق غير أن رتبتهم في الإرث بعد رتبة ذوي الأرحام وبذلك يقول فقهاء العراق
الآية الحادية عشرة
: واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا واللذان يأتيانها منكم فآذوهما فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما فإنها منسوخة بآية النور وهي : الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين وذلك بالنسبة إلى البكر رجلا كان أو امرأة أما الثيب من الجنسين فقد نسخ الحكم الأول بالنسبة إليهما وأبدل بالرجم الذي دلت عليه تلك الآية المنسوخة التلاوة وهي الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة دلت عليه السنة أيضا
وبعضهم يقول بالإحكام وعدم النسخ ذاهبا إلى أن الآية الأولى جاءت فيمن أتين مواضع الريب والفسوق ولم يتحقق زناهن أما الثانية فإنها فيمن تحقق زناهن ولكن هذا مردود من وجهين أحدهما أنه تأويل يصادم الظاهر بدون دليل لأن قوله : يأتين الفاحشة يتبادر منه مقارفتهن نفس الفاحشة لا مجرد غشيان مكانها والأخذ بأسبابها والآخر قوله صلى الله عليه وسلم خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة والرجم

الآية الثانية عشرة
: يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام قيل إن قوله : ولا الشهر الحرام منسوخ بمقتضى عموم قوله : وقاتلوا المشركين كافة وقد سبق القول في هذا فالحق عدم النسخ
الآية الثالثة عشرة : فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم فإنها منسوخة بقوله : وأن احكم بينهم بما أنزل الله وقد قيل بعدم النسخ وأن الآية الثانية متممة للأولى فالرسول مخير بمقتضى الآية الأولى بين أن يحكم بينهم وأن يعرض عنهم وإذا اختار أن يحكم بينهم وجب أن يحكم بما أنزل الله بمقتضى الآية الثانية وهذا ما نرجحه لأن النسخ لا يصح إلا حيث تعذر الجمع
الآية الرابعة عشرة
: يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم فإن قوله : أو آخران من غيركم منسوخ بقوله : وأشهدوا ذوي عدل منكم وقيل إنه لا نسخ لأن الآية الأولى خاصة بما إذا نزل الموت بأحد المسافرين وأراد أن يوصي فإن الوصية تثبت بشهادة اثنين عدلين من المسلمين أو غيرهم توسعة على المسافرين لأن ظرف السفر ظروف دقيقة قد يتعسر أو يتعذر وجود عدلين من المسلمين فيها فلو لم يبح الشارع إشهاد غير المسلمين لضاق الأمر وربما ضاعت الوصية أما الآية الثانية فهي القاعدة العامة في غير ظروف السفر
الآية الخامسة عشرة
: إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون فإنها منسوخة بقوله سبحانه : الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين ووجه النسخ أن الآية الأولى أفادت وجوب ثبات الواحد للعشرة وأن الثانية أفادت وجوب ثبات الواحد للاثنين وهما حكمان متعارضان فتكون الثانية ناسخة للأولى وقيل لا تعارض بين الآيتين ولا نسخ لأن الثانية لم ترفع الحكم الأول بداهة أنه لم يقل فيها لا يقاتل الواحد العشرة إذا قدر
على ذلك بل هي مخففة فحسب على معنى أن المجاهد إن قدر على قتال العشرة فله الخيار رخصة من الله له بعد أن اعتز المسلمون ولكنك ترى أن النسخ على هذا الوجه لا مفر منه أيضا لأن الآية الأولى عينت على المجاهد أن يثبت لعشرة والثانية خيرته بين الثبات لعشرة وعدم الثبات لأكثر من اثنين ولا ريب أن التخيير يعارض الإلزام على وجه التعيين
الآية السادسة عشرة
: انفروا خفافا وثقالا فإنها نسخت بآيات العذر وهي قوله : ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله وقوله : وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون وقيل إن الآية الأخيرة في النفر للتعليم والتفقه لا للحرب والآيتان قبلها مخصصتان لا ناسختان للآية الأولى كأنه قال من أول الأمر لينفر منكم خفافا وثقالا كل من احتيج إليه وهو قادر لا عذر له
الآية السابعة عشرة
: الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك فإنها منسوخة بقوله سبحانه : وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم لأن الآية خبر بمعنى النهي بدليل قراءة : لا ينكح بالجزم والقراءات يفسر بعضها بعضا وقيل بعدم النسخ تفسير للآية الأولى بأن الزاني المعروف بالزنى لا يستطيع أن ينكح إلا زانية أو مشركة لنفور المحصنات المؤمنات من زواجه وكذلك المرأة المعروفة بالزنى لا يرغب في نكاحها إلا زان أو مشرك لنفور المؤمنين الصالحين من زواجها والحق أن الآية منسوخة لأنها خبر بمعنى النهي كما سبق ولأن الأمر بالنسبة للمشرك والمشركة لا يستقيم إلا مع القول بالنسخ
الآية الثامنة عشرة
: يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلاة العشاء قيل إن هذه الآية منسوخة لكن لا دليل على نسخها فالحق أنها محكمة وهي أدب عظيم يلزم الخدم والصغار البعد عن مواطن كشف العورات حماية للأعراض من الانتهاك وحفظا للأنظار أن ترى ما لا تليق رؤيته في أوقات التبذل

الآية التاسعة عشرة
: لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج نسخها قول الله : يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي هاجرن معك وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين
واعلم أن هذا النسخ لا يستقيم إلا على أن هذه الآية متأخرة في النزول عن الآية الأولى وأن الله قد أحل للرسول في آخر حياته ما كان قد حرمه عليه من قبل في قوله : لا يحل لك النساء من بعد الخ
وذلك مروي عن علي كرم الله وجهه وعن ابن عباس رضي الله عنه وعن أم سلمة رضوان الله عليها وعن الضحاك رحمه الله وعن الصديقة بنت الصديق رضي الله عنهما أخرج أبو داود في ناسخه والترمذي وصححه والنسائي والحاكم وصححه أيضا وابن المنذر وغيرهم عن عائشة رضي الله عنها قالت لم يمت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحل الله تعالى له أن يتزوج من النساء إلا ذات محرم الخ
والسر في أن الله حرم على الرسول أولا ما عدا أزواجه ثم أحل له ما حرمه عليهن هو أن التحريم الأول فيه تطبيب لقلوب نسائه ومكافأة لهن على اختيارهن الله ورسوله والدار الآخرة بعد أن نزلت آيات التخيير في القرآن ثم إن إحلال هذا الذي حرم على رسوله مع عدم زواج الرسول من غيرهن بعد هذا الإحلال كما ثبت ذلك فيه بيان لفضله صلى الله عليه وسلم ومكرمته عليهن حيث قصر نفسه ولم يتزوج بغيرهن مع إباحة الله له ذلك
وقد جاءت روايات أخرى في هذا الموضوع تخالف ما ذكرناه لكن لم يثبت لدينا صحة شيء منها ولهذا رجحنا ما بسطناه ولا يعكر صفو القول بالنسخ هنا ما نلاحظه من تأخر الآية المنسوخة عن الناسخة في المصحف لأن المدار على ترتيب النزول لا على ترتيب المصحف كما تعلم
الآية العشرون
: يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة ذلك خير فإنها نسخت بقوله سبحانه عقب تلك الآية ( ءأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الله ورسوله )
قيل لا نسخ بحجة أن الآية الثانية بيان للصدقة المأمور بها في الأولى وأنه يصح أن تكون صدقة غير مالية من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة الله ورسوله وأنت خبير بأن هذا ضرب من التكلف في التأويل يأباه ما هو معروف من معنى الصدقة حتى أصبح لفظها حقيقة عرفية في البذل المالي وحده وقيل إن وجوب تقديم الصدقة إنما زال بزوال سببه وهو تمييز المنافق من غيره وهذا مردود بأن كل حكم منسوخ فإنما نسخه الله لحكمة من نحو مصلحة أو سبب كان يرتبط به الحكم الأول ثم زالت تلك المصلحة أو ذلك السبب
الآية الحادية والعشرون
: وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا قيل نسختها آية الغنيمة وهي قوله سبحانه ( واعملوا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسة وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ) وبيان ذلك أن الآية الأولى تفيد أن زوجات المسلمين اللاتي ارتددن ولحقن بدار الحرب يجب أن يدفع إلى أزواجهن مثل مهورهن من الغنائم التي يغنمها المسلمون ويعاقبون العدو بأخذها والآية الثانية تفيد أن الغنائم تخمس أخماسا ثم تصرف كما رسم الشارع ولكنك بالتأمل تستظهر معنا أنه لا نسخ لأن الآيتين لا تتعارضان بل يمكن الجمع بينهما بأن يدفع من الغنائم أولا مثل مهور هذه الزوجات المرتدات اللاحقات بدار الحرب ثم تخمس الغنائم بعد ذلك أخماسا وتصرف في مصارفها الشرعية
الآية الثانية والعشرون
: يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا نصفه أو انقص منه قليلا أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا فإنها منسوخة بقوله سبحانه في آخر هذه السورة : إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك والله يقدر الليل والنهار علم أن لن تحصوه فتاب عليكم فاقرؤوا ما تيسر من القرآن الخ وبيان ذلك أن الآية الأولى أفادت وجوب قيامه صلى الله عليه وسلم من الليل نصفه أو أنقص منه قليلا أو أزيد عليه أما الثانية فقد أفادت أن الله تاب على النبي وأصحابه في هذا بأن رخص لهم في ترك هذا القيام المقدر ورفع عنهم كل تبعة في ذلك الترك كما رفع التبعات عن المذنبين بالتوبة إذا تابوا
ولا ريب أن هذا الحكم الثاني رافع للحكم الأول فتعين النسخ
وقد قيل في تفسير هذه الآيات كلام كثير لا نرى حاجة إلى ذكره والله يكفينا كثرة القيل والقال ويتوب علينا من النزاع والخلاف ويجمع صفوفنا على دينه وحبه آمين وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين
رد مع اقتباس
  #15  
قديم 2011-01-12, 04:34 PM
مجاهد مجاهد غير متواجد حالياً
عضو فعال
 
تاريخ التسجيل: 2007-07-23
المشاركات: 235
مجاهد
افتراضي

انتهى النقل عن الكتاب ، جزى الله الشيخ خير الجزاء.
رد مع اقتباس
إضافة رد


المواضيع المتشابهه للموضوع: الناسخ والمنسوخ : من كتاب مناهل العرفان فى علوم القرآن للشيخ عبد الرحيم الزرقانى
الموضوع كاتب الموضوع الأقسام الرئيسية مشاركات المشاركة الاخيرة
الدياثة والاستخناث الامامي الاثنى عشري الشيعي عبد الرزاق محسن مشرف موقع شيعة الدياثة العالمية مثال ابو هديل الشيعة والروافض 3 2020-04-24 10:00 PM
لماذا نظر الله ابليس الى يوم يبعثون شيعي يقول بأن النبي النبي محمد ص زير نساء ودين الأئمة قذر نجس ابو هديل الشيعة والروافض 0 2019-12-25 05:20 AM
أكذوبة الامامية الاثنى عشرية أحد فرق الشيعة الصحابة الاصحاب المنتجبين ابو هديل الشيعة والروافض 3 2019-11-15 04:20 AM
أبرز علماء الإسلام معاوية فهمي السير والتاريخ وتراجم الأعلام 0 2019-11-13 01:54 PM
هل تعلم أن مقولة من هم حواري الرسول الأعظم ومن هم حواري علي بن ابي طالب أكذوبة ابو هديل الشيعة والروافض 0 2019-10-27 12:15 AM

*** مواقع صديقة ***
للإعلان هنا تواصل معنا > واتساب
امراض جلدية ||| احبار طابعات اتش بي ||| نقل عفش ||| كاميرات مراقبة ||| راس السنة في اسطنبول ||| شركة عزل اسطح بجازان ||| شركة تنظيف بالباحة ||| العسل الملكي ||| شركة رش مبيدات بالرياض ||| شركة تنظيف بالاحساء ||| شركة عزل اسطح بجدة ||| umrah badal عمرة البدل ||| panel ||| نقل عفش ||| كاميرات مراقبة ||| بيع متابعين ||| محامي ||| اس اف موفيز l مشاهدة الافلام مباشرة ||| نشر سناب ||| شاليهات شرق الرياض ||| تفاصيل ||| خدماتي

محامي في الرياض ||| محامي بالرياض ||| محامي في الرياض ||| موثق ||| محامي في جدة ||| محامي في جدة ||| محامي السعودية ||| محامي في عمان الاردن

كود خصم سيارة اونلاين ||| كود خصم بات بات اطفال ||| كوبون خصم

خدمة تعقيم المنزل من كورونا ||| مكافحة الحشرات والقوارض ||| مكافحة الصراصير في المنزل

نشر سناب ، اضافات سناب ، متابعين سناب ، سنابي | | | نشر سناب

الحوار العربي ||| منتديات شباب الأمة ||| وادي العرب

كوبون خصم | حياة المصريين | الأذكار | موقع المرأة العربية
تطوير موقع الموقع لخدمات المواقع الإلكترونية
Powered by vBulletin Copyright ©2000 - 2021 Jelsoft Enterprises Ltd
أنصار السنة | منتدى أنصار السنة | أنصار السنة المحمدية | جماعة أنصار السنة المحمدية | جماعة أنصار السنة | فكر أنصار السنة | فكر جماعة أنصار السنة | منهج أنصار السنة | منهج جماعة أنصار السنة | جمعية أنصار السنة | جمعية أنصار السنة المحمدية | الفرق بين أنصار السنة والسلفية | الفرق بين أنصار السنة والوهابية | نشأة جماعة أنصار السنة | تاريخ جماعة أنصار السنة | شبكة أنصار السنة | انصار السنة | منتدى انصار السنة | انصار السنة المحمدية | جماعة انصار السنة المحمدية | جماعة انصار السنة | فكر انصار السنة | فكر جماعة انصار السنة | منهج انصار السنة | منهج جماعة انصار السنة | جمعية انصار السنة | جمعية انصار السنة المحمدية | الفرق بين انصار السنة والسلفية | الفرق بين انصار السنة والوهابية | نشاة جماعة انصار السنة | تاريخ جماعة انصار السنة | شبكة انصار السنة | انصار السنه | منتدى انصار السنه | انصار السنه المحمديه | جماعه انصار السنه المحمديه | جماعه انصار السنه | فكر انصار السنه | فكر جماعه انصار السنه | منهج انصار السنه | منهج جماعه انصار السنه | جمعيه انصار السنه | جمعيه انصار السنه المحمديه | الفرق بين انصار السنه والسلفيه | الفرق بين انصار السنه والوهابيه | نشاه جماعه انصار السنه | تاريخ جماعه انصار السنه | شبكه انصار السنه |