إلى من حاول اختراق عضوية المراقب العام: "حسبنا الله ونعم الوكيل" أنا خصيمك عند الله تعالى يوم القيامة

            ="الأذكار           

مكتبة دار الزمان

*** مواقع صديقة ***
للتواصل > هنـــــــــــا
السنة النبوية | كوبون خصم | حياة المصريين | الأذكار | موقع المرأة العربية | رحيق | أولاد مصر
 
العودة أنصار السنة > القسم العام > حوارات عامة
 
*** مواقع صديقة ***
شارب شوتر ||| Dream League 2022 ||| المتجر الرقمي ||| شدات ببجي ||| مقالات ، مقالات منوعة ، مقالات علمية ||| شركة نقل عفش بالقطيف ||| الربح من الانترنت للمبتدئين ||| ستور بلايستيشن ||| افضل موقع لاختصار الروابط ||| جنة العطور ||| قصر العطور ||| لغز

*** مواقع صديقة ***
عبدالعزيز الحويل للعود ||| شاليهات جلنار الرياض ||| Learn Quran Online ||| الاستثمار في تركيا ||| ليزر ملاي منزلي ||| نقل عفش الكويت ||| منتجات السنة النبوية ||| منتجات السنة النبوية ||| ما رأيكم ||| شركة نقل اثاث بالخبر


« صولة الطاعة والكبر والعجب بالطاعة | التفكير بالنص السياسي (دراسة أكاديمية) | شارك فى حملة التبرع بالمصاحف لأخواننا فى دولة السودان »

إضافة رد

أدوات الموضوع
  #1  
غير مقروء 2017-07-12, 02:13 PM
محمد محمد البقاش محمد محمد البقاش غير متواجد حالياً
عضو مطرود من المنتدى
 
تاريخ التسجيل: 2012-01-09
المكان: طنجة ـ المغرب.
المشاركات: 90
محمد محمد البقاش
افتراضي التفكير بالنص السياسي (دراسة أكاديمية)

التفكير بالنص السياسي
(دراسة أكاديمية)

التفكير بالنص السياسي يختلف كل الاختلاف عن التفكير بأي نص آخر، فهو يختلف عن التفكير بالنص التشريعي ولو أن هذا الأخير من نوعه. ووجه الاختلاف بينهما أن التفكير التشريعي إنما يكون لمعالجة مشاكل الناس، بينما التفكير السياسي يكون لرعاية شؤونهم. هذا هو وجه الاختلاف. أما مقارنة التفكير السياسي بالتفكير الأدبي فإنها ممتنعة تماما لأنه يتناقض معه كل المناقضة وكما سبقت الإشارة، فإن التفكير الأدبي يعنى بالألفاظ والتراكيب من جهة اللذة والنشوة بهما، ثم هو ـ أي التفكير الأدبي ـ يهتم بالطرب للمعاني وهي في قوالب لفظية تساق بالأسلوب الأدبي. أما بالنسبة للتفكير الفكري فإن فيه تفصيل. فإذا كان التفكير السياسي يتعلق بنصوص الأبحاث السياسية، والعلوم السياسية، أي كان التفكير تفكيرا بهذه الأمور، فإن التفكير السياسي والتفكير الفكري متشابهان إلى حد كبير، لأنها يكادان يكونان نوعا واحدا إن لم يكن كذلك، إلا أن التفكير الفكري كما سبقت الإشارة إليه يشترط فيه أن تكون المعلومات السابقة في مستوى الفكر الذي يبحث حتى وإن لم تكن من نوعه، ولكن يجب أن تكون على الأقل متعلقة به. أما التفكير السياسي، فإنه وإن احتاج إلى معلومات سابقة في مستوى الفكر، ولكن يحتاج بالإضافة إلى معلومات سابقة في نفس الموضوع، ولا يكفي أن تكون متعلقة به، أو مشابهة له، أو مما تصلح لتفسير التفكير. ولذلك فإن التفكير بالنصوص السياسية ـ أي التفكير بالعلوم السياسية والأبحاث السياسية ـ هو من نوع التفكير بالنصوص الفكرية. هذا فيما يتعلق بالتفكير بالعلوم السياسية والأبحاث السياسية. أما ما يتعلق بالتفكير السياسي الحق، والتفكير السياسي ذاته، فإنه هو التفكير بالوقائع والأخبار، هو التفكير بالثوابت المتغيرة، والمتغيرات الثابتة، وربطا للحوادث. وهذه الجوانب فيه حتمت خلافه مع جميع أنواع التفكير الأخرى واختلافه عليها بحيث لا تنطبق عليه ولا قاعدة واحدة من قواعده، بل لا تكاد تربطه قاعدة، وحتمت جعله من أرقى أنواع التفكير، ومن أصعبها ممارسة في بادئ الأمر. ولإدراك ارتفاعه على غيره من أنواع التفكير المذكورة وغير المذكورة كالتفكير بالنصوص العلمية ـ أي التفكير العلمي ـ يجدر بنا أن ننظر إلى الأشياء والحوادث، وإلى كل نوع من أنواع التفكير لأنه تفكير بها جميعها، وبهذا كان أعلاها وأرقاها جميعا. وقد يقول قائل إذا كان التفكير السياسي تفكيرا بجميع أنواع التفكير، إذا كان الواعي سياسيا لا بد له من زاوية ينظر من خلالها، ولا بد لنظرته من أن تكون شاملة، فإن الزاوية التي يرتكز عليها المفكر في نظره إلى العالم هي أرقى أنواع التفكير، وليس هو. والجواب على ذلك أن الزاوية هي القاعدة الفكرية. وهذه القاعدة هي التي تبنى عليها الأفكار، وتنبثق عنها المعالجات، فصحّ أن تكون أعلى أنواع التفكير. هذا صحيح، ولكن القاعدة الفكرية إن لم تكن قاعدة سياسية، فلن تكون فكرا سياسيا، ولا يكون ما يصدر عنها فكرا إرعائيا ـ من الرعاية ـ أي لا يكون فكرا سياسيا، فوجب أن تكون طبيعتها طبيعة سياسية، أي أن تكون القاعدة الفكرية فكرة سياسية، فهي فكر سياسي والتفكير بها هو التفكير السياسي لأن هذا هو الشرط لصحتها، وما لم تكن صحيحة، لا تكون سياسية، وما لم تكن سياسية، لا تكون صحيحة، ولا تصلح أن تكون قاعدة. فالعقيدة الإسلامية مثلا قاعدة فكرية لأن المعالجات تنبثق عنها، والأفكار تبنى عليها، ولكنها بالإضافة إلى ذلك تهتم بالعالم، وترعى شؤونه، فكانت بهذه المسؤولية والرعاية فكرة سياسية، فهي أعلى أنواع الفكر، والتفكير بها أعلى أنواع التفكير على الإطلاق، فلا توجد قاعدة تشبهها، أو حتى في مستواها من المسؤولية عن العالم من حيث خدمته والارتقاء به وقيادته نحو الكمال، فقولنا أن التفكير السياسي هو أعلى أنواع التفكير لا يُخرج القاعدة الفكرية من دائرة البحث، بل يشملها خصوصا التي تصلح أن تكون قاعدة، وبالأخص التي يجب أن تكون قاعدة سياسية وهي العقيدة الإسلامية ما دامت فعلا فكرا سياسيا وتفكيرا سياسيا وقاعدة سياسية لأن هذه هي طبيعتها وهي حقيقتها.
وكون التفكير السياسي أصعب أنواع التفكير، فإنه قد تأتّى بعدم وجود قاعدة له يُبنى عليها ويقاس عليها. وإذا كان هذا هو شأنه، فالوقوع في الحيرة من قبل المفكر السياسي حتمي لأنه لابد وأن يحيره. والوقوع في الأخطاء الكثيرة عند بداية التفكير لابد منه أيضا، فهو يعرّض المفكر السياسي أول أمره إلى كثرة الأخطاء. وصيرورته ضحية أوهام وأخطاء لابد منه كذلك، فهو واقع لا محالة أن يصير فريسة للأوهام والأخطاء. وما لم يخضع للتجربة السياسية، أو يمر بها، وما لم يدم يقظته وتتبّعه لجميع الأحداث الواقعة يوميا، فإنه يصعب عليه أن يكون سياسيا أو أن يتمكن من التفكير السياسي. هنا تكمن الصعوبة، ولذلك فإن التفكير السياسي غير التفكير بالعلوم السياسية والأبحاث السياسية، أي أن التفكير بالوقائع والأحداث والمتغيرات الثابتة والثوابت المتغيرة هو الذي يبرز وجه التمييز عن جميع الأنواع الأخرى من التفكير، فكان أن تميز عنها جميعها وامتاز عليها امتيازا ظاهرا.
فالتفكير بالنص السياسي وإن شمل التفكير بنصوص الأبحاث السياسية والعلوم السياسية، ولكنه هو التفكير السياسي الحق، لأن التفكير السياسي الحق ليس تفكيرا بنصوص الأبحاث السياسية ونصوص العلوم السياسية، بل هو التفكير بنصوص الوقائع والأخبار. فصياغة نص الخبر هو المعتبر نصا سياسيا حقا لأن نصوص الأخبار والوقائع من حيث صياغتها؛ هي النصوص السياسية مادامت ليست نصوصا للعلوم السياسية والأبحاث السياسية.
وإذا كنا نريد التفكير السياسي، فما علينا إلا التفكير بنصوص الأخبار، والكيفية التي صيغت بها من حيث فهمها، أي فهم صياغة الأخبار لأن هذا هو المعتبر تفكيرا سياسيا، وهو بداهة ليس تفكيرا بالعلوم السياسية والأبحاث السياسية، لأن التفكير بالعلوم السياسية والأبحاث السياسية يعطي معلومات شأنه في ذلك كشأن التفكير بالنصوص الفكرية، كما أنه ينتج فكرا عميقا، وينتج فكرا مستنيرا، أو يعطي أحدهما، ولكنه مع ذلك لا يجعلنا بصفتنا هذه مفكرين سياسيين، أي لا يجعل المفكر سياسيا، وإنما يجعلنا علماء بالسياسة، أي علماء بالعلوم السياسية والأبحاث السياسية، وإذا نحن صرنا على هذه الحالة، جاز في حقنا أن نكون معلمين أو أساتذة نعلم الناس العلوم السياسية والأبحاث السياسية، ولكنه بالتأكيد لا نصلح أن نكون سياسيين، لأن السياسي هو الذي يفهم الأخبار والوقائع ومدلولاتها، ثم يصل إلى المعرفة التي تمكنه من العمل بصرف النظر عن إلمامه بالأبحاث السياسية والعلوم السياسية أو غياب هذا الإلمام، غير أن الأبحاث السياسية والعلوم السياسية لا تخلو من أهمية، لأنها تساعد على فهم الوقائع والأخبار، ولكنها في مساعدتها هذه إنما تقف عند حد معين لا تتجاوز المساعدة في جلب نوعية المعلومات عند الربط، ولاشيء غير ذلك، ولذلك لا تعتبر شرطا من شروط التفكير السياسي.
ومما يؤسف له أنه منذ وجود فكرة فصل الدين عن الدولة، وطغى موضوع الحل الوسط على أصحاب الفكرة انفردت أوروبا وأمريكا ـ الغرب ـ بإصدار الكتب والمؤلفات في الأبحاث السياسية والعلوم السياسية على أساس نفس الفكرة، وعلى أساس الحل الوسط، وعلى أساس الشكليات التي تعطي الحل الوسط، أي تعطي الفكر الوسط الذي وجد للتوفيق والمصالحة.
وحين ظهرت الفكرة الشيوعية كمبدأ واعتنقتها روسيا الشيوعية كان من المفروض أن تظهر أبحاث سياسية على أساس فكر ثابت، إلا أن الذي حصل غير ذلك؛ حيث ظلت روسيا ملحقة بالغرب، سائرة نحو الحل الوسط بخطى خجولة تتفاوت نسبتها من حاكم إلى آخر حتى مجيء غورباتشوف، فسارت في نفس الطريق المسلوك من قبل الغرب في علومها السياسية وأبحاثها السياسية مع اختلاف في الشكل لا في المضمون. وبذلك يمكن القول بأن الأبحاث السياسية والعلوم السياسية التي خرجت حتى الآن أبحاث سياسية لا يطمئن العقل إلى صحتها، وعلوم سياسية أشبه بما يسمونه ـ علم النفس ـ تبنى على التخمين والحدس فوق كون أساسها هو الحل الوسط. لذلك فإنه بمجرد جريان التفكير في نصوص هذه الأبحاث والعلوم ابتداء، وجب أن يكون المفكر فيها يقظا حذرا، يقظا على الأفكار، حذرا من الانزلاق مع أخطائها لتضمُّنها أفكارا مخالفة للواقع، وبحوثا غاية في السخافة فضلا عن الأخطاء. فلابد أثناء قراءتها ودراستها من اليقظة والحذر.
ولا بأس من التعرض لبعض النماذج من الأفكار التي تضمنتها البحوث السياسية لدى الغرب. فقد زعم الغرب أن القيادة جماعية وهي متمثلة في مجلس الوزراء. وحين أخذها الشرق أعطاها شكلا آخر وزعم أنها جماعية أيضا. وإذا قلنا أن هذا مبني على الحل الوسط ومخالف للواقع وجب تبيان ذلك فكان ما يلي : إن أوروبا لمدة قرون عديدة خاصة قبل الثورة الفرنسية كان فيها ملوك مستبدون، وكانوا أفرادا فضج الناس من استبدادهم وصاروا يبحثون عن سبب هذا الاستبداد فوقفوا عليه في فردية القيادة فكانت النتيجة الحتمية أن يعتبروا سبب غياب الاستبداد كامن في القيادة الجماعية فقالوا إن القيادة للشعب لا للفرد حتى قيل بالشعب ومن الشعب وإلى الشعب، وجعلوها في مجلس يرقى عن سائر المجالس وهو مجلس الوزراء. وهذا مخالف للواقع. فهل كان في يوم من الأيام مجلس الوزراء منتخبا من الشعب؟ وهل كان مجلس الوزراء يتولى القيادة في يوم ما؟ بل هل كان الشعب هو مجلس الوزراء؟ بالطبع لا ! فمجلس الوزراء ليس هو الشعب ولا منتخبا من الشعب. وقيادة الوزراء ليست إلا لرئيس الوزراء هو الذي يتولى القيادة، وبه يظهر جليا أن القيادة ليست للشعب ولا للفرد بل لرئيس الوزراء ومجلس الوزراء. فهذا النظام جاء بالحل الوسط فكان هو نفسه حلا وسطا بين أن تكون القيادة للشعب، وبين أن تكون للفرد، وبه يظهر جليا أن القيادة عندهم لم تحل عندهم لم تحل بعد، لأن ما زعموه ليس حلا لموضوع القيادة بل هو لإرضاء الفريقين أو هو مراضاة لهما، بالإضافة أن واقع سير القيادة في سائر النظم الديموقراطية ظل فرديا. فالقيادة في واقع أمرها إما أن يتولاها رئيس الدولة كرئيس الدولة كرئيس الجمهورية مثلا أو يباشرها رئيس الوزراء نفسه. لذلك كان واقعها فرديا ليس غير لأن طبيعتها الفردية ولأن هذا هو الذي يوجد النظام والانتظام فلا يمكن أن تكون جماعية في سائر الأحوال حتى ولو سميت جماعية لأنه يكون اسما على غير مسمى. وإذا وجد الحرص والإرادة في أن تكون جماعية وجعلت جماعية فإن سير الحكم نفسه يحوّلها إلى قيادة فردية لأنها لاتكون إلا فردية حتى لدى القطيع من الحيوانات في الغابة.
والنموذج الثاني من الأفكار التي تضمنتها البحوث السياسية لدى الغرب موضوع السيادة. فقد جعلت في الشعب. فالشعب هو المشرّع. وهو المالك للارادة والتنفيذ. فهو الذي يحكم. هذا هو زعمهم. وعند النظر إلى الواقع من حيث انطباق الفكر عليه لابد لنا من فقد ذلك لأنه مخالف للواقع. وهو نفسه كسابقه حل وسط إذ بني على الحل الوسط. وقد توصل الغرب إلى هذا الزعم من خلال وقائع وأحداث سياية تاريخية. فقد كان الملوك المستبدون يملكون الارادة، ويشرعون ويقررون ويحكمون. فضج الناس من استبدادهم، وشرعوا يبحثون عن سبب الاستبداد فوجوده في تملك الارادة والحكم والتشريع والتقرير الفردي. واعتبروا سبب غياب الاستبداد متأتيا في نزع ما ذكر من الملوك فنتج عن قولهم، أن السيادة للشعب، والشعب هو الذي يجب أن يشرع، وهو الذي يجب أن يحكم. وحين انطلقوا لإخراج هذا إلى حيز الوجود جعلوا للتشريع مجلسا منتخبا من الشعب ونظروا إلى التنفيذ فاستقر رأيهم أن يكون لمجلس الوزراء ورئيس الوزراء، أو لرئيس الدولة. هذا ما وجد عندهم ولو يزل. وعند النظر إلى واقع هذا الأمر نجد أنه حل وسط. وكونه حلا وسطا تأتى بإدراك أن مجلس النواب
وإن كان منتخبا من الشعب بقطع النظر عن حقيقة التمثيل لا يشرع وإنما الذي يشرع هو الحاكم وليس الشعب، وأن الذي يحكم هو رئيس الجمهورية أو مجلس الوزراء في شخص رئيسه سواء أطلق عليه اسم الوزير الأول رئيس الوزراء أو المستشار أو ما شاكل ذلك من الأسماء، ثم إنه حتى وإن كان الحاكم منتخبا من الشعب أو وافق عليه ممثلوا الشعب فإن هذا يعني أن الشعب هو الذي يحكم لأنه لا يظهر فيه شيء من هذا القبيل وإنما الظاهر والموجود فقط هو أن الشعب يختار الحاكم بصرف النظر عن واقع الأخبار_ الانتخابات_ فكان هذا حلا وسطا، زد على ذلك عنصر التصريحات التي يطلقونها عن القانون من حيث وجوب جعله هو القائد لأن الحكم الصالح في نظرهم هو ما ساده القانون أي كانت السيادة فيه للقانون، فكان نظامهم هذا حلا وسطا ومغالطة للنفس توقع في الشراك. فصحيح أن واقع الحكم الصالح هو ما كانت السيادة فيه للقانون بصرف النظر عن مصدره سواء كان من الكمال المطلق_ الله تعالى_ أو من الإنسان العاجز الناقص المحدود المحتاج، ولكن هذا وإن ورد عندهم قولا إلا أنه يفتقد للواقع فعلا لأن واقع الحكم غير هذا، فهو_ أي الحكم الصالح_ أن يختار الشعب أو الأمة حاكمها بالاضافة أن تكون السيادة فيه للقانون. فلا سيادة للأمة ولا سيادة للشعب مطلقا، ثم لا حكم للأمة ولا حكم للشعب في جميع الحالات وعند جميع الأجناس وعبر سائر العصور وفي واقع الحياة وفي المستقبل أيضا لأن واقعه_ أي واقع الحكم للشعب لن يكون واقعا حتى يمكن أن تنطبق عليه هذه الفكرة لأن طبيعة الحكم تحول دون ذلك، تحول دون وجود السيادة للأمة أو للشعب وهذا وصف لواقع وليس ادعاء ولا تقع فيه المغالطة إلا لقصيري النظر. والنموذج الثالث من الأفكار التي تضمنتها البحوث السياسية الغربية موضوع الحكم. فعندهم أن الحكم شيء وما يتعلق بالدين والعاطفة شيء آخر. فالأمور الدينية والأمور العاطفية لا علاقة للحكم بها. هذا ما يظهر لأول وهلة لأصحاب السطحية من التفكير. ففي الغرب سلطتان. سلطة للدولة وسلطة للكنيسة، وهذه غير تلك، ثم إن الأعمال العاطفية من فعل الخيرات ومواساة الجرحى والعطف على الفقراء وما شاكل ذلك لا علاقة للدولة فيها، وهذا يتضمن ما يؤكد بناءه على الحل الوسط وعلى فكرة فصل الدين عن الدولة، وفيه مايدل على مخالفته للواقع. ولإدراك هذه المخالفة للواقع نأخذ الملوك المستبدين. فقد كانوا يتدخلون في شؤون الكنيسة ويتحكمون فيها، وكانوا لا يهتمون بالضعاف، فلا يقومون بمواساة الناس من فقراء ومرضى وجرحى ونحوهم، فضج الناس كما ضجوا لما سبق ذكره فجاء الحل في فصل الدولة عن الكنيسة، وفصل الأعمال العاطفية عن الدولة، فكان حلهم هذا حلا وسطا. وكنتيجة نشأت عندهم كذلك الجمعيات الخيرية، وجمعيات الصليب الأحمر، وجمعيات حقوق الإنسان وجمعيات البر والعطف على الحيوان وما شاكل ذلك، ولكن بما أن واقع الحكم هو رعاية الشؤون من قبل الدولة، شؤون الناس كل الناس بدون استثناء، وبما أن الأعمال العاطفية والدين من الشؤون فإن الدولة في واقع أمرها كانت تشرف على الكنائس، وظلت تشرف عليها ولا تزال ولكن بأسلو خفي، كما أنها تشرف على سائر الجمعيات ولكن بأسلوب خفي أيضا ولا أدل على هذا من تسخير الكنائس في بولاندا منذ ظهور نقابة التضامن، ولا أدل عليه كذلك من تسخير الولايات المتحدة الأمريكية لبوبس الثاني للقيام بأعمال معينة تخدم سياستها ومخططاتها خصوصا بأمريكا الاتينية. ولذلك كانت هذه النظرية مخالفة للواقع حقيقة رغم ما يظهر من وجود الفصل بين الحكم وغيره لأنه فصل لا واقع له إلا أن الحذق في تصوير ذلك أوجد وقائع دلت على وجود الفصل ولكن ذلك مغالطة.
هذه نماذج ثلاثة من الأخطاء الواقعة في الأفكار السياسية التي تضمنتها البحوث السياسية لدى الغرب. وفي عرضنا لهذه النماذج لا يعني أنها هي الأفكار الفاسدة لوحدها بل هناك مئات الأفكار الخاطئة في سائر البحوث السياسية. فالأفكار الثلاثة متعلقة بالأنظمة. بينما غيرها متعلق بالأشياء والوقائع. وللتنبيه فإنه يوجد بعض الحقائق في البحوث السياسية الغربية لايملك العقل مغالطة فيها ولكنها أو أكثرها مليء بما يخالف الواقع والحقيقة، ومليء بالمغالطات. ومن الأمثلة على ذلك حديثهم عن السياسة الاتجليزية. فهم يزعمون أنها مبنية على عناصر ثلاثة هي :
1_ علاقة إنجلترا بأمريكا. 2_ علاقة إنجلترا بأوروبا. 3_ علاقة إنجلترا بالدول التي كانت مستعمرات لها واستقلت، أو ما يسمى بالكومنويلث. هذا الزعم صحيح لأنه مطابق للواقع فهو وصف له ولا مغالطة واقعة فيه، ولكن حديثهم عن سلوك إنجلترا في المحالفات _ أي سياستها في المحالفات_ وحديثهم عن موقفها من الأعداء والأصدقاء والعملاء، ثم نظرتها لشعوب العالم وأممه حديث يحتاج إلى وقفة تأمل لأنه مخالف للواقع ومحشو بالتضليل والمغالطات وأنه جناية على الوقائع والحوادث. وليس هذا محصورا فيما ذكر بل يشمل حديثهم عن أي دولة من الدول سواء كانت دولة غربية أم غير ذلك، وكذلك حديثهم عن الماضي، أي الحديث عن الأمور التاريخية الماضية بالاضافة لحديثهم عما يجري من الوقائع الواقعة والحوادث الماثلة للعيان لأن لهم من المهارة في تزييف الحقائق والتضليل السياسي ما يخفى على كثير من الناس بما فيهم الواعين والمبصرين.
ولنأخذ الخطة الدائمية التي رسمتها بريطانيا لنفسها حتى صارت هذه الخطة أصلا وقاعدة لسياستها الخارجية. فقد رسمت الخطة التي بواسطتها تكون قوية. هذه الخطة يمكن تلخيصها في جملة أمور هي : أن تسخر غيرها من الأفراد والشعوب والدول لأن تكون أداة بيدها، أو تسخرها لتسير معها في تحقيق أهدافها، أو تسخرها لتشاركها عداوتها لأعدائها، أو تسخرها لجر المغانم ودفع المغارم أو تدفعها للتورط في المشاكل التي تؤدي إلى إضعافها حتى تسير في السياسة التي تريدها بريطانيا. هذه الخطة أفرزت اهتماما جديا لدى بريطانيا بالتوازن الذي رسمته، كما أنها تقاوم كل دولة تحاول أخذ زمام المبادرة حتى تصير دولة أولى في العالـم، وتكافح الشعوب وتكافح الجماعات بل والأفراد الذين يسعون للاستقلال عن أي دولة تطمع هي بالسيطرة عليها أو تسيطر عليها فعلا، كما أنها تحول دون الانضمام إلى أي دولة يكون من آثاره مساعدته على الإخلال بالتوازن، أو يؤدي إلى تقوية دولة تعاديها هي. هذه الجوانب موجودة في السياسة الانجليزية بشكل دائمي، وسببها واقع الشعب الانجليزي وبلاده. فالشعب البريطاني شعب صغير، وبلاده صغيرة وهو بهذا غير مؤهل لأن يكون دولة كبرى من الناحية الطبيعية، وغير مؤهل لأن يكون دولة أولى في العالم ولكنه مع ذلك كان دولة أولى في العالم، وكانت دولة عظمى لا تغيب عنها الشمس كما قيل. وسبب ذلك يرجع إلى مخططاتها الناجحة، ويرجع بالدرجة الأولى إلى الميزتان الهامتان اللتان يملكهما الشعب الانجليزي وهما : الذكاء، وسعة الحيلة. وكونها كانت لا يعني أنها لن تكون مرة أخرى بل قد تصير دولة أولى دوليا رغم ضعفها الدولي ما دامت قوية واقعيا، وما دامت مؤثرة في الموقف الدولي. هذه العناصر قلما تشير إليها الدراسات نظرا لما يكتنفها من تزييف للحقائق فدراستها إذن تتطلب اليقظة والحذر حتى يمكن تجنب الوقوع في المغالطات والضلال السياسي. وأهم ما يجب مراعاته في بحث السياسة الانجليزية هو التركيز على التوازن لأنه من أولى الأولويات في سياستها الماضية والحاضرة والمستقبلية. ولا يقال هذا عن واقع السياسة الانجليزية فحسب بل يقال في سائر السياسات للدول التي كان لها تأثيره دولي أو لم يزل ولكن كل دولة حسب واقع سياستها. فواقع السياسة الامريكية ما قبل الحرب العظمى الأولى غيره بعد الحرب العظمى الثانية. ودراسة واقع السياسة الامريكية قبل الحرب العالمية الأولى يتطلب منا التركيز على أساس السياسة الأمريكية في ذلك الوقت حتى نفهم واقعها الماضي وهل لازال هو هو أم طرأ عليه تغيير وهل التغيير كلي أم جزئي؟
كانت سياسة أمريكا قبل الحرب الكونية الأولى قائمة على أساس حماية نصف الكرة الغربي من الدول الأخرى الموجودة في العالم القديم_ أوروبا_ وكان سببه انفرادها في نصف الكرة الغربي، كما أنه يرجع إلى مبدأ_ مونلرو_ وهو (( مذهب سياسي أمريكي ينسب إلى الرئيس الأمريكي الخامس جيمس مونرو (1758_1831م) يقضي برفض أي تدخل أوروبي في شؤون أمريكا السياسية، وذلك في رسالة بعث بها إلى الكونجرس بتاريخ 2\12\1823م بمناسبة تدخل روسيا وبروسيا والنسما في شؤون بعض جمهوريات أمريكا الجنوبية بعد إخماد الثورة الإسبانية_و_ يقضي... بمنع الدول الأوروبية من الاستيلاء على أرض أمريكية بالاستعمار أو الضم أو المبادلة_و_... هو سياسة أعلنتها الولايات المتحدة معتمدة في رعايتها على قوتها الفردية)) هو سياسة أعلنتها الولايات المتحدة معتمدة في رعايتها على قوتها الفردية)) هذا المبدأ وجد نتيجة للحلف المقدس أو التحالف المقدس الذي هو عبارة عن (( اتحاد كان يضم الملكيات الأوروبية بعد حروب نابليون وانتشار المبادئ الديموقراطية والجمهورية كان الهدف منه قمع الثورات التحررية التي أخذت تجتاح أوروبا وأمريكا الجنوبية ( سبتمبر 1815م )... )). هذه هي أهم عناصر البحث في واقع السياسة الأمريكية قبل الحرب الكونية الأولى. أما واقع السياسة الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية فإنه مبني على أمرين اثنين هما :
1_ حماية أمريكا والدفاع عنها من كل خطر يمكن أن يتهددها فضلا عن الذي يهددها. 2_ الاستغلال. استغلال الشعوب والأمم لصالح أمريكا. وبما أن هاتين الناحيتين تظهران في سياسة أمريكا بعد الحرب العالمية الثانية وهلم جرا يمكن القول بأن أساس سياستها هو تلك الناحيتان. فهما أساس لسياستها وخطة دائمية يتعذر إدخال تعديل عليها إن لم يستحل. ولذلك كان البحث السياسي لواقع السياسة الأمريكية يجب أن يركز فيه على هاتين الناحيتين لأنهما أساسيتان ومعمول بهما منذ نهاية الحرب العالمية الثانية خصوصا مع بداية الخمسينات من هذا القرن وبه يتضح أن سياستها قبل الحرب الأولى غيرها بعد الحرب العالمية الثانية.
وواقع السياسة الفرنسية يقوم على أساس العظمة. والعظمة هي الأساس لسياستها الخارجية. وكل شيء يمكن التخلي عنه في سياستها الخارجية ما عدا السيطرة الثقافية. لأن الفرنسيين يعتبرون أنفسهم سادة الدنيا ومعلومها وروادها في الحضارة.
وواقع السياسة الروسية لم يعد قائما على الدعوة الشيوعية، وإنما يقوم على سياسة بسط النفوذ لأنها تسعى لفرض السيطرة السياسية والاقتصادية والثقافية على البلاد الطامعة فيها لاستغلالها أو على الأصح لإيجاد نفوذ فيها لأن الاستغلال وإن كان كائنا في سياسة روسيا الخارجية إلا أنه لا يبرز كما هو الحال في الدول الاستعمارية الأخرى التي سبق ذكرها. فالبحث السياسي لواقع روسيا منذ بداية هذا القرن وهلم جرا يتطلب والواقع هذا تقسبمها إلى أربعة فصول لأنها قامت في كل فصل منها بدور يختلف عن الدور الآخر وإن كان يتشابه في سياستين معينتين في المضمون. والأدوار الثلاثة تعتبر تاريخا، وأما الدور الرابع وهو الدور الحالي فإن بحثه في الحاضر يدخل ضمن التفكير بالأخبار والوقائع غير أنه إدراجه ضمن التفكير بالعلوم السياسية والأبحاث السياسية في بعض جوانبه خصوصا بحث واقع السياسة الروسية من حيث معرفة الخطوط العريضة التي أمكن نعتها بالقواعد والأسس لسياستها الخارجية. فالدور الأول الذي مرت به سياسة روسيا، أي الدور الذي لعبته هذه السياسة ذات شقين :الشق الأول وهو المحافظة على روسيا. والشق الثاني هو التوسع في حدودها ونفوذها. والدور الثاني الذي لعبته بعد الدور الأول هو الشيوعية. فمنذ تسلم الحكم الحزب الشيوعي صارت سياسة روسيا سياسة شيوعية هدفها نشر الشيوعية في العالم وإيجاد الثورة العالمية، وبعد وفاة لينين ومجيء ستالين تغير وجه السياسة الروسية فكان إيذانا بولادة الدور الثالث فصارت سياسة روسيا في دورها الثالث سياسة روسية شيوعية تتخذ المحافظة على الدولة الروسية الأساس الوحيد للسياسة مع المحافظة على العمل للثورة العالمية ونشر الشيوعية لأنهما لا يتأتيان في نظر روسيا الستالينية إلا عن طريق روسيا، وعن طريق المحافظة عليها، فكان الواجب الواجب الذي تقضي به الفكرة الشيوعية في هذه السياسة والواجب الملقى على عاتق كل شيوعي في العالم هو المحافظة على دولة روسيا وتوسيع ونشر نفوذها. ويمكن تلخيص هذه السياسة في بعض كلمات صانعها حيث قال : ((_ستالين_ الثوري هو الشخص المستعد دون مواربة، ودون قيد أو شرط، وبكل شرف، أن يؤيد الاتحاد السوفياتي ويدافع عنه،... والدولي هو الشخص الذي لا يضع شرطا، ولا يتردد في الدفاع عن الاتحاد السوفياتي، لأنه قاعدة للحركة الثورية العالمية. ويستحيل الدفاع عن هذه الحركة، أو تقدمها، دون الدفاع عن الاتحاد السوفياتي)). والدور الرابع لسياسة الاتحاد السوفياتي هو الرجوع لسياسة روسيا القيصرية وهذا الرجوع كان سببه التحول في سياستها بعد وفاة ستالين. فقد صارت سياسة روسيا سياسة روسية بحتة تتخذ الأحزاب الشيوعية والفكرة الشيوعية أدوات ووسائل للحفاظ على روسيا ونشر النفوذ. وفي قولنا عن السياسة الروسية المعمول بها حاليا ومنذ وفاة ستالين بأنها سياسة روسية قيصرية فإننا نؤكد حقيقة ملموسة إلا أن الإشكال يمكن أن يكون في عدم إدراك الفرق بين السياستين_ أي بين سياسة روسيا القيصرية في عهد القياصرة وبين سياسة روسيا القيصرية الشيوعية_ فروسيا القيصرية كانت تقوم بأعمال سياسية وأعمال عسكرية من أجل تنفيذ سياستها، بينما روسيا الحالية_ الشيوعية_ تقوم بأعمال سياسية وأعمال عسكرية من أجل تنفيذ سياستها، بينما روسيا الحالية_ الشيوعية_ تقوم بأعمال سياسية ولكنها مغلفة بالفكرة الشيوعية، وأعمالها العسكرية لا تقوم بها بناء على متطلبات الفكرة الشيوعية بل تقوم بها وفقا لمتطلبات السياسة الدولية. إذن فروسيا القيصرية هي روسيا الشيوعية. ومن غير المتوقع أن تعود إلى السياسة الشيوعية نظرا لفقد الفكرة زخمها داخل روسيا ونظرا كذلك لظهور عوارها دوليا. فالخلاف بين سياسة روسيا القيصرية وسياسة روسيا الشيوعية_ القيصرية_ خلاف شكلي فقط لأن المضمون واحد.
هذا فيما يتعلق بالتفكير بالعلوم السياسية والأبحاث السياسية. فكان التفكير بهما لا يصح أن يكون إلا بحضور اليقظة والحذر.
وأما التفكير السياسي بالحوادث الجارية والوقائع القائمة فهو من الناحية العملية التفكير الذي يصح أن يكون تفكيرا سياسيا بما في هذه الكلمة من معنى. ويمكن حصره في خمسة أمور مجتمعة نظرا لحاجته الحتمية إليها. ويمكن القول بأنها رئيسية في التفكير السياسي بالأخبار والوقائع، ويمكن القول كذلك بأنه لا يوجد غيرها يرقى إلى مستوى كينونته رئيسيا فيها. هذه الأمور الخمسة التي يحتاج إليها التفكير السياسي ولا أعني به الآن إلا التفكير بالأخبار والوقائع أقول هذه الأمور الخمسة هي :
أولا : تتبع جميع الأخبار، أي تتبع الحوادث والوقائع التي تقع في العالم. ونظرا لاختلاف الأخبار من حيث أهميتها أو غير ذلك، ومن حيث الصدفة والقصد في الواقعة والحادثة أو في سوق الخبر عنها، ومن حيث الإسهاب أو الاختصار فإنه مع المران ومع الزمن يصبح تتبع الأخبار لا لجميع الأخبار بل لما هو لابد منه، ولابد من معرفته في حلقات المعرفة.
ثانيا : لابد من معلومات ولو كانت أولية، ولو كانت مختصرة عن كنه الحوادث والوقائع، أي لا بد من معلومات عن مدلولات الأخبار بصرف النظر عن نوعية المعلومات إذ قد تكون المعلومات التي يحتاج إليها التفكير السياسي معلومات سياسية وقد تكون معلومات فكرية أو تاريخية أو جغرافية أو تشريعية أو أدبية أو ما شاكل ذلك إذ المهم في المعلومات التي يحتاج إليها هذا التفكير هو الوصول إلى ماهية مدلولات الأخبار لأن الوقوف على واقع الحادثة أو الواقعة هو الشرط في المعلومات بقطع النظر عن نوعيتها مادامت موصلة المرء إلى أن يقف على واقع الواقعة أو الحادثة مستطيعا إدراك حقيقة الحوادث والوقائع.
ثالثا : يحتاج إلى عدم التجريد. عدم تجريد الوقائع من ظروفها، كما أنه لا يصح التعميم ولا القياس الشمولي. وهذان الأخيران هما آفة فهم الحوادث والوقائع، أي آفة فهم الأخبار ولذلك وجب أخذ الحادثة والواقعة مع ظروفها، ووجب أخذهما بظروفهما، ظروف الأخبار إلى جانب حصر الحادثة بما حصلت فيه فلا تعمم على كل حادثة تشبهها، أو تكون من مثيلاتها، ولا يقاس عليها قياسا شموليا، بل وجب أخذ الحادثة أخذا فرديا لها ثم يصدر الحكم عليها بصفتها الفردية ولا يتعدى الحكم هذه الحادثة إلى غيرها.
رابعا : لابد من تمييز الواقعة والحادثة أي لابد من تمييز الخبر بطريق التمحيص الدقيق فما لم يكن تمحيص الخبر تمحيصا تاما يحصل الضلال فيعرف مصدر الخبر ويعرف موقع وقوع الواقعة والحادثة ويعرف زمانها ويعرف الوضع الذي وجدت فيه عند حصولها كما تجب معرفة القصد من الوجود، وجود الوضع الذي حصلت فيه الحادثة والواقعة أو القصد من سوقها أو سوق الخبر عنها ثم مدى إيجاز الخبر أو الإسهاب فيه كما يجب إدراك عنصر الصدق والكذب في الخبر وباختصار يحتاج إلى كل ما يتعلق بالتمحيص لأن هذا الأخير هو الذي يعطي التمييز وبوجوده عند المفكر السياسي وعلى قدر الجهد المبذول في التمحيص يوجد التمييز، وبقدر ما يكون شاملا وعميقا بقدر ما يوجد تمييز له وبدون تمييز لايصح أخذ الحادثة والواقعة وإن أخذتا بغير هذه الشروط فإن الأخذ لها يصير عرضة لإصدار الحكم البعيد عن الصواب وبه يصبح فريسة للتضليل والأخطاء الفظيعة ولذلك فإن التمييز من العوامل الهامة في أخذ الأخبار بل مجرد سماعها.
خامسا: ربط المعلومات بالخبر. أي ربط الخبر بغيره من الأخبار. وهذا الربط حتى وإن لم يؤد إلى الصواب فإنه على الأقل يؤدي إلى الحكم الأقرب للصواب على الخبر. والأخبار متعددة ومتنوعة. فمنها الأخبار الاقتصادية ومنها الأخبار السياسية. منها أخبار دولية ومنها أخبار محلية وهكذا غير أن الخبر إن كان متعلقا بالسياسة الدولية فيجب عدم ربطه بالسياسة المحلية. وإن كان متعلقا بإنجلترا وربط بالسياسة الانجليزية مع أنه من الأمور المتعلقة بروسيا فإن الضياع حليف هذا الذي يربط بهذا الشكل. وإذا كان الخبر خبرا اقتصاديا وربط بالاقتصاد مع أنه من الأمور السياسية ولو كان خبرا اقتصاديا فعدم الفهم حليف هذا الذي يربط بهذا الشكل أيضا. فالخبر يجب أن يربط بالأخبار التي يجب أن تكون مما يربط. فإذا ربط الخبر بغير ما يجب أن يربط به فإن الخطأ يقع حتما وربما وقع التضليل والخداع والضلال. فالخبر يجب أن يربط بغيره من الأخبار ولكن يجب أن تكون أخبار مما يتعلق به حتى تؤدي إلى الفهم. وأما غيرها من الأخبار والتي لا تتعلق به فإننا إما أن تكون مساعدة على الفهم أو مسيئة إليه وخطيرة لأن ربط الخبر بما يتعلق به أمر بالغ الأهمية. ويجب أن يكون هذا الربط على الوجه الصحيح. يجب أن يكون ربطا للادراك والفهم لا أن يكون ربطا لمجرد المعرفة بل يجب أن يكون ربطا من أجل العمل لا من أجل العلم.
هذه الأمور الخمسة إذا لم تتوفر لا يتأتى التفكير السياسي لأن تحققها في التفكير السياسي، في التفكير بالنصوص السياسية، في الأخبار أمر لابد منه. ولا داعي للقول بأن تحققها أمر صعب وعير جدا ما دامت كثيرة. فعلى كثرتها ليسا صعبة أو عسيرة لأن المقصود بها ليس المعرفة الواسعة بل مجرد إلمام، زد على ذلك أنها لا تأتي دفعة واحدة بل تأتي مع الزمن بطريق التتبع الدائمي ولا تأتي عن طريق البحث العلمي، ولا عن طريق الدراسة، ومن هنا ندرك خبث دعوة الناس إلى الابتعاد عن السياسة، ندرك خبث دعوة تنفير الناس من الاشتغال بالسياسة، أي الاشتغال بتتبع الأخبار. فالداعون إلى تنفير الناس من رعاية الشؤون كل الشؤون فضلا عن مخالفة دعوتهم للحكم الشرعي الذي ورد على سبيل الوجوب مثل قوله(ص): (( من أصبح ولم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم )). وقوله (ص): ( أيما أهل عرصة بات فيهم امرئ جائع فقد برئت منهم ذمة الله تبارك وتعالى)). وقوله (ص): (( كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي وأنه لا نبي بعدي وستكون خلفاء_ أي ستسوسكم خلفاء_ فتكثر)). وقوله (ص): (( ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون فمن عرف فقد برئ ومن أنكر فقد سلم ولكن من رضي رتابع، قالوا: أفلا نقاتلهم يا رسول الله قال: لا ما صلوا)). وقوله (ص): (( سيد الشهداء حمزة ورجل قام إلى إمام جائر فنصحه فقتله)). هذه بعض النصوص التي دلت دلالة لا تقبل التأويل على أن الاشتغال بالسياسة فرض على المسلمين، وورد في القاموس المحيط: (( سست الرعية سياسة أي أمرتها ونهيتها )) أي رعيت شؤونها بالأوامر والنواهي. والاهتمام بأمر المسلمين إنما يكون برفع الأذى عنهم من الحاكم، ورفع الأذى عنهم من العدو. ولذلك لم تقتصر الأحاديث على رفع الأذى عنهم من الحاكم بل شملت الاثنين. فحديث من لم يهتم بالمسلمين جاء عاما، لأن يهتم سلطت على المسلمين، وكلمة المسلمين من ألفاظ العموم، لأنها جمع محل بالألف والام، فيكون الاهتمام بعموم المسلمين وبكل ما يتعلق بالمسلمين. والحديث المروي عن جرير بن عبد الله أنه قال: (( أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: أبايعك، فشرط علي، والنصح لكل مسلم)). هذا الحديث جاء فيه لفظ النصح عاما، فيدخل فيه النصح له بدفع الأذى، أذى الحاكم عنه، والنصح له بدفع أذى العدو عنه، وهذا يعني أن الاشتغال بالسياسة الداخلية في معرفة ما عليه الحكام من سياسة الرعية من أجل محاسبتهم على أعمالهم، ويعني أيضا الاشتغال بالسياسة الخارجية في معرفة ما تبيته الدول الكافرة من مكائد ضد المسلمين لكشفها لهم والعمل على اتقائها ودفع أذاها، فيكون الفرض ليس الاشتغال بالسياسة الداخلية فحسب بل هو أيضا الاشتغال بالسياسة الخارجية، إذ الفرض هو الاشتغال بالسياسة مطلقا سواء كانت سياسة داخلية أم خارجية على أن أعمال الحكام مع الدول الأخرى هو من السياسة الخارجية فتدخل كذلك في محاسبة الحاكم على أعماله مع الدول الأخرى.
ففضلا عن مخالفة تلك الدعوة الخبيثة للحكم الشرعي فإن أصحابها على وعي تام وإدراك واقعي لإمكانية توفر التفكير السياسي في الأفراد والجماعات والشعوب والأمم لأن الطريق إليه ليس الدراسة والتحصيل، وليس القراءة والكتابة بل التتبع اليومي للأخبار مع الاستناد إلى الزاوية السياسية_ أي العقيدة الإسلامية_ وتوفر الشروط الأربعة بإضافة عنصر الربط، ربط الخبر من الأخبار، أي توفر الشروط الخمسة غير الصعبة أو العسيرة. هذا هو الذي يجعل المرء سياسيا، ومفكرا بالنصوص السياسية. صحيح أن الدراسة والبحث العلمي من الأمور الأكثر مساعدة على القدرة في التفكير السياسي ولكنها غير لازمة له، ولا تلزم للسياسي لأنها ثانوية وكمالية. ولنا من الماضي شواهد حية على التفكير السياسي بل والحنكة السياسية. ولنا من الحاضر شواهد حية أيضا. ويكفينا النظر إلى البسطاء من الناس، يكفينا النظر إلى العمال والفلاحين وغيرهم من فئات الشعب، فقد تحقق في بعضهم التفكير السياسي بينما لم يتحقق عند غيرهم ممن هم أعلا شأنا في المجتمع. فها نحن نشاهد كثيرا من الأدباء والعلماء والفقهاء وغيرهم لم يتحقق فيهم التفكير السياسي، بل لم يتحقق عند بعض الصحفيين رغم صلتهم المباشرة بالأخبار، فهم علماء بالسياسة ولكنهم ليسوا سياسيين وإن كانوا أقرب إلى السياسة والتفكير السياسي من غيرهم. وإن المهم هو التتبع اليومي للأخبار هو الأصل في التفكير السياسي. ومتى وجد التتبع كشرط السياسي للتفكير السياسي من أجل العمل لا من أجل العلم وجدت معه بشكل طبيعي سائر الشروط الأربعة لأن التفكير السياسي يوجد إذا تحقق شرط التتبع في المرء من أجل العمل. واعتبار التفكير السياسي من خصوصيات المشتغلين بالسياسة ينم عن خبث لأن الواقع المعايش أن كثيرا من الأدباء والفيزيائيين والأطباء والكيميائيين وبعض الصحفيين والعمال والفلاحين والتجار وسائر فئات الشعب أو الأمة كأفراد سياسيون، بينما نفس فئات الشعب كأفراد يوجد فيهم من ليسوا سياسيين. فتنفير الناس من الاشتغال بالسياسة دعوة استعمارية تبناها من كان ذنبا للاستعمار كمحمد عبده، وتبناها أيضا من يهرب من المحاسبة حتى يفسح المجال له ولأعوانه من خلق فراغ سياسي، وأحزاب سياسية اسمية تعتمد المكيافيلية والدجل والخداع من أجل إعطاء صورة محسوسة عن نتيجة الاشتغال بالسياسة لينفردوا برعاية الشؤون وفق هواهم ووفق ماهو مرسوم لهم حتى تظل الأمة بعيدة عن السياسة فيتجنبوا محاسبتها لهم على جميع أعمالهم.
فالتفكير السياسي على ارتفاعه، وعلى صعوبته ليس مستحيلا تحقيقه في الإنسان. فبمقدور كل إنسان أن يفكر تفكيرا سياسيا دون اعتبار لدرجات التفكير، ومستوى الذكاء، وقوة الربط لأنه لا فرق بين العبقري والعادي من الناس، كما لا يوجد فرق بين النابغة والأمي مادام كل منهم في مقدوره أن يفكر تفكيرا سياسيا. والسبب في ذلك أن التفكير السياسي لكي يتحقق في الإنسان يتطلب تتبع الحوادث الجارية والوقائع الحية، أي يتطلب تتبع الأخبار. ومتى وجد التتبع وجد معه التفكير السياسي ولا يتطلب غير ذلك. فهو_ أي التفكير السياسي_ وإن كان ينفع معه درجة معينة من العقل، وإن كان ينفع معه وجود درجة معينة من المعرفة إلا أنهما ليستا أساسيتين في التفكير السياسي، وبالتالي ليستا شرطا له. ومن هنا ندرك أن التفكير السياسي ليس كما يتصوره الدجالون الداعون إلى الابتعاد عن الاشتغال بالسياسة.
وحين نورد عنصر التتبع الذي يجب أن يتحقق في الإنسان حتى يكون سياسيا، وحتى تتحقق سائر الشروط التي هي عناصر لازمة في التفكير السياسي، وحين نورد ذلك لا نعني غير التتبع المتواصل لأنه لا يصح فيه الانقطاع، بل يجب أن يكون التتبع متصلا وذلك لما في الحوادث والوقائع الجارية من هيئة الحلقة. فهي_ أي الحوادث والوقائع الجارية_ في واقعيتها قد شكلت حلقة، وهذه الحلقة ليست منقطعة الأطراف بل متصلة الأطراف، وعند تصورنا لهذه الحلقة ندرك جيدا حتمية انقطاع السلسلة كلما فقدت حلقة من حلقاتها، أي كلما انفكت الحلقة. ومتى حصل هذا أصبح من غير الممكن ربط الأخبار وفهمها حتى ولو حصل التظاهر بذلك أو صادف الفهم الصحيح لأن الأصل هو التتبع غير المنقطع، ومتى حصل الانقطاع وحصل اقتحام الربط ومحاولة الفهم فإن النتيجة التي لا مفر منها هي الوقوع في التضليل السياسي أو على الأقل الوقوع في الأخطاء الفظيعة، وأما ما يتعلق بالمصادفة، أي ما كان مصادفا للصواب من جراء الربط ومحاولة الفهم رغم الانقطاع في التتبع فإنه لا يقاس عليه، وأنه حالة ناذرة، وأنها لاتقع موقع الاستحسان عند العقلاء في غياب المعطيات المتعلقة بالظروف والملابسات فهي من قبيل الحدس والتخمين الذي لا ينفع في التفكير السياسي رغم اعتماد هذا الأخير في أحكامه على الترجيح أو غلبة الظن ولكنها على كل حال مبنية على التتبع المتصل. ومن هنا كان لزاما على الإنسان أن يبقي الحلقة حلقة لضرورة توفر ذلك في التفكير السياسي مادام التتبع المتصل غير المنقطع من الشروط الأساسية فيه.
والتفكير السياسي من جهة أخرى لا خصوصية له بحيث لا يختص به أحد دون آخر، فلا يختص بفرد أو جماعة. فكما يكون في الانفراد يكون كذلك في الجماعات سواء كانت هذه الجماعات جزءا من كل كالأحزاب والمنظمات والجمعيات السياسية، أو كانت على هيئة أقوام أو شعوب أو أمم. فهو ليس كالتفكير التشريعي، ولا كالتفكير الأدبي، ولا كالتفكير العلمي إنما يختص بالأفراد ويتحقق فيهم فحسب ولا يتأتى أن يتحقق أو يوجد في الجماعات فهو فردي. بل التفكير السياسي وإن كان تفكير الأفراد إلا أنه تفكير الجماعات أيضا فكما يكون في الأفراد يكون في الجماعات، أي يكون في الشعوب والأمم. وإذا وجد في الأفراد كحكام وسياسيين فإن ذلك لايكفي لأن تحققه في الأفراد مهما كثر عددهم لا ينفع في إيجاد الحكم الصالح، ولا ينفع في وجود النهضة، بل يجب أن يتحقق في الجماعات ويكون في الشعوب والأمم حتى يمكن تأهيل الشعوب والأمم لحمل الرسالات، وصلاحيتها لذلك، فوجب أن يكون التفكير السياسي موجودا في الشعب والأمة وكامنا فيهما كمون الحكم، ذلك أن الحكم إنما هو للشعب أو للأمة، ولا تستطيع قوة أن تغتصبه منها أو تأخذه على غير رضاها، وإذا حصل ما ينفي هذا، أي حصل اغتصاب الحكم من الأمة فإنه إنما يغتصب لفترة معينة، فإما أن تعطيه الأمة أو الشعب فيستمر، وإما أن تصر على استرجاعه فتكون النتيجة هي الإطاحة بالحكم مهما طال الزمان. فما دام الحكم هو للأمة أو للشعب، ومادام كامنا فيهما فإنه لهذا السبب وجب أن يكون لديهما التفكير السياسي فلابد لهذا الشعب ولهذه الأمة من أن يكون لديها أو لديه التفكير السياسي لضرورته القصوى لهما قبل الحكام، ولضرورة استقامة الحكم أكثر من ضرورة إيجاده. ومن هنا كانت حاجتنا ماسة إلى التثقيف السياسي، وكان الواجب الملقى على عاتقنا أن نعمل على إيجاد الثقافة السياسية في أمتنا حتى يوجد لديها التفكير السياسي وذلك بتزويدها بالمعلومات السياسية والأخبار السياسية، وحملها على سماع الأخبار السياسية حتى ينمى لديها، ولكن هذا الحمل يجب أن يكون طبيعيا لا قصرا، وأن لا يكون بشكل مصطنع. فواجبنا إعطاءها الأخبار السياسية الصادقة حتى يوجد لديها الصحيح من الثقافة السياسية وحتى لا تقع فريسة للتضليل، لأن وجود السياسة والتفكير السياسي في الشعب أو الأمة هو الذي يوجد فيها الحياة، فبدون السياسة والتفكير السياسي لا تحيا الشعوب والأمم، بل تظل على حالها من الجمود لا تنمو ولا تتحرك فتكون فعلا جثة هامدة.
ومما ينبغي التنبيه إليه أن فهم السياسة لا يتأتى إلا ضمن شروط معينة. فالأخطاء التي تقع في فهمها والضلال الذي يحصل في فهمها أيضا إنما يأتي من التفكير بالنص السياسي على غرار التفكير بالنص الأدبي والنص الفكري والتشريعي. فالنص السياسي لا يفكر فيه على غرار التفكير بالنص الأدبي والنص الفكري والتشريعي. فالنص السياسي لا يفكر فيه على غرار التفكير بالنص الأدبي، فلا يفكر فيه مثلا بالألفاظ والتراكيب حتى يفهم فهما لما هو عليه. ولا يفكر فيه على غرار التفكير بالنص الفكري فيفكر فيه بالمعاني التي تحويها الألفاظ والتراكيب حتى تفهم كما هي عليه أيضا. ولا يفكر فيه كذلك على غرار التفكير بالنص التشريعي فيفكر فيه بدلالات الألفاظ والتراكيب والأفكار التشريعية وفقه الواقع حتى يفهم. فالمفكر بالنص السياسي على غرار التفكير بالنصوص الأخرى يوقعه في الخطأ الفظيع وربما المميت، وبوقه في الضلال، لأن النص السياسي يختلف التفكير به عن أي نص آخر اختلاف كليا. فعدم التمييز بين النصوص السياسية والنصوص غير السياسية هو الذي يوقع في الخطر فضلا عن الأخطاء، لأن النصوص السياسية لها معاني، ولكن هذه المعاني قد تكون موجودة في نفس النصوص، وقد لا تكون. فقد تكون موجودة في نصوص أخرى ليست هي المفكر بها وفيها. كما أن المعاني قد تكون موجودة في صياغة الألفاظ والتراكيب وهذا محسوس في المعاهدات ومقروء أو مسموع في التصريحات المسؤولة. كما تكون المعاني في غير الصياغة. كما تكون بالدلالات ولا تكون بالمعاني ولا بالألفاظ. وللذهاب أكثر فقد تكون في غير المعاني وفي غير الألفاظ والدلالات. بل تكون فيما وراء ذلك، وأخيرا قد تكون مخالفة ومغايرة تامة أو كلية. فإذا لم يدرك ما تعنيه النصوص السياسية مما هي متضمنة للنصوص، أو خارجة عنها فإنه لا تدرك النصوص، قيقع الضلال في التفكير السياسي، وتقع الأخطاء في كل الحالات التي يفكر بالنصوص السياسية على غرار غيرها من النصوص الأخرى.
ومن أخطر الأمور على التفكير السياسي التجريد والتعميم والقياس الشمولي. فلا يصح دخول القياس الشمولي فيه، كما لا يصح تعميمه وتجريده. فكل نص سياسي إلا وله ظروفه الخاصة به، والظروف بهذه الخصوصية تعتبر جزءا منه، وعليه لا يصح مطلقا فصل النص السياسي عن ظرفه أو ظروفه. ثم قد تكون للنص السياسي أمارات تجعله شبيها بغيره، أو بالحادثة والواقعة التي يسوسها، ومع ذلك لا يصح ولا بحال من الأحوال أن يعمم، بل إن ادعاء التعميم على أساس تقريب الصورة وإفهام الناس لما يجري فقط خطأ مع الواعين سياسيا أو مع غيرهم. وقد يكون للنص السياسي ما يقاس عليه نظرا لأمارات الشبه بين الحوادث والوقائع كما هو الشأن في الثورات والاضطرابات ومع ذلك لايصح القياس الشمولي لأنه لا يدخله. فإقحام القياس الشمولي فيه محاولة غير مجدية وهي شبيهة بمحاولة من كان في سننا يريد إقحام قدمه في حذاء صبي رضيع.
وحين نورد امتناع القياس الشمولي عن دخول النصوص السياسية يجب أن لا يفهم منه أن القياس غير الشمولي أو القياس المحدود يصح أو يمكن أن يدخل ضمن التفكير بالنصوص السياسية، لا !
فالقياس الشمولي والقياس الحقيقي والقياس المحدود لايصح إدخاله في التفكير السياسي، بل القياس مجرد قياس لايصح لأنه علاوة على أن الظروف جزء من النص فإن النص نص لحادثة أو في حادثة ما، فهي حادثة معينة فلابد من أخذ النص لتلك الحادثة لا لغيرها، فالأخذ لها ليس غير، ولايعمم على غيرها، ولايقاس عليها بصرف النظر عن نوعية القياس. فالتعميم والتجريد والقياس من أخطر الأخطاء على التفكير السياسي. ففضلا عن تشكيلهم للأخطاء الواقعة لا محالة من جراء اعتمادهم في التفكير السياسي يؤدون ولا ريب إلى الضلال لأنه محذق بكل من يعتمدهم وعلى تفكيره السياسي بالخصوص. فقد تسمع عزيز القارئ تصريحا من مسؤول ما تفهم منه شيء، ثم تسمع منه للمرة الثانية نفس التصريح، أو تصريحا آخر فتفهم منه شيئا آخر قد يكون مخالفا له بل قد يكون مناقضا له. وقد تسمع من مسؤول معين تصريحا عن أمر حقيقي، أي قد تسمع تصريحا صادقا فتفهم منه أنه تصريح كاذب يراد به التضليل. وقد تسمع منه تصريحا كاذبا فتفهم منه أنه تصريح صادق وأن المقصود هو ما عناه، والكذب فيه هو أنه أعطي للإخفاء بالكذب. وقد تشاهد عملا يقام به حسب التصريح وقد تشاهد عملا يقام به على خلاف التصريح، وهكذا... إذا فبغير أخذ الظروف والملابسات لايمكن فهم النص أو ما يراد منه، لأنها_ أي الظروف والملابسات_ هي التي تسلط الضوء، وتلقي عن التصريح ما يمكن أن يحول دون فهمه فتكشف ما يراد من التصريح وليس نفس النص السياسي. فعلى هذا الوجه يتأتى أن يكون التفكير السياسي صوابا أو قريبا من الصواب. وبغيره لا يتأتى ذلك، لأن التفكير السياسي ببعده عن القياس والتعميم، وبأخذ الحوادث بمفردها، وبجعل الظروف جزءا من النص أو العمل هو المطلوب توفره فيه، وهو الذي يوصل إلى الأحكام القريبة من الصواب إن لم تكن صوابا. فعلى هذا الوجه يحصل الفهم، وبغيره لا يحصل الفهم. ولاشك أن كثيرا من الويلات والمصائب تعرضت لها كثير من الشعوب والأمم ولا تزال بسبب سوء التفكير السياسي. فأمتنا عانت ولا تزال تعاني من جراء سوء التفكير السياسي. ولنا أمثلة حية من الماضي القريب والبعيد، وأما الواقع المعاش فلا حاجة لإقامة الدليل عليه. فأمتنا تحت ظل دولة الخلافة_ الدولة العثمانية_ خاضت حروبا كثيرة بقيادتها. وبصرف النظر عن التحامل الشديد والتجني الظالم في حق الدولة العثمانية التي (( ظلمها المؤرخون في الغرب واقتدى على أثرهم العرب...)) بقطع النظر عن كل ذلك فإنها _أي الدولة العثمانية_ حين كانت أوروبا تحاربها في القرن التاسع عشر الميلادي إنما كانت تحاربها في أغلب الأحيان سياسيا، أي أن أوروبا كانت تحارب الدولة العثمانية في الأعمال السياسية أكثر منها في الأعمال العسكرية، علما بأنه قد حصلت أعمال عسكرية غير أنها لم تكن إلا مساعدة للأعمال السياسية. وإذا أخذنا البلقان بوصفه مشكلة عرفت بمشكلة البلقان والتي خلقتها الدول الغربية بالتصريحات الخبيثة والهادفة نجد أنه قد أعلن أن دول البلقان يجب أن تتحرر من المسلمين _أي من العثمانيين_ وروجوا لفكرة التحرير ما استطاعوا ولكن لم يكونوا يعنون أنهم سيحاربون الدولة الإسلامية _الدولة العثمانية_ وإنما كانوا يعتمدون على إيجاد القلاقل والاضطرابات في البلقان، فجاؤوا بفكرة القومية والتحرر فأخذها أهل البلقان _البلقانيون_ وأخذوا يقومون بالثورات فكانت دولة الخلافة تقوم بعمليات عسكرية ضد هذه الثورات مراعية وضع الدول الأخرى، وتحاول استرضاء الدول الأخرى مع أن هذه الدول الأخرى هي التي كانت تسند الثورات، وهي التي كانت توهم العثمانيين، وهي التي كانت تجعلهم يشتغلون ضد هذه الثورات حتى تنهك قواهم، ولا يقضى على الثورات وهكذا كان من نتيجة خطأ الدولة الإسلامية وضلالها في التفكير السياسي أن خسرت البلقان. ثم لا حقتها القومية في عقر دارها فوجدت بوحي من الإنجليز لدى حزب الاتحاد والترقي ولكنها قومية طورائية، كما قيل ذلك ((في أجواء الفوضى التي تسود الجزيرة العربية ستكون بذلك شكل من أشكال القومية العربية يضاف إلى شتى الأشكال التي تظهر بوعي أو غير وعي مع الإمام يحيى والشيخ الإدريسي... )) وهكذا عمت القومية العربية الجزيرة العربية وكثيرا من بلاد الإسلام خصوصا تلك التي يسكنها المسلمون العرب، وهكذا أطيح بدولة الخلافة، وقضي عليها القضاء المبرم فلم توجد خلافة عربية كما توهم العرب حين صدقوا دجل الانجليز بوعدهم للشريف حسين بالخلافة العربية، ولم تنجح محاولات المخلصين من أبناء الأمة الذين (( كانوا يرون تقوية الرابطة الاسلامية الأمر الذي سيعطي المد الحضاري العربي الإسلامي للدولة العثمانية ويجنبها التقسيم فيما بعد... وهذا مالم يتوافر بعد الحرب العالمية الأولى وهناك وثائق كثيرة جدا تبين بالدليل القاطع تعامل الكثيرين من العرب مع غير الدولة العثمانية _أي مع الاستعمار الفرنسي والانجليزي بوجه خاص_ وهذا ماجلب لنا المشاكل والأوضاع المعروفة.. )) فكانت الويلات والمصائب بل والموت نتيجة سوء التفكير السياسي.
(( وإذا فإن الحركة القومية العربية لم تنبع من عدم، بل نبعت من وضع ومحيط فكري مهيء لذلك... )) فكانت القومية كيفما كان لونها السبب الرئيسي في إسقاط الخلافة الإسلامية _العثمانية_ كما كانت الوطنية قبل ذلك، سببا رئيسيا في استئثار فرنسا بمصر عن طريق محمد علي وهكذا.
وإذا أخذنا الاتحاد السوفياتي في بداية النصف الثاني من القرن العشرين نجد أنه قد وقع في مثل ما وقعت فيه الدولة الاسلامية_ العثمانية_ أي أن المشكلة التي برزت لروسيا هي نفس المشكلة التي برزت للدولة العثمانية، ولكن روسيا نجحت، بينما الدولة الإسلامية أخفقت وماتت. فالولايات المتحدة الأمريكية أخذت تنادي بتحرير أوروبا الشرقية من الشيوعية في بداية الخمسينيات من هذا القرن، فرفعت شعار التحرير وبدأت تسند دول أوروبا الشرقية وشعوبها سرا وعلنا، ولكن الاتحاد السوفياتي لم يقف موقف العثمانيين، فقد عرف أول أمر دعوة التحرير أن فكرة التحرير هذه ما هي إلا حرب ضد روسيا، فلم يكن الموقف يبعث على المهادنة بل يبعث على الحرب إن اقتضى الحال، فلم تهادن أمريكا وإنما اتخذتها العدو الأول، ولماّ قامت ثورة بولونيا حالت دون نجاحها فسدت جميع منافذ النجاح ثم سحقتها، ولما ثارت بلغاريا لم ترحمها بل سحقتها هي أيضا، ثم شددت قبضتها الحديدية على أوروبا الشرقية، واستعدت استعدادا جديا لمحاربة الولايات المتحدة الأمريكية إذا هي تحركت على مستوى مساندة أوروبا الشرقية سرا وعلنا، فكان هذا الموقف الواعي والشجاع سببا في الإخفاق الذريع الذي منيت به أمريكا فاضطرت هذه الأخيرة بعد إخفاقها وإدراك موقف روسيا السياسي وفهمها السياسي إلى عقد اتفاقيات مع روسيا والتعايش معها. كل ذلك ليس ناتجا عن القوة الروسية، وإنما ناتج عن التفكير السياسي الصحيح لدى روسيا.
وقد يقول قائل ما كان للولايات المتحدة الأمريكية أن تخاطر بحرب ضد الإتحاد السوفياتي لاغالب فيها ولا مغلوب لأن روسيا دولة ثانية في العالم وتملك من أسلحة الدمار ما يلحق الضرر العظيم بكل منهما وبالعالم أجمع إن قامت بينهما حرب. والجواب على ذلك أن الحرب العالمية كفكرة لا تعشش بدماغ أمريكا ولا روسيا ولا أي دولة من دول العالم ماعدا بريطانيا لأن هذه الأخيرة هي التي أشعلت نار الحربين نظرا لواقعها الذي أتيت على ذكره ضمن بحث واقع السياسة الانجليزية، وهي التي تريد حربا أخرى وتعمل على ذلك وسوف تظل مهما أخفقت. وإذا فإن تخلي أمريكا عن سياستها تجاه أوروبا الشرقية كان تخليا ناتجا عن وعي أمريكا باستحالة تحقيق أهدافها مادامت روسيا يقظة وواعية وواقفة بالمرصاد لكل محاولة تؤدي إلى رفع يدها عن أوروبا الشرقية. وإذا سلمنا جدلا بما قيل فما يكون قولنا عن إخفاق الولايات المتحدة الأمريكية بكثير من بلدان العالم؟ فقد وقعت في أخطاء كثيرة ولا تزال. وأخفقت سياستها في عدة مرات ثم تحاول وتحاول ولا أدل على ذلك من فشلها في وضع يدها على المغرب منذ وفاة محمد الخامس، وكذلك سائر أقطار المغرب العربي ولنا من الماضي القريب أمثلة حية فقد حاولت منذ اندلاع الثورة الإيرانية إسقاط صدام حسين الأمر الذي لم تعمل من أجله أيام حسن البكر وشاء إيران، وكانت أول من بزرع الألغام في مياه الخليج العربي، وكانت تحاول جعل نفسها وصية على دول الخليج، وكانت تمد إيران بالأسلحة بطريق غير مباشر بغية زعزعة المنطقة، ثم بدأت تلوح بفكرة حمايتهم وحماية صادراتهم البترولية وغيرها من إيران كل ذلك من أجل إيجاد قواعد لها في المنطقة.
ونفس الولايات المتحدة الأمريكية من جراء حسن تفكيرها السياسي أطلقت على مشكلة فلسطين، مشكلة الشرق الأوسط وذلك في أواخر الستينات، فقامت بعدة أعمال سياسية حتى تتمكن من أن تتولى المشكلة وحدها. فاتخدت فكرة أو كلمة السلام، واتخدت فكرة حل المشكلة وسيلة لتعقيد المشكلة واستمرت في التضليل السياسي حتى استحال على المشكلة منذ زمن وإلى يومنا هذا أن تجد حلا بدونها فصارت أمريكا قبلة للعرب واليهود في كل ما يتعلق بالمشكلة، ثم اتبعت أسلوب المغالطة والخداع والدجل السياسي وأسلوب التضليل حتى أنهكت قوى كل من العرب واليهود وبذلك اتجهت لا إلى حل المشكلة بل إلى نقل المنطقة من حالة اضطراب سمته حالة حرب إلى حالة هدوء نسبي سمته حالة سلام، ثم نجحت في كسب الطمأنينة من مصر بكامد ديفيد وذلك لكي تتمكن على مهل وبهدوء من تركيز المنطقة على الوضع الذي رسمته لها حتى تنفرد وحدها في السيطرة وبسط النفوذ على المنطقة كلها عن طريق تقوية دولة إسرائيل.
فمشكلة الشرق الأوسط لا تختلف عن مشكلة البلقان إلا في بعض الأمارات أو أكثرها فالجوهر واحد. ولذلك لا غرابة أن يتصور المرء للشرق الأوسط مصيرا على غرار مصير البلقان في حالة وجود سوء التفكير السياسي لدى المسلمين لأنه مدمّر لهم. فسوء التفكير السياسي هو الذي يحول دون الانعتاق من سيطرة الاستعمار. وهو الذي يحول دون النهوض في الشعوب والأمم المنحطة. وهو الذي يضعف الدول ولو كانت قوية. وهو الذي يدمرها ويدمر الشعوب والأمم. ولذلك وجب إعطاء التفكير في النصوص السياسية أهمية بالغة لأن نتائجه عظيمة حقا، كما أنها فظيعة جدا. والأخطار في التفكير السياسي أخطار لا حدود لها لأنها أخطار مدمرة أو مميتة، فلابد من العناية الفائقة بالتفكير السياسي عناية تكون فوق كل عناية بأي تفكير آخر لأنه ضروري للشعوب والأمم كضرورة كل منا لإشباع حاجاته العضوية.
والتفكير السياسي لايكفي فيه أن يكون تفكير الآحاد. ولا يقال عنه أنه مادام صعبا، وأعلى أنواع التفكير فإن ذلك يحول دون انتقاله إلى الشعوب والأمم فإنه لا قيمة له، كما لا قيمة للأفراد مهما كان تفكيرهم سليما أو عبقريا، ومهما كثر عددهم، لأن التضليل في التفكير السياسي إذا تمكن من الشعوب والأمم يسقط قيمة التفكير السياسي، ويسقط قيمة العباقرة والنوابغ فيه، فلا يعود لعبقرياتهم نفع تجاهه ولو كثروا، بل ولو كانوا يعلمون الغيب رغم استحالة هذا الأخير لأن تمكن الضلال من الناس، من الشعوب والأمم يصبح تيارا لا مجال لتصور مدى قوته وجبروته يجرف كل شيء فيقعون فريسة سهلة لهذا التضليل، ثم يكونون ومن معهم من العباقرة والنوابغ لقمة سائغة الالتهام لدى الأعداء. فقد يحمل التضليل السياسي الشعوب والأمم على معاداة ومحاربة المخلصين لها. وقد يحملها على الذهاب إلى حتفها بنفسها طواعية كما يحصل لفريسة الضبع. وقد يحملها على حمل المعول والشروع في هدم قيمها وحضارتها. وقد يحملها على اختيارات صبيانية كاختيار اللعب بدل الكتب واختيار اللعب بدل الدرس، وقد يحملها على الرضى بالذل والعبودية، وقد يحملها على الإحساس الملبد والقناعة بالدونية.
وما نجاح مصطفى كمال أتاتورك في هدم الدولة الإسلامية دولة الخلافة سنة 1924 ميلادية، ونجاح جمال عبد الناصر منذ 23 يوليو سنة 1952م حتى نهاية العقد الثاني من حكمه في الحيلولة دون تحرر العرب علما بأنهم كانوا عقب الحرب العظمى الثانية محفزين للتحرر إلا أمثلة حية على سوء التفكير السياسي. إن سوء التفكير السياسي إذا اجتاح الشعوب والأمم فإنه لا تنفع تجاهه عبقرية العبقريين ماداموا أفرادا ولو بلغوا آلاف الأعداء. فرغم وقوف بعض المخلصين في وجه كمال أتاتورك وتحركاتهم على مستوى الحيلولة دون إسقاط الخلافة الإسلامية، ورغم وقوف بعض المخلصين في وجه عبد الناصر وتحركاتهم على مستوى منع بسط النفوذ الأمريكي بوجه خاص على مصر والسودان وغيرها من بلدان الشرق الأوسط لم تنفع في الحيلولة دون وقوع المحظور. وبهذا يتبين أن سوء التفكير السياسي لا يقتصر خطره على الأفراد فحسب بل يشكل خطرا عليهم وعلى الشعوب والأمم، فوجب أن تكون العناية بالتفكير السياسي لدى الشعوب والأمم عناية كبيرة تفوق كل عناية.
صحيح ما يقال عن التفكير السياسي أنه إن وجد عند الأفراد وسار لديهم في طريق مستقيم وجد التفكير السياسي الذي بواسطته يمكن الوقوف في وجه الأعداء، ويمكن كشف ألاعيبهم وتضليلهم، غير أن القول بهذه البساطة لم يستكف الأحقية لفقدانه عنصرا مهما جدا فيه هو أن التفكير السياسي حتى وإن وجد في الأفراد وسار لديهم في الطريق المستقيم فإنه لايوجد التفكير السياسي إلا في الأفراد مثلهم. والأفراد مهما كثروا غير قادرين على الوقوف في وجه الأعداء، فكان لابد والحالة هذه أن يفقد القول مصداقيته. ولتحقيق المصداقية فيه وجب أن ينتقل تفكير الأفراد السياسي إلى الشعب أو الأمة لأنه فقدت الأمة أو الشعب التفكير السياسي لم يغن الأفراد عنه شيئا، ولكن إذا أصبح تفكير الأمة أو الشعب هو تفكير الأفراد، أي إذا انتقل التفكير السياسي من الأفراد إلى الأمة فصار تفكيره لا تفكير الأفراد، ثم صار الأمر الطبيعي بروز الأفراد كجزء من الأمة أو الشعب لا كأفراد آنئذ يصبح الشعب أو الأمة أمة مفكرة في مجموعها حتى وإن لم تكن جميعها، وبه يمكن الوقوف في وجه الأعداء بنجاح. فما لم يتحول هذا التفكير من تفكير فردي إلى تفكير جماعي، ومالم يصر تفكير الأمة أو الشعب لا تفكير الأفراد لم تعد له قيمة، وبالتالي لايجدي تفكير الأفراد لأنه لا قيمة لهم، ولأن الوقوف في وجه الأعداء، وفي وجه التضليل الذي يوجدونه بين الشعوب والأمم وفيها لاتنفع تجاهه كثرة الأفراد العباقرة الذين يتعاطون التفكير السياسي ويفكرون به، فالذي يقف بحق في وجه كل عدو هو التفكير التفكير السياسي إن وجد وصار تفكير الشعوب والأمم.
صحيح أن النابغة العبقري فرد. وهو إنسان عادي لايختلف عن سائر الناس، ولا يتميز عن أحد بالإنسانية. وكل من نظر إليه لأول وهلة ينظر إليه نظرة عادية، لأن عبقريته غير ملموسة ولا محسوسة فنتاجه العقلي الفذ لايرى فيه في بداية الأمر أية ميزة. وهو والإنسان العادي سواء لا يدرك في إنتاجه العقلاني أي تفوق، ولا أية عبقرية. فهو إن كان مثقفا فإن مثله في الثقافة كثيرون بل يوجد من يفوقه ثقافة. وإن كان ذكيا فإن مثله من الأذكياء كثيرون يتساوون معه أو يفضلونه.. فإذا لفت النظر إلى أفكار العباقرة فإنما يلفت من قبل الذين يقبلون على إنتاجهم، وهم أفراد كذلك وهكذا يظل الأمر محصورا في نطاق الفردية بقطع النظر عن الكمية. ومن يفعل ذلك_ أي من يعمل على لفت النظر إلى إنتاج العباقرة_ إنما يفعله بغية أن يكون مثلهم، أو يتوخى مساعدته في ذلك على الارتفاع في وسطه أو مجتمعه حتى يصير له وزن أو شأن، أو يتخذه وسيلة لتحقيق غايات أنانية أو مآرب شخصية... وهكذا. فالنتيجة أن لا جدوى من التفكير السياسي ما بقي فرديا مهما كثر الأفراد المفكرون هذا التفكير حتى تفكيرا فريدا جذابا لاينصرف عنه من ذاقه أو عرفه. ومن هنا ولكي ينفع هذا التفكير السياسي في الشعوب والأمم، ويصبح قادرا على الثبات للهزات وأهلا للوقوف في وجه الأزمات، وإرهاب الأعداء والوقوف في وجههم وجب العمل على تحويله إلى تفكير جماعي حتى يخرج من الفردية. وبحصول التفكير الجماعي أي بتحوله إلى الجماعات، وبانتقاله إلى الشعب أو الأمة خصوصا أمتنا المغرر بها توجد بذرة النهضة، وتوجد القوة التي يحسب لها بغير الأرقام لامتناعها عن رجوع القهقرى.
فالتفكير السياسي الجماعي هو الذي ينفع، وأما غيره_ أي التفكير السياسي الفردي_ فإن نفعه محدود ومقصور على الأفراد لايمنع المخاطر ولا يقي الشعب أو الأمة من المصائب. ومن هنا أيضا وجب العمل على تثقيف أمتنا تثقيفا سياسيا، ووجب تمرينها على التفكير السياسي، ووجب تعليمها الكيفية التي يسار عليها للوصول إلى التفكير الياسي ولو أنه فرض على الكفاية حتى يصير التفكير السياسي هو تفكيرها، فتصير به أمة مفكّرة، وأمة سياسية ترعى شؤونها وشؤون العالم أجمع.
والسياسة عبارة عن أفكار تتعلق برعاية الشؤون سواء أكانت قواعد، عقائد أو أحكاما، أو كانت أفعالا تجري، أو جرت، أو ستجري، أو كانت أخبارا. فإذا كانت في أمر واقع كانت سياسة سواء في أمور حالية، أو أور مستقبلية. وإن كانت قد مضى وقتها. أي كانت واقعا مر وفات سواء مر حديثا أو قديما كانت تاريخا. ولذلك فإن التاريخ كان سياسة فأصبح تاريخا، سواء أكان حقائق لا تتغير بتغير الظروف، وهو ما يجب الحرص على معرفته، أو كان حوادث في ظروف مرت ظروفه، وهو ما يجب تركه وعدم أخذه وأن يكون القارئ في حالة وعي تام عند قراءته حتى يتجنب أخذه لأنه ربما أخذه في ظروف غير ظروفه فيقع في خطإ ينتج الضرر من أخذه. والإنسان من حيث هو إنسان، أو الفرد من حيث كونه يعيش في هذه الحياة، هو ياسي. فأنت أيها القارئ الكريم ومحاورك سياسيان وكذلك غيرنا. فنحن نحب السياسة ونعانيها لأننا نرعى شؤون أنفسنا، ونرعى شؤون من نحن مسؤولون عنهم من أهلنا وذوينا، أو نرعى شؤون مبدئنا وأفكارنا إلا أن الأفراد أو الكتل، أو الدول أو التكتلات الدولية الذين يباشرون رعاية شؤون أمتهم أو دولتهم أو منطقتهم ودولهم فإنهم يكونون سياسيين طبيعيا من حيث كونهم من بني الإنسان، وطبيعيا من حيث طبيعة عملهم، وطبيعة عيشهم ومسؤولياتهم. ولذلك يكونون سياسيين بارزين، وهم الذين يطلق عليهم لفظ السياسي، ولا يطلق ذلك على الفرد العادي لأنه محدود التفكير في أمر رعاية الشؤون، ومحدود العمل في الحياة. والبحث في السياسة إنما يعني السياسيين ولا يعني جميع الأفراد.
وقد عرّف العلماء السياسة بأنها فنّ الممكنات، أو فنّ الممكن. وهذا التعريف من حيث هو تعريف صحيح لأن ما كان من غير الممكن لم يكن سياسة. إلا أنه من حيث ما جرى عليه الناس من حصر السياسة في أشياء آنية هو خطأ لأنه يعني الواقعية بمعناها الخاطئ، وهو بحث الواقع والسير حسب هذا الواقع. ولو سلّم بهذا لما وجد تاريخ، ولما وجدت حياة سياسية، لأن التاريخ هو تغيير الواقع، والحياة السياسية هي تحويل الوقائع الجارية إلى وقائع أخرى. ولذلك كان تعريف السياسة بأنها فن الممكن تعريفا خاطئا حسب فهم الناس لها، أو حسب فهم السياسيين، ولكن من حيث أن كلمة ممكن تعني المعنى الحقيقي لها، وهي ما يقابل المستحيل والواجب فإنها صحيحة. لأن السياسة ليست فنّ المستحيل. بل هي فن الممكن فقط. فالأفكار التي لا تتعلق بالمكنات أو على الأصح التي لا تتعلق بالوقائع الممكنة والواقع، فإنها ليست سياسة، وإنما هي فروض منطقية أو مجرد خيالات حالمة أو تخيلات. فحتى تكون الأفكار أفكارا سياسية، أي حتى تكون الأفكار سياسية فلا بد أن تتعلق بالممكن. لذلك كانت السياسة فن الممكن لا فن المستحيل.
وحتى يكون المرء سياسيا لابد أن تكون لديه تجربة سياسية، سواء عانى السياسة و باشرها وهو السياسي الذي يستحق هذا اللقب أو هذا الإسم. أو لم يباشرها، وهو السياسي النظري. ولأجل أن تكون لدى المرء تجربة سياسية لابد أن تتوفر لديه ثلاثة أمور هامة هي :
أولا: المعلومات السياسية.
ثانيا: الدوام على معرفة أخبار السياسة الجارية.
ثالثا: حسن الإختيار للأخبار السياسية.
أما المعلومات السياسية، فهي المعلومات التاريخية، ولا سيما حقائق التاريخ لأنه لابد من التمييز بينها وبين الوقائع والحوادث التاريخية_ أي لابد من التمييز بين حقائق التاريخ وبين الحوادث والوقائع_ حتى لا تختلط الحقائق بالحوادث والوقائع في أدمغتنا كما هو الحاصل فتسبب المغالطة والضلال وتفقد لنا اعتبارنا ودورنا في الحياة من مثل اختلاط انتصار الغربيين على المسلمين بين دونه حدثا تاريخيا وهو كذلك أم أنه حقيقة تاريخية وهو ليس كذلك ولابد من حاجة إلى معلومات عن الحوادث، والتصرفات، والأشخاص ولتكن هذه المعلومات بهم من حيث الوجه السياسي. ومعلومات عن العلاقات السياسية، سواء بين الأفراد، أو الدول، أو الأفكار، فهذه المعلومات هي التي تكشف معنى الفكر السياسي، سواء أكان خبرا، أو عملا أو قاعدة، عقيدة كانت أو أحكاما، وبدون هذه المعلومات لا يستطيع المرء فهم الفكر السياسي مهما أوتي من ذكاء وعبقرية، لأن المسألة فهم، لا مسألة عقل.
وأما معرفة الأخبار الجارية ولاسيما الأخبار السياسية، فلأنها معلومات، ولأنها أخبار عن حوادث جارية، ولأنها هي محل الفهم، ومحل البحث، ولذلك لابد من معرفتها. ولمّا كانت حوادث الحياة تتغير قطعا، وتتجدد، وتختلف، وتتناقض، فلابد من دوام تتبعها، حتى يظل على علم بها. أي حتى يظل واقفا على محطة القطار التي يمرّ منها القطار فعلا، ولا يظل واقفا في محطة لا يمرّ منها القطار الآن، بل كان يمرّ منها قبل ساعة ثم تغيرت، وصار يمر في محطة أخرى. لذلك لابد من دوام تتبع الأخبار بشكل لازم ومتتابع بحيث لا يفوته خبر، سواء أكان مهما أو تافها. بل يجب أن يتحمل عناء البحث في كومة تبن من أجل حبة قمح وقد لا يجدها. لأنه لا يعرف متى يأتي الخبر المهم، ومتى لا يأتي. من أجل ذلك لابد أن يظل على تتبع للأخبار كلها، سواء التي تهمه أو التي لا تهمه. لأنها حلقات متواصلة ومرتبطة ببعضها البعض، فإذا ضاعت حلقة واحدة منها فكّت السلسلة، وصعب عليه بعد ذلك معرفة الأمر، بل قد يفهم الأمر خطأ، ويربط الواقع بخبر أو بفكر انتهى وذهب، ولم يعد قائما. لهذا من تتبع الأخبار بشكل حتى يتسنى فهم السياسة لأن الموضوع موضوع سياسي أي موضوع تتبع ما يجري وما سوف يجري أو يمكن أن يجري لا ما فات وانتهى وذهب بذهاب ظروفه وهذا الأخير حين يبحث فإنما يبحث على أساس تاريخي وهو ما يسمى بالبحوث السياسية والعلوم السياسية.
وأما اختيار الأخبار، فإنما يحصل بأخذها، لا بمجرد سماعها. فهو لا يأخذ إلا الخبر الهام، فهو إذا سمع أن رئيس وزراء فرنسا سافر إلى لندن فإنه يسمعه ويأخذه. وإذا سمع أن القمة الثانية عشرة للدول العربية قد خرجت بمشروع سمي أو عرف بمشروع فاس للسلام فإنه يسمعه ويأخذه. وإذا سمع أن القمة الطارئة بالدار البيضاء يوم 23و 24/5... 1989 م قد حضرتها مصر وسوريا والأردن والعراق فإنه يسمعه ويأخذه. وإذا سمع أن بوش وجورباتشوف قد بعثا ببرقية للقمة وكذلك الأمين العام لهيئة الأمم المتحدة فإنه يسمعها ويأخذها. ولكنه إذا سمع أن مستشار ألمانيا قد ذهب أو سافر إلى برلين فإنه يسمعه ولا يأخذه، وإذا سمع أن موريطانيا قد حضرت القمة فإنه يسمعه ولا يأخذه، وإذا سمع أن قمة الناطقين بالفرنسية أو ما سمي بمؤتمر التدعيم فإنه يسمعه ولا يأخذه إلا للسياسة المحلية إن كان من ساكني البلدان الناطقة كليا أو جزئيا باللغة الفرنسية لأن (( نظرة خاطفة للصحافة العالمية تبين لنا بيسر أن هذه القمة_ قمة دكار للدول الناطقة بالفرنسية في الأخير من مايو ( أيار) سنة 1989 م_ كانت ( حدثا لم يحدث فيه شيء) )). وإذا سمع أن البابا قد بعث ببرقية للقمة العربية الطارئة 1989 م فإنه يسمعه ولا يأخذه. إذا يجب أن يميز بين ما يأخذه وما لا يأخذه، وإن كان يسمع الأخبار كلها. لأن الأخذ إنما يكون للأخبار التي من أخذها فائدة، ولا يكون لغيرها ولو كانت قد تشكل معلومات. وهذا هو التتبع، أي التتبع للأخذ لا لمجرد السماع.
والسياسة بمعناها المحلي، كرعاية شؤون الشعب أو الأمة، وشؤون الدولة، وإن كانت هامة ولكنها لا يصح أن تكون هي محل الإهتمام لوحدها دون غيرها من السياسة الدولية. ولايصح الاقتصار محليا لأن جعلها محل الاهتمام دون غيرها يعني الأنانية والعمل للذات، فوق كونه يضر في إيجاد الصراع الداخلي بين السياسيين ثم بين أفراد الشعب أو الأمة أو فئات منها. وفي هذا ضرر على الذولة وعلى الشعب أو الأمة، ولأن الإقتصار عليها فوق كونه لا يجعل المرء يدرك السياسة، فإن فيه غفلة عن شؤون الأمة، والسياسي لابد أن يرعى شؤون أمته أو شعبه حتى يكون سياسيا. وهذا لا يتأتى إلا بالإهتمام بشؤون الأمم والشعوب الأخرى، والدول الأخرى ومعرفة أخبارها وتحركاتها والإحاطة ما أمكن بمعلومات عنها. ولذلك كانت السياسة الدولية، والسياسة الخارجية جزءا لا يتجزء من السياسة من حيث هي سياسة ولذلك لا تكون السياسة بمعناها الحقيقي، لا تكون السياسة بمعنى السياسة إلا إذا كانت أفكارا عن رعاية الأمم الأخرى والدول الأخرى. فعلاقة السياسة الدولية والسياسة الخارجية بالسياسة، وبالسياسة الداخلية علاقة جزء من كل، بل الجزء الجوهري الذي يكوّنها.
والسياسة الخارجية، والسياسة الدولية التي يجب الإهتمام بها هي سياسة الشعوب والأمم المؤثرة لا جميع الشعوب والأمم، وسياسة الدول المؤثرة لا سياسة جميع الدول لاسيما فيما له علاقة بأمته أو دولته، أو العقيدة التي تقوم عليها الدولة. ومن هنا كانت السياسة الخارجية والسياسة الدولية إنما تعني سياسة الأمم المؤثّرة، والدول المؤثرة، لاسيما المؤثرة على سياسة أمته ودولته، سواء أكان هذا التأثير قريبا أو بعيدا. فمثلا أن يعرف انقلابا حصل في هايتي ليس مهما أن يعرفه ولكن انقلابا حصل في البرازيل أو كويا، وفي الحبشة أو أوغاندا من الضروري أن يعرفه لأن الأول لا يؤثر في الوضع الدولي ولا تأثير له على أمته أو دولته، ولكن الإنقلابات الأخرى لها تأثير على المسلمين لا سيما الإنقلابات التي تحصل في البلاد العربية، ولها تأثير على بعض الدول خصوصا الدول المجاورة أو المتخامة للبلد الذي يحصل فيه الإنقلاب كانقلابات اليمن بشطريه وتأثيره على السعودية، وانقلابات موريطانيا وتأثيرها على المغرب، وانقلابات سوريا وتأثيرها على لبنان والأردن والعراق... لذلك فإنه يهتم بها ولو كان ذلك في المشرق وهو يسكن المغرب أو كان في المغرب وهو يسكن المشرق.
والعناية السياسية الدولية عند المسلمين بدأت منذ حصلت البعثة المحمدية قبل أن يقيم الرسول الأكرم صلوات الله عليه وسلامه الدولة الإسلامية بالمدينة المنورة، واستمرت بعد قيام الدولة الإسلامية، ويجب أن يستمر مادام في الدنيا مسلمون. فالإهتمام بالسياسة الخارجية، أو السياسة الدولية أمر لازم للمسلمين، وهو فرض كفاية عليهم، لأن خطر الشعوب والأمم غير الإسلامية على المسلمين، وعلى الأمة الإسلامية، خطر دائم، وفيه قابلية لأن يكون خطرا داهما، فاتقاؤه فرض، ومعرفته إنما هي من أجل اتقائه، ولذلك كانت معرفته فرضا، واتقائه فرضا، وإن كان فرضا على الكفاية.
إلا أنه يجب أن يعلم أن السياسة الخارجية للدول كلها تتغير وتتبدل وتنتقل من حال إلى حال، فلابد أن يعرفها على ما هي عليه عند المعرفة حسب الواقع والحقيقة أو عدم خطرها ولأجل أن ينبه لاتقائها أو يعمل لاتقائها مهما كان هذا الإتقاء.
فمثلا الدولة الإسلامية_ الدولة العثمانية_ في القرن السادس عشر الميلادي كانت الدولة الأولى في العالم تشكل خطرا دائما عليه، ولكنها بعد منتصف القرن الثامن عشر الميلادي صارت محلّ طمع للدول الأخرى، وهدفا لتلك الدول حتى قضي عليها واتخذت جميع الوسائل والأساليب للحيلولة دون رجوعها.
ومثلا كانت دول أوروبا في القرن التاسع عشر الميلادي وبعد الحرب العالمية الأولى تسيطر على إفريقيا وأكثر بلاد أسيا، ولكن بعد الحرب الكونية الثانية انحطت إلى حد أن فقدت سيطرتها وفقدت قدرتها وصارت السيطرة والقوة هي لأمريكا ثم لروسيا.
ومثلا كانت بريطانيا دولة عظمى حتى انتهاء الحرب العالمية الثانية، ثم فقدت قوتها بعد الحرب العامية الثانية وإن لم تفقد سيطرتها، ولكن منذ أوائل الستينات في القرن العشرين الميلادي أخذت تفقد سيطرتها وتتلاشى قدرتها ولكنها ظلت قادرة ولا تزال على الدس والمناورة السياسية، وصارت تحاول إعادة وجودها وإعادة تأثيرها وأن تكون لديها سيطرة ولكنها في هذه المحاولات فقدت قدرتها على العمل وإن ظلت قدرتها على الدس والمناورات إلا أنها في سنة 1974م غزيت في عقر دارها واستهدف نظامها فانهارت قواها ودب اليأس في بعض رجالها السياسيين حتى بات محتملا أن تفقد قدرتها على الأعمال السياسية بعد أن فقدت قدرتها على المجابهات وإن كان ليس من المحتمل أن تفقد قدرتها على الدس والمناورات ما دامت دولة. ثم جاءت بداية الثمانينات فتأثرت بشكل مضر كثيرا بالثورة الإيرانية بمنطقة الخليج حيث تزعزع نفوذها وخيف عليه بعد زوال نفوذها من إيران ولكنها لم تستسلم بل ظلت تناور وتستميت حتى بدأ يظهر عليها من الانتعاش مؤخرا.
ومثلا كانت أمريكا تسيطر على العالم كله بعد الحرب العالمية الثانية، ورغم إخفاقها في سياستها الدولية ظلت سيطرتها على العالم، وقدرتها على الأعمال السياسية والعسكرية في أوجها حتى سنة1974م، فأخذت سيطرتها على العالم تضعف، وصارت قدرتها على الأعمال السياسية غير فعالة، وصارت تتردد في الأعمال العسكرية في العالم، ووجد بين الدول من يجرؤ أن يقول لها: لا ! وكانت جميع الدول تسير في ركابها مهما كانت تتظاهر بمحاولات التردد. واستمرت على حالتها هذه حتى مجيء كارتر فزاد في إضعاف هيبتها ولو أنه دخل التاريخ بكامب ديفيد والإطاحة بشاه إيران إلا أنه رغم نجاحه المنقطع النظير هذا لم ينفع في إعطاء الوجه القوي المهاب لدولته فخلفه ريجان من أجل إعادة هيبة أمريكا ونجح هو أيضا في كثير من أعماله التي أعادت هيبة أمريكا ونجح في دخول التاريخ بالإتفاقيات المتعلقة بالسلاح النووي إلا أنه أساء كثيرا إلى دولته بقيامه ببعض الأعمال العسكرية غير المشروعة كضرب ليبيا وإسقاط طائرة الأرباص الإيرانية التي كانت تقل على متنها الأبرياء من المدنيين إلى غير ذلك من الأعمال العسكرية السياسية التي لم تنزل هيبة أمريكا وإنما أساءت إليها.
ومثلا كانت روسيا بعد الحرب العالمية الثانية تقف في وجه الغرب كلها، وكانت تخيف جميع دول العالم، ولكنها منذ دخول السبعينات في القرن العشرين أخذت تسير في ركاب أمريكا وأصبحت لا تخيف أحدا من دول العالم. ورجعت إمبراطورية روسية غلافها الفكرة الشيوعية مجرد فكرة تخاف الصين، وتجامل دول أوروبا، وتحاول استرضاء حتى الدول الصغرى. وفي نهاية السبعينات غزا الروس أفغانستان باتفاق مع أمريكا، وقد ظهر هذا الإتفاق (( من خلال الردود الفعلية التي أعقبت الغزو من مثل تفاهة مقاطعة الألعاب الأولمبية التي أقيمت عقب ذلك بروسيا، وتهديد الروس وإنذارهم من مغبة اجتياح الأراضي الباكستانية مع أن الواقع أفغانستان وليس باكستان، وتعهّد الولايات المتحدة الأمريكية بحماية باكستان على لسان_ بريجنسكي_ مستشار كارتر أثناء تواجده بالحدود الباكستانية الأفغانية... )) ولكنهم_ أي الروس_ لم ينتبهوا لمستقبل هذا الغزو ولم يفطنوا لألاعيب أمريكا وإن كانوا قد فطنوا لمناورات بريطانيا لأنها كانت تريد أن توقع بينهم وبين أمريكا بتحركاتها السياسة ومحاولاتها استغلال الوضع الجديد وتأزيم الموقف. فقد عمدت أمريكا إلى الإعلام أولا من أجل ستر الإتفاق الذي تم بينها وبين روسيا بشأن أفغانستان، ثم التجأت إلى باكستان ورأت فيها الدولة المؤهلة لاحتضان ثورة ضد الروس فظهر الثوار أو المجاهدون الأفغان فشرعت تمدهم بالسلاح وتدعمهم دوليا وبذلك كانت روسيا قد خسرت كثيرا. وأخفقت سياسيا وأحيانا عسكريا، فجاء جورباتشوف وأعاد النظر في سياسة روسيا تجاه أفغانتان فقرر الإنسحاب بعدما خطط له ولكن ضمن إطار يحفظ عليه ماء وجهه راضيا عمن يخلف عميله. ثم إن أهم ما ميز روسيا القديمة أو البريجنيفية عن الجورباتشفية هو سياسة البرسترويكا فتكون روسيا بهذه السياسة قد تخلصت ممن يحملون الحنين للشيوعية داخليا ونجحت نجاحا مقلوبا في جعل روسيا جزءا من الغرب مادامت تلهث وراءه وتخطو خطاه فصارت بذلك مقادة بعد أن كانت تحرص على قيادة العالم. كما أنه من غير المستبعد أن تكون وراء المظاهرات الطلابية بالصين مادامت تعمل على حمل الصين لأن تنهج نهجها في الإنفتاح على العالم الحر، أو على الأقل وراء تفاقم الأوضاع داخل الصين أثناء زيارة جورباتشوف وعقب الإنتهاء منها خصوصا بعد جولته في الأوساط الطلابية.
فالسياسي حين ينظر في حالات الدول وأخبارها، وحين يحاول فهم السياسة الخارجية والدولية، لا يصح أن لا يدرس أحوال كل دولة من الدول المؤثرة، ولكنه لا يأخذ إلا حال الدولة في الوضع الذي وصلته لا قبله، وفي الحال التي هي عليها الآن لا التي كانت عليها، حتى يكون فهمه صحيحا، حتى يكون سياسيا يحسن العمل السياسي.
فالسياسة إذا أطلقت إنما تعني السياسة الدولية، لأنها أبرز ما فيها، ولأنها بدونها لا تسمى سياسة. صحيح أن محاسبة الحكام هي من السياسة، وأن رعاية شؤون الأمة داخليا هو من السياسة. ولكن ذلك ليس هو كل السياسة، بل ليس هو السياسة لفقدانه الجزء الهام من السياسة وهو السياسة الخارجية. فالسياسة الخارجية هي الأساس، وهي التي تجعل السياسة سياسة بالمعنى الصحيح. وإذا كان النظام الديمقراطي يعتبر السياسة الداخلية سياسة، لأن من صلب نظامه وجود المعارضة، ولكن نظام الحكم في الإسلام قائم على رعاية الشؤون، وعلى القيادة الفردية، فليس فيه معارضة بل فيه المحاسبة. ولذلك كانت السياسة في الأمة الإسلامية تعني السياسة الخارجية، والسياسة الدولية. لأن الأمة كلها يجب أن تظل مدركة أن جميع الشعوب والأمم غير الإسلامية قد أعلنت عداءها لها ولاتزال وستظل فهي عدوة لها، وتتربص بها الشر بشكل دائم، قال تعالى: (( ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم )). وقال جل من قائل: (( قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر )). وأن جميع الدول قد كانت في الماضي القريب والبعيد عدوة للدولة الإسلامية، وستكون عدوة لها في المستقبل فلابد أن تتربص بها الدوائر، وتشتغل بالمؤامرات والتحضيرات لإضعافها، ولقهرها والقضاء عليها قال تعالى: (( إذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين )). ولذلك يجب أن تكون الأمة كلها لاسيما السياسيين مشغولة باتقاء الخطر الخارجي، أي أن تظل مشغولة في السياسة الخارجية والسياسة الدولية بالمعرفة والتتبع وإبصار مواطن الخطر.
على أن الدولة الإسلامية لاتعني أنها الحكام، بل هي الأمة التي تحت سلطان الدولة فعلا، فالأمة كلها هي الدولة، والدول غير الإسلامية تعرف ذلك وتعمل على أساسه. ومادامت الأمة مدركة أنها هي الدولة، فإنها تظل متتبعة لأخبار وأحوال الدول الأخرى، والشعوب والأمم الأخرى حتى تظل على وعي على أعدائها، وحتى تظل في حالة استنفار فعلي ضد جميع الأعداء. ولهذا فإنه يجب أن تظل أخبار السياسة الخارجية شائعة في الأمة كلها، مدركة من الناس بشكل عام، وأن يكون هم السياسيين والمفكرين إطلاع الناس على السياسة الخارجية، حتى أن الناس حين يوكلون عنهم نوابا في مجلس الأمة للمحاسبة والشورى، إنما يختارون على أساس السياسة الخارجية، وعلى أساس السياسة الدولية لأن هذا هو الذي يجب أن يكون لدى الأمة، وهو الذي يجب أن يكون لدى وكلائها في مجلس الأمة، أما السياسيون والمفكرون بشكل عام فإن معرفة السياسة الخارجية، والسياسة الدولية لابد أن تكون هي الطاغية على أعمال السياسيين وأفكارهم وهي الموجودة بشكل بارز لدى المفكرين، وفي تفكيرهم وأفكارهم. لأن المسلم وجد من أجل الإسلام، وإنما وجد من أجل الدعوة الإسلامية، وإنما يعيش أو يعيش من أجل هذا الدين، في حمايته، ونشر دعوته. وإذا كان الجهاد هو ذروة سنام الإسلام، فإن حمل الدعوة الإسلامية هو الغاية التي من أجلها يكون الجهاد. وهذا يستوجب معرفة السياسة الخارجية والسياسة الدولية. على أنه بصرف النظر عن هذا، فإن الدولة التي تطمع أن يكون لها تأثير ما، وأن تتمتع بالنفوذ والمجد، تجعل السياسة الخارجية أساسا من أسسها، وتتخذ السياسة الخارجية وسيلة لتثبيت مركزها في الداخل والخارج. وإذا كان هذا هو الواقع، فإن على السياسيين والمفكريين أن يحيطوا بالسياسة الخارجية، والسياسة الدولية سواء أكانوا في الحكم أو خارج الحكم. لأن هذا هو الذي يجعلهم سياسيين، أي راعين لشؤون أمتهم، لأن الشؤون العليا للأمة إنما تمركز في السياسة الخارجية والسياسة الدولية. ومن هنا كان واجب الأحزاب السياسية كلها والسياسيين عموما، ورجال الفكر، والعلم، أن تكون السياسة الخارجية والسياسة الدولية أهم ما يشتغلون به.
وإذا كان لابد من معرفة السياسة الخارجية والسياسة الدولية، لاسيما للسياسيين، والمفكرين والعلماء فإنه لايصح الاقتصار على الاجمال والنتائج، فإن هذه إذا جرى الاقتصار عليها، وإن كان مفيدا ولكنه لايكفي لإدراك الخطر، ولا لمعرفة كيفية الاتقاء، ولا لفهم الحوادث والوقائع ثم تحليلها، كما لايصح الاقتصار على معرفة القواعد العامة والخطوط العريضة كنتيجة للاقتصار على الاجمال والنتائج بل لابد من معرفة التفاصيل والأعمال والحوادث ثم تحليلها والوقوف على النوايا والأهداف. والعدو حتى تعرف نواياه تجاه الدولة الإسلامية والأمة الإسلامية لابد من أن تعرف أولا كلامه ووضع هذا الكلام. وثانيا تصرفاته والظروف التي جرت فيها هذه التصرفات. وثالثا علاقاته ووضع هذه العلاقات. ومن غير معرفة هذه الثلاثة لايمكن الاطلاع على نوايا العدو. وهذه الثلاثة تحتاج معرفتها إلى معرفة التفاصيل. فالكلام لابد من معرفة تفاصيله وتتبعها حتى تدرك الأوضاع التي قيل فيها هذا الكلام، وكذلك التصرفات والعلاقات، وهذا يحتم معرفة التفاصيل. فإذا زارت رئيسة وزراء بريطانيا الصين فإن هذه الزيارة ليست للنزهة، ولا للتجارة، ولا لتلقي العلم بل هي عمل سياسي ولو تضمنت العناصر الثلاثة أو واحدا منها فلابد أن تكون الزيارة عملا سياسيا في أولها وآخرها. فلابد من تتبع تفاصيل هذه الزيارة، ومعرفة دقائقها. وإذا كان سواد الأمة لايهتم بالتفاصيل، فإن أفرادها البارزين ولاسيما السياسيين لابد أن يعرفوا ذلك، لأنهم مسؤولون، ولأنهم يزعمون أنهم يرعون شؤون الأمة.
وإذا كان لابد من أمثلة كثيرة على ذلك، فإن الحوادث الجارية في العالم خير أمثلة على ضرورة معرفة التفاصيل. فالعداء المستحكم بين الصين وروسيا أمر معروف، فإذا أعطى مسؤول صيني تصريحا ضد روسيا، أو تصريحا بولونيا، أو تصريحا ضد ألمانيا الشرقية أو الغربية فإنه لابد أن يدرس هذا التصريح وأن يجري تصور الوقائع التي يحويها، أو التي يهدف إليها، لأنه وإن كانت الصين لاتشكل خطرا علينا فإن روسيا تشكل خطرا آنيا، والصين قد تشكل خطرا مستقبليا، ومعرفة حالة العداء لا تتأتى إلا بمعرفة التفاصيل، وتتبعها. وتصريح_ مشيل روكار_ رئيس وزراء فرنسا الذي أعلن فيه أن فرنسا قد (( جمدت جميع علاقاتها مع الصين... )) وأن الزيارة التي كانت مقررة لرئيس وزراء الصين تكون بحكم التصريح ملغية نظرا لأعمال العنف التي تواجه السلطات الصينية الاضطرابات الداخلية فإنه لابد من أن يدرس هذا التصريح لأن تصريح فرنسا ضد الصين تصريح ضد عدو حقيقي وليس ضد صديق، ولأن الصين إن تحركت في السياسة الدولية تؤثر في الموقف الدولي مثلها مثل بريطانيا وفرنسا... والتنافس القائم بين أوروبا وأمريكا، هو واقع قائم بين بعض دول أوروبا وبين الولايات المتحدة الأمريكية، فإذا أعطى وزير خارجية فرنسا تصريحا ضد الولايات المتحدة الأمريكية، وأعطت رئيسة وزراء بريطانيا أو وزير خارجيتها تصريحا في تأييد الولايات المتحدة الأمريكية، فيجب أن يفهم التصريحات على أساس أنهما تصريحان لأوروبا، وأن يدرك أن ما بين أوروبا وأمريكا هو تنافس وليس عداء، حتى لو كان فيه أذى لأوروبا أو أمريكا.
وأيضا إذا قامت أمريكا ببيع أسلحة إلى هولاندا، لايصح أن يعتبر أنه مثل بيع غسالات لايطاليا فإن هناك فرقا بين علاقة الدولتين بأمريكا، وهناك كذلك فرق بين بيع الأسلحة وبيع الغسالات. وكذلك إذا أعطت انجلترا قرضا لروسيا، وأعطت قرضا للصين، فإن هناك فرقا بين علاقة كل من الدولتين في إنجلترا. وإذا عقدت فرنسا معاهدة ثقافية مع روسيا، وعقدت إنجلترا معاهدة ثقافية مع روسيا نفسها، فإن هناك فرقا بين المعاهدة الثقافية الانجليزية وبين المعاهدة الثقافية الفرنسية. وهكذا يجري تتبع التفاصيل في الكلام، والتصرفات، والعلاقات، فلا يكفي أن يعرف الاجمال، بل لابد أن يعرف التفاصيل.
وأنه وإن كانت الحالة الدولية الآن، وحالة الدولة المؤثرة، تعتمد في سياستها على ما يسمى بالديبلوماسية، أي على الاتصالات، وعلى العملاء، فإذا هذا أمر مؤقت، وهو موجود لعدم وجود قوة مخيفة في العالم. ولكنه إذا وجدت قوة مخيفة فإن هذا يتغير، وتصبح الحالة الدولية، وحالة الدول المؤثرة، تعتمد على الأعمال السياسية، والأعمال العسكرية. إلا أنه على أي حال داخل تحت دائرة الاهتمام بالتفاصيل. فإذا كان هناك عملاء فلابد من معرفتهم حتى ولو كانوا من دول أجنبية أو غير إسلامية. وإذا جرت اتصالات، أو أعمال سياسية، فلابد من معرفة هذه الاتصالات وتلك الأعمال بتفاصيلها لاسيما ما كان خفيا منها.
وإذا كانت أوروبا تعمل على بث روح الثقة في الدول الأخرى، فإنها تفعل ذلك لإضعاف موقف أمريكا وروسيا، ولإيجاد قوة لها بجانبها، ولكن مهما يكن الأمر فإن أوروبا تعتبر نفسها صديقا لأمريكا، ومن أهل البيت. وتعتبر روسيا عدوة لها. فلايصح أن نصل إلى نتيجة واحدة الدولتين فإن أوروبا وإن عملت لإضعاف أمريكا فإنها تعمل لرفعة شأنها لدى أمريكا حتى تعاملها معاملة كريمة، ولكنها حين تعمل لإضعاف روسيا، فإنها إنما لهدمها وإضعاف نفوذها.
وإذا كانت فرنسا قد منعت أو تمنع أو سوف تمنع الأسلحة عن اليهود، وأمريكا أعطتهم السلاح أو الأسلحة على نطاق واسع وتعطيهم وسوف تظل تعطيهم. فإن ذلك لايعني أن فرنسا ضد اليهود، وأن أمريكا مع اليهود، لأن الدولتين تؤديان اليهود، ويريدان قصدا واحدا ظهر أم خفي وهو ضرب المسلمين في فلسطين أو غيرها من البلاد الإسلامية، ولكن خلافهما في فهم أسلوب التأييد ظهر في الأسلحة بمنعها أو إعطائها أو تقييدها بشروط أو ما شاكل ذلك.
فالسياسة الخارجية والسياسية الدولية، سواء جرت طريق العملاء، أو بالاتصالات، أو جرت بالأعمال السياسية، أو الأعمال العسكرية، فإن معرفة التفاصيل، أمر لابد منه، وذلك لمعرفة السياسة نفسها، ولمعرفة النوايا والأهداف، ولإدراك ماهية الكلام أو التصرف أو العلاقة، وما لم تعرف هذه التفاصيل، فإنه لا تكون السياسة قد عرفت، ولا صار المرء سياسيا، وبالطبع لا تدرك النوايا والأهداف. هذا هو التفكير السياسي، فهو تفكير بالأبحاث السياسية والعلوم السياسية، وتفكير بالوقائع السياسية والحوادث السياسية. والتفكير الأول لا قيمة له، ولا يخرج عن نطاق المعرفة للأفكار إذ لا يزيد عن مجرد المعرفة للأفكار. أما التفكير السياسي، أي التفكير في الحوادث السياسية والوقائع السياسية فإنه هو الذي يفيد، وهو الذي ينفع، وهو الذي يؤثر أو يكون له التأثير العظيم، والتأثير الباهر. ولذلك فإنه إن جاز التفكير السياسي في الأبحاث السياسية والعلوم السياسية، وكانت منه الفوائد المختلفة النّسب للأفراد من العلماء في السياسة، فإن التفكير في الحوادث السياسية والوقائع السياسية، أي التفكير السياسي الحق في الحوادث والوقائع الجارية والتي ستجري، هو واجب على الكفاية للأمة الإسلامية يجب العمل على إيجاده بالأمة لاسيما على الذين لديهم مثل هذا التفكير من المتعلمين وغير المتعلمين، أي سواء أكانوا متعلمين أو غير متعلمين إذ لا يشترط فيه التعليم بل تجوز فيه الأمية بمفهومها اللغوي. وهكذا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
محمد محمد البقاش أديب ومفكر من طنجة المغرب
منقول من كتباب: التفكير بالنصوص (بحث أكاديمي) المؤلف: محمد محمد البقاش أديب باحث وصحافي.
الكتاب: التفكير بالنصوص ( دراسة أكاديمية ).
الحقوق: محفوظة للمؤلف.
الطبعة الأولى ـ ورقية ـ: يونيو 1999.
السحب: مصلحة الطباعة Servise Grafic Tanger
النشرة الإلكترونية الأولى:
الإيداع القانوني: 462 ــ 98
ردمد 1114 – 8640 ISSN
رد مع اقتباس
إضافة رد


للإعلان هنا تواصل معنا > واتساب
اشتراك بين سبورت | | | قروبات واتس اب | | | موثق معتمد في جده | | | محامي في المدينة | | | نشر سناب ، اضافات سناب ، متابعين سناب ، سنابي | | | نشر سناب | | | تصميم شخصيات ثلاثية الأبعاد للأفلام الدعائية و الالعاب
موقع الكوبونات | | | كود خصم امريكان ايجل | | | كود خصم وجوه | | | كود خصم بات بات

منتديات شباب الأمة
تطوير موقع الموقع لخدمات المواقع الإلكترونية
Powered by vBulletin Copyright ©2000 - 2021 Jelsoft Enterprises Ltd