حياك الله يا أخي.
اسمح لي أولاً أن أسجل أنك لم تجب على طلبي في إثبات أن الجلوس لا يكون إلا بعد التعب.
اسمح لي أن أنقل لك ما جاء في كتاب العرش للإمام الذهبي رحمه الله:
((وروى العباس بن عبد العظيم العنبري عن أبي أحمد الزبيري عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن عبد الله بن خليفة عن عمر قال: أتت النبي امرأة فقالت: ادعُ الله أن يدخلني الجنة. فعظم الرب، فقال: "إن كرسيه فوق السموات، وإنه يقعد عليه فما يفضل منه إلا أربع أصابع". [7]
هذا حديث محفوظ من حديث أبي إسحاق السبيعي إمام الكوفيين في وقته، سمع من غير واحد من الصحابة، وأخرجا حديثه في الصحيحين، وتوفي سنة سبع وعشرين ومائة. تفرد بهذا الحديث عن عبد الله بن خليفة من قدماء التابعين، لا نعلم حاله بجرح ولا تعديل، لكن هذا الحديث حدث به أبو إسحاق السبيعي مقرًا له كغيره من أحاديث الصفات، وحدث به كذلك سفيان الثوري وحدث به أبو أحمد الزبيري ويحيى بن أبي بكير ووكيع عن إسرائيل.
وأخرجه أبو عبد الرحمن عبد الله بن أحمد بن حنبل في كتاب السنة والرد على الجهمية له عن أبيه عن عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان الثوري عن أبي إسحاق السبيعي عن عبد الله بن خليفة عن عمر رضي الله عنه، ولفظه: "إذا جلس الرب على الكرسي، سمع له أطيط كأطيط الرحل الجديد". [8]
ورواه أيضا عن أبيه: حدثنا وكيع بحديث إسرائيل عن أبي إسحاق عن عبد الله بن خليفة عن عمر "إذا جلس الرب على الكرسي" فاقشعر رجل سماه أبي عند وكيع، فغضب وكيع، وقال: أدركنا الأعمش وسفيان يحدثون [بهذه الأحاديث] ولا ينكرونها.
قلت: وهذا الحديث صحيح عند جماعة من المحدثين، أخرجه الحافظ ضياء الدين المقدسي في صحيحه، وهو من شرط ابن حبان، فلا أدري أخرجه أم لا، فإن عنده أن العدل الحافظ إذا حدث عن رجل لم يعرف بجرح فإن ذلك إسناد صحيح.
فإذا كان هؤلاء الأئمة:
أبو إسحاق السبيعي والثوري والأعمش وإسرائيل وعبد الرحمن بن مهدي وأبو أحمد الزبيري ووكيع وأحمد بن حنبل، وغيرهم ممن يطول ذكرهم وعددهم الذين هم سُرُج الهدى ومصابيح الدجى قد تلقوا هذا الحديث بالقبول وحدثوا به ولم ينكروه ولم يطعنوا في إسناده، فمن نحن حتى ننكره ونتحذلق عليهم؟ بل نؤمن به ونكل علمه إلى الله عز وجل.
قال الإمام أحمد: "لا نزيل عن ربنا صفة من صفاته لشناعة شنِّعت وإن نَبَت عن الأسماع".
فانظر إلى وكيع بن الجراح الذي خلف سفيان الثوري في علمه وفضله، وكان يشبه به في سمته وهديه، كيف أنكر على ذلك الرجل، وغضب لما رآه قد تلون لهذا الحديث.)) ا.هـ
فالحديث حدث به أبو إسحاق السبيعي بكل تأكيد، لكن هل حدث به عمر

؟ هذا هو موضع الخلافبين علماء السنة أنفسهم، فمن أثبت اللفظ أثبته على هذا الإجماع، ومن لم يثبت اللفظ كانت حجته في حال عبد الله بن خليفة، ولا تنس أن الصفة صفة نفي وصفة إثبات، وعدم إثبات الصفة لا يعني نفي الصفة، فمن لا يقول بأن الله سبحانه يجلس على العرش لا يعني أنه يقول أن الله لا يجلس على العرش، وبكلمة أخرى من قال أن حديث الجلوس لا يصح عنده فهذا لا يعني أنه ينفي صفة الجلوس عن الرب سبحانه.
أسأل المولى عز وجل أن تكون كلماتي واضحة، فإن قصرت فأخبرني حتى أعيد التفصيل.