نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ الذَّارِيَاتِ، وَهِيَ سُورَةُ "الْقَسَمِ بِالْغَيْبِ" وَ"مَنْطِقِ الْغَايَةِ الْوُجُودِيَّةِ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ "ق" قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ الْحَقِيقَةِ الْعَارِيَةِ عِنْدَ الْمَوْتِ، فَإِنَّ سُورَةَ الذَّارِيَاتِ تَنْقُلُنَا إِلَى مَنْطِقِ "الْحَتْمِيَّةِ وَالْوَظِيفَةِ"، وَتَعْرِضُ كَيْفَ تَعْمَلُ قُوَى الْكَوْنِ (الرِّيَاحُ، السُّحُبُ، السُّفُنُ، الْمَلَائِكَةُ) لِتَحْقِيقِ وَعْدٍ لَا يَتَخَلَّفُ.
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِقَسَمٍ رُبَاعِيٍّ بِمَخْلُوقَاتٍ ذَاتِ حَرَكَةٍ (الذَّارِيَاتِ، الْحَامِلَاتِ، الْجَارِيَاتِ، الْمُقَسِّمَاتِ). هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "النَّظْمِ الْوَظِيفِيِّ"؛ فَالْكَوْنُ لَيْسَ سَاكِنًا، بَلْ هُوَ "مَنْظُومَةُ عَمَلٍ" دَائِمَةٍ. النَّتِيجَةُ الْمَنْطِقِيَّةُ لِهَذَا النَّشَاطِ الْكَوْنِيِّ الدَّقِيقِ هِيَ: {إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ * وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الِاسْتِدْلَالِ بِالْفِعْلِ عَلَى الْفَاعِلِ"؛ فَالَّذِي أَدَارَ هَذَا النِّظَامَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَتْرُكَ الْوُجُودَ بِلَا "دِينٍ" (حِسَابٍ وَجَزَاءٍ).
فِي "تَحْلِيلِ الِارْتِبَاكِ الْمَعْرِفِيِّ"، تَصِفُ السُّورَةُ حَالَ الْمُنْكِرِينَ: {إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "التَّشَتُّتِ الذِّهْنِيِّ"؛ فَحِينَ يَغِيبُ مِعْيَارُ الْحَقِيقَةِ، تَتَعَدَّدُ الْآرَاءُ وَتَتَصَادَمُ، بَيْنَمَا الْحَقُّ وَاحِدٌ وَمُتَّسِقٌ مَعَ نَفْسِهِ.
أَمَّا فِي "نَمُوذَجِ الضَّيْفِ" (إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ)، فَتُبَيِّنُ السُّورَةُ مَنْطِقَ "الْكَرَمِ وَالْبُشْرَى". إِبْرَاهِيمُ يُقَدِّمُ "عِجْلًا سَمِينًا" لِأَضْيَافٍ لَا يَعْرِفُهُمْ، لِيَأْتِيَهُ الرَّدُّ بِمَا هُوَ "خَارِجُ الْمَنْطِقِ الْبَشَرِيِّ" (وِلَادَةِ غُلَامٍ لِعَقِيمٍ وَشَيْخٍ). الِاسْتِنْتَاجُ هُنَا أَنَّ "الْقُدْرَةَ الْإِلَهِيَّةَ" لَا تَتَقَيَّدُ بـ "الْقَوَانِينِ السَّبَبِيَّةِ" الَّتِي أَلِفَهَا الْبَشَرُ، بَلْ هِيَ تَحْكُمُهَا.
فِي "الْبُرْهَانِ الْآفَاقِيِّ"، تَقُولُ السُّورَةُ قَاعِدَةً عِلْمِيَّةً وَمَنْطِقِيَّةً مُبْهِرَةً: {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "التَّمَدُّدِ وَالْعَظَمَةِ"؛ فَالْبِنَاءُ الْكَوْنِيُّ لَيْسَ جَامِدًا، بَلْ هُوَ فِي "اتِّسَاعٍ" دَائِمٍ، وَفِي "زَوْجِيَّةٍ" شَامِلَةٍ: {وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}. هَذِهِ الثُّنَائِيَّةُ تُثْبِتُ مَنْطِقِيًّا "وِحْدَانِيَّةَ" الصَّانِعِ، فَالزَّوْجَانِ يَحْتَاجُ كُلٌّ مِنْهُمَا لِلْآخَرِ، وَاللَّهُ هُوَ "الْفَرْدُ الصَّمَدُ".
تَصِلُ السُّورَةُ إِلَى "الْغَايَةِ الْقُصْوَى" لِلْوُجُودِ فِي أَعْظَمِ جُمْلَةٍ تَعْرِيفِيَّةٍ: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الْوَظِيفَةِ الْوُجُودِيَّةِ"؛ فَالْإِنْسَانُ لَمْ يُوجَدْ لِيَجْمَعَ الْمَالَ (فَاللَّهُ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ)، بَلْ وُجِدَ لِيُحَقِّقَ صِلَةَ "الْعُبُودِيَّةِ" بِالْمَصْدَرِ. الِاسْتِنْتَاجُ التَّحْلِيلِيُّ أَنَّ كُلَّ مَسْعًى بَشَرِيٍّ لَا يَصُبُّ فِي هَذِهِ الْغَايَةِ هُوَ مَسْعًى "ضَائِعٌ" مَنْطِقِيًّا.
بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ الذَّارِيَاتِ هِيَ سُورَةُ "تَحْدِيدِ الْبَوْصَلَةِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الْكَوْنَ يَعْمَلُ بِدِقَّةٍ لِخِدْمَةِ الْأَمْرِ الْإِلَهِيِّ، وَأَنَّ رِزْقَكَ مَكْفُولٌ فِي السَّمَاءِ، فَلَا تَنْشَغِلْ بِـ "الْوَسِيلَةِ" (الرِّزْقِ) عَنِ "الْغَايَةِ" (الْعِبَادَةِ)، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِّثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ، فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !!
|