![]() |
| جديد المواضيع |


| للإعلان هنا تواصل معنا > واتساب |
| منتدى السنة | الأذكار | زاد المتقين | منتديات الجامع | منتديات شباب الأمة | زد معرفة | طريق النجاح | طبيبة الأسرة | معلوماتي | وادي العرب | حياتها | فور شباب | جوابى | بنك أوف تك |
|
|||||||
![]() |
|
|
أدوات الموضوع |
|
#41
|
|||
|
|||
|
نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ الْأَحْزَابِ، وَهِيَ سُورَةُ "التَّصْفِيَةِ" وَ"الِانْضِبَاطِ الرِّسَالِيِّ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ السَّجْدَةِ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ الْخُضُوعِ الذَّاتِيِّ، فَإِنَّ سُورَةَ الْأَحْزَابِ تَنْقُلُنَا إِلَى مَنْطِقِ التَّنْظِيمِ الْجَمَاعِيِّ فِي أَحْلَكِ الظُّرُوفِ، وَتَعْرِضُ كَيْفَ تَتَحَطَّمُ "التَّحَالُفَاتُ الْبَاطِلَةُ" أَمَامَ صَلَابَةِ الْيَقِينِ وَالِاتِّبَاعِ.
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِأَمْرٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "تَحْدِيدِ الْمَرْجِعِيَّةِ"؛ فَالْقِيَادَةُ تَحْتَاجُ إِلَى صُمُودٍ أَمَامَ الضُّغُوطِ الْخَارِجِيَّةِ (الْكَافِرِينَ) وَالِاخْتِرَاقَاتِ الدَّاخِلِيَّةِ (الْمُنَافِقِينَ). الِاسْتِنْتَاجُ هُوَ أَنَّ مَنْطِقَ "الْمُدَاهَنَةِ" هُوَ مَنْطِقُ الْهَزِيمَةِ، بَيْنَمَا مَنْطِقُ "التَّقْوَى" هُوَ مَنْطِقُ التَّمْكِينِ. فِي "تَحْلِيلِ غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ"، تَعْرِضُ السُّورَةُ مَشْهَدَ "الِاحْتِشَادِ الْعَالَمِيِّ" ضِدَّ الْمَدِينَةِ. الْمَنْطِقُ هُنَا يُمَيِّزُ بَيْنَ اسْتِجَابَتَيْنِ: مَنْطِقُ الْمُنَافِقِينَ: الَّذِي رَأَى فِي الْأَحْزَابِ نِهَايَةً مَحْتُومَةً وَقَالَ: {مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا}، وَهُوَ مَنْطِقٌ يَقِيسُ الْأُمُورَ بِـ "الْإِمْكَانَاتِ الْمَادِّيَّةِ" فَقَطْ. مَنْطِقُ الْمُؤْمِنِينَ: الَّذِي رَأَى فِي الِابْتِلَاءِ تَحْقِيقًا لِلْوَعْدِ وَقَالَ: {هَٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ}، وَهُوَ مَنْطِقٌ يَرَى "الْمِحْنَةَ" بَوَّابَةً لِلْـ "مِنْحَةِ". أَمَّا فِي "الْبِنَاءِ الِاجْتِمَاعِيِّ"، فَتَقُومُ السُّورَةُ بِـ "تَصْحِيحِ الْعَلَاقَاتِ التَّقْلِيدِيَّةِ"؛ فَأَبْطَلَتِ "الظِّهَارَ" وَ"التَّبَنِّيَ" لِتُعِيدَ مَنْطِقَ "الْحَقِيقَةِ الْبِيُولُوجِيَّةِ" إِلَى مَكَانِهَا: {وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ۚ ذَٰلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ}. هَذَا يَعْنِي مَنْطِقِيًّا أَنَّ الْأَوْهَامَ الِاجْتِمَاعِيَّةَ لَا يُمْكِنُ أَنْ تُغَيِّرَ الْحَقَائِقَ الْوُجُودِيَّةَ، وَأَنَّ الدِّينَ يَقُومُ عَلَى "الْوَاقِعِ" لَا عَلَى "الِادِّعَاءِ". تَنْتَقِلُ السُّورَةُ لِتَضَعَ "مَقَامَ الْقُدْوَةِ" لِلرَّسُولِ ﷺ: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "التَّجْسِيدِ الْبَشَرِيِّ لِلْمِثَالِ"؛ فَالْمَبَادِئُ لَا تَبْقَى نَظَرِيَّةً، بَلْ تَحْتَاجُ إِلَى "نَمُوذَجٍ حَيٍّ" يُطَبِّقُهَا فِي الرَّخَاءِ وَالشِّدَّةِ. كَمَا تُرَسِّخُ السُّورَةُ آدَابَ بَيْتِ النُّبُوَّةِ وَحِجَابَ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، لِتَبْنِيَ مَنْطِقَ "الْخُصُوصِيَّةِ وَالطَّهَارَةِ" لِكُلِّ مَنْ يَرْتَبِطُ بِهَذَا الْمَقَامِ. فِي "نِهَايَةِ السُّورَةِ"، تُعْلِنُ السُّورَةُ حَقِيقَةَ "الْأَمَانَةِ": {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا}. الْمَنْطِقُ هُنَا يَرْفَعُ قِيمَةَ "الْإِنْسَانِ" بِصِفَتِهِ الْكَائِنَ الْوَحِيدَ الَّذِي قَبِلَ "حُرِّيَّةَ الِاخْتِيَارِ" وَ"الْمَسْؤُولِيَّةَ الْمَعْرِفِيَّةَ". الِاسْتِنْتَاجُ الْخِتَامِيُّ هُوَ أَنَّ التَّكْلِيفَ لَيْسَ عِبْئًا، بَلْ هُوَ "تَشْرِيفٌ" يَتَطَلَّبُ تَقْوِيمَ الظُّلْمِ وَالْجَهْلِ. بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ الْأَحْزَابِ هِيَ سُورَةُ "صِيَانَةِ الصَّفِّ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الْمُجْتَمَعَ الْمُسْلِمَ يُبْنَى بِالِاتِّبَاعِ الْوَاعِي لِلْقِيَادَةِ، وَبِالتَّطْهِيرِ الدَّائِمِ لِلْبُيُوتِ وَالنُّفُوسِ مِنَ التَّبَعِيَّةِ لِلْغَيْرِ، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ طَاعَةَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ هِيَ طَرِيقُ "الْفَوْزِ الْعَظِيمِ" بَعْدَ كُلِّ زَلْزَالٍ.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !! |
|
#42
|
|||
|
|||
|
نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ سَبَأٍ، وَهِيَ سُورَةُ "الْحَمْدِ الْمُطْلَقِ" وَ"نِعْمَةِ الِاسْتِخْلَافِ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ الْأَحْزَابِ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ التَّمَاسُكِ الِاجْتِمَاعِيِّ فِي الْأَزَمَاتِ، فَإِنَّ سُورَةَ سَبَأٍ تَنْقُلُنَا إِلَى مَنْطِقِ الِاسْتِمْرَارِيَّةِ وَالِانْهِيَارِ، وَتَعْرِضُ كَيْفَ يَتَحَوَّلُ "الشُّكْرُ" إِلَى طَاقَةِ بَقَاءٍ، بَيْنَمَا تَتَحَوَّلُ "الْغَفْلَةُ" إِلَى عَامِلِ هَدْمٍ لِأَعْظَمِ الْحَضَارَاتِ.
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِـ "الْحَمْدِ" الشَّامِلِ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "الْمِلْكِيَّةِ الْمُطْلَقَةِ"؛ فَالْخَالِقُ يَمْلِكُ الْمَادَّةَ وَالْمَعْنَى، وَالْبِدَايَةَ وَالنِّهَايَةَ. وَتَرُدُّ السُّورَةُ عَلَى مُنْكِرِي السَّاعَةِ بِمَنْطِقِ "الْإِحْصَاءِ الدَّقِيقِ": {لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الْعِلْمِ الشَّامِلِ" الَّذِي لَا يَغِيبُ عَنْهُ أَيُّ جُزْءٍ مِنَ النِّظَامِ الْكَوْنِيِّ. فِي "تَحْلِيلِ النَّمَاذِجِ الْحَضَارِيَّةِ"، تُقَدِّمُ السُّورَةُ نَمُوذَجَيْنِ مُتَقَابِلَيْنِ: نَمُوذَجُ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ: حَيْثُ سُخِّرَتِ الْجِبَالُ وَالطَّيْرُ وَالْجِنُّ وَالرِّيحُ. الْمَنْطِقُ هُنَا هُوَ "التَّسْخِيرُ لِلْبِنَاءِ": {اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا}. الشُّكْرُ هُنَا لَيْسَ كَلِمَةً، بَلْ هُوَ "عَمَلٌ" وَإِنْتَاجٌ يُحَافِظُ عَلَى النِّعْمَةِ. نَمُوذَجُ مَمْلَكَةِ سَبَأٍ: حَيْثُ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّتَانِ وَأَمْنٌ وَرَزْقٌ، لَكِنَّهُمْ "أَعْرَضُوا". الْمَنْطِقُ التَّحْلِيلِيُّ يَرْبِطُ بَيْنَ "كُفْرِ النِّعْمَةِ" وَ"سَيْلِ الْعَرِمِ"؛ فَانْهِيَارُ السَّدِّ لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ حَادِثٍ فِيزْيَائِيٍّ، بَلْ نَتِيجَةً لِاخْتِلَالِ الْمَنْظُومَةِ الْقِيَمِيَّةِ الَّتِي أَدَّتْ إِلَى ضَيَاعِ الْإِدَارَةِ الرَّشِيدَةِ. أَمَّا فِي "نَقْدِ الْأَوْهَامِ"، فَتَطْرَحُ السُّورَةُ سُؤَالًا مَنْطِقِيًّا عَنْ "الشُّرَكَاءِ": {ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ ۖ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ}. هُنَا نَرَى مَنْطِقَ "نَفْيِ الصَّلَاحِيَّةِ"؛ فَأَيُّ كِيَانٍ لَا يَمْلِكُ أَصْغَرَ جُزْءٍ مِنَ الْمَادَّةِ اسْتِقْلَالًا، لَا يُمْكِنُ مَنْطِقِيًّا أَنْ يَكُونَ مَرْجِعًا لِلْإِنْسَانِ أَوْ نِدًّا لِلْخَالِقِ. تَنْتَقِلُ السُّورَةُ لِتَحْلِيلِ "صِرَاعِ النُّخَبِ وَالْعَامَّةِ": {يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الْإِسْقَاطِ النَّفْسِيِّ"؛ حَيْثُ يُحَاوِلُ التَّابِعُ التَّنَصُّلَ مِنَ الْمَسْؤُولِيَّةِ. لَكِنَّ الرَّدَّ الْمَنْطِقِيَّ يَأْتِي بِأَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ خِيَارَهَا، وَأَنَّ "الِاسْتِكْبَارَ" الْمَادِّيَّ كَانَ الْحِجَابَ الَّذِي مَنَعَهُمْ مِنْ رُؤْيَةِ الْحَقِّ. فِي "الْبُرْهَانِ عَلَى الرِّسَالَةِ"، تَنْفِي السُّورَةُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ تَهَمَّتَيْنِ: الْجُنُونَ وَالِافْتِرَاءَ، وَتَدْعُو لِـ "التَّفَكُّرِ الْحُرِّ": {أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "الِاسْتِقْلَالِ الذِّهْنِيِّ"؛ فَالْعَقْلُ يَتَحَرَّرُ مِن "تَأْثِيرِ الْقَطِيعِ" حِينَ يَخْلُو بِنَفْسِهِ أَوْ يُنَاقِشُ بِصِدْقٍ، لِيَصِلَ إِلَى حَقِيقَةِ الرِّسَالَةِ. تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِمَشْهَدِ "الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ" وَحَسْرَةِ الْمُكَذِّبِينَ حِينَ يُحَالُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الْحِيَالِ"؛ فَالْفُرْصَةُ كَانَتْ مَوْجُودَةً فِي الدُّنْيَا، وَبَعْدَ انْقِضَائِهَا يُصْبِحُ التَّمَنِّي لَا قِيمَةَ لَهُ مَنْطِقِيًّا. بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ سَبَأٍ هِيَ سُورَةُ "بَقَاءِ الْحَضَارَاتِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الْقُوَّةَ لَيْسَتْ عَيْبًا، بَلْ هِيَ مَسْؤُولِيَّةٌ، وَأَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ سُلَيْمَانَ (الَّذِي بَقِيَ ذِكْرُهُ نُورًا) وَسَبَأٍ (الَّذِي صَارَ أَحَادِيثَ مُمَزَّقَةً) هُوَ مَنْطِقُ "الشُّكْرِ الْعَمَلِيِّ" وَالِارْتِبَاطِ بِالْمُنْعِمِ.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !! |
|
#43
|
|||
|
|||
|
نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ فَاطِرٍ، وَهِيَ سُورَةُ "الْمَبْدَأِ" وَ"الْعِزَّةِ الْمُطْلَقَةِ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ سَبَأٍ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ بَقَاءِ الْحَضَارَاتِ بِالشُّكْرِ، فَإِنَّ سُورَةَ فَاطِرٍ تَنْقُلُنَا إِلَى مَنْطِقِ الْقُدْرَةِ الْخَالِقَةِ الَّتِي تُبْدِعُ مِنَ الْعَدَمِ، وَتُبَيِّنُ كَيْفَ يَتَحَوَّلُ الِافْتِقَارُ إِلَى اللَّهِ إِلَى عِزَّةٍ لَا تَنْكَسِرُ.
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِوَصْفِ اللَّهِ بِـ "فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ". هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "الِاخْتِرَاعِ الْأَوَّلِيِّ"؛ فَالفَطْرُ هُوَ الشَّقُّ وَالِابْتِدَاءُ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ سَابِقٍ. وَتَصِفُ السُّورَةُ الْمَلَائِكَةَ بِـ "أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ"، ثُمَّ تُقَرِّرُ قَاعِدَةً رِيَاضِيَّةً وَكَوْنِيَّةً: {يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "اللَّانِهَايَةِ" فِي الْإِبْدَاعِ الْإِلَهِيِّ. فِي "تَحْلِيلِ مَفْهُومِ الرَّحْمَةِ"، تَضَعُ السُّورَةُ مَعَادَلَةً حَاسِمَةً: {مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا ۖ وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الْحَتْمِيَّةِ الْقَدَرِيَّةِ"؛ فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ نَفْعًا لَا تَمْنَعُهُ كُلُّ قُوى الْأَرْضِ، وَإِذَا مَنَعَ فَلَا حِيلَةَ لِبَشَرٍ. الِاسْتِنْتَاجُ الْمَنْطِقِيُّ هُوَ تَحْرِيرُ الْإِنْسَانِ مِنَ الْخَوْفِ مِنَ "الْآخَرِ" وَرَبْطُهُ بِالْمَصْدَرِ الْوَحِيدِ. أَمَّا فِي "مَنْطِقِ الْفَقْرِ وَالْغِنَى"، فَتَطْرَحُ السُّورَةُ حَقِيقَةً وُجُودِيَّةً كُبْرَى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ}. هُنَا نَرَى مَنْطِقَ "الِاحْتِيَاجِ الْبِنْيَوِيِّ"؛ فَالْفَقْرُ إِلَى اللَّهِ لَيْسَ صِفَةً طَارِئَةً، بَلْ هُوَ جَوْهَرُ الْكَائِنِ الْمَخْلُوقِ، بَيْنَمَا الْغِنَى هُوَ جَوْهَرُ الْخَالِقِ. وَتُبَيِّنُ السُّورَةُ أَنَّ "الْعِزَّةَ" مَنْطِقِيًّا لَا تُطْلَبُ إِلَّا مِنْ صَاحِبِهَا: {مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا}. فِي "الْبُرْهَانِ الْبِيُولُوجِيِّ وَالْجُغْرَافِيِّ"، تُقَارِنُ السُّورَةُ بَيْنَ "الْبَحْرَيْنِ" (الْعَذْبِ وَالْمِلْحِ) وَبَيْنَ "الْأَلْوَانِ" فِي الْجِبَالِ وَالثَّمَرَاتِ وَالنَّاسِ. الْمَنْطِقُ هُنَا هُوَ "الْوَحْدَةُ فِي التَّنَوُّعِ"؛ فَالْمَادَّةُ الْأَصْلِيَّةُ وَاحِدَةٌ، لَكِنَّ التَّجَلِّيَاتِ مُخْتَلِفَةٌ. وَتَصِلُ السُّورَةُ إِلَى الِاسْتِنْتَاجِ الْأَعْظَمِ: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الْعِلَاقَةِ الطَّرْدِيَّةِ" بَيْنَ الْمَعْرِفَةِ وَالْخَشْيَةِ؛ فَمَنِ ازْدَادَ عِلْمًا بِدَقَائِقِ الصُّنْعِ، ازْدَادَ تَعْظِيمًا لِلصَّانِعِ. تَنْتَقِلُ السُّورَةُ لِتَحْلِيلِ "أَوْرَاثِ الْكِتَابِ"، وَتُقَسِّمُ النَّاسَ إِلَى ثَلَاثَةِ أَصْنَافٍ: "ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ"، "مُقْتَصِدٌ"، وَ"سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ". الْمَنْطِقُ التَّحْلِيلِيُّ هُنَا هُوَ "التَّفَاضُلُ بِالْعَمَلِ"؛ فَالِانْتِمَاءُ لِلْوَحْيِ يَحْتَاجُ إِلَى تَفْعِيلٍ سُلُوكِيٍّ، وَكُلُّ دَرَجَةٍ لَهَا مَقَامُهَا فِي الْفَضْلِ. تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِمَنْطِقِ "الْإِمْهَالِ لَا الْإِهْمَالِ": {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "الرَّحْمَةِ الْحَاكِمَةِ"؛ فَالنِّظَامُ الْكَوْنِيُّ يَسْمَحُ بِالْخَطَأِ لِإِعْطَاءِ فُرْصَةٍ لِلتَّصْحِيحِ، لَكِنَّهُ يَنْتَهِي إِلَى مِيعَادٍ مُسَمًّى. بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ فَاطِرٍ هِيَ سُورَةُ "أَصَالَةِ الْإِيجَادِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الْكَلِمَ الطَّيِّبَ وَالْعَمَلَ الصَّالِحَ هُمَا اللَّذَانِ يَرْفَعَانِ الْإِنْسَانَ، وَأَنَّ مَنْ أَرَادَ الْعِزَّةَ فَعَلَيْهِ أَنْ يَنْضَمَّ إِلَى "مَنْظُومَةِ الْحَقِّ" الَّتِي يَقُودُهَا فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !! |
|
#44
|
|||
|
|||
|
نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ يس، وَهِيَ "قَلْبُ الْقُرْآنِ" وَسُورَةُ "الْبَعْثِ وَالْإِحْيَاءِ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ فَاطِرٍ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ أَصَالَةِ الْإِيجَادِ، فَإِنَّ سُورَةَ يس تَنْتَقِلُ لِتَحْلِيلِ مَنْطِقِ إِعَادَةِ الْإِنْشَاءِ، وَتَعْرِضُ الْبُرْهَانَ الرِّيَاضِيَّ وَالْكَوْنِيَّ عَلَى أَنَّ الَّذِي بَدَأَ الْخَلْقَ قَادِرٌ مَنْطِقِيًّا عَلَى إِعَادَتِهِ.
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِالْقَسَمِ بِـ "الْقُرْآنِ الْحَكِيمِ" لِإِثْبَاتِ رِسَالَةِ النَّبِيِّ ﷺ. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "الِاسْتِقَامَةِ": {إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}. الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ فِي الْمَنْطِقِ هُوَ أَقْصَرُ خَطٍّ بَيْنَ نُقْطَتَيْنِ (الْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ)، وَهُوَ الْفِطْرَةُ الَّتِي لَا اعْوِجَاجَ فِيهَا. فِي "تَحْلِيلِ الِاسْتِجَابَةِ الْبَشَرِيَّةِ"، تَعْرِضُ السُّورَةُ مَثَلَ "أَصْحَابِ الْقَرْيَةِ". الْمَنْطِقُ التَّحْلِيلِيُّ هُنَا يَقُومُ عَلَى "تَعَدُّدِ الْمَصَادِرِ"؛ فَأَرْسَلَ اللَّهُ اثْنَيْنِ ثُمَّ عَزَّزَ بِثَالِثٍ، لِقَطْعِ كُلِّ حُجَّةٍ عَقْلِيَّةٍ. وَيَبْرُزُ نَمُوذَجُ "الرَّجُلِ الَّذِي جَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى"، لِيُمَثِّلَ مَنْطِقَ "الْعَقْلِ الْحُرِّ" الَّذِي انْحَازَ لِلْحَقِيقَةِ مَجَّانًا: {اتَّبِعُوا مَن لَّا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُم مُّهْتَدُونَ}. هَذَا هُوَ مِعْيَارُ الصِّدْقِ؛ التَّجَرُّدُ مِنَ الْمَصْلَحَةِ. أَمَّا فِي "الْبُرْهَانِ الْكَوْنِيِّ عَلَى الْإِحْيَاءِ"، فَتَطْرَحُ السُّورَةُ ثَلَاثَ آيَاتٍ مَرْكَزِيَّةٍ: الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ: الَّتِي تَهْتَزُّ بِالْحَيَاةِ بَعْدَ الْمَطَرِ (إِحْيَاءٌ مَادِّيٌّ مَلْمُوسٌ). فَلَكُ النُّجُومِ: {وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} (مَنْطِقُ النِّظَامِ الدَّقِيقِ وَالْحَرَكَةِ الرَّتِيبَةِ الَّتِي تَمْنَعُ التَّصَادُمَ). الْفُلْكُ الْمَشْحُونُ: (قَانُونُ الطَّفْوِ وَتَسْخِيرِ الْبِحَارِ لِلْإِنْسَانِ). فِي "نِهَايَةِ السُّورَةِ"، يَصِلُ التَّحْدِي الْمَنْطِقِيُّ إِلَى ذُرْوَتِهِ فِي الرَّدِّ عَلَى مَنْ قَالَ: {مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ؟}. الرَّدُّ جَاءَ بِقِيَاسِ "الْأَوْلَى": {قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ}. مَنْطِقِيًّا، الْإِيجَادُ مِنَ الْعَدَمِ أَصْعَبُ (بِالْمَقَايِيسِ الْبَشَرِيَّةِ) مِنَ الْإِعَادَةِ، فَالَّذِي فَعَلَ "الْأَصْعَبَ" قَادِرٌ بِالضَّرُورَةِ عَلَى "الْأَسْهَلِ". تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِقَاعِدَةِ "النَّفَاذِ الْمُطْلَقِ": {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الْإِرَادَةِ الْخَالِقَةِ" الَّتِي لَا تَحْتَاجُ إِلَى زَمَنٍ أَوْ مَادَّةٍ أَوْ وَسِيطٍ. الِاسْتِنْتَاجُ الْخِتَامِيُّ هُوَ: {فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}. بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ يس هِيَ سُورَةُ "بُرْهَانِ الْوُجُودِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الْمَوْتَ لَيْسَ نِهَايَةً، بَلْ هُوَ نُقْطَةُ تَحَوُّلٍ فِي النِّظَامِ الْإِلَهِيِّ، وَأَنَّ الْعَقْلَ الَّذِي يَتَأَمَّلُ فِي صُنْعِ اللَّهِ لَا يُمْكِنُ إِلَّا أَنْ يُقِرَّ بِـ "الْبَعْثِ" كَضَرُورَةٍ عَقْلِيَّةٍ لِتَحْقِيقِ الْعَدَالَةِ النَّهَائِيَّةِ.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !! |
|
#45
|
|||
|
|||
|
نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ الصَّافَّاتِ، وَهِيَ سُورَةُ "التَّنْزِيهِ الْمُطْلَقِ" وَ"ثَبَاتِ الصَّفِّ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ يس قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ الْإِحْيَاءِ بَعْدَ الْمَوْتِ، فَإِنَّ سُورَةَ الصَّافَّاتِ تَنْتَقِلُ لِتَحْلِيلِ مَنْطِقِ الْوَحْدَانِيَّةِ الْقَاهِرَةِ، وَتَعْرِضُ كَيْفَ تَتَهَاوَى كُلُّ "الْأَسَاطِيرِ" أَمَامَ التَّوْحِيدِ الْخَالِصِ.
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِقَسَمٍ بِمَخْلُوقَاتٍ مُنَظَّمَةٍ (الصَّافَّاتِ، الزَّاجِرَاتِ، التَّالِيَاتِ). هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "النِّظَامِ وَالْوَظِيفَةِ"؛ فَكُلُّ شَيْءٍ فِي الْكَوْنِ لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ وَمَهَمَّةٌ مُحَدَّدَةٌ. النَّتِيجَةُ الْمَنْطِقِيَّةُ لِهَذَا التَّنَاسُقِ هِيَ: {إِنَّ إِلَٰهَكُمْ لَوَاحِدٌ}. تَعَدُّدُ الْآلِهَةِ يَعْنِي مَنْطِقِيًّا تَصَارُمَ الْإِرَادَاتِ وَاخْتِلَالَ النِّظَامِ، وَهُوَ مَا يَنْفِيهِ الْوَاقِعُ الْكَوْنِيُّ. فِي "تَحْلِيلِ النَّمَاذِجِ الْبَشَرِيَّةِ"، تَعْرِضُ السُّورَةُ قِصَصَ الْأَنْبِيَاءِ بِتَرْكِيزٍ عَلَى مَنْطِقِ "التَّسْلِيمِ وَالِامْتِحَانِ". تَبْرُزُ قِصَّةُ إِبْرَاهِيمَ وَابْنِهِ الذَّبِيحِ كَأَعْظَمِ تَجَلٍّ لِلْمَنْطِقِ الْإِيمَانِيِّ؛ حَيْثُ يَتَجَاوَزُ "الْيَقِينُ" بِمُرَادِ اللَّهِ "الْعَاطِفَةَ الْبَشَرِيَّةَ". قَوْلُ الِابْنِ: {يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ} هُوَ قِمَّةُ التَّصَالُحِ مَعَ الْقَدَرِ، لِتَكُونَ النَّتِيجَةُ الْمَنْطِقِيَّةُ هِيَ "الْفِدَاءَ" وَالنَّجَاةَ بَعْدَ إِثْبَاتِ الْجَدَارَةِ. أَمَّا فِي "نَقْدِ الْعَقْلِ الْخُرَافِيِّ"، فَتُحَاصِرُ السُّورَةُ الْمُشْرِكِينَ بِأَسْئِلَةٍ مَنْطِقِيَّةٍ حَادَّةٍ عَنْ نِسْبَةِ "الْبَنَاتِ" لِلَّهِ وَ"الْبَنِينَ" لَهُمْ. هُنَا نَرَى مَنْطِقَ "التَّنَاقُضِ الذَّاتِيِّ"؛ فَكَيْفَ يَنْسِبُونَ لِلْخَالِقِ مَا يَكْرَهُونَهُ لِأَنْفُسِهِمْ؟ هَذَا الِارْتِبَاكُ يُثْبِتُ أَنَّ الشِّرْكَ لَيْسَ فِكْرًا، بَلْ هُوَ "تَخَرُّصٌ" لَا يَصْمُدُ أَمَامَ الِاسْتِدْلَالِ الْبَسِيطِ. تَنْتَقِلُ السُّورَةُ لِتَحْلِيلِ "مَصِيرِ الْجُنْدِ": {وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ}. الْمَنْطِقُ هُنَا لَيْسَ بِمَعْنَى الْغَلَبَةِ الْمَادِّيَّةِ اللَّحْظِيَّةِ دَائِمًا، بَلْ هُوَ مَنْطِقُ "الْبَقَاءِ لِلْأَصْلَحِ قِيَمِيًّا"؛ فَالْحَقُّ يَبْقَى وَيَنْتَصِرُ فِي نِهَايَةِ الْمَطَافِ، بَيْنَمَا يَزُولُ الزَّبَدُ. تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِقَاعِدَةِ "التَّسْبِيحِ وَالتَّنْزِيهِ": {سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الْعِصْمَةِ الْمَعْرِفِيَّةِ"؛ فَكُلُّ مَا تَخَيَّلَهُ الْبَشَرُ عَنِ اللَّهِ مِمَّا لَا يَلِيقُ، فَهُوَ بَاطِلٌ مَنْطِقِيًّا، وَالْحَقِيقَةُ هِيَ الْعِزَّةُ وَالْوِحْدَانِيَّةُ وَالسَّلَامُ عَلَى الْمُرْسَلِينَ. بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ الصَّافَّاتِ هِيَ سُورَةُ "تَصْفِيَةِ التَّصَوُّرَاتِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الْكَوْنَ مَبْنِيٌّ عَلَى "صَفٍّ" وَاحِدٍ مِنَ الْعُبُودِيَّةِ لِإِلَٰهٍ وَاحِدٍ، وَأَنَّ الِاسْتِسْلَامَ لِأَمْرِ اللَّهِ (كَمَا فَعَلَ إِبْرَاهِيمُ) هُوَ الطَّرِيقُ الْوَحِيدُ لِلْخُرُوجِ مِنْ مَآزِقِ الْمَادَّةِ إِلَى سَعَةِ الْفَضْلِ، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !! |
|
#46
|
|||
|
|||
|
نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ ص، وَهِيَ سُورَةُ "الْإِنَابَةِ" وَ"الْعَدْلِ فِي الْخُصُومَةِ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ الصَّافَّاتِ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ الثَّبَاتِ فِي الصَّفِّ، فَإِنَّ سُورَةَ ص تَنْتَقِلُ لِتَحْلِيلِ مَنْطِقِ الْقَضَاءِ وَالِاحْتِكَاامِ، وَتَعْرِضُ كَيْفَ يَتَعَامَلُ "أُولُو الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ" مَعَ زَلَّاتِ النَّفْسِ وَتَعَقُّدَاتِ السَّطْوَةِ.
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِذِكْرِ "الذِّكْرِ ذِي الشَّرَفِ"، ثُمَّ تُشَخِّصُ عِلَّةَ الْمُكَذِّبِينَ: {بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "الْكِبْرِ الْمَانِعِ لِلْفَهْمِ"؛ فَالْمُشْكِلَةُ لَيْسَتْ فِي نَقْصِ الْبُرْهَانِ، بَلْ فِي "الْعِزَّةِ" الْوَهْمِيَّةِ الَّتِي تَمْنَعُ الْإِنْسَانَ مِنَ الِانْصِيَاعِ لِلْحَقِيقَةِ إِذَا جَاءَتْ مِنْ غَيْرِ طَبَقَتِهِ. فِي "تَحْلِيلِ سُلْطَةِ الْقَضَاءِ"، تَعْرِضُ السُّورَةُ قِصَّةَ "الْخَصْمِ" الَّذِينَ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ عَلَى دَاوُدَ. الْمَنْطِقُ التَّحْلِيلِيُّ هُنَا يَقُومُ عَلَى "آدَابِ الِاحْتِكَاامِ"؛ فَدَاوُدُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، رَغْمَ نُبُوَّتِهِ وَسُلْطَانِهِ، اسْتَمَعَ لِلْخَصْمَيْنِ، وَأَدْرَكَ أَنَّ "الْخُلَطَاءَ" يَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا مَنْ آمَنَ. وَتُبَيِّنُ السُّورَةُ أَنَّ "الْإِنَابَةَ" (الرُّجُوعَ لِلَّهِ) هِيَ مَنْطِقُ الْأَقْوِيَاءِ حِينَ يَشْعُرُونَ بِمَيْلِ النَّفْسِ، لِيَكُونَ التَّكْلِيفُ بَعْدَهَا: {يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ}. أَمَّا فِي "نَمُوذَجِ الِابْتِلَاءِ وَالصَّبْرِ"، فَتَقْرِنُ السُّورَةُ بَيْنَ سُلَيْمَانَ (نَمُوذَجِ الشُّكْرِ فِي الْمُلْكِ) وَأَيُّوبَ (نَمُوذَجِ الصَّبْرِ فِي الضُّرِّ). الْمَنْطِقُ هُنَا هُوَ "التَّعَادُلِيَّةُ"؛ فَالْمُؤْمِنُ يَدُورُ مَعَ الْحَقِّ حَيْثُ دَارَ؛ فَإِنْ أُعْطِيَ سَخَّرَ (سُلَيْمَانَ)، وَإِنْ سُلِبَ صَبَرَ (أَيُّوبَ). كِلَاهُمَا نَالَ ثَنَاءً وَاحِدًا: {نِعْمَ الْعَبْدُ ۖ إِنَّهُ أَوَّابٌ}. الْأَوْبَةُ هِيَ مَنْطِقُ الِاتِّصَالِ الدَّائِمِ بِالْمَرْكَزِ (اللَّهِ). تَنْتَقِلُ السُّورَةُ لِتَحْلِيلِ "أَصْلِ الصِّرَاعِ" بِعَرْضِ قِصَّةِ آدَمَ وَإِبْلِيسَ. الْمَنْطِقُ هُنَا يُمَيِّزُ بَيْنَ "عُنْصُرِ الطِّينِ" وَ"نَفْخَةِ الرُّوحِ". إِبْلِيسُ وَقَعَ فِي خَطَأٍ مَنْطِقِيٍّ (قِيَاسُ الْأَفْضَلِيَّةِ بِالْمَادَّةِ): {أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ}. هَذَا "الْقِيَاسُ الْفَاسِدُ" تَجَاهَلَ الْأَمْرَ الْإِلَهِيَّ وَنَفْخَةَ الرُّوحِ، مِمَّا أَدَّى إِلَى طَرْدِهِ. الِاسْتِنْتَاجُ هُوَ أَنَّ مَنْطِقَ الِاسْتِعْلَاءِ بِالْعِرْقِ أَوْ الْمَادَّةِ هُوَ مَنْطِقٌ "شَيْطَانِيٌّ" بِالْأَصَالَةِ. تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِبَيَانِ أَنَّ الْقُرْآنَ لَيْسَ ادِّعَاءً: {وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الْعَفْوِيَّةِ الصَّادِقَةِ"؛ فَالْحَقُّ بَسِيطٌ وَوَاضِحٌ لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَصَنُّعٍ، وَهُوَ "ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ" يُعْرَفُ نَبَؤُهُ بَعْدَ حِينٍ مِنْ خِلَالِ تَحَقُّقِ وَعْدِهِ. بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ ص هِيَ سُورَةُ "الرُّجُوعِ إِلَى الْحَقِّ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الْقُوَّةَ الْحَقِيقِيَّةَ تَكْمُنُ فِي الِاعْتِرَافِ بِالْخَطَأِ وَالْقِيَامِ بِالْعَدْلِ، وَأَنَّ كُلَّ خُصُومَةٍ بَشَرِيَّةٍ يَجِبُ أَنْ تُحْكَمَ بِمِيزَانِ السَّمَاءِ، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنِ الْحَقِيقَةِ.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !! |
|
#47
|
|||
|
|||
|
نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ الزُّمَرِ، وَهِيَ سُورَةُ "التَّوْحِيدِ الْخَالِصِ" وَ"الْإِخْلَاصِ الصَّفِيِّ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ "ص" قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ الْإِنَابَةِ وَالْعَدْلِ، فَإِنَّ سُورَةَ الزُّمَرِ تَنْتَقِلُ لِتَحْلِيلِ مَنْطِقِ الْقَصْدِ وَالنِّيَّةِ، وَتَعْرِضُ كَيْفَ يُصَفَّى الدِّينُ مِنَ الشَّوَائِبِ لِيَكُونَ "لِلَّهِ خَالِصًا".
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِإِعْلَانِ الْغَايَةِ: {فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينُ * أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "الْوَحْدَةِ الْمَرْجِعِيَّةِ"؛ فَكُلُّ فِعْلٍ لَا يَتَّجِهُ لِلْمَصْدَرِ الْأَوَّلِ بِإِخْلَاصٍ هُوَ فِعْلٌ "مُشَتَّتٌ" لَا قِيمَةَ لَهُ. وَتَنْفِي السُّورَةُ حُجَّةَ الْمُشْرِكِينَ فِي اتِّخَاذِ الْوَسَائِطِ: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ}، وَتَصِفُ هَذَا الْمَنْطِقَ بِأَنَّهُ "كَذِبٌ وَكُفْرٌ" لِأَنَّهُ يَجْعَلُ لِلْمُطْلَقِ شَرِيكًا فِي الِاسْتِحْقَاقِ. فِي "تَحْلِيلِ الْخَلْقِ وَالتَّكْوِينِ"، تَعْرِضُ السُّورَةُ حَقِيقَةَ "تَكْوِيرِ اللَّيْلِ عَلَى النَّهَارِ" وَخَلْقِ الْإِنْسَانِ فِي بَطْنِ أُمِّهِ {فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ}. الْمَنْطِقُ هُنَا يَقُومُ عَلَى "الْإِحَاطَةِ وَالتَّدَبُّرِ"؛ فَالَّذِي يُدَبِّرُ هَذِهِ التَّفَاصِيلَ الْخَفِيَّةَ وَالْعَظِيمَةَ هُوَ الْوَحِيدُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ "التَّفْرِيدَ" بِالْعِبَادَةِ. الِاسْتِنْتَاجُ هُوَ أَنَّ الشِّرْكَ جَهْلٌ بِمَقَامِ الرُّبُوبِيَّةِ. أَمَّا فِي "مَنْطِقِ الْمُقَارَنَةِ الْعَقْلِيَّةِ"، فَتَطْرَحُ السُّورَةُ ضَرْبًا مِنَ الْمَثَلِ الرَّائِعِ: {رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا؟}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الِاسْتِقْرَارِ النَّفْسِيِّ"؛ فَالْمُوَحِّدُ لَهُ قِبْلَةٌ وَاحِدَةٌ وَإِرَادَةٌ وَاحِدَةٌ، بَيْنَمَا الْمُشْرِكُ مُمَزَّقٌ بَيْنَ أَهْوَاءٍ مُتَنَاقِضَةٍ. الِاسْتِنْتَاجُ الْمَنْطِقِيُّ أَنَّ التَّوْحِيدَ هُوَ "حُرِّيَّةٌ" وَتَحْرِيرٌ لِلْعَقْلِ مِنَ الشَّتَاتِ. تَنْتَقِلُ السُّورَةُ لِتَحْلِيلِ "سَعَةِ الرَّحْمَةِ" فِي نِدَاءٍ يَهَزُّ الْوِجْدَانَ: {يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ}. الْمَنْطِقُ هُنَا هُوَ "مَنْطِقُ الْفَتْحِ الدَّائِمِ"؛ فَالْخَطَأُ بَشَرِيٌّ، لَكِنَّ التَّوْبَةَ هِيَ الْفِعْلُ الْعَقْلِيُّ الَّذِي يُعِيدُ التَّوَازُنَ لِلْعَلَاقَةِ مَعَ الْخَالِقِ قَبْلَ مَجِيءِ الْحِسَابِ. فِي مَشَاهِدِ الْخِتَامِ، تَعْرِضُ السُّورَةُ كَيْفِيَّةَ السَّوْقِ إِلَى الْمَصِيرِ: {وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَرًا} وَ {وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا}. الْمَنْطِقُ هُنَا يَقُومُ عَلَى "التَّصْنِيفِ النَّهَائِيِّ"؛ حَيْثُ يَنْضَمُّ كُلُّ فَرْدٍ إِلَى مَجْمُوعَتِهِ الَّتِي تُشْبِهُهُ فِي "النَّوْعِ الْأَخْلَاقِيِّ" وَ"الْقَصْدِ الْقَلْبِيِّ". بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ الزُّمَرِ هِيَ سُورَةُ "تَصْفِيَةِ الْوُجُودِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ مِنَ الْعَمَلِ إِلَّا مَا كَانَ لَهُ، وَأَنَّ الْعَقْلَ الرَّشِيدَ هُوَ الَّذِي يَنْبِذُ "الْأَنْدَادَ" لِيَعِيشَ "سَلَمًا" لِلَّهِ، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ الْأَرْضَ سَتُشْرِقُ بِنُورِ رَبِّهَا حِينَ يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !! |
|
#48
|
|||
|
|||
|
نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ غَافِرٍ (أَوْ سُورَةِ الْمُؤْمِنِ)، وَهِيَ مَبْدَأُ "الْحَوَامِيمِ" وَسُورَةُ "الْمُحَاجَجَةِ الْعَقْلِيَّةِ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ الزُّمَرِ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ الْإِخْلَاصِ الْقَلْبِيِّ، فَإِنَّ سُورَةَ غَافِرٍ تَنْقُلُنَا إِلَى مَنْطِقِ الْبُرْهَانِ الْحِوَارِيِّ، وَتَعْرِضُ كَيْفَ يُوَاجِهُ "الْمَنْطِقُ الْإِيمَانِيُّ" طُغْيَانَ الْقُوَّةِ الْمَادِّيَّةِ بِثَبَاتٍ وَذَكَاءٍ.
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِتَعْرِيفِ الصِّفَاتِ الْإِلَهِيَّةِ الْمُتَقَابِلَةِ: {غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "التَّوَازُنِ بَيْنَ الرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ"؛ فَالْإِلَهُ لَيْسَ جَبَّارًا فَقَطْ، وَلَيْسَ غَفُورًا بِلَا عَدْلٍ، بَلْ هُوَ "ذُو الطَّوْلِ" (صَاحِبُ الْإِفْضَالِ الْوَاسِعِ). وَتَنْقِدُ السُّورَةُ جَدَلَ الْمُكَذِّبِينَ بِوَصْفِهِ "جَدَلًا لِلْإِدْحَاضِ" لَا لِلْوُصُولِ إِلَى الْحَقِيقَةِ. فِي "التَّحْلِيلِ السِّيَاسِيِّ وَالْفِكْرِيِّ"، تُقَدِّمُ السُّورَةُ أطول حِوَارٍ لِشَخْصِيَّةٍ مُؤْمِنَةٍ فِي بَلَاطِ طَاغِيَةٍ، وَهُوَ "مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ". الْمَنْطِقُ التَّحْلِيلِيُّ لِهَذَا الرَّجُلِ قَامَ عَلَى عِدَّةِ رَكِائِزَ: الِاسْتِفْهَامُ الِاسْتِنْكَارِيُّ: {أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ}؟ (نَقْدُ جَرِيمَةِ الْقَمْعِ الْفِكْرِيِّ). قَاعِدَةُ الِاحْتِمَالِ: {وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ ۖ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الرِّهَانِ الْعَقْلِيِّ"؛ حَيْثُ يُلْزِمُهُمْ بِالْحَذَرِ حَتَّى لَوْ لَمْ يُؤْمِنُوا. تَذْكِيرٌ بِتَقَلُّبِ السُّلْطَةِ: {يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ... فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا}؟ (مَنْطِقُ الزَّوَالِ لِكُلِّ قُوَّةٍ بَشَرِيَّةٍ). أَمَّا فِي "نَقْدِ الِاسْتِعْلَاءِ"، فَتَصِفُ السُّورَةُ رَدَّ فِرْعَوْنَ: {مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الِاسْتِبْدَادِ الْمَعْرِفِيِّ"؛ حَيْثُ يَدَّعِي الطَّاغِيَةُ امْتِلَاكَ الْحَقِيقَةِ الْمُطْلَقَةِ وَيُغْلِقُ بَابَ الْحِوَارِ. وَتُقَابِلُهُ السُّورَةُ بِدَعْوَةِ الْمُؤْمِنِ: {وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ}. فِي "الْبُرْهَانِ الْوُجُودِيِّ"، تَدْعُو السُّورَةُ لِتَأَمُّلِ "نِعَمِ التَّسْخِيرِ" (اللَّيْلِ لِلسَّكَنِ، النَّهَارِ مُبْصِرًا، الْأَنْعَامِ لِلرُّكُوبِ وَالْأَكْلِ). الْمَنْطِقُ هُنَا يَرْبِطُ بَيْنَ "الْفَائِدَةِ" وَ "الْمَصْدَرِ"؛ فَالْكَوْنُ لَمْ يُخْلَقْ صُدْفَةً، بَلْ وُفِّقَ لِحَاجَاتِ الْإِنْسَانِ بِدِقَّةٍ مُتَنَاهِيَةٍ. تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِمَشْهَدِ "الْإِيمَانِ عِنْدَ الْيَأْسِ": حِينَ رَأَى الْمُكَذِّبُونَ بَأْسَ اللَّهِ قَالُوا آمَنَّا، لَكِنَّ السُّورَةَ تُقَرِّرُ قَاعِدَةً مَنْطِقِيَّةً: {فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "فَوَاتِ الْأَوَانِ"؛ فَالْإِيمَانُ الْمَقْبُولُ هُوَ الَّذِي يَكُونُ "غَيْبِيًّا" عَنْ قَنَاعَةٍ، لَا "اضْطِرَارِيًّا" عِنْدَ الْمُعَايَنَةِ. بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ غَافِرٍ هِيَ سُورَةُ "شَجَاعَةِ الْكَلِمَةِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الْقُوَّةَ لَا تَصْنَعُ الْحَقَّ، وَأَنَّ الْمَنْطِقَ الْهَادِئَ الْمُرْتَبِطَ بِاللَّهِ يُمْكِنُهُ أَنْ يُزَلْزِلَ عُرُوشَ الطُّغَاةِ، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ سُنَّةَ اللَّهِ فِي عِبَادِهِ مَاضِيَةٌ وَأَنَّ الْمُبْطِلِينَ هُمُ الْخَاسِرُونَ.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !! |
|
#49
|
|||
|
|||
|
نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ فُصِّلَتْ، وَهِيَ سُورَةُ "الْبَيَانِ الشَّافِي" وَ"بَرَاهِينِ الْآفَاقِ وَالْأَنْفُسِ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ غَافِرٍ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ الْحِوَارِ الشُّجَاعِ، فَإِنَّ سُورَةَ فُصِّلَتْ تَنْتَقِلُ لِتَحْلِيلِ مَنْطِقِ الْإِعْرَاضِ وَالِاسْتِجَابَةِ، وَتَعْرِضُ كَيْفَ تُفَصَّلُ الْآيَاتُ لِتُقِيمَ الْحُجَّةَ النِّهَائِيَّةَ عَلَى الْعَقْلِ الْبَشَرِيِّ.
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِوَصْفِ الْقُرْآنِ: {كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "التَّفْصِيلِ الْمَعْرِفِيِّ"؛ فَالْحَقُّ لَا يُطْرَحُ مَبْهُومًا، بَلْ يُبَسَّطُ وَيُشْرَحُ لِيُنَاسِبَ أَدَوَاتِ الْإِدْرَاكِ. وَتُشَخِّصُ السُّورَةُ حَالَةَ "الِانْغِلَاقِ الذِّهْنِيِّ" لِلْمُعْرِضِينَ: {قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ... وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الْعَزْلِ الِارَادِيِّ" عَنِ الْحَقِيقَةِ؛ حَيْثُ يَبْنِي الْإِنْسَانُ جِدَارًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الدَّلِيلِ. فِي "الْبُرْهَانِ الْفِيزْيَائِيِّ"، تَعْرِضُ السُّورَةُ نِظَامَ "بِنَاءِ الْكَوْنِ" فِي ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ (تَقْدِيرًا): خَلْقُ الْأَرْضِ، تَقْدِيرُ الْأَقْوَاتِ، ثُمَّ اسْتِوَاءُ السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ. الْمَنْطِقُ التَّحْلِيلِيُّ هُنَا يَقُومُ عَلَى "طَاعَةِ الْمَادَّةِ" لِلْخَالِقِ: {قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ}. الِاسْتِنْتَاجُ الْمَنْطِقِيُّ أَنَّ الْكَوْنَ الْعَظِيمَ يَنْصَاعُ لِأَمْرِ اللَّهِ، فَكَيْفَ يَسْتَكْبِرُ الْإِنْسَانُ "الذَّرَّةُ" فِي هَذَا الْوُجُودِ؟ أَمَّا فِي "تَحْلِيلِ الشَّهَادَةِ الْكُبْرَى"، فَتَطْرَحُ السُّورَةُ مَشْهَدًا مَرْعِبًا لِلْحَوَاسِّ: {شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم}. هُنَا نَرَى مَنْطِقَ "الِانْقِلَابِ الْعُضْوِيِّ"؛ فَالْأَدَوَاتُ الَّتِي اسْتَخْدَمَهَا الْإِنْسَانُ لِلْمَعْصِيَةِ تَتَحَوَّلُ إِلَى "مُدَّعٍ عَامٍّ" ضِدَّهُ. الِاسْتِنْتَاجُ هُوَ أَنَّ الْخُصُوصِيَّةَ وَهْمٌ، وَأَنَّ كُلَّ جُزْءٍ فِيكَ هُوَ جُزْءٌ مِنَ الْمَنْظُومَةِ الْإِلَهِيَّةِ. فِي "قَاعِدَةِ التَّعَامُلِ مَعَ الْآخَرِ"، تَضَعُ السُّورَةُ مَنْهَجَ "الدَّفْعِ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ". الْمَنْطِقُ هُنَا يَقُومُ عَلَى "الْكِيمْيَاءِ النَّفْسِيَّةِ"؛ فَالْإِحْسَانُ يُحَوَّلُ الْعَدَاوَةَ إِلَى وَلَايَةٍ وَحَمِيمِيَّةٍ. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الِانْتِصَارِ الْأَخْلَاقِيِّ" الَّذِي يَفُوقُ قُوَّةَ السَّطْوَةِ. تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِالْقَاعِدَةِ الذَّهَبِيَّةِ لِلْبَحْثِ الْعِلْمِيِّ وَالْإِيمَانِيِّ: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "التَّصْدِيقِ الْمُسْتَمِرِّ"؛ فَالْعِلْمُ (الْآفَاقُ) وَعِلْمُ النَّفْسِ وَالْأَحْيَاءِ (الْأَنْفُسُ) سَيَظَلَّانِ يُقَدِّمَانِ أَدِلَّةً "تَبَيُّنِيَّةً" تَنْطِقُ بِصِدْقِ هَذَا الْوَحْيِ عَبْرَ الزَّمَنِ. بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ فُصِّلَتْ هِيَ سُورَةُ "بُرْهَانِ التَّبَيُّنِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ اللَّهَ لَا يُطَالِبُ بِالْإِيمَانِ الْأَعْمَى، بَلْ بِالْإِيمَانِ الْمَبْنِيِّ عَلَى رُؤْيَةِ الْآيَاتِ الْمُفَصَّلَةِ فِي بِنَاءِ الْكَوْنِ وَتَكْوِينِ الذَّاتِ، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !! |
|
#50
|
|||
|
|||
|
نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ الشُّورَى، وَهِيَ سُورَةُ "الْمَرْجِعِيَّةِ الشَّامِلَةِ" وَ"إِدَارَةِ الِاجْتِمَاعِ الْبَشَرِيِّ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ فُصِّلَتْ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ الْبُرْهَانِ الْآفَاقِيِّ وَالنَّفْسِيِّ، فَإِنَّ سُورَةَ الشُّورَى تَنْتَقِلُ لِتَحْلِيلِ مَنْطِقِ الْوَحْيِ وَالِاتِّصَالِ، وَتَعْرِضُ كَيْفَ يُنَظِّمُ "الْمُطْلَقُ" حَيَاةَ "النِّسْبِيِّ" عَبْرَ التَّشَاوُرِ وَالْعَدْلِ.
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِرَبْطِ الْوَحْيِ بِعِزَّةِ اللَّهِ وَحِكْمَتِهِ: {كَذَٰلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "الِاسْتِمْرَارِيَّةِ التَّارِيخِيَّةِ"؛ فَالْحَقِيقَةُ لَيْسَتْ طَارِئَةً، بَلْ هِيَ جَوْهَرٌ وَاحِدٌ يَتَّصِلُ عَبْرَ سِلْسِلَةِ الْأَنْبِيَاءِ. وَتَصِفُ السُّورَةُ عَظَمَةَ السَّمَاوَاتِ الَّتِي تَتَفَطَّرُ مِنْ فَوْقِهِنَّ إِجْلَالًا، لِتُؤَكِّدَ أَنَّ مَنْطِقَ "الْعُلُوِّ" لَا يَلِيقُ إِلَّا لِلَّهِ. فِي "تَحْلِيلِ الِاخْتِلَافِ الْبَشَرِيِّ"، تَضَعُ السُّورَةُ قَاعِدَةً فَصْلًا: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الْمَرْجِعِيَّةِ الْعُلْيَا"؛ فَالْعُقُولُ الْبَشَرِيَّةُ قَدْ تَتَبَايَنُ فِي تَقْدِيرِ الْمَصَالِحِ، لِذَا كَانَ لَا بُدَّ مَنْطِقِيًّا مِنْ "مِعْيَارٍ ثَابِتٍ" يَحْسِمُ النِّزَاعَ، وَهُوَ مِيزَانُ الْوَحْيِ. وَتُقَرِّرُ السُّورَةُ أَنَّ الدِّينَ وَاحِدٌ فِي جَوْهَرِهِ: {أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ}. أَمَّا فِي "مَنْطِقِ التَّفَرُّدِ الْإِلَهِيِّ"، فَتَطْرَحُ السُّورَةُ الْقَاعِدَةَ الْمَعْرِفِيَّةَ الْأَهَمَّ: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}. هُنَا نَرَى مَنْطِقَ "تَنْزِيهِ الْمُطْلَقِ عَنِ التَّجْسِيدِ"؛ فَالْإِلَهُ لَيْسَ مَادَّةً تُقَاسُ بِمَقَايِيسِ الْخَلْقِ، بَلْ هُوَ "الْمُبَايِنُ" لَهُمْ فِي الذَّاتِ، وَ"الْمُحِيطُ" بِهِمْ بِالْعِلْمِ. فِي "التَّنْظِيمِ الِاجْتِمَاعِيِّ"، تُسَمَّى السُّورَةُ بِـ "الشُّورَى" لِتَكُونَ صِفَةً لِلْمُجْتَمَعِ الرَّاشِدِ: {وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ}. الْمَنْطِقُ التَّحْلِيلِيُّ هُنَا يَرْبِطُ بَيْنَ "الشُّورَى" وَ"الْعَدْلِ"؛ فَإِذَا كَانَ الْحُكْمُ لِلَّهِ تَشْرِيعًا، فَإِنَّ الْإِدَارَةَ لِلْبَشَرِ تَشَاوُرًا. وَتَضَعُ السُّورَةُ مَنْهَجَ "الْعَدْلِ التَّقَابُلِيِّ": {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا}، مَعَ فَتْحِ بَابِ الْعَفْوِ كَمَنْطِقٍ أَرْقَى لِلْإِصْلَاحِ. تَنْتَقِلُ السُّورَةُ لِتَحْلِيلِ "طُرُقِ الِاتِّصَالِ بَيْنَ الْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ": {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "الْبُرُوتُوكُولِ الرِّسَالِيِّ"؛ حَيْثُ يُبَيِّنُ كَيْفَ يَتَنَزَّلُ الْمَعْنَى الْمُطْلَقُ إِلَى الْقَالَبِ الْبَشَرِيِّ الْمَحْدُودِ، وَتَصِفُ الْقُرْآنَ بِأَنَّهُ "رُوحٌ" وَ"نُورٌ" يَهْدِي لِلصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ. تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِبَيَانِ أَنَّ مَصِيرَ الْأُمُورِ كُلِّهَا لِلَّهِ. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "النِّهَايَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ"؛ فَكُلُّ حَرَكَةٍ فِي الْكَوْنِ، مَهْمَا تَعَدَّدَتْ مَسَارَاتُهَا، تَعُودُ فِي النِّهَايَةِ إِلَى "الْمَرْكَزِ" الَّذِي بَدَأَتْ مِنْهُ. بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ الشُّورَى هِيَ سُورَةُ "الِاجْتِمَاعِ عَلَى الْحَقِّ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الْبَشَرِيَّةَ لَا تَسْتَقِيمُ إِلَّا بِـ "وَحْيٍ" يُوَجِّهُهَا وَ"شُورَى" تُدَبِّرُ أَمْرَهَا، وَأَنَّ الِاخْتِلَافَ يُدَارُ بِالْعَدْلِ لَا بِالْبَغْيِ، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِمَا يَفْعَلُ عِبَادُهُ.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !! |
|
#51
|
|||
|
|||
|
نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ الزُّخْرُفِ، وَهِيَ سُورَةُ "نَقْدِ الْمَادِيَّةِ" وَ"تَفْكِيكِ زَيْفِ الْمَظَاهِرِ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ الشُّورَى قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ الْمَرْجِعِيَّةِ وَالِاجْتِمَاعِ، فَإِنَّ سُورَةَ الزُّخْرُفِ تَنْقُلُنَا إِلَى مَنْطِقِ التَّمْيِيزِ بَيْنَ الْقِيمَةِ وَالثَّمَنِ، وَتَعْرِضُ كَيْفَ يَنْخَدِعُ الْعَقْلُ الْبَشَرِيُّ بِـ "الْغِلَافِ" وَيَنْسَى "الْجَوْهَرَ".
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِوَصْفِ الْقُرْآنِ بِأَنَّهُ فِي "أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ". هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "الْعُلُوِّ الرُّتْبِيِّ"؛ فَالْمَعْرِفَةُ الْإِلَهِيَّةُ لَهَا سُلْطَانٌ ذَاتِيٌّ يَعْلُو عَلَى كُلِّ جَدَلٍ بَشَرِيٍّ. وَتَنْقِدُ السُّورَةُ مَنْطِقَ "الِاسْتِهْزَاءِ" بِالرُّسُلِ بِأَنَّهُ مَسْلَكٌ تَارِيخِيٌّ لِلْأُمَمِ الَّتِي أَهْلَكَهَا اللَّهُ رَغْمَ أَنَّهُمْ كَانُوا أَشَدَّ بَطْشًا. فِي "تَحْلِيلِ الِارْتِبَاكِ الْمَعْرِفِيِّ"، تَعْرِضُ السُّورَةُ تَنَاقُضَ الْمُشْرِكِينَ: فَهُمْ يُقِرُّونَ بِأَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ، لَكِنَّهُمْ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ يَجْعَلُونَ لَهُ جُزْءًا مِن عِبَادِهِ أَوْ يَنْسِبُونَ لَهُ الْبَنَاتِ. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الِانْفِصَامِ الْعَقْلِيِّ"؛ حَيْثُ تَتَصَادَمُ الْمُقَدِّمَاتُ (الِاعْتِرَافُ بِالْخَالِقِ) مَعَ النَّتَائِجِ (صَرْفُ الْعِبَادَةِ لِغَيْرِهِ). أَمَّا فِي "نَقْدِ مِعْيَارِ الِاسْتِحْقَاقِ الْمَادِّيِّ"، فَتَطْرَحُ السُّورَةُ سُؤَالاً جَوْهَرِيًّا لِلْمُعْتَرِضِينَ: {لَوْلَا نُزِّلَ هَٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ}؟ الْمَنْطِقُ هُنَا يَقُومُ عَلَى "وَهْمِ الْعَظَمَةِ بِالْمَالِ"؛ فَهُمْ يَرَوْنَ أَنَّ الْوَحْيَ يَجِبُ أَنْ يَتْبَعَ "الثَّرْوَةَ". تَرُدُّ السُّورَةُ بِمَنْطِقِ "التَّفَاوُتِ الْوَظِيفِيِّ": {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ۚ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ... لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا}. الِاسْتِنْتَاجُ الْمَنْطِقِيُّ أَنَّ الرِّزْقَ تَوْزِيعٌ لِتَسْيِيرِ الْحَيَاةِ، أَمَّا "رَحْمَةُ رَبِّكَ" فَهِيَ مَقَامٌ أَرْفَعُ لَا يُشْتَرَى بِالْمَالِ. تَنْتَقِلُ السُّورَةُ لِتَحْطِيمِ صَنَمِ "الزُّخْرُفِ": {وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِّن فِضَّةٍ}. هَذَا مَنْطِقٌ "نِسْبِيَّةِ الْمَادَّةِ"؛ فَالذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ لَيْسَا دَلِيلاً عَلَى رِضَا اللَّهِ، بَلْ هُمَا "مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا"، وَالْآخِرَةُ هِيَ "الْقِيمَةُ الْمُطْلَقَةُ" لِلْمُتَّقِينَ. فِي "الْمُوَاجَهَةِ التَّارِيخِيَّةِ"، تَعْرِضُ السُّورَةُ قِصَّةَ مُوسَى مَعَ فِرْعَوْنَ الَّذِي اسْتَخَفَّ بِقَوْمِهِ بِمَنْطِقِ: {أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ... أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَٰذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ}؟ هُنَا يَتَجَلَّى مَنْطِقُ "السَّطْحِيَّةِ الطَّاغِيَةِ" الَّتِي تَقِيسُ الرِّسَالَةَ بِـ "أَسْوِرَةِ الذَّهَبِ"، لِتَكُونَ النَّجَاةُ لِمَنِ اتَّبَعَ الْبُرْهَانَ لَا لِمَنِ امْتَلَكَ الْخَزَائِنَ. تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِبَيَانِ أَنَّ الْعِلَاقَاتِ الْبَشَرِيَّةَ الْمَبْنِيَّةَ عَلَى غَيْرِ التَّقْوَى سَتَنْقَلِبُ: {الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الِارْتِبَاطِ الصَّحِيحِ"؛ فَكُلُّ مَصْلَحَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ تَنْتَهِي بَعَدَاوَةٍ، إِلَّا مَا كَانَ لِلَّهِ فَإِنَّهُ يَتَّصِلُ. بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ الزُّخْرُفِ هِيَ سُورَةُ "تَصْحِيحِ الْمَوَازِينِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الْإِنْسَانَ يَجِبُ أَلَّا يَغْتَرَّ بِـ "الزُّخْرُفِ" الزَّائِلِ، وَأَنَّ الْعَقْلَ الْحَقِيقِيَّ هُوَ الَّذِي يُبْصِرُ "الْحِكْمَةَ" خَلْفَ "الْمَادَّةِ"، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ الصَّفْحَ وَقَوْلَ "سَلَامٌ" هُوَ مَنْطِقُ الْأَقْوِيَاءِ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ حَقِيقَةَ الْمَصِيرِ.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !! |
|
#52
|
|||
|
|||
|
نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ الدُّخَانِ، وَهِيَ سُورَةُ "الْحَسْمِ" وَ"الِارْتِقَابِ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ الزُّخْرُفِ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ نَقْدِ الْمَادَّةِ، فَإِنَّ سُورَةَ الدُّخَانِ تَنْقُلُنَا إِلَى مَنْطِقِ "النِّهَايَاتِ الْقَاطِعَةِ"، وَتَعْرِضُ كَيْفَ يَتَبَدَّدُ دُخَانُ الشَّكِّ أَمَامَ يَقِينِ الْعَذَابِ أَوْ بَرْدِ النَّعِيمِ.
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِرَبْطِ الْقُرْآنِ بـ "اللَّيْلَةِ الْمُبَارَكَةِ" (لَيْلَةِ الْقَدْرِ): {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ ۚ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "الْإِحْكَامِ التَّوْقِيتِيِّ"؛ فَالْأَمْرُ الْإِلَهِيُّ يُفْرَقُ فِيهِ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ، مِمَّا يَعْنِي مَنْطِقِيًّا أَنَّ الْكَوْنَ لَا يُدَارُ بـ "الْعَشْوَائِيَّةِ"، بَلْ بـ "تَقْدِيرٍ مَعْلُومٍ" يَسْبِقُ الْأَحْدَاثَ. فِي "تَحْلِيلِ الِارْتِيَابِ الذِّهْنِيِّ"، تُشَخِّصُ السُّورَةُ عِلَّةَ الْمُكَذِّبِينَ: {بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الْعَبَثِيَّةِ"؛ حَيْثُ يَتَحَوَّلُ الْفِكْرُ إِلَى لَعِبٍ لِلْهُرُوبِ مِنْ جِدِّيَّةِ التَّكْلِيفِ. تَرُدُّ السُّورَةُ بـ "آيَةِ الدُّخَانِ" الَّذِي يَغْشَى النَّاسَ، لِيَتَحَوَّلَ مَنْطِقُ "اللَّعِبِ" إِلَى مَنْطِقِ "الِاضْطِرَارِ": {رَّبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ}. لَكِنَّ السُّورَةَ تَنْقُدُ هَذَا الْإِيمَانَ بـ "مَنْطِقِ الِاعْتِبَارِ": كَيْفَ يَتَذَكَّرُونَ وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ ثُمَّ تَوَلَّوْا؟ أَمَّا فِي "نَقْدِ الْغُرُورِ السُّلْطَوِيِّ"، فَتُعِيدُ السُّورَةُ عَرْضَ نِهَايَةِ فِرْعَوْنَ بِمَنْظُورِ "الْمِيرَاثِ الْكَوْنِيِّ": {كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ}. الْمَنْطِقُ هُنَا يَقُومُ عَلَى "الِاسْتِبْدَالِ"؛ فَالْأَرْضُ لَا تَبْكِي عَلَى مَنْ طَغَى (مَنْطِقُ عَدَمِ الْقِيمَةِ)، بَلْ تَنْتَقِلُ النِّعَمُ لِقَوْمٍ آخَرِينَ. الِاسْتِنْتَاجُ الْمَنْطِقِيُّ أَنَّ "الْبَقَاءَ لِلْأَتْقَى" لَا لِلْأَقْوَى مَادِّيًّا. فِي "الْبُرْهَانِ الْغَائِيِّ"، تَنْفِي السُّورَةُ الْعَبَثَ عَنِ الْخَلْقِ: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الْغَايَةِ الْكُبْرَى"؛ فَالْوُجُودُ الَّذِي يَنْطِقُ بِالْإِتْقَانِ لَا يُمْكِنُ مَنْطِقِيًّا أَنْ يَكُونَ مَسْرَحًا لِلَّهْوِ، بَلْ هُوَ مَيْدَانٌ لِلْحَقِّ وَالِاخْتِبَارِ. تَنْتَقِلُ السُّورَةُ لِتَحْلِيلِ "مَآلِ الطَّعَامِ وَالْمَشْرَبِ" فِي الْآخِرَةِ، فَتُقَابِلُ بَيْنَ "شَجَرَةِ الزَّقُّومِ" لِلْأَثِيمِ، وَبَيْنَ "الْمَقَامِ الْأَمِينِ" لِلْمُتَّقِينَ. الْمَنْطِقُ التَّحْلِيلِيُّ هُنَا هُوَ "الْحَتْمِيَّةُ الْجَزَائِيَّةُ"؛ حَيْثُ يُقَالُ لِلطَّاغِيَةِ تَهَكُّمًا بِمَنْطِقِهِ الدُّنْيَوِيِّ: {ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ}. تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِأَمْرِ الرَّسُولِ ﷺ بِـ "الِارْتِقَابِ": {فَارْتَقِبْ إِنَّهُم مُّرْتَقِبُونَ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "ثِقَةِ الْمُنْتَظِرِ"؛ فَالْحَقِيقَةُ قَادِمَةٌ لَا مَحَالَةَ، وَالزَّمَنُ جُزْءٌ مِنَ الْعِلَاجِ لِكَشْفِ زَيْفِ الْبَاطِلِ. بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ الدُّخَانِ هِيَ سُورَةُ "الْيَقَظَةِ بَعْدَ الْغَفْلَةِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الْحَيَاةَ لَيْسَتْ لَعِبًا، وَأَنَّ الشَّكَّ دُخَانٌ يَعْمِي الْبَصِيرَةَ، لَكِنَّ بَطْشَةَ اللَّهِ الْكُبْرَى كَفِيلَةٌ بِإِزَالَةِ كُلِّ حِجَابٍ، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !! |
|
#53
|
|||
|
|||
|
نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ الْجَاثِيَةِ، وَهِيَ سُورَةُ "الْخُضُوعِ الْمَعْرِفِيِّ" وَ"الْبُرْهَانِ الْمُحِيطِ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ الدُّخَانِ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ الِارْتِقَابِ لِلنِّهَايَاتِ، فَإِنَّ سُورَةَ الْجَاثِيَةِ تَنْقُلُنَا إِلَى مَنْطِقِ "الْإِلْزَامِ بِالْآيَاتِ"، وَتَعْرِضُ كَيْفَ تَجْثُو الْأُمَمُ أَمَامَ "كِتَابِ الْحَقِيقَةِ" بَعْدَ أَنْ كَانَتْ تَسْتَكْبِرُ عَنْ سَمَاعِهِ.
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِسَرْدِ "نِظَامِ الْآيَاتِ" فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَفِي خَلْقِ الْإِنْسَانِ، وَبَثِّ الدَّوَابِّ، وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "الِاسْتِدْلَالِ بِالنَّمَطِ"؛ فَالتَّكْرَارُ الْمُنَظَّمُ لِلظَّوَاهِرِ الْكَوْنِيَّةِ لَيْسَ صُدْفَةً، بَلْ هُوَ "آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ". وَتَطْرَحُ السُّورَةُ سُؤَالًا مَنْطِقِيًّا حَاسِمًا: {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ؟}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "انْقِطَاعِ الْحُجَّةِ"؛ فَمَنْ لَمْ يُقْنِعْهُ هَذَا النِّظَامُ الْكَوْنِيُّ، فَلَا يُوجَدُ مَنْطِقٌ آخَرُ يُمْكِنُ أَنْ يَهْدِيَهُ. فِي "تَحْلِيلِ النَّفْسِ الْمُسْتَكْبِرَةِ"، تُشَخِّصُ السُّورَةُ مَرَضَ "الْأَفَّاكِ الْأَثِيمِ": {يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا}. الْمَنْطِقُ هُنَا يُمَيِّزُ بَيْنَ "الْجَهْلِ" وَ "الْجُحُودِ"؛ فَالْمُسْتَكْبِرُ يَعْرِفُ الْحَقَّ، لَكِنَّهُ يَتَّخِذُ "الْإِصْرَارَ" مَنْهَجًا لِلْحِفَاظِ عَلَى كِبْرِيَائِهِ الزَّائِفِ. الِاسْتِنْتَاجُ هُوَ أَنَّ الْبُعْدَ عَنِ اللَّهِ لَيْسَ مُشْكِلَةً عَقْلِيَّةً بَقَدْرِ مَا هِيَ مُشْكِلَةٌ أَدَبِيَّةٌ وَنَفْسِيَّةٌ. أَمَّا فِي "نَقْدِ مَنْطِقِ الدَّهْرِيَّةِ"، فَتَعْرِضُ السُّورَةُ قَوْلَهُمْ: {مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ}. تَنْفِي السُّورَةُ هَذَا التَّصَوُّرَ بِقَوْلِهَا: {وَمَا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الظَّنِّ فِي مُقَابِلِ الْيَقِينِ"؛ فَالنَّظْرَةُ الْمَادِّيَّةُ الْبَحْتَةُ لِلزَّمَنِ (الدَّهْرِ) كَمُحَرِّكٍ لِلْوُجُودِ هِيَ فَرْضِيَّةٌ بِلَا دَلِيلٍ، تَتَجَاهَلُ الْخَالِقَ الَّذِي يُسَيِّرُ هَذَا الزَّمَنَ. فِي "تَحْلِيلِ مَفْهُومِ الشَّرِيعَةِ"، تُؤَكِّدُ السُّورَةُ: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ}. الْمَنْطِقُ هُنَا يَقُومُ عَلَى "تَبَعِيَّةِ الْهَوَى لِلْعِلْمِ"؛ فَالشَّرِيعَةُ هِيَ مَنْظُومَةٌ عِلْمِيَّةٌ إِلَهِيَّةٌ، بَيْنَمَا مُخَالَفَتُهَا هِيَ "هَوًى" لَا يَسْتَنِدُ إِلَى حَقِيقَةٍ. تَنْتَقِلُ السُّورَةُ لِمَشْهَدِ "الْجُثِيِّ الْعَالَمِيِّ": {وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً ۚ كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا}. هُنَا يَتَحَوَّلُ مَنْطِقُ "الِاسْتِكْبَارِ" إِلَى مَنْطِقِ "الِانْكِسَارِ"؛ حَيْثُ يُواجِهُ الْإِنْسَانُ "التَّوْثِيقَ النِّهَائِيَّ" لِأَعْمَالِهِ: {هَٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ ۚ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}. تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِبَيَانِ أَنَّ "الْكِبْرِيَاءَ" صِفَةٌ حَصْرِيَّةٌ لِلَّهِ: {وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "تَصْحِيحِ الْمَقَامَاتِ"؛ فَالْمَخْلُوقُ الَّذِي جَثَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يَدَّعِيَ الْكِبْرِيَاءَ، لِأَنَّ الْعِزَّةَ وَالْحِكْمَةَ لِلَّهِ وَحْدَهُ. بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ الْجَاثِيَةِ هِيَ سُورَةُ "مَنْطِقِ الْيَقِينِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الْكَوْنَ مَمْلُوءٌ بِالْأَدِلَّةِ، وَأَنَّ جُثِيَّ الْإِنْسَانِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ هُوَ النَّتِيجَةُ الْمَنْطِقِيَّةُ لِكُلِّ مَسِيرَةِ الْخَلْقِ، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !! |
|
#54
|
|||
|
|||
|
نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ الْأَحْقَافِ، وَهِيَ خَاتِمَةُ "الْحَوَامِيمِ" وَسُورَةُ "الْأَصَالَةِ وَالْبَلَاغِ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ الْجَاثِيَةِ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ الْخُضُوعِ لِلْآيَاتِ، فَإِنَّ سُورَةَ الْأَحْقَافِ تَنْتَقِلُ لِتَحْلِيلِ مَنْطِقِ "الْقِدَمِ وَالِارْتِبَاطِ بِالْجُذُورِ"، وَتَعْرِضُ كَيْفَ يَتَصَادَمُ "الْوَحْيُ الثَّابِتُ" مَعَ "الْأَهْوَاءِ الطَّارِئَةِ".
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِإِثْبَاتِ "خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى". هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "الْقَانُونِ الزَّمَنِيِّ"؛ فَالْوُجُودُ لَيْسَ أَبَدِيًّا بِمَادَّتِهِ، بَلْ هُوَ "مَحْدُودٌ بِزَمَنٍ" انْتِهَاؤُهُ هُوَ مَوْعِدُ الْحِسَابِ. وَتَتَحَدَّى السُّورَةُ الْمُشْرِكِينَ بِمَنْطِقِ "الْعِلْمِ التَّرَاكُمِيِّ": {ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَٰذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "التَّوْثِيقِ الْمَعْرِفِيِّ"؛ فَالْمُدَّعِي يَجِبُ أَنْ يَسْتَنِدَ إِلَى نَصٍّ سَابِقٍ أَوْ بَقَايَا عِلْمٍ حَقِيقِيٍّ، وَإِلَّا فَمَوْقِفُهُ سَاقِطٌ مَنْطِقِيًّا. فِي "تَحْلِيلِ الْأَجْيَالِ وَالْبِرِّ"، تَعْرِضُ السُّورَةُ مَشْهَدَيْنِ لِلْأَبْنَاءِ: الِابْنُ الْبَارُّ: الَّذِي بَلَغَ "أَشُدَّهُ" وَبَلَغَ "أَرْبَعِينَ سَنَةً" فَقَالَ: {رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ}. هُنَا مَنْطِقُ "النُّضْجِ التَّكَامُلِيِّ"؛ حَيْثُ يَرْتَبِطُ الْعَقْلُ بِالشُّكْرِ وَالْمَسْؤُولِيَّةِ تِجَاهَ الْأُصُولِ (الْوَالِدَيْنِ). الِابْنُ الْعَاقُّ: الَّذِي يَقُولُ لِوَالِدَيْهِ: {أُفٍّ لَّكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ}؟ هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الِانْقِطَاعِ عَنِ الْجُذُورِ"؛ حَيْثُ يَسْتَهْزِئُ بِالْغَيْبِ لِأَنَّهُ لَا يَرَاهُ بِمَنْطِقِهِ الْمَادِّيِّ الضَّيِّقِ. أَمَّا فِي "الِاعْتِبَارِ التَّارِيخِيِّ"، فَتَذْكُرُ قِصَّةَ "عَادٍ" فِي "الْأَحْقَافِ". الْمَنْطِقُ التَّحْلِيلِيُّ هُنَا يَقُومُ عَلَى "الْفَهْمِ الْمَغْلُوطِ لِلْقُوَّةِ"؛ حَيْثُ رَأَوْا "الْعَارِضَ" (السَّحَابَ) فَقَالُوا: {هَٰذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا}. لَكِنَّ الرَّدَّ الْمَنْطِقِيَّ بَيَّنَ أَنَّهُ "رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ". هَذَا يَعْنِي أَنَّ "الظَّاهِرَ" قَدْ يَكُونُ خَادِعًا حِينَ يَنْفَصِلُ الْإِنْسَانُ عَنِ التَّحْذِيرِ النَّبَوِيِّ. تَنْتَقِلُ السُّورَةُ لِتَعْرِضَ مَشْهَدَ "صَرْفِ نَفَرٍ مِّنَ الْجِنِّ" لِسَمَاعِ الْقُرْآنِ. الْمَنْطِقُ هُنَا يَقُومُ عَلَى "عَالَمِيَّةِ الْخِطَابِ"؛ فَالْقُرْآنُ لَيْسَ لِلْبَشَرِ فَقَطْ، بَلْ هُوَ "كِتَابٌ أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ". الِاسْتِنْتَاجُ هُوَ أَنَّ مَنْطِقَ "التَّصْدِيقِ" يَقُومُ عَلَى "التَّنَاسُقِ مَعَ الْحَقِيقَةِ الْقَدِيمَةِ" لَا عَلَى الِابْتِدَاعِ. تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِأَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ بِـ "الصَّبْرِ" كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الِانْتِظَارِ الْإِيجَابِيِّ"؛ فَالْبَلَاغُ قَدْ تَمَّ، وَالْعَجَلَةُ لَا تُغَيِّرُ سُنَنَ اللَّهِ فِي الْخَلْقِ: {فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ}؟ بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ الْأَحْقَافِ هِيَ سُورَةُ "بَلَاغِ الْحَقِيقَةِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الدِّينَ قَدِيمٌ بِقِدَمِ الْوُجُودِ، وَأَنَّ الْعَقْلَ الْبَارَّ هُوَ الَّذِي يَحْتَرِمُ "الْمِيثَاقَ" مَعَ اللَّهِ وَالْوَالِدَيْنِ، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ الدُّنْيَا "سَاعَةٌ مِّن نَّهَارٍ" لَا تَسْتَحِقُّ الْمُجَازَفَةَ بِالْأَبَدِ.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !! |
|
#55
|
|||
|
|||
|
نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَهِيَ سُورَةُ "الْحَسْمِ" وَ"التَّمْيِيزِ الْعَمَلِيِّ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ الْأَحْقَافِ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ الْبَلَاغِ وَالْأَصَالَةِ، فَإِنَّ سُورَةَ مُحَمَّدٍ تَنْقُلُنَا إِلَى مَنْطِقِ "إِحْبَاطِ الْعَمَلِ أَوْ إِصْلَاحِهِ"، وَتَعْرِضُ كَيْفَ تَتَحَوَّلُ الْمَوَاقِفُ مَنْطِقِيًّا إِلَى نَتَائِجَ وُجُودِيَّةٍ حَاسِمَةٍ.
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِمُعَادَلَةٍ ثُنَائِيَّةٍ قَاطِعَةٍ: الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا: النَّتِيجَةُ مَنْطِقِيًّا هِيَ {أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ}؛ أَيْ جَعَلَهَا "صِفْرِيَّةَ الْجَدْوَى" وَفَاقِدَةً لِلْمَعْنَى. الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ: النَّتِيجَةُ مَنْطِقِيًّا هِيَ {كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "الِاسْتِقْرَارِ الذِّهْنِيِّ" (إِصْلَاحِ الْبَالِ) كَأَثَرٍ مُبَاشِرٍ لِلِاتِّبَاعِ. فِي "تَحْلِيلِ مَنْطِقِ الْمُوَاجَهَةِ"، تَنْقُلُ السُّورَةُ الدِّينَ مِنَ الْحَيِّزِ النَّظَرِيِّ إِلَى الْحَيِّزِ "الْمَيْدَانِيِّ": {فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ}. الْمَنْطِقُ هُنَا يَقُومُ عَلَى "الْفَصْلِ بَيْنَ الْإِرَادَاتِ"؛ فَإِذَا وَصَلَ الصِّرَاعُ إِلَى طَرِيقٍ مَسْدُودٍ، فَإِنَّ "الْبَلَاءَ" هُوَ مِعْيَارُ الِاخْتِبَارِ: {وَلِيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ}. الِاسْتِنْتَاجُ هُوَ أَنَّ التَّدَافُعَ ضَرُورَةٌ مَنْطِقِيَّةٌ لِتَمْيِيزِ الصَّادِقِ مِنَ الْمُدَّعِي. أَمَّا فِي "نَقْدِ الْعَقْلِ الْمُنَافِقِ"، فَتُشَرِّحُ السُّورَةُ سُلُوكَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ حِينَ تَنْزِلُ "سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ". الْمَنْطِقُ التَّحْلِيلِيُّ هُنَا يَرْبِطُ بَيْنَ "الْخَوْفِ مِنَ الْمَسْؤُولِيَّةِ" وَ "تَعْطِيلِ الْفَهْمِ": {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا}. هَذَا يَعْنِي مَنْطِقِيًّا أَنَّ "الْقُفْلَ" لَيْسَ عَلَى النَّصِّ، بَلْ عَلَى "أَدَاةِ الِاسْتِقْبَالِ" (الْقَلْبِ) بِسَبَبِ الْمَصَالِحِ الدُّنْيَوِيَّةِ. تَنْتَقِلُ السُّورَةُ لِتَحْلِيلِ "مَفْهُومِ الِارْتِدَادِ" وَاتِّبَاعِ مَا أَسْخَطَ اللَّهَ. الْمَنْطِقُ هُنَا يَقُومُ عَلَى "تَحْبِيطِ الْقِيمَةِ": {فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الِانْكِشَافِ التَّامِّ"؛ حَيْثُ تَسْقُطُ كُلُّ الِادِّعَاءَاتِ أَمَامَ "الْحَقِيقَةِ الْمُطْلَقَةِ". فِي "نِهَايَةِ السُّورَةِ"، تَطْرَحُ السُّورَةُ قَاعِدَةَ "الِاسْتِبْدَالِ الْقَدَرِيِّ": {وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الْوُجُودِ الْهَادِفِ"؛ فَاللَّهُ لَيْسَ بِحَاجَةٍ لِلْبَشَرِ، بَلِ الْبَشَرُ هُمُ الْمُحْتَاجُونَ إِلَى "شَرَفِ الْمُهِمَّةِ". فَإِذَا عَجَزَ جِيلٌ عَنِ الْقِيَامِ بِالْحَقِّ، نَحَّاهُ الْمَنْطِقُ الْإِلَهِيُّ لِيَأْتِيَ بِمَنْ هُوَ أَجْدَرُ. بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ هِيَ سُورَةُ "صِدْقِ الْفِعْلِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الْأَعْمَالَ تُوزَنُ بِقَصْدِهَا وَارْتِبَاطِهَا بِالْوَحْيِ، وَأَنَّ مَنْ اتَّبَعَ "رِضْوَانَ اللَّهِ" أَصْلَحَ بَالَهُ فِي الدُّنْيَا وَأَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُ، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ الْبُخْلَ هُوَ بخلٌ عَنِ النَّفْسِ، وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !! |
|
#56
|
|||
|
|||
|
نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ الْفَتْحِ، وَهِيَ سُورَةُ "السَّكِينَةِ" وَ"الرُّؤْيَةِ الِاسْتِرَاتِيجِيَّةِ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ الْحَسْمِ وَالْمُوَاجَهَةِ، فَإِنَّ سُورَةَ الْفَتْحِ تَنْقُلُنَا إِلَى مَنْطِقِ "النَّصْرِ بِالسَّلَامِ"، وَتَعْرِضُ كَيْفَ يَتَحَوَّلُ مَا ظَاهِرُهُ "تَنَازُلٌ" إِلَى "فَتْحٍ مُبِينٍ" بِمَقَايِيسِ الْحِكْمَةِ الْإِلَهِيَّةِ.
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِإِعْلَانِ الْفَتْحِ: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "تَغْيِيرِ تَعْرِيفِ النَّجَاحِ"؛ فَالْفَتْحُ هُنَا كَانَ "صُلْحَ الْحُدَيْبِيَةِ" الَّذِي رَآهُ بَعْضُ الصَّحَابَةِ ضَيْمًا، لَكِنَّ الْمَنْطِقَ الْإِلَهِيَّ رَآهُ بَوَّابَةً لِانْتِشَارِ الدَّعْوَةِ. وَتُبَيِّنُ السُّورَةُ أَنَّ الْغَايَةَ هِيَ {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ} وَ {وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا}. فِي "تَحْلِيلِ الْعَامِلِ النَّفْسِيِّ"، تُقَدِّمُ السُّورَةُ مَفْهُومَ "السَّكِينَةِ": {هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ}. الْمَنْطِقُ هُنَا يَرْبِطُ بَيْنَ "الثَّبَاتِ الِانْفِعَالِيِّ" وَ "الْقُوَّةِ الْقِتَالِيَّةِ"؛ فَالْجُنُودُ لَيْسُوا فَقَطْ مَنْ يَحْمِلُ السِّلَاحَ، بَلْ هُمْ أَيْضًا "جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ" الَّتِي يُسَخِّرُهَا اللَّهُ لِمَنْ صَدَقَ. أَمَّا فِي "نَقْدِ مَنْطِقِ الِاعْتِذَارِ الزَّائِفِ"، فَتَفْضَحُ السُّورَةُ "الْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ" الَّذِينَ قَالُوا: {شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "تَقْدِيمِ الْمَصْلَحَةِ النَّفْعِيَّةِ الضَّيِّقَةِ" عَلَى الْمَبْدَأِ. وَتُبَيِّنُ السُّورَةُ أَنَّ حَقِيقَةَ تَخَلُّفِهِمْ لَمْ تَكُنْ "شُغْلًا"، بَلْ كَانَتْ "سُوءَ ظَنٍّ": {بَلْ ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَىٰ أَهْلِيهِمْ أَبَدًا}. الِاسْتِنْتَاجُ الْمَنْطِقِيُّ أَنَّ الْهَزِيمَةَ تَبْدَأُ مِنْ "الْعَقْلِ" قَبْلَ "الْمَيْدَانِ". فِي "بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ"، تُؤَسِّسُ السُّورَةُ لِمَنْطِقِ "الْوَلَاءِ الْمُطْلَقِ": {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ}. هُنَا يَتَّحِدُ "التَّمْثِيلُ الْبَشَرِيُّ" مَعَ "الْأَمْرِ الْإِلَهِيِّ"، لِيَكُونَ "الرِّضَا" هُوَ الثَّمَنُ الْوُجُودِيُّ لِهَذَا الثَّبَاتِ تَحْتَ الشَّجَرَةِ. تَنْتَقِلُ السُّورَةُ لِتَحْلِيلِ "الرُّؤْيَا النَّبَوِيَّةِ" وَحَتْمِيَّةِ دُخُولِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ. الْمَنْطِقُ هُنَا يَقُومُ عَلَى "الْيَقِينِ فِي الْوَعْدِ" رَغْمَ الْمَوَانِعِ الْمَادِّيَّةِ، مُؤَكِّدَةً أَنَّ اللَّهَ عَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا، فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا. تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِوَصْفِ "مُحَمَّدٍ وَالَّذِينَ مَعَهُ" بِصِفَاتٍ تَبْدَأُ مِنَ {أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ}، وَتَنْتَهِي بِمَثَلِ "الزَّرْعِ" الَّذِي أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "النُّمُوِّ الْعُضْوِيِّ لِلْفِكْرَةِ"؛ تَبْدَأُ ضَعِيفَةً، ثُمَّ تَتَقَوَّى بِالتَّرَابُطِ، حَتَّى تُعْجِبَ الزُّرَّاعَ وَتَغِيظَ الْكُفَّارَ. بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ الْفَتْحِ هِيَ سُورَةُ "الِانْتِصَارِ بِالْحِكْمَةِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الْقُوَّةَ لَيْسَتْ دَائِمًا فِي "الصِّدَامِ"، بَلْ فِي "الْعُهُودِ" الَّتِي تَمْنَحُ الْفِكْرَةَ وَقْتًا لِتَنْمُوَ، وَأَنَّ السَّكِينَةَ هِيَ سِلَاحُ الْمُؤْمِنِ الْأَمْضَى فِي سَاعَاتِ الِارْتِبَاكِ، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ اللَّهَ وَعَدَ الصَّالِحِينَ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !! |
|
#57
|
|||
|
|||
|
نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ الْحُجُرَاتِ، وَهِيَ سُورَةُ "الْبِنَاءِ الْأَخْلَاقِيِّ" وَ"دُسْتُورِ الْقِيَمِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ الْفَتْحِ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ النَّصْرِ الِاسْتِرَاتِيجِيِّ وَالسَّكِينَةِ، فَإِنَّ سُورَةَ الْحُجُرَاتِ تَنْتَقِلُ لِتَحْلِيلِ مَنْطِقِ التَّمَاسُكِ الدَّاخِلِيِّ، وَتَعْرِضُ كَيْفَ يُصَانُ هَذَا "الْفَتْحُ" بِمَنْظُومَةٍ مِنَ الْآدَابِ الَّتِي تَحْمِي الْمُجْتَمَعَ مِنَ التَّفَكُّكِ.
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِتَنْظِيمِ "الْعَلَاقَةِ مَعَ الْقِيَادَةِ": {لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} وَ {لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "الِانْضِبَاطِ الْمَرْجِعِيِّ"؛ فَالْمُجْتَمَعُ الَّذِي لَا يَحْتَرِمُ مَصْدَرَ تَوْجِيهِهِ يَغْرَقُ فِي الْفَوْضَى. وَتُبَيِّنُ السُّورَةُ أَنَّ "الْأَدَبَ" لَيْسَ مُجَرَّدَ لِيَاقَةٍ، بَلْ هُوَ شَرْطٌ لِقَبُولِ الْعَمَلِ: {أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ}. فِي "تَحْلِيلِ مَنْطِقِ تَدَاوُلِ الْمَعْلُومَاتِ"، تَضَعُ السُّورَةُ الْقَاعِدَةَ الذَّهَبِيَّةَ لِلْأَمْنِ الِاجْتِمَاعِيِّ: {إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "التَّثَبُّتِ النَّقْدِيِّ"؛ حَيْثُ تَمْنَعُ السُّورَةُ انْسِيَاقَ الْعَقْلِ خَلْفَ "الْإِشَاعَةِ" الَّتِي قَدْ تُؤَدِّي إِلَى كَارِثَةٍ (نَدَامَةٍ) بِسَبَبِ الْجَهَالَةِ. الِاسْتِنْتَاجُ الْمَنْطِقِيُّ أَنَّ "الْعِلْمَ بِالْحَقِيقَةِ" هُوَ حِصْنُ الْعَدَالَةِ. أَمَّا فِي "إِدَارَةِ النِّزَاعَاتِ"، فَتَطْرَحُ السُّورَةُ مَنْطِقَ "الْإِصْلَاحِ الْحَازِمِ": {فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ۖ فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي}. هُنَا نَرَى مَنْطِقَ "الْقُوَّةِ فِي خِدْمَةِ الْحَقِّ"؛ فَالصُّلْحُ لَيْسَ ضَعْفًا، بَلْ هُوَ هَدَفٌ، فَإِذَا رَفَضَ الْبَاغِي، وَجَبَ رَدْعُهُ لِيَعُودَ إِلَى "أَمْرِ اللَّهِ" (الْعَدْلِ). فِي "جِرَاحَةِ النَّفْسِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ"، تُحَرِّمُ السُّورَةُ سِتَّةَ سُلُوكِيَّاتٍ تُمَزِّقُ النَّسِيجَ الْبَشَرِيَّ: (السُّخْرِيَّةَ، اللَّمْزَ، التَّنَابُزَ، الظَّنَّ، التَّجَسُّسَ، الْغِيبَةَ). الْمَنْطِقُ التَّحْلِيلِيُّ هُنَا يَقُومُ عَلَى "صِيَانَةِ الْكَرَامَةِ الْغَيْبِيَّةِ"؛ فَكَمَا تُصَانُ الدِّمَاءُ، تُصَانُ الْأَعْرَاضُ. وَتَصِفُ السُّورَةُ "الْغِيبَةَ" بِأَبْشَعِ صُورَةٍ (أَكْلِ لَحْمِ الْأَخِ مَيْتًا) لِتَنْفِيرِ الْعَقْلِ مِنْ تَنَاوُلِ مَا لَا يَمْلِكُ. تَنْتَقِلُ السُّورَةُ لِتَحْلِيلِ "مَنْطِقِ الْهُوِيَّةِ الْعَالَمِيَّةِ": {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "التَّنَوُّعِ لِلتَّكَامُلِ" لَا لِلِتَّفَاخُرِ. وَتُحَطِّمُ السُّورَةُ كُلَّ مَعَايِيرِ التَّفَاضُلِ الْمَادِّيَّةِ لِتَبْنِيَ مِعْيَارًا وَاحِدًا: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}. تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِالتَّمْيِيزِ بَيْنَ "الْإِسْلَامِ" (الِانْقِيَادِ الظَّاهِرِيِّ) وَ"الْإِيمَانِ" (التَّصْدِيقِ الْقَلْبِيِّ). هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الْعُمْقِ لَا السَّطْحِ"؛ فَالْإِيمَانُ لَيْسَ كَلِمَةً، بَلْ هُوَ "يَقِينٌ" لَا يَرْتَابُ، وَ"جِهَادٌ" بِالْمَالِ وَالنَّفْسِ. بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ الْحُجُرَاتِ هِيَ سُورَةُ "أَدَبِ الْجَمَاعَةِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الْمُجْتَمَعَ الْقَوِيَّ لَيْسَ مَنْ يَمْلِكُ السِّلَاحَ فَقَطْ، بَلْ مَنْ يَمْلِكُ "الْأَخْلَاقَ" الَّتِي تَمْنَعُ الظُّلْمَ الدَّاخِلِيَّ، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ شَاءَ بِالْهِدَايَةِ، وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !! |
|
#58
|
|||
|
|||
|
نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ ق، وَهِيَ سُورَةُ "الْيَقَظَةِ الْكُبْرَى" وَ"مَنْطِقِ الْحَقِيقَةِ الْعَارِيَةِ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ الْحُجُرَاتِ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ الْأَدَبِ مَعَ الْخَلْقِ، فَإِنَّ سُورَةَ ق تَنْقُلُنَا إِلَى مَنْطِقِ "الْأَدَبِ مَعَ الْحَقِيقَةِ الْوُجُودِيَّةِ"، وَتَعْرِضُ كَيْفَ يَنْكَشِفُ الْغِطَاءُ عَنِ الْبَصَرِ لِيُدْرِكَ مَا كَانَ عَنْهُ غَافِلًا.
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِـ "الْقُرْآنِ الْمَجِيدِ" وَتَعْرِضُ اسْتِغْرَابَ الْمُكَذِّبِينَ مِنْ مَنْطِقِ "الْبَعْثِ": {أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ۖ ذَٰلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "الِاسْتِبْعَادِ الْحِسِّيِّ"؛ فَهُمْ يَقِيسُونَ قُدْرَةَ الْخَالِقِ بِمَا تَرَاهُ أَعْيُنُهُمْ مِنَ التَّحَلُّلِ. تَرُدُّ السُّورَةُ بِمَنْطِقِ "الْإِحَاطَةِ الْعِلْمِيَّةِ": {قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ}؛ فَالْمَادَّةُ لَا تَفْنَى عَنْ عِلْمِ اللَّهِ، بَلْ هِيَ "مُوَثَّقَةٌ" فِي كِتَابٍ حَفِيظٍ. فِي "الْبُرْهَانِ الْأَنْطُولُوجِيِّ" (بُرْهَانِ الْوُجُودِ)، تَدْعُو السُّورَةُ لِلنَّظَرِ إِلَى السَّمَاءِ: {أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا}. الْمَنْطِقُ التَّحْلِيلِيُّ هُنَا يَقُومُ عَلَى "الْإِتْقَانِ النَّظْمِيِّ"؛ فَالْبِنَاءُ بِلَا فُرُوجٍ (ثُغْرَاتٍ) وَالْأَرْضُ الْمَمْدُودَةُ وَالنَّخْلُ الْبَاسِقُ، كُلُّهَا أَدِلَّةٌ عَلَى أَنَّ الَّذِي "أَحْيَا" الْأَرْضَ بِمَاءِ السَّمَاءِ قَادِرٌ مَنْطِقِيًّا عَلَى "الْخُرُوجِ" (الْبَعْثِ). أَمَّا فِي "تَحْلِيلِ الرَّقَابَةِ الذَّاتِيَّةِ"، فَتَطْرَحُ السُّورَةُ أَدَقَّ مَشَاهِدِ الْقُرْبِ الْإِلَهِيِّ: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الْإِحَاطَةِ الْبَاطِنِيَّةِ"؛ فَالتَّسْجِيلُ لَيْسَ لِلْأَفْعَالِ فَقَطْ، بَلْ لِـ "مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ". وَتُبَيِّنُ السُّورَةُ نِظَامَ "التَّوْثِيقِ الثُّنَائِيِّ" (رَقِيبٌ وَعَتِيدٌ) لِكُلِّ لَفْظٍ، مِمَّا يَعْنِي أَنَّ "الْمَسْؤُولِيَّةَ" قَائِمَةٌ عَلَى أَدَقِّ التَّفَاصِيلِ. فِي مَشْهَدِ "سَكْرَةِ الْمَوْتِ"، تَقُولُ السُّورَةُ الْقَاعِدَةَ الصَّادِمَةَ: {لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ}. الْمَنْطِقُ هُنَا يَقُومُ عَلَى "تَحَوُّلِ الْبَصِيرَةِ"؛ فَالْمَوْتُ لَيْسَ "عَدَمًا"، بَلْ هُوَ "إِبْصَارٌ حَادٌّ" لِلْحَقَائِقِ الَّتِي كَانَ الْإِنْسَانُ يَتَجَاهَلُهَا فِي الدُّنْيَا. الِاسْتِنْتَاجُ هُوَ أَنَّ "الْغَيْبَ" حَقِيقَةٌ مَوْجُودَةٌ، لَكِنَّ أَدَوَاتِ الدُّنْيَا كَانَتْ أَعْجَزَ مِنْ إِدْرَاكِهَا. تَنْتَقِلُ السُّورَةُ لِتَحْلِيلِ "مَنْطِقِ جَهَنَّمَ" الَّتِي تَقُولُ: {هَلْ مِن مَّزِيدٍ}، وَمُقَابَلَتِهَا بِالْجَنَّةِ الَّتِي أُزْلِفَتْ لِلْمُتَّقِينَ. هُنَا نَرَى مَنْطِقَ "التَّجَانُسِ"؛ فَالْقَلْبُ "الْمُنِيبُ" الَّذِي خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ يَسْتَحِقُّ "سَلَامَ" الدُّخُولِ، بَيْنَمَا الْعَنِيدُ الْمَنَّاعُ لِلْخَيْرِ يَسْتَحِقُّ الْإِلْقَاءَ فِي الْعَذَابِ. تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِقَاعِدَةِ "الِاسْتِمَاعِ الْوَاعِي": {إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "شُرُوطِ الِانْتِفَاعِ"؛ فَالْمَعْلُومَةُ مَوْجُودَةٌ، لَكِنَّهَا تَحْتَاجُ إِلَى "أَدَاةِ تَلَقٍّ" (قَلْبٍ) مُسْتَحْضِرَةٍ لِلشُّهُودِ. بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ ق هِيَ سُورَةُ "صَدْمَةِ الْحَقِيقَةِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ مُسَجَّلٌ، وَأَنَّ النِّهَايَةَ قَرِيبَةٌ جِدًّا، وَأَنَّ الْعَقْلَ الْحَصِيفَ هُوَ الَّذِي يَكْشِفُ عَنْ عَيْنَيْهِ "غِطَاءَ الْغَفْلَةِ" قَبْلَ أَنْ يَكْشِفَهُ الْمَوْتُ، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ التَّذْكِيرَ بِالْقُرْآنِ هُوَ لِمَنْ "يَخَافُ وَعِيدِ".
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !! |
|
#59
|
|||
|
|||
|
نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ الذَّارِيَاتِ، وَهِيَ سُورَةُ "الْقَسَمِ بِالْغَيْبِ" وَ"مَنْطِقِ الْغَايَةِ الْوُجُودِيَّةِ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ "ق" قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ الْحَقِيقَةِ الْعَارِيَةِ عِنْدَ الْمَوْتِ، فَإِنَّ سُورَةَ الذَّارِيَاتِ تَنْقُلُنَا إِلَى مَنْطِقِ "الْحَتْمِيَّةِ وَالْوَظِيفَةِ"، وَتَعْرِضُ كَيْفَ تَعْمَلُ قُوَى الْكَوْنِ (الرِّيَاحُ، السُّحُبُ، السُّفُنُ، الْمَلَائِكَةُ) لِتَحْقِيقِ وَعْدٍ لَا يَتَخَلَّفُ.
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِقَسَمٍ رُبَاعِيٍّ بِمَخْلُوقَاتٍ ذَاتِ حَرَكَةٍ (الذَّارِيَاتِ، الْحَامِلَاتِ، الْجَارِيَاتِ، الْمُقَسِّمَاتِ). هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "النَّظْمِ الْوَظِيفِيِّ"؛ فَالْكَوْنُ لَيْسَ سَاكِنًا، بَلْ هُوَ "مَنْظُومَةُ عَمَلٍ" دَائِمَةٍ. النَّتِيجَةُ الْمَنْطِقِيَّةُ لِهَذَا النَّشَاطِ الْكَوْنِيِّ الدَّقِيقِ هِيَ: {إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ * وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الِاسْتِدْلَالِ بِالْفِعْلِ عَلَى الْفَاعِلِ"؛ فَالَّذِي أَدَارَ هَذَا النِّظَامَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَتْرُكَ الْوُجُودَ بِلَا "دِينٍ" (حِسَابٍ وَجَزَاءٍ). فِي "تَحْلِيلِ الِارْتِبَاكِ الْمَعْرِفِيِّ"، تَصِفُ السُّورَةُ حَالَ الْمُنْكِرِينَ: {إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "التَّشَتُّتِ الذِّهْنِيِّ"؛ فَحِينَ يَغِيبُ مِعْيَارُ الْحَقِيقَةِ، تَتَعَدَّدُ الْآرَاءُ وَتَتَصَادَمُ، بَيْنَمَا الْحَقُّ وَاحِدٌ وَمُتَّسِقٌ مَعَ نَفْسِهِ. أَمَّا فِي "نَمُوذَجِ الضَّيْفِ" (إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ)، فَتُبَيِّنُ السُّورَةُ مَنْطِقَ "الْكَرَمِ وَالْبُشْرَى". إِبْرَاهِيمُ يُقَدِّمُ "عِجْلًا سَمِينًا" لِأَضْيَافٍ لَا يَعْرِفُهُمْ، لِيَأْتِيَهُ الرَّدُّ بِمَا هُوَ "خَارِجُ الْمَنْطِقِ الْبَشَرِيِّ" (وِلَادَةِ غُلَامٍ لِعَقِيمٍ وَشَيْخٍ). الِاسْتِنْتَاجُ هُنَا أَنَّ "الْقُدْرَةَ الْإِلَهِيَّةَ" لَا تَتَقَيَّدُ بـ "الْقَوَانِينِ السَّبَبِيَّةِ" الَّتِي أَلِفَهَا الْبَشَرُ، بَلْ هِيَ تَحْكُمُهَا. فِي "الْبُرْهَانِ الْآفَاقِيِّ"، تَقُولُ السُّورَةُ قَاعِدَةً عِلْمِيَّةً وَمَنْطِقِيَّةً مُبْهِرَةً: {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "التَّمَدُّدِ وَالْعَظَمَةِ"؛ فَالْبِنَاءُ الْكَوْنِيُّ لَيْسَ جَامِدًا، بَلْ هُوَ فِي "اتِّسَاعٍ" دَائِمٍ، وَفِي "زَوْجِيَّةٍ" شَامِلَةٍ: {وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}. هَذِهِ الثُّنَائِيَّةُ تُثْبِتُ مَنْطِقِيًّا "وِحْدَانِيَّةَ" الصَّانِعِ، فَالزَّوْجَانِ يَحْتَاجُ كُلٌّ مِنْهُمَا لِلْآخَرِ، وَاللَّهُ هُوَ "الْفَرْدُ الصَّمَدُ". تَصِلُ السُّورَةُ إِلَى "الْغَايَةِ الْقُصْوَى" لِلْوُجُودِ فِي أَعْظَمِ جُمْلَةٍ تَعْرِيفِيَّةٍ: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الْوَظِيفَةِ الْوُجُودِيَّةِ"؛ فَالْإِنْسَانُ لَمْ يُوجَدْ لِيَجْمَعَ الْمَالَ (فَاللَّهُ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ)، بَلْ وُجِدَ لِيُحَقِّقَ صِلَةَ "الْعُبُودِيَّةِ" بِالْمَصْدَرِ. الِاسْتِنْتَاجُ التَّحْلِيلِيُّ أَنَّ كُلَّ مَسْعًى بَشَرِيٍّ لَا يَصُبُّ فِي هَذِهِ الْغَايَةِ هُوَ مَسْعًى "ضَائِعٌ" مَنْطِقِيًّا. بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ الذَّارِيَاتِ هِيَ سُورَةُ "تَحْدِيدِ الْبَوْصَلَةِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الْكَوْنَ يَعْمَلُ بِدِقَّةٍ لِخِدْمَةِ الْأَمْرِ الْإِلَهِيِّ، وَأَنَّ رِزْقَكَ مَكْفُولٌ فِي السَّمَاءِ، فَلَا تَنْشَغِلْ بِـ "الْوَسِيلَةِ" (الرِّزْقِ) عَنِ "الْغَايَةِ" (الْعِبَادَةِ)، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِّثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ، فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !! |
|
#60
|
|||
|
|||
|
نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ الطُّورِ، وَهِيَ سُورَةُ "الْمُحَاجَجَةِ الْعَقْلِيَّةِ الْقَاطِعَةِ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ الذَّارِيَاتِ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ الْغَايَةِ وَالرِّزْقِ، فَإِنَّ سُورَةَ الطُّورِ تَنْقُلُنَا إِلَى مَنْطِقِ "إِلْزَامِ الْخَصْمِ بِالْبُرْهَانِ"، وَتَعْرِضُ كَيْفَ تَتَهَاوَى الشُّكُوكُ أَمَامَ سِلْسِلَةٍ مِنْ "الْأَسْئِلَةِ الْوُجُودِيَّةِ" الَّتِي لَا مَفَرَّ مِنْ جَوَابِهَا.
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِقَسَمٍ خُمَاسِيٍّ (الطُّورِ، كِتَابٍ مَّسْطُورٍ، الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ، السَّقْفِ الْمَرْفُوعِ، الْبَحْرِ الْمَسْجُورِ). هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "تَعَاضُدِ الشَّوَاهِدِ"؛ فَالْقَسَمُ بِالْجَبَلِ (مَكَانِ الْوَحْيِ) وَالْكِتَابِ وَالسَّمَاءِ وَالْبَحْرِ يُثْبِتُ أَنَّ عَذَابَ اللَّهِ "لَوَاقِعٌ مَّا لَهُ مِن دَافِعٍ". هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الْحَتْمِيَّةِ النِّهَائِيَّةِ"؛ فَكَمَا أَنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ مَوْجُودَةٌ، فَإِنَّ الْحِسَابَ مَوْجُودٌ بِالضَّرُورَةِ. فِي "تَحْلِيلِ مَنْطِقِ الْمُكَذِّبِينَ"، تَنْفِي السُّورَةُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ثَلَاثَ تُّهَمٍ (الْكَهَانَةَ، الْجُنُونَ، الشِّعْرَ). الْمَنْطِقُ التَّحْلِيلِيُّ هُنَا يَقُومُ عَلَى "تَفْنِيدِ التَّنَاقُضِ"؛ فَهُمْ يَعْلَمُونَ رَجَاحَةَ عَقْلِهِ، فَكَيْفَ يَدَّعُونَ جُنُونَهُ؟ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ قَوْلَهُ لَيْسَ شِعْرًا، فَكَيْفَ يَنْتَظِرُونَ بِهِ "رَيْبَ الْمَنُونِ"؟ ثُمَّ تَطْرَحُ السُّورَةُ "أَعْظَمَ سِلْسِلَةٍ مِنَ الْأَسْئِلَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ فِي التَّارِيخِ"، وَهِيَ أَسْئِلَةٌ تُحَاصِرُ الْعَقْلَ فِي زَاوِيَةِ الْحَقِيقَةِ: أَصْلُ الْوُجُودِ: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ}؟ (مَنْطِقُ نَفْيِ الصُّدْفَةِ وَنَفْيِ خَلْقِ الذَّاتِ لِلذَّاتِ). مَصْدَرُ الْكَوْنِ: {أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ}؟ (مَنْطِقُ نَفْيِ الْقُدْرَةِ الْبَشَرِيَّةِ عَلَى الْإِبْدَاعِ الْكَوْنِيِّ). مِلْكِيَّةُ الْخَزَائِنِ: {أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ}؟ (مَنْطِقُ نَفْيِ التَّحَكُّمِ فِي الرِّزْقِ وَالْأَقْدَارِ). الِاسْتِنْتَاجُ الْمَنْطِقِيُّ أَنَّ الْبَشَرَ "لَا يُوقِنُونَ" لَيْسَ لِنَقْصِ الدَّلِيلِ، بَلْ لِفَسَادِ الْإِرَادَةِ. أَمَّا فِي "مَنْطِقِ الِاسْتِكْبَارِ"، فَتَصِفُ السُّورَةُ حَالَةً مَرَضِيَّةً مِنَ الْعِنَادِ: {وَإِن يَرَوْا كِسْفًا مِّنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَّرْكُومٌ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الْإِنْكَارِ التَّأْوِيلِيِّ"؛ حَيْثُ يُفَسِّرُ الْمُعَانِدُ الْمُعْجِزَةَ الصَّارِخَةَ (سُقُوطَ السَّمَاءِ) بِتَفْسِيرٍ مَادِّيٍّ مُعْتَادٍ (سَحَابٍ) لِيَهْرَبَ مِنَ الِالْتِزَامِ بِالْإِيمَانِ. فِي مَشَاهِدِ الْأَخِرَةِ، تَعْرِضُ السُّورَةُ "حَدِيثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ": {إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ}. الْمَنْطِقُ هُنَا يَقُومُ عَلَى "الْجَزَاءِ بِمِثْلِ الْخَوْفِ"؛ فَمَنْ خَافَ فِي الدُّنْيَا أَمِنَ فِي الْآخِرَةِ، وَتُبَيِّنُ السُّورَةُ مَنْطِقَ "الْإِلْحَاقِ الذُّرِّيِّ": {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ}. هَذَا كَرَمٌ يَتَجَاوَزُ مَنْطِقَ "الْعَمَلِ الْمُجَرَّدِ" لِيُحَقِّقَ تَمَامَ السُّرُورِ. تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِأَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ بِالتَّسْبِيحِ: {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الرِّعَايَةِ الْخَاصَّةِ"؛ فَمَنْ تَبَيَّنَتْ لَهُ كُلُّ هَذِهِ الْأَدِلَّةِ وَلَمْ يُؤْمِنْ، فَاتْرُكْهُ لِيَوْمِهِ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُ، وَانْشَغِلْ أَنْتَ بِمَنْطِقِ "الِاتِّصَالِ" بِاللَّهِ لَيْلًا وَنَهَارًا. بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ الطُّورِ هِيَ سُورَةُ "الْإِلْزَامِ الْعَقْلِيِّ". تُخْبِرُنَا أَنَّ كُلَّ حُجَّةٍ ضِدَّ التَّوْحِيدِ هِيَ حُجَّةٌ "مُتَهَافِتَةٌ" بِنَفْسِهَا، وَأَنَّ الْإِنْسَانَ إِمَّا أَنْ يَعْتَرِفَ بِبَدِيهِيَّةِ الْخَلْقِ أَوْ يَبْقَى فِي حَيْرَةٍ لَا مَنْطِقَ لَهَا، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !! |
![]() |
| أدوات الموضوع | |
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | الأقسام الرئيسية | مشاركات | المشاركة الاخيرة |
| الاسلام العظيم بقلم الدكتور كيث ميلر, كيف اسلم مبشر و عالم رياضيات مسيحي ؟ | بيان | رد شبهات الملاحدة العرب | 3 | 2011-02-09 06:11 PM |
| التشيع (عقيدة دينية ؟ ام عقدة نفسية) | طالب عفو ربي | الشيعة والروافض | 19 | 2010-10-27 09:16 AM |
| بروتوكولات حاخامات قم | عدو الروافض | الشيعة والروافض | 0 | 2010-09-15 04:15 PM |
| حقيــقــة اتــهام الشيعــه لأهل السنــه بالتحـــريف | بنت المدينة | الشيعة والروافض | 0 | 2009-12-09 02:11 PM |
| العضو سامي تفضل للنقاش , | سعودية سنية | رد شبهات الملاحدة العرب | 212 | 2009-12-01 02:40 AM |