![]() |
| جديد المواضيع |


| للإعلان هنا تواصل معنا > واتساب |
| منتدى السنة | الأذكار | زاد المتقين | منتديات الجامع | منتديات شباب الأمة | زد معرفة | طريق النجاح | طبيبة الأسرة | معلوماتي | وادي العرب | حياتها | فور شباب | جوابى | بنك أوف تك |
|
|||||||
![]() |
|
|
أدوات الموضوع |
|
#21
|
|||
|
|||
|
ننتقل الآن إلى سورة إبراهيم، وهي السّورة الّتي تُمثّل "منطق الكلمة" و"فلسفة الشّكر". إذا كانت سورة الرّعد قد ركّزت على القوى المادّيّة والكونيّة (الرّعد، السّيل، الزّبد)، فإنّ سورة إبراهيم تركّز على القوة المعنويّة الكبرى: الكلمة والوحي.
من النّاحية المنطقيّة والتّحليليّة، تعالج السّورة ثنائيّة "النّور والظّلام" و"الثّبات والاضطراب" من خلال مَثَل الشّجرة. أوّلاً: وظيفة الوحي (الخروج من العشوائيّة) تبدأ السّورة بـ: {الر ۚ كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ}. التّحليل المنطقيّ: استُخدمت "الظّلمات" بصيغة الجمع و"النّور" بصيغة المفرد. الاستنتاج: الباطل والجهل طرق متشعّبة ومتعدّدة (عشوائيّة)، أمّا الحقّ فهو طريق واحد مستقيم (منطق موحّد). الوحي هو "الخيط النّاظم" الّذي يخرج الإنسان من تشتّت الاحتمالات إلى يقين الحقيقة. ثانياً: قانون الزّيادة (المنطق السّببيّ للشّكر) تضع السّورة قاعدة ذهبيّة في التّعامل مع نعم الله سبحانه وتعالى جلّ جلاله: {لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ}. التّحليل: الشّكر هنا ليس مجرّد كلمة باللّسان، بل هو "حسن استثمار النّعمة". المنطق: استثمار الموارد (النّعم) بشكل صحيح يؤدّي طبيعيّاً وفيزيائيّاً إلى نموّها وتراكمها، بينما كفر النّعمة (تبديد الموارد) يؤدّي إلى نضوبها وانهيار المنظومة (العذاب الشّديد). ثالثاً: منطق الشّجرة (الكلمة ككيان حيّ) تقدّم السّورة موازنة منطقيّة مذهلة بين نوعين من المبادئ (الكلمات): الكلمة الطيّبة (كشجرة طيّبة): أصلها ثابت (يقين عقليّ) وفرعها في السّماء (سموّ أخلاقيّ) وتؤتي أُكلها كلّ حين (نفع مستمر). الكلمة الخبيثة (كشجرة خبيثة): اجتثّت من فوق الأرض (بلا جذور منطقيّة) ما لها من قرار (هشاشة معرفيّة). الاستنتاج المنطقيّ: الأفكار العظيمة (التّوحيد) تبقى وتثمر لأنّها متجذّرة في الفطرة، بينما الأفكار الزّائفة (الشّرك/العدميّة) قد تبدو ضخمة لكنّها تنهار عند أول عاصفة. رابعاً: دعاء إبراهيم صلّى الله عليه وسلّم (نموذج العمران الإنسانيّ) تستعرض السّورة دعوات إبراهيم صلّى الله عليه وسلّم عند بناء البيت: {رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ}. التّحليل المنطقيّ: رتّب إبراهيم صلّى الله عليه وسلّم الأولويّات: (الأمن) أوّلاً، ثمّ (العقيدة الصّحيحة/التّوحيد)، ثمّ (الرّزق). الاستنتاج: لا يمكن بناء حضارة أو ممارسة عبادة دون "أمن"، ولا قيمة للأمن دون "معنى" (التّوحيد). خامساً: نهاية الظّلم (المنطق الزّمنيّ للحساب) {وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ}. التّحليل: تأخير العقاب ليس إهمالاً بل "إمهال" (إنّما يؤخّرهم ليوم تشخص فيه الأبصار). المنطق: العدالة المطلقة تقتضي وجود يوم تُردّ فيه المظالم، لأنّ العدل البشريّ قاصر ومحدود بالزّمن والمكان. جدول الاستنتاج المنطقيّ لسورة إبراهيم: العنصر__الوصف المنطقيّ__الثّمرة العمليّة النّور والظّلمات__الوحدة مقابل التّشتّت__وضوح الهدف والمسار قانون الشّكر__التّناسب الطرديّ بين الاستثمار والنّموّ__الاستدامة في النّعم أصل الشّجرة__الثّبات المعرفيّ__الصّمود أمام الأزمات (التّثبيت) الأصنام__الرّموز الزّائفة والمضلّلة__التّحرّر من التّبعيّة للأوهام الخلاصة التّحليليّة لسورة إبراهيم: سورة إبراهيم هي سورة "ثبات المبادئ واستدامة النّعم". تخبرنا أنّ "الكلمة" هي أساس البناء الإنسانيّ، وأنّ شكر الخالق جلّ وعلا هو "المحرّك الاقتصاديّ والرّوحيّ" لنموّ الحضارات، محذّرة من أنّ الظّلم، مهما طال أمده، محكوم بقانون "التّلاشي" أمام الحقّ المطلق. هذا والله سبحانه وتعالى جلّ جلاله صاحب العلم المطلق أعلم. يتبع إن شاء الله تعالى. وآخر دعوانا ان الحمد لله ربّ العالمين.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !! |
|
#22
|
|||
|
|||
|
ننتقل الآن إلى سورة الحجر، وهي سورة "الحفظ" و"الثّبات الكونيّ". إذا كانت سورة إبراهيم قد ركّزت على منطق الكلمة، فإنّ سورة الحجر تركّز على ديمومة هذه الكلمة وحمايتها من التّحلّل أو التّحريف، واضعةً ثنائيّة (الحفظ الإلهيّ) مقابل (المحاولات الشّيطانيّة للاختراق).
من النّاحية المنطقيّة والتّحليليّة، تعالج السّورة مفهوم "القدر" والزّمن والحماية الكونيّة. أوّلاً: منطق الحفظ (قاعدة المعلومات المطلقة) تطرح السّورة واحدة من أقوى القواعد في تاريخ الوحي: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}. التّحليل المنطقيّ: استخدم النّصّ صيغة الجمع "إنّا" وضمير الفصل "نحن" للتّأكيد المطلق. الاستنتاج: هذا تعهّد لا ريب فيه من الله سبحانه وتعالى جلّ جلاله بأن يحفظ النّصّ القرءانيّ والسّنّة النّبويّة الشّريفة من التّلاعب البشريّ(وما المسلمون الثّقات المؤتمنون على هذا الحفظ إلّا أدوات سخرّها الله تعالى لحصول هذا الحفظ)، وهو ما يفسّر منطقيّاً بقاءهما عبر القرون، بخلاف الكتب السّابقة الّتي وُكل حفظها للبشر(الّذين كثير منهم غير صالحين) فدخلها التّحريف. ثانياً: الخزائن والقدر (المنطق الفيزيائيّ للموارد) تقدّم السّورة رؤية مذهلة لإدارة موارد الكون: {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ}. التّحليل: "الخزائن" تشير إلى المصادر اللّانهائيّة، و"القدر المعلوم" يشير إلى قوانين القياس والمقادير (Parameters). المنطق: الوجود ليس عشوائيّاً في عطاء الله تعالى منه، بل هو نظام "محسوب" بدقّة؛ فالغيث، وغاز الأكسجين، والطّاقة،وغير ذلك ممّا لا نهاية لعدده من نعم الله سبحانه وتعالى جلّ جلاله في هذا الوجود الّذي لا نهاية له، كلّها تنزّل بمقادير تضمن توازن الحياة (Homeostasis). ثالثاً: برهان الحواسّ (المنطق النّفسيّ للمكابرين) {وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مِّنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا}. التّحليل: تشرح السّورة حالة "الإنكار الجاحد". الاستنتاج المنطقيّ: المشكلة ليست في "نقص الأدلّة" بل في "عطل الاستقبال". عندما يقرّر العقل رفض الحقيقة سلفاً، فإنّه سيكذّب حواسّه (البصر) ليبقى وفيّاً لعناده. رابعاً: استراتيجيّة "الإغواء" (حوار إبليس) تعود السّورة لقصّة الخلق بتركيز على "حدود القدرة الشّيطانيّة": {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ}. المنطق: الشّيطان لا يملك "سلطة قهريّة" (Physical Force) على الإنسان، بل يملك "الوسوسة" فقط. الاستنتاج: الإنسان يظلّ كائناً "مختاراً"؛ والاتّباع هو قرار إراديّ وليس قدراً مفروضاً. المسؤوليّة تقع كاملاً على عاتق من "اختار" الاتّباع. خامساً: سعة الصّدر والحلّ النّفسيّ (الخاتمة) تختتم السّورة بمواساة للنّبيّ ﷺ: { وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩) }[سُورَةُ الحِجْرِ: ٩٧-٩٩]. التّحليل المنطقيّ للعمليّة النّفسيّة: الضّيق ينتج عن المؤثّرات الخارجيّة (كلام النّاس)، والعلاج يكون بتغيير "التّردّد النّفسيّ" عبر (التّسبيح والسّجود والاستقامة بشكل عامّ والثّبات على الاستقامة حتّى الممات). المنطق: الاتّصال بالخالق عزّ وجلّ (صاحب القوّة المطلقة) يُصغّر المشاكل البشريّة (المحدودة) في عين الإنسان، ممّا يعيد له توازنه النّفسيّ. جدول الاستنتاج المنطقيّ لسورة الحجر: المبدأ__القانون__الثّمرة المعرفيّة الحفظ__{إنّا نحن نزّلنا الذّكر وإنّا له لحافظون}__الثّقة في المصدر المعرفيّ (القرءان الكريم والسّنّة النّبويّة الشّريفة) القدر المعلوم__التّوازن البيئيّ والكونيّ__رفض فكرة العبثيّة والمصادفة السّلطان__محدوديّة تأثير الغواية__إقرار كامل بالحرّيّة والمسؤوليّة البشريّة الحجر__عاقبة ثمود (أصحاب الحجر)__أنّ القوّة المعماريّة لا تحمي من السّنن الإلهيّة الخلاصة التّحليليّة لسورة الحجر: سورة الحجر هي سورة "المناعة واليقين". تخبرنا أنّ الحقّ "محفوظ" بقوّة إلهيّة، وأنّ الكون "محكوم" بمقادير دقيقة، وأنّ الإنسان "محروس" بوعيه ما لم يسلّم قياده لوساوس الوهم. هي صرخة لرفع الرّأس إلى السّماء لرؤية "البروج" والجمال الكونيّ الّذي يحمي الرّوح من اليأس. هذا والله سبحانه وتعالى جلّ جلاله صاحب العلم المطلق أعلم. يتبع إن شاء الله تعالى. وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !! |
|
#23
|
|||
|
|||
|
ننتقل الآن إلى سورة النّحل، وهي السّورة الّتي يُطلق عليها العلماء "سورة النّعم". إذا كانت سورة الحجر قد ركّزت على الحفظ، فإنّ سورة النّحل تركّز على العطاء والامتنان، وتقدّم "المنطق الوظيفيّ والجماليّ" للوجود.
من النّاحية المنطقيّة والتّحليليّة، تعالج السّورة برهان (القصد والعناية)؛ أي أنّ كلّ ما في الكون مصمّم لغاية وهدف. أوّلاً: منطق "الاستعجال" والزّمن تبدأ السّورة بـ: {أَتَىٰ أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ}. التّحليل المنطقيّ: التّعبير عن المستقبل بصيغة الماضي (أتى) يفيد "حتميّة الوقوع". الاستنتاج: المنطق الإلهيّ يرى الزّمن ككتلة واحدة، بينما يراه الإنسان كخطّ متدرّج. الاستعجال البشريّ هو نتاج قصور النّظر، أمّا اليقين فهو نتاج استيعاب السّنن. ثانياً: المنطق الجماليّ مقابل المنطق النّفعيّ في حديثها عن الأنعام، لا تكتفي السّورة بذكر الفائدة المادّيّة (الدّفء، المنافع، الأكل)، بل تضيف: {وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ}. التّحليل: القرءان الكريم يقرّر أنّ "الجمال" هو حاجة إنسانيّة أساسيّة وليس ترفاً. المنطق: إشباع الرّوح بالجمال (المنظر) لا يقلّ أهمّيّة عن إشباع الجسد (المنفعة)، وهذا دليل على أنّ الخالق يراعي كينونة الإنسان المزدوجة (روح وجسد). ثالثاً: "النّحل" كنموذج للوحي الفطريّ {وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا}. التّحليل المنطقيّ: استُخدمت كلمة "أوحى" مع الحشرة، وهو ما نسمّيه علميّاً (الغريزة المبرمجة). الاستنتاج: إذا كان النّحل يسير بنظام هندسيّ معجز واجتماعيّ دقيق بفضل "وحي الغريزة"، فمن المنطقيّ أن يحتاج مجتمع الإنسان (الأرقى) إلى "وحي الرّسالة" لينظّم حياته. النّحل هو "برهان واقعيّ" على نجاعة الاتّباع للمنهج الإلهيّ. رابعاً: قانون "القرية الآمنة" (المنطق الاقتصاديّ والاجتماعيّ) تضرب السّورة مثلاً لقرية كانت آمنة مطمئنّة يأتيها رزقها رغداً، فكفرت بأنعم الله. التّحليل (السّبب والنّتيجة): العقاب كان {فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ}. المنطق: الجوع والخوف هما "النّتيجة الفيزيائيّة" لفساد الإدارة الأخلاقيّة للموارد. الأمن والرّزق ليسا حقوقاً أبديّة، بل هما نتيجة لـ "شكر النّعمة" (حسن التّدبير والاستقامة). خامساً: أدب الحوار ومنطق الدّعوة (الخاتمة) {ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}. التّحليل المنطقيّ للمراتب: الحكمة: للعقلاء (برهان عقليّ). الموعظة الحسنة: للعامّة (عاطفة مهذّبة). المجادلة بالّتي هي أحسن: للمخالفين (منطق حواريّ راقٍ). الاستنتاج: السّورة تختم بدستور "التّواصل الإنسانيّ"، مؤكّدة أنّ الحقّ لا يحتاج إلى صراخ أو إكراه، بل إلى منهجيّة تخاطب كلّ مستويات الإدراك. جدول الاستنتاج المنطقيّ لسورة النّحل: النّعمة__البُعد المنطقيّ__الثّمرة المعرفيّة خلق الإنسان__{من نطفة فإذا هو خصيم مبين}__التّواضع أمام قوّة الخالق النّحل والعسل__{فيه شفاء للنّاس}__تسخير الكون لخدمة الإنسان الظّلال والأكنان__{جعل لكم من الجبال أكناناً}__رعاية الاحتياجات المادّيّة الأساسيّة العدل والإحسان__{إنّ الله يأمر بالعدل والإحسان}__الميزان الأخلاقيّ للمجتمع الخلاصة التّحليليّة لسورة النّحل: سورة النّحل هي سورة "الامتنان الواعي". تخبرنا أنّ كلّ ذرّة في الكون مسخّرة بحكمة، وأنّ "النّحل" و"الأنعام" و"الغيث" وغير ذلك من النّعم الّتي لا تعدّ ولا تحصى هي جميعها رسائل صامتة تدعو العقل للتّفكّر. هي سورة تدعو الإنسان ليكون كالنّحلة: لا يأكل إلّا طيّباً، ولا يخرج إلّا طيّباً، ولا ينزل على شيء إلّا أصلحه. هذا والله سبحانه وتعالى جلّ جلاله صاحب العلم المطلق أعلم. يتبع إن شاء الله تعالى. وآخر دعوانا ان الحمد لله ربّ العالمين.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !! |
|
#24
|
|||
|
|||
|
ننتقل الآن إلى سورة الإسراء (وتسمّى أيضاً سورة بني إسرائيل)، وهي سورة "القيم العليا والسّيادة". إذا كانت سورة النّحل قد استعرضت النّعم المادّيّة والكونيّة، فإنّ سورة الإسراء تنتقل بنا إلى "عالم الأرواح" و"منظومة الأخلاق" الّتي تحكم استخلاف الأمّة الإسلاميّة في الأرض، وتربط بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى في رباط عقديّ وتاريخيّ.
من النّاحية المنطقيّة والتّحليليّة، تعالج السّورة مفهوم "علوّ الأمم وسقوطها" بناءً على قانون المسؤوليّة الأخلاقيّة. أوّلاً: منطق "الإسراء" (ربط الجغرافيا بالمقدّس) تبدأ السّورة بحدث خرق العادة: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى}. التّحليل المنطقيّ: الرّبط بين المسجدين ليس مجرّد رحلة، بل هو "إعلان انتقال الإمامة" والمسؤوليّة عن الرسالة التّوحيديّة إلى أمّة خاتم الأنبياء والمرسلين محمّد عليه أتمّ الصّلاة والسّلام. الاستنتاج: القداسة لا ترتبط بالمكان لذاته، بل بـ "البركة" الّتي يضعها الله سبحانه وتعالى جلّ جلاله حوله كمركز للإشعاع الرّوحيّ. ثانياً: قانون "العلوّ والفساد" (فلسفة التّاريخ) تطرح السّورة نبوءة وقانوناً في آن واحد بخصوص بني إسرائيل: {لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا}. التّحليل المنطقيّ: العلوّ المادّيّ (القوّة، المال، النّفوذ) إذا لم يرتكز على قيم أخلاقيّة، ينقلب حتماً إلى "فساد". الاستنتاج: التّاريخ ليس عشوائيّاً؛ فالهلاك يأتي من الدّاخل (الفساد) ثمّ يُسلّط الله عليهم "عباداً له" (قوّة خارجيّة) كأداة لتنفيذ سنّة التّغيير. ثالثاً: المسؤوليّة الفرديّة (المنطق العدليّ) تؤسّس السّورة لمبدأ الاستحقاق الشّخصيّ: {كُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ}. التّحليل: "الطّائر" هنا هو العمل أو المصير. المنطق الحسابيّ: {اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا}. القرءان الكريم يلغي منطق "الكبش الفداء" أو "توارث الخطايا"؛ فالإنسان هو المسؤول الأوّل والأخير عن بياناته الرّقميّة (أعماله) يوم القيامة. رابعاً: الدّستور الأخلاقيّ (المنطق الاجتماعيّ) في وسط السّورة، تأتي سلسلة من الأوامر والنّواهي (من الآية 22 إلى 39) تمثّل "الوصايا العشر" الإسلاميّة: برّ الوالدين: {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} (الوفاء للجذور). التّوازن الماليّ: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً... وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ} (منطق الوسطيّة الاقتصاديّة). حرمة الحياة: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ}، {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ}. الاستقامة المعرفيّة: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ}. التّحليل المنطقيّ للآية الأخيرة: هذا هو "قانون التّثبّت العلميّ"؛ إذ يحرّم القرءان الكريم الكلام بغير دليل أو اتّباع الظّنون، وهو أساس التّفكير المنطقيّ السّليم. خامساً: ماهيّة الرّوح والقرءان الكريم تتعامل السّورة مع التّساؤلات الوجوديّة الكبرى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي}. المنطق المعرفيّ: القرءان الكريم يضع حدوداً للعقل البشريّ؛ فثمّة مساحات في "الميتافيزيقا" لا يمكن سبر غورها بالأدوات المادّيّة، والعلم البشريّ يظلّ "قليلاً" مقارنة بحقائق الوجود. جدول الاستنتاج المنطقيّ لسورة الإسراء: المبدأ__القانون__الغاية قانون الانهيار__{وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا}__التّحذير من ترف السّلطة وغياب الرّقابة قانون العلم__{إنّ السّمع والبصر والفؤاد كلّ أولئك كان عنه مسؤولاً}__بناء عقل نقديّ يعتمد على الحواسّ والتّحليل قانون السّلوك__{ولا تمش في الأرض مرحاً}__التّواضع كحالة اتّزان نفسيّ واجتماعيّ قانون الشّفاء__{وننزّل من القرءان ما هو شفاء ورحمة}__معالجة الاضطراب القيميّ والنّفسيّ الخلاصة التّحليليّة لسورة الإسراء: سورة الإسراء هي سورة "الارتقاء بالقيم". تخبرنا أنّ السّيادة في الأرض ليست مجرّد "قوّة عضليّة"، بل هي "سموّ أخلاقيّ". هي سورة تربط بين (السّماء والأرض) وبين (العلم والعمل) وبين (الفرد والمجتمع)، وتؤكّد أنّ "الحقّ" هو الّذي يقذف به على الباطل فيدمغه، شريطة أن تلتزم الأمّة الإسلاميّة بـ "الدّستور الأخلاقيّ" الّذي وضعه الله جلّ وعلا المتمثّل بالقرءان الكريم والسّنّة النّبويّة الشّريفة. هذا والله سبحانه وتعالى جلّ جلاله صاحب العلم المطلق أعلم. يتبع إن شاء الله تعالى. وآخر دعوانا ان الحمد لله ربّ العالمين.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !! |
|
#25
|
|||
|
|||
|
دعاء قبل استكمال الموضوع:
أشهد أن لا إله إلّا الله وأشهد أنّ محمّدا صلّى الله عليه وسلّم رسول الله عدد أسرار لا إله إلّا الله. اللّهمّ إنّي أسألك بأنّك أنت الله لا إله إلّا أنت وحدك لا شريك لك، الله الأحد الأعلى الأكرم الإله الأوّل والآخر والظّاهر والباطن البارئ البرّ البصير التّوّاب الجبّار الحافظ الحسيب الحفيظ الحفيّ الحقّ المبين الحكيم الحليم الحميد الحيّ القيّوم الخبير الخالق الخلّاق الرّؤوف الرّحمن الرّحيم الرّزّاق الرّقيب السّلام السّميع الشّاكر الشّكور الشّهيد الصّمد العالم العزيز العظيم العفوّ العلّام العليم العليّ الغفّار الغفور الغنيّ الفتّاح القادر القاهر القدّوس القدير القريب القويّ القهّار الكبير الكريم اللّطيف المؤمن المتعالي المتكبّر المتين المجيب المجيد المحيط المصوّر المقتدر المقيت الملك المليك المولى المهيمن النّصير الواحد الوارث الواسع الودود الوكيل الوليّ الوهّاب الجميل الجواد الحكم الحييّ الرّبّ الرّفيق السّبّوح السّيّد الشّافي الطّيّب الباسط القابض المقدّم المؤخّر المحسن المعطي المنّان الوتر؛ أن تجعلني برحمانيّتك المطلقة ألقاك يوم ألقاك وقد اشتريت نفسي منك، اللّهمّ آمين، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !! |
|
#26
|
|||
|
|||
|
ننتقل الآن إلى سورة الكهف، وهي السّورة الّتي تُعدّ "حائط الصّدّ" ضدّ الفتن الكبرى، والدّليل العمليّ للتّعامل مع المتغيّرات الزّمنيّة والمادّيّة. إذا كانت سورة الإسراء قد ركّزت على القيم الرّوحيّة والأخلاقيّة، فإنّ سورة الكهف تركّز على الاستبصار الواقعيّ وفكّ شفرات الأحداث الّتي تبدو متناقضة في ظاهرها.
من النّاحية المنطقيّة والتّحليليّة، تُبنى السّورة على أربع قصص تمثّل الفتن البشريّة الأربع الكبرى، وتقدّم لكلّ منها "مضادّاً حيويّاً" منطقيّاً. أوّلاً: فتنة الدّين (قصّة أصحاب الكهف رضي الله عنهم) التّحليل المنطقيّ: شباب في مواجهة مجتمع طاغٍ. المنطق البشريّ يقول إنّ المواجهة تعني الهلاك، والفرار يعني الضّياع. الحلّ القرءانيّ: {فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ}. الاستنتاج: "الكهف" هنا رمز للانسحاب التّكتيكيّ للحفاظ على المبدأ (العقيدة) حين يفسد الواقع. والمفارقة المنطقيّة أنّ "الكهف" الضّيّق صار فضاءً رحباً بالرّحمة، وأنّ "الزّمن" توقّف لأجلهم (309 سنوات) ليثبت أنّ الله سبحانه وتعالى جلّ جلاله خالق الزّمن لا يحكمه الزّمن. ثانياً: فتنة المال (قصّة صاحب الجنّتين) التّحليل المنطقيّ: غرور القوّة المادّيّة. {أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا}. المنطق المادّيّ جعله يظنّ أنّ "الملكيّة" هي "خلود" {مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَٰذِهِ أَبَدًا}. الحلّ القرءانيّ: {وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ}. الاستنتاج: المال وسيلة وليس غاية، والارتباط بالمصدر (الله جلّ وعلا) هو الضّمان الوحيد لاستدامة النّعمة. الانهيار المفاجئ للجنّتين هو "برهان فيزيائيّ" على هشاشة المادّة أمام إرادة الخالق. ثالثاً: فتنة العلم (قصّة موسى والخضر عليهما السّلام) التحليل المنطقيّ: هذه القصّة هي ذروة "المنطق التّحليليّ" في القرءان الكريم. موسى عليه السلام يمثّل (منطق الشّريعة/الظّاهر)، والخضر عليه السّلام يمثّل (منطق القدر/الباطن). المفارقات: خرِق السّفينة (ظاهره شرّ، باطنه نجاة)، قتل الغلام (ظاهره جريمة، باطنه رحمة)، بناء الجدار (ظاهره عبث، باطنه حفظ حقّ). الاستنتاج: المنطق البشريّ محدود بـ "اللّحظة" و"المشهد"، أمّا المنطق الإلهيّ فيحيط بـ "المآلات". الدّرس هو: التّواضع أمام الحكمة الغائبة. رابعاً: فتنة السّلطة (قصّة ذي القرنين رضي الله عنه) التّحليل المنطقيّ: نموذج "الحاكم العالم" الّذي يملك (الأسباب) ويستخدمها للعدل. {آتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا فَأَتْبَعَ سَبَبًا}. الحلّ القرءانيّ: لم يستغلّ قوّته للاستعباد، بل للبناء (الرّدم) وحماية الضّعفاء من (يأجوج ومأجوج). الاستنتاج: السّلطة ليست تشريفاً بل هي "مسؤولية تقنيّة" (أسباب) و"أمانة أخلاقيّة". خامساً: ميزان "الأخسرين أعمالاً" (الخاتمة) تختتم السّورة بتقرير حقيقة منطقيّة مخيفة: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا}. التّحليل: هذا هو "الضّلال المعرفيّ"؛ أن يعمل الإنسان بجدّ لكن في الاتّجاه الخاطئ، معتقداً أنّه مصيب. المنطق: الإخلاص بلا علم (منهج صحيح) هو هدر للطّاقة، والعمل بلا معيار إلهيّ هو حبط للنّتائج. جدول الاستنتاج المنطقيّ لسورة الكهف: الفتنة__الرّمز__المخرج المنطقيّ الدّين__أصحاب الكهف رضي الله عنهم__الصّحبة الصّالحة واليقين بالغيب المال__صاحب الجنّتين__إدراك فناء المادّة ونسبيّة القوّة العلم__موسى والخضر عليهما السّلام__الصّبر على ما لم تحط به خُبراً السّلطة__ذو القرنين رضي الله عنه__الإخلاص في استخدام (الأسباب) للعدل الخلاصة التّحليليّة لسورة الكهف: سورة الكهف هي سورة "البصيرة". تخبرنا أنّ العالم ليس دائماً كما يظهر للعيان؛ فالضّيق قد يكون سعة (الكهف)، والشّرّ قد يكون خيراً مستتراً (السّفينة والغلام والجدار)، والضّعف قد يكون قوّة. هي سورة تدعو الإنسان لعدم الاغترار بـ "الأسباب" المادّيّة، والتّعلّق بـ "مسبّب الأسباب". هذا والله سبحانه وتعالى جلّ جلاله صاحب العلم المطلق أعلم. يتبع إن شاء الله تعالى. وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !! |
|
#27
|
|||
|
|||
|
ننتقل الآن إلى سورة مريم، وهي السّورة الّتي تجسّد "منطق الرّحمة" و"فيزياء المستحيل". إذا كانت سورة الكهف قد علّمتنا الصّبر على الأقدار الغيبيّة، فإنّ سورة مريم تعلّمنا اليقين في القدرة الإلهيّة عندما تتعارض مع القوانين المادّيّة المألوفة.
من النّاحية المنطقيّة والتّحليليّة، تُبنى السّورة على "خرق العادات" لتمجيد الله الواحد الأحد الصّمد "مسبّب الأسباب"، وتكرّر صفة {الرَّحْمَن} بشكل لافت لصبغ الوجود بصبغة الرّحمة. أوّلاً: منطق "الاستجابة" (قصّة زكريّا عليه السّلام) تبدأ السّورة بذكر رحمة الله بعبده زكريّا عليه السّلام: {إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا}. التّحليل المنطقيّ للموانع: (وهن العظم + اشتعال الشّيب + عقم الزّوجة). هذه معطيات بيولوجيّة تؤدّي في المنطق المادّيّ إلى نتيجة واحدة: "مستحيل". الرّدّ الإلهيّ: {قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ}. الاستنتاج: "الهيّن" و"الصّعب" هي مصطلحات بشريّة نسبيّة؛ أمّا في المنطق المطلق، فإنّ إيجاد الوجود من العدم (وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئاً) أصعب منطقيّاً من إصلاح عطل بيولوجيّ.(ولله المثل الأعلى حيث أنّ الله سبحانه وتعالى جلّ جلاله كلّ شيء عنده بكلمة "كن" لكنّه يخاطب الإنسان المحدود الفهم بما يقرّب إليه الصّورة) ثانياً: معجزة "الخلق" (قصّة مريم وعيسى عليهما السّلام) تنتقل السّورة إلى "شيء من أعجب خوارق العادة" في التّاريخ البشريّ: ولادة عيسى عليه السّلام من غير أب. التّحليل المنطقيّ: الله خلق آدم عليه السّلام بلا أب ولا أمّ، وحوّاء عليها السّلام من ضلع آدم عليه السّلام، والبشر من أب وأمّ. بقي الاحتمال الرّابع منطقيّاً: مولود من أمّ بلا أب. الهدف: {وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا}. الاستنتاج: المعجزة هنا هي "برهان رياضيّ" على طلاقة القدرة، لتذكير الإنسان بأنّ القوانين الطبيعيّة هي "عادة" وليست "حتميّة" تقيّد الخالق. ثالثاً: منطق "البنوّة" والتّوحيد واجهت السّورة قضيّة "نسبة الولد لله جلّ وعلا" بمنطق حاسم وعنيف: {لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ}. التّحليل الفلسفيّ: الولد يُطلب للاستقواء أو لاستمرار الذّكر (حاجة). الإله المطلق غنيّ عن الحاجة والشّبيه. المنطق القرءانيّ: {إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا}. العبوديّة المطلقة لله سبحانه وتعالى جلّ جلاله هي العلاقة المنطقيّة الوحيدة بين المخلوق (المحدود) و الله جلّ وعلا (المطلق). رابعاً: سيكولوجيّة الحوار (إبراهيم صلّى الله عليه وسلّم وأبوه آزر) تستعرض السّورة أرقى حوار تربويّ بين إبراهيم صلّى الله عليه وسلّم وأبيه الكافر. التّحليل: إبراهيم صلّى الله عليه وسلّم يستخدم لغة العقل {لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ}، ولغة العاطفة {يَا أَبَتِ}. والأب يردّ بلغة التّهديد {لَأَرْجُمَنَّكَ}. الاستنتاج المنطقيّ: الحقّ يمتلك "الحجّة" فيستخدم الرّفق، والباطل يفتقر للبرهان فيلجأ لـ "القوّة" والبطش. خامساً: قانون "المودّة" (الخاتمة) تختتم السّورة بقاعدة اجتماعيّة ونفسيّة: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا}. المنطق: القبول في الأرض ليس بـ "البروباجندا" الزّائفة، بل هو "أثر جانبيّ" طبيعيّ ونورانيّ للاستقامة، حيث يزرع الله المحبّة في قلوب الخلق للصّادقين. جدول الاستنتاج المنطقيّ لسورة مريم: الظّاهرة__القانون المستنبط__الدّرس المعرفيّ يحيى وزكريّا عليهما السّلام__تجاوز العجز المادّيّ__الأمل في الله سبحانه وتعالى جلّ جلاله "مسبّب الأسباب" مريم وعيسى عليهما السّلام__كمال القدرة الإلهيّة__كسر صنميّة القوانين الطبيعيّة إبراهيم صلّى الله عليه وسلّم وأبوه آزر_برّ الوالدين وأدب الاختلاف__فضل الحجّة العقليّة على القمع تكرار (الرّحمن)__شموليّة الرّحمة للكون__العالم قائم على الفضل لا على العدل المحض الخلاصة التّحليليّة لسورة مريم: سورة مريم هي سورة "الدّهشة واليقين". تخبرنا أنّ المستحيل كلمة توجد في قاموس البشر فقط، وأنّ الله "حنان من لدن" كلّ من انقطعت به السّبل. هي سورة تعلّمك أنّ تكون "برّاً" (بوالديك) و"تقيّاً" (مع خالقك) و"هيّناً" (مع الخلق)، لتستحقّ مودّة الرّحمن. هذا والله سبحانه وتعالى جلّ جلاله صاحب العلم المطلق أعلم. يتبع إن شاء الله تعالى. وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !! |
|
#28
|
|||
|
|||
|
نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ طه، وَهِيَ سُورَةُ "الْإِينَاسِ" وَ"التَّثْبِيتِ النَّفْسِيِّ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ مَرْيَمَ قَدْ رَكَزَتْ عَلَى مَنْطِقِ الرَّحْمَةِ وَالْبُنُوَّةِ، فَإِنَّ سُورَةَ طه تُرَكِّزُ عَلَى أَدَبِ اللِّقَاءِ مَعَ اللَّهِ وَكَيْفِيَّةِ صِنَاعَةِ الْقَائِدِ الرَّسَالِيِّ (مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ) لِمُوَاجَهَةِ أَطْغَى أَهْلِ الْأَرْضِ.
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِنَفْيِ "الشَّقَاءِ" عَنِ الْوَحْيِ: {مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ}. هَذَا يَعْنِي مَنْطِقِيّاً أَنَّ الْغَايَةَ الْوُجُودِيَّةَ لِلدِّينِ هِيَ "السَّعَادَةُ" وَ"التَّوَازُنُ"، وَأَنَّ أَيَّ فَهْمٍ لِلدِّينِ يُؤَدِّي إِلَى الشَّقَاءِ هُوَ فَهْمٌ مُنْحَرِفٌ عَنْ مَقْصِدِ السُّورَةِ. فِي قِصَّةِ مُوسَى، نَجِدُ تَسَلْسُلًا مَنْطِقِيًّا فِي "الصِّنَاعَةِ الْإِلَهِيَّةِ". يَبْدَأُ الْأَمْرُ بِالْإِينَاسِ عَبْرَ "النَّارِ" الَّتِي رَآهَا مُوسَى، وَهِيَ رَمْزٌ لِلْقُبْسِ وَالْهُدَى فِي لَيْلِ التِّيهِ. ثُمَّ يَنْتَقِلُ الْخِطَابُ إِلَى تَعْرِيفِ الذَّاتِ الْإِلَهِيَّةِ، ثُمَّ إِلَى تَدْرِيبِ مُوسَى عَلَى الْقُوَّةِ عَبْرَ "الْعَصَا" الَّتِي تَتَحَوَّلُ إِلَى حَيَّةٍ. الْمَنْطِقُ هُنَا هُوَ كَسْرُ هَيْبَةِ الْمَادَّةِ فِي نَفْسِ مُوسَى قَبْلَ أَنْ يُوَاجِهَ جَبَرُوتَ فِرْعَوْنَ. عِنْدَ الْمُوَاجَهَةِ، طَلَبَ مُوسَى أَدَوَاتِ "التَّأْثِيرِ": {وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي}. هَذَا يُؤَسِّسُ لِمَنْطِقِ "الْبَيَانِ"؛ فَالْقَضِيَّةُ الْحَقَّةُ تَحْتَاجُ إِلَى لِسَانٍ فَصِيحٍ وَقَلْبٍ مَشْرُوحٍ لِتَصِلَ إِلَى عُقُولِ النَّاسِ. وَمِنْ هُنَا نَسْتَنْتِجُ أَنَّ الْقُوَّةَ الْمَنْطِقِيَّةَ لِلْحُجَّةِ تَتَطَلَّبُ وُضُوحًا فِي الْعَرْضِ. أَمَّا فِي قِصَّةِ السَّحَرَةِ، فَنَحْنُ نَرَى مَنْطِقَ "الِانْقِلَابِ الْمَعْرِفِيِّ"؛ فَبِمُجَرَّدِ أَنْ رَأَى أَهْلُ الِاخْتِصَاصِ (السَّحَرَةُ) بِيَقِينٍ أَنَّ مَا فَعَلَهُ مُوسَى لَيْسَ سِحْرًا، تَحَوَّلُوا فِي لَحْظَةٍ مِنَ التَّبَعِيَّةِ لِلسُّلْطَةِ إِلَى التَّضْحِيَةِ بِالنَّفْسِ فِي سَبِيلِ الْحَقِّ. الْمَنْطِقُ هُنَا يَقُولُ إِنَّ "الْعِلْمَ" هُوَ أَقْصَرُ طَرِيقٍ لِلْإِيمَانِ الصَّادِقِ. تَنْتَقِلُ السُّورَةُ بَعْدَ ذَلِكَ لِتَحْلِيلِ "فِتْنَةِ السَّامِرِيِّ"، وَهِيَ تُمَثِّلُ الِانْكِسَارَ الْمَنْطِقِيَّ لِلْعَقْلِ الْبَشَرِيِّ عِنْدَمَا يَرْتَدُّ مِنَ التَّوْحِيدِ الْمُجَرَّدِ إِلَى عِبَادَةِ "الْعِجْلِ" (الْمَادَّةِ الَّتِي لَهَا صَوْتٌ). السَّامِرِيُّ اسْتَغَلَّ غِيَابَ الْقَائِدِ (مُوسَى) لِيُتَلَاعِبَ بِخَيَالِ الْعَامَّةِ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُجْتَمَعَ الَّذِي لَا يَرْتَكِزُ عَلَى وَعْيٍ عَمِيقٍ يَسْهُلُ اخْتِطَافُهُ بِالشَّعْوَذَةِ. تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِمَشْهَدِ خَلْقِ آدَمَ وَنِسْيَانِهِ، لِتُقَرِّرَ قَاعِدَةً أَنْثُرُوبُولُوجِيَّةً: {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىٰ آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا}. هُنَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ صِرَاعَ الْإِنْسَانِ لَيْسَ مَعَ نَقْصِ الْمَعْلُومَاتِ، بَلْ مَعَ "ضَعْفِ الْعَزِيمَةِ" وَ"النِّسْيَانِ". وَالْعِلَاجُ الْمَنْطِقِيُّ هُوَ الِاتِّصَالُ الدَّائِمُ بِالذِّكْرِ (الصَّلَاةِ) لِحِمَايَةِ الْعَقْلِ مِنَ الشَّتَاتِ. بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ طه هِيَ سُورَةُ "الصِّنَاعَةِ عَلَى عَيْنِ اللَّهِ". تُعَلِّمُنَا أَنَّ الْمُهِمَّةَ الرَّسَالِيَّةَ تَحْتَاجُ إِلَى صَدْرٍ مَشْرُوحٍ، وَلِسَانٍ مُبِينٍ، وَصَبْرٍ عَلَى كَيْدِ السَّامِرِيِّينَ، وَأَنَّ مَنْ أَعْرَضَ عَنْ هَذَا "الذِّكْرِ" فَإِنَّ مَصِيرَهُ الْمَنْطِقِيَّ هُوَ "الْمَعِيشَةُ الضَّنْكُ" فِي الدُّنْيَا وَالْعَمَى فِي الْآخِرَةِ.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !! |
|
#29
|
|||
|
|||
|
نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ الْأَنْبِيَاءِ، وَهِيَ سُورَةُ "الْحَقِيقَةِ الْوَاحِدَةِ" وَ"الْمِيزَانِ الْعَدْلِ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ طه قَدْ رَكَزَتْ عَلَى الصِّنَاعَةِ الذَّاتِيَّةِ لِلنَّبِيِّ مُوسَى، فَإِنَّ سُورَةَ الْأَنْبِيَاءِ تَنْقُلُنَا إِلَى الْفِعْلِ الْجَمَاعِيِّ لِكُلِّ الرُّسُلِ عَبْرَ التَّارِيخِ، مُعْلِنَةً أَنَّ الْبَشَرِيَّةَ كُلَّهَا مَحْكُومَةٌ بِنِظَامٍ وَاحِدٍ وَمَصِيرٍ حَتْمِيٍّ.
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِصَدْمَةٍ زَمَنِيَّةٍ: {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ}. هُنَا نَجِدُ تَنَاقُضًا بَيْنَ "الْحَقِيقَةِ الْخَارِجِيَّةِ" (اقْتِرَابِ النِّهَايَةِ) وَ"الْحَالَةِ الذِّهْنِيَّةِ" (الْغَفْلَةِ). الْمَنْطِقُ يَقُولُ إِنَّ مَنْ يَقْتَرِبُ مِنْ خَطَرٍ يَجِبُ أَنْ يَتَيَقَّظَ، لَكِنَّ الْإِعْرَاضَ هُنَا هُوَ "خَلَلٌ مَعْرِفِيٌّ" يَمْنَعُ الرَّبْطَ بَيْنَ السَّبَبِ وَالنَّتِيجَةِ. فِي "الْبُرْهَانِ الْكَوْنِيِّ"، تَطْرَحُ السُّورَةُ دَلِيلًا مَنْطِقِيًّا قَاطِعًا عَلَى "التَّوْحِيدِ": {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا}. هَذَا مَا يُسَمَّى فِي الْفَلْسَفَةِ بـ "بُرْهَانِ التَّمَانُعِ"؛ فَوُجُودُ أَكْثَرَ مِنْ إِرَادَةٍ مُطْلَقَةٍ يُؤَدِّي بِالضَّرُورَةِ إِلَى التَّصَادُمِ وَانْهِيَارِ النِّظَامِ. وَبِمَا أَنَّ الْكَوْنَ يَعْمَلُ بِاتِّسَاقٍ مُذْهِلٍ، فَالِاسْتِنْتَاجُ الْمَنْطِقِيُّ هُوَ "وَحْدَةُ الْمُدَبِّرِ". تَتَنَاوَلُ السُّورَةُ أَيْضًا "النَّظَرِيَّةَ الْعِلْمِيَّةَ لِلْخَلْقِ" بِقَوْلِهِ: {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا}. هَذَا يُشِيرُ مَنْطِقِيًّا إِلَى "الْوَحْدَةِ الْأَصْلِيَّةِ لِلْمَادَّةِ" قَبْلَ الِانْفِجَارِ أَوْ التَّمَايُزِ الْكَوْنِيِّ. كَمَا تَقُولُ: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ}، وَهِيَ الْقَاعِدَةُ الْبِيُولُوجِيَّةُ الْأَسَاسِيَّةُ لِكُلِّ كَائِنٍ. فِي "الْمَسَارِ الْقَصَصِيِّ"، تَعْرِضُ السُّورَةُ سِلْسِلَةً مِنَ الْأَنْبِيَاءِ (إِبْرَاهِيمَ، لُوطٍ، نُوحٍ، دَاوُدَ، سُلَيْمَانَ، أَيُّوبَ، إِسْمَاعِيلَ، إِدْرِيسَ، ذَا الْكِفْلِ، ذَا النُّونِ، زَكَرِيَّا). الْمَنْطِقُ هُنَا هُوَ "تَنَوُّعُ الِابْتِلَاءَاتِ" مَعَ "وَحْدَةِ الِالتِجَاءِ"؛ فَكُلُّهُمْ نَادَوْا رَبَّهُمْ فَاسْتَجَابَ لَهُمْ، مِمَّا يُثْبِتُ أَنَّ الِاتِّصَالَ بِالْخَالِقِ هُوَ "الْمُتَغَيِّرُ الْمُسْتَقِلُّ" الَّذِي يَحْسِمُ النَّتَائِجَ فِي أَصْعَبِ الظُّرُوفِ. نَسْتَنْتِجُ مِنْ عَرْضِ السُّورَةِ لِلْأَنْبِيَاءِ أَنَّ "الرِّسَالَةَ" هِيَ جَوْهَرٌ وَاحِدٌ مَهْمَا اخْتَلَفَتِ الْأَسْمَاءُ، وَأَنَّ "الْأُمَّةَ الْوَاحِدَةَ" هِيَ الْغَايَةُ مِنَ الدِّينِ. كَمَا تَنْفِي السُّورَةُ فِكْرَةَ "اللَّعِبِ الْكَوْنِيِّ" بِقَوْلِهِ: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ}؛ فَالْوُجُودُ مَحْكُومٌ بِالْقَصْدِ وَالْغَايَةِ، لَا بِالْعَبَثِ. تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِقَاعِدَةِ "الْجَزَاءِ الْمَحْتُومِ": {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَىٰ أُولَٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ}، وَتَصِفُ اللَّحْظَةَ الْفِيزْيَائِيَّةَ لِنِهَايَةِ الْعَالَمِ: {يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ}. هُنَا نَرَى أَنَّ الْكَوْنَ الَّذِي بَدَأَ مِنْ "رَتْقٍ" يَعُودُ إِلَى "طَيٍّ"، فِي دَوْرَةٍ مَنْطِقِيَّةٍ كَامِلَةٍ تَبْدَأُ مِنَ اللَّهِ وَتَنْتَهِي إِلَيْهِ. بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ الْأَنْبِيَاءِ هِيَ سُورَةُ "الْمِيزَانِ الْكَوْنِيِّ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الْحَقَّ "يَقْذِفُ" بِهِ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ، وَأَنَّ مَنْطِقَ الِانْتِصَارِ لَيْسَ بِالْكَثْرَةِ بَلْ بِالصِّدْقِ وَالِارْتِبَاطِ بِالْغَايَةِ الَّتِي خُلِقْنَا لِأَجْلِهَا، مُؤَكِّدَةً أَنَّ النَّبِيَّ مُحَمَّدًا ﷺ هُوَ "رَحْمَةٌ لِلْعَالَمِينَ" كَأَثَرٍ عَمَلِيٍّ لِهَذِهِ الرِّسَالَةِ.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !! |
|
#30
|
|||
|
|||
|
نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ الْحَجِّ، وَهِيَ سُورَةُ "الِاهْتِزَازِ وَالتَّمْكِينِ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ الْأَنْبِيَاءِ قَدْ رَكَزَتْ عَلَى الْمِيزَانِ الْكَوْنِيِّ، فَإِنَّ سُورَةَ الْحَجِّ تَنْقُلُنَا إِلَى مَنْطِقِ "الْحَرَكَةِ الْبَشَرِيَّةِ" نَحْوَ مَرْكَزِ الْكَوْنِ (الْكَعْبَةِ)، وَتَرْبِطُ هَذِهِ الْحَرَكَةَ بِزَلْزَلَةِ السَّاعَةِ الْكُبْرَى.
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِأَمْرٍ جَازِمٍ لِتَنْبِيهِ الْبَشَرِيَّةِ: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ ۚ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "الِارْتِجَاجِ"؛ فَالْكَوْنُ الْمُسْتَقِرُّ فِي أَعْيُنِنَا سَيَتَعَرَّضُ لِقُوَّةٍ فِيزْيَائِيَّةٍ تَجْعَلُ كُلَّ ذَاتِ حَمْلٍ تَضَعُ حَمْلَهَا. الْمَنْطِقُ هُنَا هُوَ إِخْرَاجُ الْإِنْسَانِ مِنْ "رُتُوبَةِ الْعَادَةِ" لِيُدْرِكَ حَقِيقَةَ النِّهَايَةِ. فِي "الْبُرْهَانِ الْبِيُولُوجِيِّ"، تَرُدُّ السُّورَةُ عَلَى مَنْ يَشُكُّ فِي الْبَعْثِ بِمَنْطِقِ "التَّسَلْسُلِ الْجَنِينِيِّ": {فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ...}. هَذَا الِاسْتِدْلَالُ يَقُومُ عَلَى أَنَّ الْبَدَاءَةَ أَصْعَبُ مِنَ الْإِعَادَةِ؛ فَمَنْ صَنَعَ الْحَيَاةَ مِنْ مَوَادَّ أَوْلِيَّةٍ بَسِيطَةٍ، قَادِرٌ مَنْطِقِيًّا عَلَى إِعَادَتِهَا بَعْدَ الْفَنَاءِ. كَمَا تَسْتَدِلُّ بِإِحْيَاءِ الْأَرْضِ الْهَامِدَةِ بِالْمَاءِ، لِتُرِيَنَا أَنَّ "الْحَيَاةَ" كَامِنَةٌ تَنْتَظِرُ أَمْرَ التَّفْعِيلِ. أَمَّا فِي "مَنْطِقِ الْحَجِّ"، فَهُوَ يُمَثِّلُ "الْمُؤْتَمَرَ الْعَالَمِيَّ" لِلْمُوَحِّدِينَ. السُّورَةُ تَعْرِضُ كَيْفَ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَذَّنَ فِي النَّاسِ لِيَأْتُوا مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ. الْمَنْطِقُ هُنَا هُوَ "تَوْحِيدُ الْقِبْلَةِ" لِتَوْحِيدِ الْأَهْدَافِ؛ فَالْبَشَرُ عَلَى اخْتِلَافِ أَلْوَانِهِمْ يَدُورُونَ حَوْلَ مَرْكَزٍ وَاحِدٍ، مِمَّا يُلْغِي الْفَوَارِقَ الطَّبَقِيَّةَ وَالْعِرْقِيَّةَ. تَنْتَقِلُ السُّورَةُ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى "مَنْطِقِ الْقُوَّةِ وَالدِّفَاعِ"، حَيْثُ نَزَلَ أَوَّلُ إِذْنٍ بِالْقِتَالِ: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا}. هُنَا نُؤَسِّسُ لِمَبْدَأِ "الْجِهَادِ الدِّفَاعِيِّ"؛ فَالْإِسْلَامُ لَا يَدْعُو لِلْعُدْوَانِ، لَكِنَّهُ يَمْنَعُ "الِاسْتِضْعَافَ". وَالْمَنْطِقُ السِّيَاسِيُّ الْعَبْقَرِيُّ هُنَا هُوَ: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ...}. أَيْ أَنَّ الْقُوَّةَ ضَرُورَةٌ لِحِمَايَةِ "حُرِّيَّةِ الِاعْتِقَادِ" لِلْجَمِيعِ، وَلَيْسَ لِلْمُسْلِمِينَ فَقَطْ. فِي "نَقْدِ الْأَوْهَامِ"، تَضْرِبُ السُّورَةُ مَثَلًا مَنْطِقِيًّا يَسْحَقُ الْكِبْرِيَاءَ الزَّائِفَ: {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوْ اجْتَمَعُوا لَهُ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "التَّعْجِيزِ بِالْأَصْغَرِ"؛ فَالْعَجْزُ عَنْ خَلْقِ أَحْقَرِ الْكَائِنَاتِ يَسْلِبُ صِفَةَ الْأُلُوهِيَّةِ عَنْ أَيِّ مُدَّعٍ. تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِدَعْوَةِ الْمُسْلِمِينَ لِيَكُونُوا "شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ"، بَعْدَ أَنِ اجْتَبَاهُمُ اللَّهُ وَمَا جَعَلَ عَلَيْهِمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ. الْمَنْطِقُ الْخِتَامِيُّ هُوَ أَنَّ "الْوَلَايَةَ لِلَّهِ" هِيَ الْمَعْقِلُ الْأَخِيرُ: {فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ ۖ فَنِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ}. بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ الْحَجِّ هِيَ سُورَةُ "الِانْتِقَالِ مِنَ الِاضْطِرَابِ إِلَى الِاسْتِقْرَارِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ طَرِيقَ الْوُصُولِ إِلَى اللَّهِ يَحْتَاجُ إِلَى "قَلْبٍ مُخْبِتٍ"، وَأَنَّ الْقُوَّةَ فِي الْأَرْضِ مَشْرُوطَةٌ بِإِقَامَةِ الصَّلَاةِ وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، مُؤَكِّدَةً أَنَّ النَّصْرَ الْإِلَهِيَّ مَرْهُونٌ بِمَدَى نَصْرِ الْإِنْسَانِ لِلْقِيَمِ الْعُلْيَا.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !! |
|
#31
|
|||
|
|||
|
نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ الْمُؤْمِنُونَ، وَهِيَ سُورَةُ "الِاسْتِحْقَاقِ" وَ"الْفَلَاحِ النَّهَائِيِّ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ الْحَجِّ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ الْحَرَكَةِ الْجَمَاعِيَّةِ نَحْوَ الْمَرْكَزِ، فَإِنَّ سُورَةَ الْمُؤْمِنُونَ تَرْسُمُ الْمُوَاصَفَاتِ الْفَرْدِيَّةَ لِمَنْ يَسْتَحِقُّ دُخُولَ "الْفِرْدَوْسِ".
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِجُمْلَةٍ تَقْرِيرِيَّةٍ قَاطِعَةٍ: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ}. اسْتِخْدَامُ فِعْلِ الْمَاضِي (أَفْلَحَ) مَعَ حَرْفِ التَّحْقِيقِ (قَدْ) يُفِيدُ مَنْطِقِيًّا أَنَّ النَّتِيجَةَ مَحْسُومَةٌ سَلَفًا، وَأَنَّ "الْفَلَاحَ" لَيْسَ مُجَرَّدَ أَمَلٍ، بَلْ هُوَ حَقِيقَةٌ وَاقِعَةٌ لِمَنْ يَمْلِكُ الْمُقَدِّمَاتِ الصَّحِيحَةَ. فِي "مَنْطِقِ الْبِنَاءِ الشَّخْصِيِّ"، تَعْرِضُ السُّورَةُ مَنْظُومَةً مِنَ السُّلُوكِيَّاتِ الَّتِي تُمَثِّلُ "أَرْكَانَ النَّجَاحِ": الْخُشُوعُ فِي الصَّلَاةِ (الِاتِّصَالُ الذِّهْنِيُّ)، وَالْإِعْرَاضُ عَنِ اللَّغْوِ (حِمَايَةُ الْوَقْتِ وَالْعَقْلِ مِنَ الْمُدْخَلَاتِ التَّافِهَةِ)، وَالْوَفَاءُ بِالْعُهُودِ وَالْأَمَانَاتِ (الْمَوْثُوقِيَّةُ الِاجْتِمَاعِيَّةُ). الْمَنْطِقُ هُنَا يَقُولُ إِنَّ الْإِيمَانَ لَيْسَ مُجَرَّدَ شُعُورٍ، بَلْ هُوَ "نِظَامُ تَشْغِيلٍ" يُدِيرُ كُلَّ حَرَكَةِ الْإِنْسَانِ. أَمَّا فِي "الْبُرْهَانِ الْأَنْثُرُوبُولُوجِيِّ"، فَتُفَصِّلُ السُّورَةُ مَرَاحِلَ خَلْقِ الْإِنْسَانِ: {ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً...}. هَذَا التَّسَلْسُلُ الْمَنْطِقِيُّ الدَّقِيقُ يَهْدِفُ إِلَى إِثْبَاتِ أَنَّ الَّذِي رَعَى الْإِنْسَانَ فِي ظُلُمَاتِ الرَّحِمِ وَنَقَلَهُ مِنْ طَوْرٍ إِلَى طَوْرٍ، لَا يُمْكِنُ أَنْ يَتْرُكَهُ "عَبَثًا" بَعْدَ الْخُرُوجِ إِلَى الدُّنْيَا. الِاسْتِنْتَاجُ هُنَا هُوَ: التَّصْمِيمُ الْمُحْكَمُ يَقْتَضِي غَايَةً مُحْكَمَةً. تَنْتَقِلُ السُّورَةُ إِلَى "مَنْطِقِ التَّارِيخِ" عَبْرَ قَصَصِ الْأَنْبِيَاءِ، مُرَكِّزَةً عَلَى رَدِّ فِعْلِ الْمُتْرَفِينَ: {مَا هَٰذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ}. هَذَا "الْمَنْطِقُ الْمَادِّيُّ" الْقَاصِرُ يَقِيسُ الرِّسَالَةَ بِـ "الْمَكَانَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ" لِلرَّسُولِ، بَيْنَمَا يَقِيسُهَا الْقُرْآنُ بـ "صِدْقِ الْحُجَّةِ". وَتُؤَكِّدُ السُّورَةُ أَنَّ جَمِيعَ الرُّسُلِ جَاءُوا لِأُمَّةٍ وَاحِدَةٍ وَبِـ "رِزْقٍ طَيِّبٍ". فِي "نَقْدِ الْعَبَثِيَّةِ"، تَطْرَحُ السُّورَةُ السُّؤَالَ الْفَلْسَفِيَّ الْجَوْهَرِيَّ: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ؟}. هُنَا يَتَصَادَمُ مَنْطِقُ "الْعَدَمِيَّةِ" مَعَ مَنْطِقِ "الْحِكْمَةِ". فَإِذَا كَانَ الْخَالِقُ هُوَ الْمَلِكُ الْحَقُّ، فَإِنَّ الْعَبَثَ فِي فِعْلِهِ مُحَالٌ مَنْطِقِيًّا. وَهَذَا يَسْتَلْزِمُ وُجُودَ يَوْمٍ لِلْحِسَابِ تُرَدُّ فِيهِ الْمَظَالِمُ وَتُوزَنُ فِيهِ الْأَعْمَالُ. تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِتَصْوِيرِ مَشْهَدِ الْمِيزَانِ: {فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}. هَذَا التَّعْبِيرُ "ثِقَلُ الْمِيزَانِ" يُحَوِّلُ الْأَعْمَالَ الْمَعْنَوِيَّةَ إِلَى "قِيَمٍ فِيزْيَائِيَّةٍ" لَهَا وَزْنٌ، مِمَّا يُعَزِّزُ فِكْرَةَ أَنَّ لِكُلِّ فِعْلٍ أَثَرًا حَقِيقِيًّا فِي مَصِيرِ الْإِنْسَانِ. بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ الْمُؤْمِنُونَ هِيَ سُورَةُ "بِنَاءِ الْجَوْهَرِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الْفَلَاحَ مَنْظُومَةٌ مُتَكَامِلَةٌ تَبْدَأُ مِنْ طَهَارَةِ الْجَسَدِ وَالنَّفْسِ، وَتَمُرُّ بِدِقَّةِ النَّظَرِ فِي الْخَلْقِ، وَتَنْتَهِي بِالْيَقِينِ الْمُطْلَقِ بِأَنَّ هَذَا الْوُجُودَ لَيْسَ سُدًى، وَأَنَّ الْفَوْزَ الْكَبِيرَ مَرْهُونٌ بِـ "الِاسْتِقَامَةِ الْمَعْرِفِيَّةِ وَالسُّلُوكِيَّةِ".
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !! |
|
#32
|
|||
|
|||
|
نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ النُّورِ، وَهِيَ سُورَةُ "الْعِفَّةِ" وَ"التَّنْوِيرِ الِاجْتِمَاعِيِّ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ الْمُؤْمِنُونَ قَدْ رَسَمَتْ الْمُوَاصَفَاتِ الذَّاتِيَّةَ لِلْفَلَاحِ، فَإِنَّ سُورَةَ النُّورِ تَنْتَقِلُ لِبِنَاءِ السِّيَاجِ الِاجْتِمَاعِيِّ الَّذِي يَحْمِي تِلْكَ الشَّخْصِيَّةَ، وَتَضَعُ الْقَوَانِينَ الدَّقِيقَةَ لِحِفْظِ الْأَعْرَاضِ وَطَهَارَةِ الْبُيُوتِ.
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِإِعْلَانٍ حَازِمٍ: {سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا}. هَذَا الِاسْتِهْلَالُ يُعْطِي صِبْغَةً "قَانُونِيَّةً" مُلْزِمَةً لِكُلِّ التَّشْرِيعَاتِ الْآتِيَةِ؛ فَالْأَمْرُ هُنَا لَيْسَ تَوْجِيهًا وِعْظِيًّا فَحَسْبُ، بَلْ هُوَ "دَسْتُورٌ عَمَلِيٌّ" لِحِمَايَةِ النَّسِيجِ الْمُجْتَمَعِيِّ مِنَ التَّهَلُّكِ. فِي "مَنْطِقِ الْحِمَايَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ"، تَتَعَامَلُ السُّورَةُ مَعَ جَرِيمَةِ "الْقَذْفِ" بِصَرَامَةٍ بَالِغَةٍ. الْمَنْطِقُ هُنَا يَقُولُ إِنَّ حِمَايَةَ "سُمْعَةِ الْإِنْسَانِ" لَا تَقِلُّ أَهَمِّيَّةً عَنْ حِمَايَةِ حَيَاتِهِ. وَمِنْ هُنَا جَاءَتْ حَادِثَةُ "الْإِفْكِ" لِتُعَلِّمَ الْمُجْتَمَعَ كَيْفِيَّةَ التَّعَامُلِ مَعَ الشَّائِعَاتِ: {لَّوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا}. هَذَا هُوَ "مَنْطِقُ حُسْنِ الظَّنِّ" كَخَطِّ دِفَاعٍ أَوَّلَ ضِدَّ الِانْهِيَارِ الْأَخْلَاقِيِّ. أَمَّا فِي "آدَابِ الْبُيُوتِ"، فَتَضَعُ السُّورَةُ "نِظَامَ الِاسْتِئْذَانِ" كَأَدَاةٍ لِحِفْظِ الْخُصُوصِيَّةِ وَالْبَصَرِ. الْمَنْطِقُ التَّحْلِيلِيُّ يَرْبِطُ بَيْنَ "غَضِّ الْبَصَرِ" وَبَيْنَ "النُّورِ"؛ فَكُلَّمَا انْكَفَّتِ الْجَوَارِحُ عَنِ الْحَرَامِ، ازْدَادَ النُّورُ الْفِطْرِيُّ فِي الْقَلْبِ. لِذَا، جَاءَتْ "آيَةُ النُّورِ" بَعْدَ آيَاتِ الْأَحْكَامِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ مُبَاشَرَةً، لِتُبَيِّنَ أَنَّ طَهَارَةَ الْمُجْتَمَعِ هِيَ الشَّرْطُ الْأَسَاسِيُّ لِتَجَلِّي النُّورِ الْإِلَهِيِّ. فِي مَشْهَدٍ مَنْطِقِيٍّ بَدِيعٍ، تُقَارِنُ السُّورَةُ بَيْنَ "أَعْمَالِ الْكُفَّارِ" وَبَيْنَ "الْحَقِيقَةِ". تَصِفُ أَعْمَالَهُمْ كـ "سَرَابٍ" يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً، أَوْ كـ "ظُلُمَاتٍ" فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ. هُنَا نَرَى مَنْطِقَ "الْعَدَمِيَّةِ"؛ فَأَيُّ فِعْلٍ لَا يَرْتَبِطُ بِخَالِقِ النُّورِ هُوَ فِعْلٌ "تَائِهٌ" لَا نَتِيجَةَ لَهُ، تَمَامًا كَالْبَحْثِ عَنْ شَيْءٍ فِي ظُلْمَةٍ حَالِكَةٍ. أَمَّا النُّورُ، فَتَصِفُهُ السُّورَةُ بِأَنَّهُ يَكُونُ فِي {بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ}. الْمَنْطِقُ هُنَا يَرْبِطُ بَيْنَ "عِمَارَةِ الْمَسَاجِدِ" وَ"بِنَاءِ الرِّجَالِ" الَّذِينَ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ. هَؤُلَاءِ هُمُ الْحَوَامِلُ الْحَقِيقِيَّةُ لِنُورِ الْوَحْيِ فِي الْأَرْضِ. تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِالتَّأْكِيدِ عَلَى "الْمِلْكِيَّةِ الْمُطْلَقَةِ لِلَّهِ" وَعَلَى "وَاجِبِ الطَّاعَةِ" لِلرَّسُولِ، مُحَذِّرَةً مَنْ يُخَالِفُ عَنْ أَمْرِهِ مِنْ "فِتْنَةٍ" أَوْ "عَذَابٍ أَلِيمٍ". هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الِانْضِبَاطِ" الَّذِي يَخْتِمُ السُّورَةَ؛ فَالنُّورُ يَحْتَاجُ إِلَى نِظَامٍ لِيَسْتَمِرَّ وَلَا يَنْطَفِئَ. بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ النُّورِ هِيَ سُورَةُ "النَّظَافَةِ الْحَضَارِيَّةِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الْمُجْتَمَعَ الْمُسْلِمَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَنْزِلًا لِلنُّورِ، وَأَنَّ هَذَا النُّورَ لَا يَتَحَقَّقُ إِلَّا بِـ "تَشْرِيعَاتٍ صَارِمَةٍ" تَحْمِي الْأُسْرَةَ، وَ"آدَابٍ رَفِيعَةٍ" تُنَظِّمُ الْعَلَاقَاتِ، مُؤَكِّدَةً أَنَّ اللَّهَ هُوَ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !! |
|
#33
|
|||
|
|||
|
نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ الْفُرْقَانِ، وَهِيَ سُورَةُ "الْمِعْيَارِ" وَ"التَّمْيِيزِ الْحَاسِمِ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ النُّورِ قَدْ رَسَمَتْ الْمَنْظُومَةَ الِاجْتِمَاعِيَّةَ لِلْمُجْتَمَعِ الطَّاهِرِ، فَإِنَّ سُورَةَ الْفُرْقَانِ تَنْتَقِلُ لِبِنَاءِ الْمَنْظُومَةِ الْمَعْرِفِيَّةِ، وَتَضَعُ الْفَاصِلَ الْمَنْطِقِيَّ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْوَهْمِ، وَبَيْنَ عِبَادَةِ الرَّحْمَنِ وَاتِّبَاعِ الْهَوَى.
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِتَبْجِيلِ الذَّاتِ الْإِلَهِيَّةِ الَّتِي أَنْزَلَتِ الْفُرْقَانَ: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا}. هَذَا الِاسْتِهْلَالُ يُعَرِّفُ الْقُرْآنَ بِأَنَّهُ "أَدَاةُ تَفْرِيقٍ" مَنْطِقِيَّةٍ؛ فَالْفُرْقَانُ هُوَ الَّذِي يَفْصِلُ بَيْنَ الْمُتَشَابِهَاتِ وَيَكْشِفُ زَيْفَ الِادِّعَاءَاتِ، مِمَّا يَجْعَلُ الْعَقْلَ الْبَشَرِيَّ قَادِرًا عَلَى الْحُكْمِ الصَّحِيحِ. فِي "تَحْلِيلِ الشُّبُهَاتِ الْمَادِّيَّةِ"، تَعْرِضُ السُّورَةُ مَنْطِقَ الْمُشْرِكِينَ الْقَاصِرَ: {مَالِ هَٰذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ}. هَؤُلَاءِ حَصَرُوا "الرِّسَالَةَ" فِي مَظَاهِرَ "الْقُوَّةِ الْخَارِقَةِ" أَوِ "الْمَلَكِيَّةِ". الرَّدُّ الْمَنْطِقِيُّ جَاءَ لِيُبَيِّنَ أَنَّ الرَّسُولَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ "بَشَرًا" لِيُقَدِّمَ "نَمُوذَجًا تَطْبِيقِيًّا" يُمْكِنُ الِاقْتِدَاءُ بِهِ، وَأَنَّ الِابْتِلَاءَ بِالْبَشَرِيَّةِ هُوَ جُزْءٌ مِنْ مَنْطِقِ الِاخْتِبَارِ: {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ}. أَمَّا فِي "الْبُرْهَانِ الْكَوْنِيِّ"، فَتَدْعُو السُّورَةُ إِلَى التَّأَمُّلِ فِي "الظِّلِّ" وَتَحَوُّلَاتِهِ، وَفِي "اللَّيْلِ" وَ"النَّهَارِ"، وَفِي "الرِّيَاحِ" وَ"الْمَطَرِ". الْمَنْطِقُ هُنَا يَقُومُ عَلَى "نِظَامِ التَّسْخِيرِ"؛ فَكُلُّ هَذِهِ الظَّوَاهِرِ تَعْمَلُ بِتَنَاغُمٍ لِخِدْمَةِ الْحَيَاةِ، وَهَذَا الِاتِّسَاقُ هُوَ دَلِيلٌ عَقْلِيٌّ عَلَى وُجُودِ "الْمُقَدِّرِ" الَّذِي خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا. تَنْتَقِلُ السُّورَةُ لِنَقْدِ "تَأْلِيهِ الْهَوَى": {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ}. هَذَا هُوَ أَدَقُّ تَشْخِيصٍ لِلضَّلَالِ الْمَنْطِقِيِّ؛ فَعِنْدَمَا يَتَحَوَّلُ الْمَزَاجُ الشَّخْصِيُّ إِلَى مَرْجِعِيَّةٍ عُلْيَا، يَفْقِدُ الْإِنْسَانُ بَوْصَلَةَ الْفُرْقَانِ وَيُصْبِحُ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُوَ أَضَلُّ سَبِيلًا، لِأَنَّهُ عَطَّلَ مَلَكَةَ التَّمْيِيزِ الْعَقْلِيَّةِ. فِي خِتَامِ السُّورَةِ، تَرْسُمُ السُّورَةُ أَرْقَى "نَمُوذَجٍ بَشَرِيٍّ" وَهُمْ {عِبَادُ الرَّحْمَنِ}. الْمَنْطِقُ السُّلُوكِيُّ لِهَؤُلَاءِ يَتَمَيَّزُ بِالتَّوَازُنِ: يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا (تَوَاضُعٌ مَعَ الْخَلْقِ)، وَيَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (إِخْلَاصٌ مَعَ الْخَالِقِ)، وَإِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا (تَوَازُنٌ مَالِيٌّ)، وَلَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ (تَوْحِيدٌ مَعْرِفِيٌّ). نَسْتَنْتِجُ مِنْ هَذَا الْعَرْضِ أَنَّ الْفُرْقَانَ لَيْسَ مُجَرَّدَ مَعْلُومَاتٍ، بَلْ هُوَ "تَحَوُّلٌ وُجُودِيٌّ" يَجْعَلُ الْإِنْسَانَ مِعْيَارًا لِلْقِيَمِ فِي حَرَكَتِهِ الْيَوْمِيَّةِ. وَتَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِبَيَانِ قِيمَةِ الْإِنْسَانِ عِنْدَ خَالِقِهِ: {قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الصِّلَةِ"؛ فَالْإِنْسَانُ يَكْتَسِبُ قِيمَتَهُ مِنْ مَدَى ارْتِبَاطِهِ بِالْمُطْلَقِ وَلُجُوئِهِ إِلَيْهِ. بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ الْفُرْقَانِ هِيَ سُورَةُ "بِنَاءِ الْمِعْيَارِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الْقُرْآنَ هُوَ الْكَشَّافُ الَّذِي يُبَدِّدُ ظُلُمَاتِ الشُّبُهَاتِ، وَأَنَّ الصِّفَاتِ الْأَخْلَاقِيَّةَ لِعِبَادِ الرَّحْمَنِ هِيَ الثَّمَرَةُ الْعَمَلِيَّةُ لِهَذَا الْفُرْقَانِ، مُؤَكِّدَةً أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الرُّقِيِّ الْإِنْسَانِيِّ وَالِانْحِطَاطِ يَكْمُنُ فِي اتِّبَاعِ الْوَحْيِ أَوْ عِبَادَةِ الْهَوَى.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !! |
|
#34
|
|||
|
|||
|
نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ الشُّعَرَاءِ، وَهِيَ سُورَةُ "الْبَيَانِ الْمُبِينِ" وَ"صِرَاعِ الْقِيَمِ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ الْفُرْقَانِ قَدْ رَسَمَتْ الْمِعْيَارَ الْمَعْرِفِيَّ، فَإِنَّ سُورَةَ الشُّعَرَاءِ تَنْتَقِلُ لِتَحْلِيلِ أَدَوَاتِ التَّأْثِيرِ وَالتَّفْرِيقِ بَيْنَ "الْوَحْيِ الرَّبَّانِيِّ" وَ"الْخَيَالِ الْبَشَرِيِّ"، مَعَ عَرْضٍ تَكْرَارِيٍّ مُقْصِدٍ لِنِهَايَاتِ الطُّغَاةِ.
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِبَيَانِ طَبِيعَةِ النَّصِّ: {تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ}. هَذَا الِاسْتِهْلَالُ يُعَزِّزُ مَنْطِقَ "الْوُضُوحِ"؛ فَالْحَقُّ لَا يَحْتَاجُ إِلَى طَلَاسِمَ، بَلْ إِلَى بَيَانٍ يَكْشِفُ الْحَقَائِقَ. وَتُوَاسِي السُّورَةُ الرَّسُولَ ﷺ فِي حِرْصِهِ عَلَى هِدَايَةِ النَّاسِ، مُبَيِّنَةً أَنَّ الْإِيمَانَ قَرَارٌ عَقْلِيٌّ وَقَلْبِيٌّ لَا يُؤْخَذُ بِالْإِكْرَاهِ. فِي "الْمَنْهَجِ الْقَصَصِيِّ"، تَعْرِضُ السُّورَةُ سَبْعَ قِصَصٍ (مُوسَى، إِبْرَاهِيمَ، نُوحٍ، هُودٍ، صَالِحٍ، لُوطٍ، شُعَيْبٍ). الْمَنْطِقُ التَّحْلِيلِيُّ هُنَا يَعْتَمَدُ عَلَى "وَحْدَةِ السِّيَاقِ"؛ فَكُلُّ نَبِيٍّ يَبْدَأُ بِدَعْوَةِ التَّقْوَى وَالطَّاعَةِ، وَكُلُّ قَوْمٍ يَرُدُّونَ بِالتَّكْذِيبِ وَالِاسْتِهْزَاءِ. الِاسْتِنْتَاجُ الْمَنْطِقِيُّ مِنْ هَذَا التَّكْرَارِ هُوَ أَنَّ "الْعَقْلِيَّةَ الْمُكَذِّبَةَ" وَاحِدَةٌ عَبْرَ الْعُصُورِ، وَأَنَّ "السُّنَّةَ الْإِلَهِيَّةَ" فِي إِهْلَاكِ الظَّالِمِينَ لَا تَتَبَدَّلُ. فِي قِصَّةِ مُوسَى مَعَ فِرْعَوْنَ، نَرَى مَنْطِقَ "الْحُجَّةِ السَّاطِعَةِ" مُقَابِلَ "تَهْدِيدِ السُّلْطَةِ". فِرْعَوْنُ لَمْ يَجِدْ رَدًّا عَلَى بَرَاهِينِ مُوسَى إِلَّا السَّجْنَ، وَهَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الْعَاجِزِ" عَنِ الْحِوَارِ. وَتُظْهِرُ السُّورَةُ انْتِصَارَ "الْيَقِينِ" عِنْدَ السَّحَرَةِ الَّذِينَ لَمْ تُرْهِبْهُمْ سَطْوَةُ فِرْعَوْنَ بَعْدَ أَنْ أَبْصَرُوا الْحَقِيقَةَ. أَمَّا فِي خِتَامِ السُّورَةِ، فَتَأْتِي التَّفْرِقَةُ الْجَوْهَرِيَّةُ بَيْنَ "النَّبِيِّ" وَ"الشَّاعِرِ". الْمَنْطِقُ هُنَا يُمَيِّزُ بَيْنَ مَصْدَرَيْنِ لِلْقَوْلِ: الشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ، وَهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (تَقَلُّبٌ وَخَيَالٌ)، وَيَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (تَنَاقُضٌ بَيْنَ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ). أَمَّا الْوَحْيُ، فَهُوَ صَادِقٌ، ثَابِتٌ، مُرْتَبِطٌ بِالْفِعْلِ، وَتَنْزِلُ بِهِ الْمَلَائِكَةُ لَا الشَّيَاطِينُ. نَسْتَنْتِجُ مِنْ سُورَةِ الشُّعَرَاءِ أَنَّ "الْكَلِمَةَ" مَسْؤُولِيَّةٌ عَظِيمَةٌ؛ فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ كَلِمَةً رَسَالِيَّةً تَبْنِي الْأُمَمَ، أَوْ كَلِمَةً شَاعِرِيَّةً تَهِيمُ فِي أَوْدِيَةِ الْغَيِّ. وَتَضَعُ السُّورَةُ اسْتِثْنَاءً مَنْطِقِيًّا لِلشُّعَرَاءِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا، لِتُبَيِّنَ أَنَّ الْأَدَبَ وَالْبَيَانَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَا سِلَاحًا لِلْحَقِّ. بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ الشُّعَرَاءِ هِيَ سُورَةُ "صِدْقِ اللَّهْجَةِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الْعِبْرَةَ لَيْسَتْ بِزَخْرَفَةِ الْقَوْلِ، بَلْ بِمَدَى مُطَابَقَتِهِ لِلْحَقِيقَةِ وَالْوَاقِعِ، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ الظَّالِمِينَ سَيَعْلَمُونَ أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ، وَهُوَ مَنْطِقُ "الْعَدَالَةِ النَّهَائِيَّةِ".
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !! |
|
#35
|
|||
|
|||
|
نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ النَّمْلِ، وَهِيَ سُورَةُ "الْعِلْمِ وَالتَّمْكِينِ" وَ"التَّسْخِيرِ الْإِلَهِيِّ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ الشُّعَرَاءِ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ الْبَيَانِ، فَإِنَّ سُورَةَ النَّمْلِ تَنْتَقِلُ لِتَحْلِيلِ مَنْطِقِ الْقُوَّةِ الْعَالِمَةِ، وَتَعْرِضُ كَيْفَ يَتَحَوَّلُ الْعِلْمُ إِلَى أَدَاةٍ لِتَوْحِيدِ الْبَشَرِ وَالْخُضُوعِ لِلَّهِ.
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِذِكْرِ "الْكِتَابِ الْمُبِينِ" وَبُشْرَاهُ لِلْمُؤْمِنِينَ، ثُمَّ تَنْتَقِلُ مُبَاشَرَةً إِلَى قِصَّةِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ: {وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "الِاعْتِرَافِ بِالْفَضْلِ"؛ فَالْعِلْمُ (الَّذِي أُوتِيَ لَهُمَا) هُوَ أَسَاسُ التَّفْضِيلِ وَالتَّمْكِينِ، وَلَيْسَ الْقُوَّةَ الْعَسْكَرِيَّةَ الْمَحْضَةَ. فِي "تَحْلِيلِ الدَّوْلَةِ السُّلَيْمَانِيَّةِ"، نَرَى مَنْطِقَ "التَّوَاصُلِ الشَّامِلِ" مَعَ الْكَائِنَاتِ. قِصَّةُ "النَّمْلَةِ" الَّتِي حَذَّرَتْ قَوْمَهَا تُثْبِتُ أَنَّ هُنَاكَ "عَقْلًا" وَ"لُغَةً" حَتَّى فِي أَصْغَرِ الْمَخْلُوقَاتِ، وَأَنَّ الْقَائِدَ الْعَادِلَ (سُلَيْمَانَ) يَسْتَمِعُ لِأَضْعَفِ الْأَصْوَاتِ. وَفِي قِصَّةِ "الْهُدْهُدِ"، نَجِدُ مَنْطِقَ "الْمَعْلُومَةِ الِاسْتِخْبَارِيَّةِ"؛ فَالْهُدْهُدُ قَدَّمَ "خَبَرًا يَقِينًا" عَنْ سَبَأٍ، مِمَّا دَفَعَ سُلَيْمَانَ لِاتِّخَاذِ قَرَارٍ دِبْلُومَاسِيٍّ وَدَعَوِيٍّ كَبِيرٍ. أَمَّا فِي "الْمُوَاجَهَةِ مَعَ مَلِكَةِ سَبَأٍ"، فَنَرَى مَنْطِقَ "الْإِبْهَارِ الْعِلْمِيِّ" لِلْوُصُولِ إِلَى الْقَنَاعَةِ الْإِيمَانِيَّةِ. سُلَيْمَانُ لَمْ يَسْتَخْدِمِ الْحَرْبَ أَوَّلًا، بَلِ اسْتَخْدَمَ "تَقْنِيَّةَ نَقْلِ الْعَرْشِ" وَ"صَرْحَ الزُّجَاجِ". الِاسْتِنْتَاجُ الْمَنْطِقِيُّ هُنَا هُوَ أَنَّ الْعِلْمَ الْمُتَفَوِّقَ يَكْسِرُ كِبْرِيَاءَ الْمَادَّةِ؛ فَعِنْدَمَا رَأَتْ بِلْقِيسُ أَنَّ إِمْكَانَاتِ سُلَيْمَانَ تَتَجَاوَزُ الْمَأْلُوفَ، أَدْرَكَتْ بِعَقْلِهَا أَنَّ هَذَا تَأْيِيدٌ إِلَهِيٌّ، فَقَالَتْ: {أَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}. فِي "الْبُرْهَانِ الْعَقْلِيِّ" لِلْخَلْقِ، تَتَكَرَّرُ فِي السُّورَةِ آيَاتُ {أَمَّنْ خَلَقَ...}، مَتْبُوعَةً بِسُؤَالٍ تَوْبِيخِيٍّ مَنْطِقِيٍّ: {أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ ۚ}. هَذَا الِاسْتِفْهَامُ يُحَاصِرُ الْعَقْلَ الْبَشَرِيَّ؛ فَمَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ، وَأَنْزَلَ الْمَاءَ، وَجَعَلَ لِلْأَرْضِ قَرَارًا، وَيُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ، هُوَ الْوَحِيدُ الْمُسْتَحِقُّ لِلْعِبَادَةِ مَنْطِقِيًّا. أَيُّ شَرِيكٍ آخَرَ هُوَ "فَرْضِيَّةٌ بَاطِلَةٌ" لَا تَقُومُ عَلَى دَلِيلٍ. تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِبَيَانِ مَصِيرِ "دَابَّةِ الْأَرْضِ" الَّتِي تُكَلِّمُ النَّاسَ عِنْدَ اقْتِرَابِ النِّهَايَةِ، وَهُوَ مَنْطِقُ "الْآيَةِ الْخِتَامِيَّةِ" لِمَنْ رَفَضَ الْآيَاتِ الْعَقْلِيَّةَ وَالْبَيَانِيَّةَ. نَسْتَنْتِجُ مِنْ هَذَا الْعَرْضِ أَنَّ الْقُرْآنَ يُقَدِّرُ الْعِلْمَ وَيَجْعَلُهُ سَبِيلًا لِلْهِدَايَةِ، وَأَنَّ كُلَّ مَخْلُوقٍ فِي هَذَا الْكَوْنِ (مِنَ النَّمْلَةِ إِلَى الْهُدْهُدِ إِلَى الْإِنْسَانِ) هُوَ جُزْءٌ مِنْ نِظَامِ التَّسْبِيحِ وَالْعُبُودِيَّةِ. بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ النَّمْلِ هِيَ سُورَةُ "سِيَادَةِ الْعِلْمِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ التَّفَوُّقَ الْمَادِّيَّ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَحْكُومًا بِقِيَمِ التَّوْحِيدِ، وَأَنَّ الْقُوَّةَ لَيْسَتْ غَايَةً بَلْ وَسِيلَةٌ لِنَشْرِ الْعَدْلِ، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ اللَّهَ سَيُرِي خَلْقَهُ آيَاتِهِ فَيَعْرِفُونَهَا، وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !! |
|
#36
|
|||
|
|||
|
نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ الْقَصَصِ، وَهِيَ سُورَةُ "الْغَلَبَةِ لِلْمُسْتَضْعَفِينَ" وَ"تَهَاوِي الْقُوى الْمَادِّيَّةِ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ النَّمْلِ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ التَّمْكِينِ بِالْعِلْمِ، فَإِنَّ سُورَةَ الْقَصَصِ تَنْقُلُنَا إِلَى مَنْطِقِ التَّمْكِينِ بِالْقَدَرِ، حَيْثُ يُصْنَعُ النَّصْرُ مِنْ رَحِمِ الْمَأْسَاةِ، وَيُهْزَمُ الْجَبَرُوتُ بِأَضْعَفِ الْأَدَوَاتِ.
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِإِعْلَانِ "قَانُونِ الِاسْتِخْلَافِ": {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "الْمُفَارَقَةِ"؛ فَفِرْعَوْنُ يَسْتَخْدِمُ "قُوَّةَ الْبَطْشِ" لِيَمْنَعَ قَدَرَ اللَّهِ، لَكِنَّ اللَّهَ يَجْعَلُ نِهَايَةَ فِرْعَوْنَ تَبْدَأُ مِنْ مَنْزِلِهِ. الْمَنْطِقُ هُنَا هُوَ أَنَّ "التَّدْبِيرَ الْإِلَهِيَّ" يَخْتَرِقُ أَقْوَى التَّحْصِينَاتِ الْبَشَرِيَّةِ. فِي "تَحْلِيلِ الشَّخْصِيَّةِ الْقِيَادِيَّةِ" لِمُوسَى، تَعْرِضُ السُّورَةُ مَرَاحِلَ التَّكْوِينِ: مِنَ "الْقَذْفِ فِي الْيَمِّ" (الِانْقِطَاعِ عَنِ الْأَسْبَابِ)، إِلَى "الْغُرْبَةِ فِي مَدْيَنَ" (التَّرْبِيَةِ عَلَى الْعَمَلِ وَالصَّبْرِ). الْمَنْطِقُ التَّحْلِيلِيُّ فِي حِوَارِ مُوسَى مَعَ شَيْخِ مَدْيَنَ يُؤَسِّسُ لِـ "مِعْيَارِ التَّوَظِيفِ": {إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الْكَفَاءَةِ" (الْقُوَّةِ) مَمْزُوجًا بِـ "الْأَخْلَاقِ" (الْأَمَانَةِ)، وَهُوَ أَسَاسُ نَجَاحِ أَيِّ مَنْظُومَةٍ بَشَرِيَّةٍ. أَمَّا فِي "نَقْدِ الطُّغْيَانِ الْمَالِيِّ"، فَتَبْرُزُ قِصَّةُ "قَارُونَ": {إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الِاسْتِعْلَاءِ بِالْمَعْرِفَةِ" وَنِسْبَةِ الْفَضْلِ لِلذَّاتِ. قَارُونُ ظَنَّ أَنَّ الْمَالَ قُوَّةٌ ذَاتِيَّةٌ تَحْمِيهِ، لَكِنَّ الْخَسْفَ بِهِ وَبِدَارِهِ كَانَ "بُرْهَانًا حِسِّيًّا" عَلَى أَنَّ الْمَادَّةَ إِذَا طَغَتْ وَانْفَصَلَتْ عَنِ الْقِيَمِ، صَارَتْ هِيَ سَبَبَ الْهَلَاكِ. الِاسْتِنْتَاجُ الْمَنْطِقِيُّ هُوَ أَنَّ "الْعِلْمَ بِلَا تَقْوَى" يُؤَدِّي إِلَى الْعَمَى عَنِ الْحَقِيقَةِ. تَنْتَقِلُ السُّورَةُ بَعْدَ ذَلِكَ لِتَحْلِيلِ "طَبِيعَةِ الْهِدَايَةِ": {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ}. هُنَا نَرَى مَنْطِقَ "الْحُرِّيَّةِ وَالْمَسْؤُولِيَّةِ"؛ فَالدَّاعِي يَمْلِكُ الْبَيَانَ، لَكِنَّ قَرَارَ الْإِيمَانِ يَحْتَاجُ إِلَى "اسْتِعْدَادٍ نَفْسِيٍّ" فِي الْمُتَلَقِّي. كَمَا تَنْفِي السُّورَةُ تَعَلُّلَ الْمُكَذِّبِينَ بِـ "الْخَوْفِ عَلَى الرِّزْقِ"، مُبَيِّنَةً أَنَّ الْأَمْنَ وَالرِّزْقَ هُمَا ثَمَرَةُ الِارْتِبَاطِ بِالْحَقِّ، لَا بِاتِّبَاعِ الْأَهْوَاءِ. تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِقَاعِدَةِ "الْبَقَاءِ": {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الْفَنَاءِ الْمَادِّيِّ" وَ"الْخُلُودِ الرُّوحِيِّ"؛ فَالظَّالِمُونَ (فِرْعَوْنَ وَقَارُونَ وَهَامَانَ) صَارُوا أَحَادِيثَ، وَبَقِيَ ذِكْرُ مَنْ تَمَسَّكَ بِمَنْهَجِ اللَّهِ. الِاسْتِنْتَاجُ الْخِتَامِيُّ هُوَ أَنَّ "الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ"، وَهُوَ مَنْطِقُ التَّارِيخِ الَّذِي لَا يُخْطِئُ. بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ الْقَصَصِ هِيَ سُورَةُ "تَصْحِيحِ الْمَوَازِينِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الْقُوَّةَ لَيْسَتْ بِالْجُيُوشِ وَلَا بِالْكُنُوزِ، بَلْ بِـ "التَّأْيِيدِ الْإِلَهِيِّ" الْمَبْنِيِّ عَلَى الصِّدْقِ وَالْكَفَاءَةِ، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ، وَهُوَ وَعْدٌ بِالرُّجُوعِ إِلَى مَصْدَرِ الْعِزِّ وَالنَّصْرِ.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !! |
|
#37
|
|||
|
|||
|
نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ الْعَنْكَبُوتِ، وَهِيَ سُورَةُ "التَّمْحِيصِ" وَ"هَشَاشَةِ الْبَاطِلِ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ الْقَصَصِ قَدْ رَكَزَتْ عَلَى النَّصْرِ بَعْدَ الِاسْتِضْعَافِ، فَإِنَّ سُورَةَ الْعَنْكَبُوتِ تَنْتَقِلُ لِتَحْلِيلِ مَنْطِقِ الِابْتِلَاءِ كَضَرُورَةٍ فِيزْيَائِيَّةٍ وَمَعْنَوِيَّةٍ لِتَمْيِيزِ الصَّادِقِ مِنَ الْكَاذِبِ، وَتَكْشِفُ عَنْ "الْبِنْيَةِ الرَّخْوَةِ" لِكُلِّ نِظَامٍ يَقُومُ عَلَى غَيْرِ التَّوْحِيدِ.
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِسُؤَالٍ اسْتِنْكَارِيٍّ يَصْدِمُ الْعَقْلَ: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ؟}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "الِاخْتِبَارِ الْإِلْزَامِيِّ"؛ فَالِادِّعَاءُ (الْإِيمَانُ) يَحْتَاجُ إِلَى "بُرْهَانٍ عَمَلِيٍّ" (الْفِتْنَةِ/الِاخْتِبَارِ) لِيَصِحَّ مَنْطِقِيًّا. الِاسْتِنْتَاجُ هُوَ أَنَّ الشَّدَائِدَ لَيْسَتْ عُقُوبَةً، بَلْ هِيَ "مِصْفَاةٌ" لِتَنْقِيَةِ الصَّفِّ مِنَ الشَّوَائِبِ. فِي "تَحْلِيلِ الْعَلَاقَاتِ الْإِنْسَانِيَّةِ"، تَتَعَرَّضُ السُّورَةُ لِأَصْعَبِ أَنْوَاعِ الِابْتِلَاءِ وَهُوَ "الِابْتِلَاءُ بِالْوَالِدَيْنِ" حِينَ يَأْمُرَانِ بِالشِّرْكِ. الْمَنْطِقُ هُنَا يَضَعُ "تَرَاتُبِيَّةَ الْوَلَاءِ"؛ فَالْإِحْسَانُ لِلْوَالِدَيْنِ وَاجِبٌ، لَكِنَّ الطَّاعَةَ الْمُطْلَقَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا لِلْمُطْلَقِ (اللَّهِ). هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "اسْتِقْلَالِيَّةِ الْعَقِيدَةِ" عَنِ الْعَوَاطِفِ الْبَشَرِيَّةِ عِنْدَ التَّصَادُمِ مَعَ الْحَقِيقَةِ. أَمَّا "الْمَثَلُ الْمِحْوَرِيُّ" فِي السُّورَةِ، فَهُوَ {مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا}. هُنَا نَرَى مَنْطِقَ "الْوَهَنِ الْبِنْيَوِيِّ"؛ فَالْعَنْكَبُوتُ تَبْنِي نَسِيجًا مُعَقَّدًا وَمُبْهِرًا فِي هَنْدَسَتِهِ، لَكِنَّهُ أضعف الْبُيُوتِ أَمَامَ أَدْنَى تَحَدٍّ مَادِّيٍّ. الِاسْتِنْتَاجُ الْمَنْطِقِيُّ هُوَ أَنَّ الْقُوى الْمَادِّيَّةَ وَالْأَيْدِيُولُوجِيَّاتِ الْبَاطِلَةَ، مَهْمَا بَدَتْ مُتَشَابِكَةً وَقَوِيَّةً، فَهِيَ هَشَّةٌ لِأَنَّهَا مُنْفَصِلَةٌ عَنِ الْقَاعِدَةِ الصَّلْبَةِ (اللَّهِ). تَنْتَقِلُ السُّورَةُ بَعْدَ ذَلِكَ لِتَعْرِضَ صِرَاعَ الْأَنْبِيَاءِ (نُوحٍ، إِبْرَاهِيمَ، لُوطٍ، شُعَيْبٍ) وَأَقْوَامِ الْقُوَّةِ (عَادٍ، ثَمُودَ، قَارُونَ، فِرْعَوْنَ، هَامَانَ). الْمَنْطِقُ التَّحْلِيلِيُّ هُنَا هُوَ "تَنَوُّعُ أَدَوَاتِ الْإِهْلَاكِ" بِحَسَبِ نَوْعِ الطُّغْيَانِ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ حَاصِبًا، وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ، وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفَ بِهِ الْأَرْضَ. هَذَا يُثْبِتُ أَنَّ "النِّهَايَةَ الْوَاحِدَةَ" (الْهَلَاكَ) لَهَا مَسَارَاتٌ تَتَنَاسَبُ مَعَ طَبِيعَةِ الْجُرْمِ. تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِدَعْوَةٍ إِلَى "الْمُجَاهَدَةِ" كَطَرِيقٍ لِلْبَصِيرَةِ: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "ارْتِبَاطِ الْهِدَايَةِ بِالْبَذْلِ"؛ فَالْوُصُولُ إِلَى الْحَقَائِقِ الْكُبْرَى لَيْسَ عَمَلِيَّةً ذِهْنِيَّةً بَارِدَةً، بَلْ هُوَ ثَمَرَةُ جُهْدٍ نَفْسِيٍّ وَعَمَلِيٍّ صَادِقٍ. بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ الْعَنْكَبُوتِ هِيَ سُورَةُ "الثَّبَاتِ وَالْبِنَاءِ الصَّلْبِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الْإِيمَانَ تَكْلِيفٌ يَسْتَلْزِمُ الصَّبْرَ، وَأَنَّ كُلَّ ارْتِبَاطٍ بَيْتُهُ "بَيْتُ عَنْكَبُوتٍ" إِلَّا الِارْتِبَاطُ بِخَالِقِ الْأَسْبَابِ، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُحْسِنِينَ، وَهُوَ مَنْطِقُ "الْمَعِيَّةِ" الَّتِي تَمْنَحُ الْأَمْنَ فِي وَسَطِ الْفِتَنِ.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !! |
|
#38
|
|||
|
|||
|
نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ الرُّومِ، وَهِيَ سُورَةُ "الْغَيْبِ الْمُتَحَقِّقِ" وَ"السُّنَنِ الْكَوْنِيَّةِ الْجَارِيَةِ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ الْعَنْكَبُوتِ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ الثَّبَاتِ فِي الِابْتِلَاءِ، فَإِنَّ سُورَةَ الرُّومِ تَنْقُلُنَا إِلَى مَنْطِقِ الِاسْتِشْرَافِ الزَّمَنِيِّ وَالتَّفْرِيقِ بَيْنَ "الظَّاهِرِ الْقَرِيبِ" وَ"الْبَاطِنِ الْبَعِيدِ" لِلْأَحْدَاثِ الدَّوْلِيَّةِ وَالْكَوْنِيَّةِ.
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِنُبُوءَةٍ سِيَاسِيَّةٍ أَدْهَشَتِ الْعَرَبَ: {غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "تَدَاوُلِ الْأَيَّامِ"؛ فَالْمَنْظُورُ الْبَشَرِيُّ كَانَ يَرَى انْكِسَارَ الرُّومِ نِهَائِيًّا، لَكِنَّ الْمَنْطِقَ الْإِلَهِيَّ يُقَرِّرُ أَنَّ الْقُوى الْمَادِّيَّةَ فِي حَالَةِ "سُيُولَةٍ" دَائِمَةٍ. الِاسْتِنْتَاجُ هُوَ أَنَّ الْغَلَبَةَ لَيْسَتْ قَدَرًا مَحْتُومًا لِأَحَدٍ، بَلْ هِيَ دَوْرَاتٌ مَحْكُومَةٌ بِأَمْرِ اللَّهِ. فِي "نَقْدِ الْعَقْلِ السَّطْحِيِّ"، تَضَعُ السُّورَةُ تَشْخِيصًا مَعْرِفِيًّا عَمِيقًا: {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الِاخْتِزَالِ"؛ حَيْثُ يَقِيسُ الْإِنْسَانُ الْوُجُودَ بِمَا يَرَاهُ فَقَطْ، بَيْنَمَا الْحَقِيقَةُ لَهَا أَبْعَادٌ غَيْبِيَّةٌ وَمُسْتَقْبَلِيَّةٌ لَا تَدْرِكُهَا الْحَوَاسُّ الْمُجَرَّدَةُ. الِاسْتِنْتَاجُ الْمَنْطِقِيُّ هُوَ أَنَّ الِاعْتِمَادَ عَلَى "الظَّاهِرِ" فَقَطْ يُؤَدِّي إِلَى أَخْطَاءٍ جَسِيمَةٍ فِي تَقْدِيرِ الْمَصِيرِ. أَمَّا فِي "الْبُرْهَانِ الْآنِيِّ"، فَتَعْرِضُ السُّورَةُ سِلْسِلَةً مِنْ "الْآيَاتِ" تَبْدَأُ بِـ {وَمِنْ آيَاتِهِ...}؛ خَلْقُ الْإِنْسَانِ، خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، اخْتِلَافُ الْأَلْسِنَةِ وَالْأَلْوَانِ، مَنَامُ اللَّيْلِ، وَبَرْقُ السَّمَاءِ. الْمَنْطِقُ التَّحْلِيلِيُّ هُنَا يَقُومُ عَلَى "التَّنَوُّعِ فِي وَحْدَةِ الْمَصْدَرِ"؛ فَكُلُّ هَذِهِ التَّبَايُنَاتِ الْكَوْنِيَّةِ هِيَ بَرَاهِينُ عَقْلِيَّةٌ تُشِيرُ إِلَى "قَصْدِيَّةِ الْخَالِقِ" وَتَنْفِي مَنْطِقَ الصُّدْفَةِ. فِي "التَّحْلِيلِ الِاجْتِمَاعِيِّ وَالِاقْتِصَادِيِّ"، تَطْرَحُ السُّورَةُ قَاعِدَةً مُهِمَّةً عَنْ "الرِّبَا" وَ"الزَّكَاةِ". الْمَنْطِقُ هُنَا يُمَيِّزُ بَيْنَ "النُّمُوِّ الْوَهْمِيِّ" (الرِّبَا) الَّذِي يَزِيدُ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ ظَاهِرِيًّا لَكِنَّهُ لَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ، وَبَيْنَ "النُّمُوِّ الْحَقِيقِيِّ" (الزَّكَاةِ) الَّذِي يُبَارِكُ فِي النَّسِيجِ الِاجْتِمَاعِيِّ. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الْقِيمَةِ الْمُضَافَةِ" نَفْعِيًّا وَرُوحِيًّا. تَنْتَقِلُ السُّورَةُ لِتَحْلِيلِ "الْأَثَرِ الْبَشَرِيِّ عَلَى الْبِيئَةِ": {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "الْمَسْؤُولِيَّةِ التَّبَادُلِيَّةِ"؛ فَانْحِرَافُ السُّلُوكِ الْبَشَرِيِّ يُؤَدِّي حَتْمًا إِلَى اخْتِلَالِ التَّوَازُنِ الطَّبِيعِيِّ. الْغَايَةُ الْمَنْطِقِيَّةُ مِنْ هَذَا الْفَسَادِ هِيَ أَنْ "يُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ"؛ أَيْ أَنَّ الْأَلَمَ الْبِيئِيَّ هُوَ "إِشَارَةُ تَنْبِيهٍ" لِلْعَوْدَةِ إِلَى الْفِطْرَةِ. تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِدَعْوَةٍ إِلَى "إِقَامَةِ الْوَجْهِ لِلدِّينِ" وَالصَّبْرِ عَلَى قَدَرِ اللَّهِ: {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ۖ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "الثَّبَاتِ الْأَيْدِيُولُوجِيِّ"؛ فَالْمُوقِنُ لَا يَهْتَزُّ أَمَامَ "خِفَّةِ" الْمُتَشَكِّكِينَ، لِأَنَّهُ يَرْتَكِزُ عَلَى "وَعْدٍ" صَارَ عِنْدَهُ حَقِيقَةً مَنْطِقِيَّةً مَلْمُوسَةً. بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ الرُّومِ هِيَ سُورَةُ "بَصِيرَةِ النَّتَائِجِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الْكَوْنَ وَالتَّارِيخَ يَمْشِيَانِ وِفْقَ "سُنَنٍ" لَا تَتَبَدَّلُ، وَأَنَّ الْفِطْرَةَ الَّتِي فَطَرَ اللَّهُ النَّاسَ عَلَيْهَا هِيَ مَرْجِعُ التَّوَازُنِ، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ الْإِيمَانَ هُوَ "الرُّؤْيَةُ الْعَمِيقَةُ" الَّتِي تَتَجَاوَزُ ظَاهِرَ الْأَحْدَاثِ لِتُبْصِرَ يَدَ الْقُدْرَةِ الْإِلَهِيَّةِ.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !! |
|
#39
|
|||
|
|||
|
نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ لُقْمَانَ، وَهِيَ سُورَةُ "الْحِكْمَةِ الْعَمَلِيَّةِ" وَ"بِنَاءِ الْعَقْلِ الرَّشِيدِ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ الرُّومِ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ السُّنَنِ الْكَوْنِيَّةِ الْعَامَّةِ، فَإِنَّ سُورَةَ لُقْمَانَ تَنْقُلُنَا إِلَى مَنْطِقِ التَّوْجِيهِ الْخَاصِّ، وَتَعْرِضُ كَيْفَ تَتَحَوَّلُ الْمَعْرِفَةُ إِلَى "حِكْمَةٍ" تُدِيرُ حَيَاةَ الْفَرْدِ وَعَلَاقَاتِهِ.
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِوَصْفِ الْقُرْآنِ بِأَنَّهُ "آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ". هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "الْإِحْكَامِ"؛ فَالْكَلَامُ الْحَكِيمُ هُوَ الَّذِي يَضَعُ كُلَّ شَيْءٍ فِي مَوْضِعِهِ الصَّحِيحِ. وَتُقَارِنُ السُّورَةُ بَيْنَ هَذَا الْإِحْكَامِ وَبَيْنَ مَنْ يَشْتَرِي "لَهْوَ الْحَدِيثِ" لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وَهُوَ مَنْطِقُ "الْعَبَثِ" الَّذِي لَا طَائِلَ مِنْهُ سِوَى تَبْدِيدِ الطَّاقَاتِ الذِّهْنِيَّةِ. فِي "تَحْلِيلِ مَفْهُومِ الْحِكْمَةِ"، تُقَدِّمُ السُّورَةُ شَخْصِيَّةَ "لُقْمَانَ" الَّذِي أُوتِيَ الْحِكْمَةَ. الْمَنْطِقُ الْأَوَّلُ لِلْحِكْمَةِ هُوَ: {أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ}. هُنَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ ذُرْوَةَ الْعَقْلِ هِيَ الِاعْتِرَافُ بِالْمَصْدَرِ؛ فَالْجُحُودُ خَلَلٌ مَنْطِقِيٌّ لِأَنَّهُ يَنْفِي بَدِيهِيَّةَ الْإِفْضَالِ. الِاسْتِنْتَاجُ هُوَ أَنَّ الْحِكْمَةَ تَبْدَأُ بِـ "التَّوْحِيدِ" وَتَنْتَهِي بـ "الْأَدَبِ". أَمَّا "الدُّسْتُورُ التَّرْبَوِيُّ" فِي وَصَايَا لُقْمَانَ، فَهُوَ يَقُومُ عَلَى "تَرَاتُبِيَّةِ الْأَوْلَوِيَّاتِ": الْعَقِيدَةُ: {لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} (تَصْحِيحُ التَّصَوُّرِ). الْمُرَاقَبَةُ: {إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ... يَأْتِ بِهَا اللَّهُ} (مَنْطِقُ الْإِحَاطَةِ الْمَعْلُومَاتِيَّةِ الشَّامِلَةِ). الْعِبَادَةُ وَالْإِصْلَاحُ: {أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ} (تَحْوِيلُ الْقِيَمِ إِلَى سُلُوكٍ). السُّلُوكُ الِاجْتِمَاعِيُّ: {وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ} (مَنْطِقُ التَّوَاضُعِ وَالِاتِّزَانِ النَّفْسِيِّ). فِي "الْبُرْهَانِ الْعَقْلِيِّ"، تَتَحَدَّى السُّورَةُ الْمُشْرِكِينَ بِمَنْطِقِ "الْإِيجَادِ": {هَٰذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الْعَجْزِ عَنِ الْمُحَاكَاةِ"؛ فَالَّذِي لَا يَمْلِكُ الْقُدْرَةَ عَلَى الْخَلْقِ لَا يَمْلِكُ الْحَقَّ فِي التَّشْرِيعِ. كَمَا تَنْفِي السُّورَةُ تَعَلُّلَ الْمُقَلِّدِينَ بِـ "مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا"، وَتَصِفُهُ بِأَنَّهُ مَنْطِقٌ تَبَعِيٌّ يَتَجَاهَلُ الْبُرْهَانَ. تَنْتَقِلُ السُّورَةُ لِتَحْلِيلِ "لَانِهَايَةِ الْعِلْمِ الْإِلَهِيِّ": {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "اللَّانِهَائِيِّ" فِي مُقَابِلِ "الْمَحْدُودِ"؛ فَالْعَقْلُ الْبَشَرِيُّ مَهْمَا بَلَغَ مِنَ الْحِكْمَةِ، يَظَلُّ قَطْرَةً فِي بَحْرِ الْعِلْمِ الْمُطْلَقِ. تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِبَيَانِ "مَفَاتِحِ الْغَيْبِ الْخَمْسَةِ" (السَّاعَةُ، الْغَيْثُ، الْأَرْحَامُ، الرِّزْقُ، الْمَوْتُ). الْمَنْطِقُ الْخِتَامِيُّ هُنَا هُوَ "التَّوَاضُعُ الْمَعْرِفِيُّ"؛ فَثَمَّةَ مِسَاحَاتٌ فِي هَذَا الْوُجُودِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللَّهُ، مِمَّا يَسْتَوْجِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يَنْشَغِلَ بِمَا كُلِّفَ بِهِ وَيَسْتَعِدَّ لِلِقَاءِ رَبِّهِ. بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ لُقْمَانَ هِيَ سُورَةُ "النُّضْجِ الْفِكْرِيِّ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الْحِكْمَةَ لَيْسَتْ كَثْرَةَ مَعْلُومَاتٍ، بَلْ هِيَ حُسْنُ تَقْدِيرٍ لِلْخَالِقِ وَالْخَلْقِ، وَأَنَّ بِنَاءَ الْإِنْسَانِ يَبْدَأُ مِنْ تَرْسِيخِ مَنْطِقِ الْمُرَاقَبَةِ الذَّاتِيَّةِ، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ كُلَّ نَفْسٍ مَسْؤُولَةٌ عَنْ كَسْبِهَا فِي يَوْمٍ لَا يَجْزِي فِيهِ وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !! |
|
#40
|
|||
|
|||
|
نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ السَّجْدَةِ، وَهِيَ سُورَةُ "الْيَقِينِ الْمُطْلَقِ" وَ"الِانْقِيَادِ لِلْحَقِيقَةِ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ لُقْمَانَ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ الْحِكْمَةِ التَّرْبَوِيَّةِ، فَإِنَّ سُورَةَ السَّجْدَةِ تَنْتَقِلُ لِتَحْلِيلِ مَنْطِقِ الْخُضُوعِ الْعَقْلِيِّ وَالْوُجُودِيِّ لِخَالِقِ الْكَوْنِ، وَتَعْرِضُ الْفَرْقَ الْجَوْهَرِيَّ بَيْنَ مَنْ يَسْتَجِيبُ لِلْبُرْهَانِ وَمَنْ يَتَكَبَّرُ عَنْهُ.
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِنَفْيِ "الرَّيْبِ" (الشَّكِّ) عَنِ الْوَحْيِ: {تَنزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "الْقَطْعِيَّةِ"؛ فَالْحَقِيقَةُ الْبَيِّنَةُ لَا تَتْرُكُ مَجَالاً لِلِارْتِيَابِ إِلَّا لِمَنْ أَعْمَى بَصِيرَتَهُ. وَتَرُدُّ السُّورَةُ عَلَى فِرْيَةِ "الِافْتِرَاءِ" بِمَنْطِقِ "الْغَايَةِ"؛ فَالْكِتَابُ جَاءَ لِيُنْذِرَ قَوْمًا لَمْ يَأْتِهِم نَّذِيرٌ، مِمَّا يُحَقِّقُ مَبْدَأَ "الْعَدْلِ الْمَعْرِفِيِّ". فِي "الْبُرْهَانِ التَّصْمِيمِيِّ"، تَعْرِضُ السُّورَةُ كَمَالَ الْخَلْقِ: {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ}. الْمَنْطِقُ التَّحْلِيلِيُّ هُنَا يَرْبِطُ بَيْنَ "الْإِتْقَانِ" وَ"الْإِحْسَانِ"؛ فَالْكَوْنُ لَيْسَ جَمَادًا عَبَثِيًّا، بَلْ هُوَ مَنْظُومَةٌ مُحْكَمَةٌ تَدُلُّ عَلَى عِلْمٍ وَحِكْمَةٍ. وَتُفَصِّلُ السُّورَةُ مَرَاحِلَ خَلْقِ الْإِنْسَانِ مِن سُلَالَةٍ مِن مَّاءٍ مَّهِينٍ، ثُمَّ نَفْخِ الرُّوحِ وَتَرْكِيبِ الْحَوَاسِّ (السَّمْعِ وَالْأَبْصَارِ وَالْأَفْئِدَةِ)، لِتُؤَكِّدَ أَنَّ هَذِهِ الْأَدَوَاتِ الْمَعْرِفِيَّةَ وُجِدَتْ لِتُوصِلَ الْإِنْسَانَ إِلَى الشُّكْرِ وَالْإِيمَانِ. أَمَّا فِي "مَنْطِقِ الِانْكِسَارِ الْإِيمَانِيِّ"، فَتَصِفُ السُّورَةُ حَالَ الْمُؤْمِنِينَ عِنْدَ سَمَاعِ الْآيَاتِ: {خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ}. السُّجُودُ هُنَا هُوَ "نَتِيجَةٌ مَنْطِقِيَّةٌ" لِإِدْرَاكِ الْعَظَمَةِ؛ فَالْعَقْلُ الصَّغِيرُ حِينَ يُدْرِكُ الْكَبِيرَ لَا يَمْلِكُ إِلَّا الِانْحِنَاءَ. وَتُقَابِلُ السُّورَةُ ذَلِكَ بِـ "تَجَافِي جُنُوبِهِمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ" (الْعَمَلِ السِّرِّيِّ)، لِيَكُونَ الْجَزَاءُ مِن جِنْسِ الْعَمَلِ: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الْمُفَاجَأَةِ الْجَمِيلَةِ" لِمَن أَخْفَى عَمَلَهُ لِلَّهِ. فِي "قَاعِدَةِ التَّمَايُزِ"، تَطْرَحُ السُّورَةُ سُؤَالاً فَاصِلاً: {أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا ۚ لَّا يَسْتَوُونَ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الْعَدْلِ الِاسْتِحْقَاقِيِّ"؛ فَإِنَّ تَهَاتُرَ النَّتَائِجِ مَعَ اخْتِلَافِ الْمُقَدِّمَاتِ هُوَ عَبَثٌ يَتَنَزَّهُ عَنْهُ الْخَالِقُ. فَالْمُؤْمِنُ الْمُنْتِجُ لَا يُمْكِنُ مَنْطِقِيًّا أَنْ يُسَاوَى بِالْفَاسِقِ الْمُخَرِّبِ. تَنْتَقِلُ السُّورَةُ لِتَحْلِيلِ "سُنَّةِ الِابْتِلَاءِ الْأَصْغَرِ": {وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَىٰ دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}. الْمَنْطِقُ هُنَا هُوَ "الْأَلَمُ التَّنْبِيهِيُّ"؛ فَالمَصَائِبُ الدُّنْيَوِيَّةُ هِيَ رَسَائِلُ تَحْذِيرِيَّةٌ لِلْعَقْلِ لِيَتَدَارَكَ مَسَارَهُ قَبْلَ الِارْتِطَامِ بِالنِّهَايَةِ الْكُبْرَى. الِاسْتِنْتَاجُ هُوَ أَنَّ بَعْضَ الْبَلَاءِ هُوَ رَحْمَةٌ فِي ثَوْبِ نِقْمَةٍ. تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِمَشْهَدِ "يَوْمِ الْفَتْحِ" (الْحِسَابِ)، حَيْثُ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ بَعْدَ فَوَاتِ الْأَوَانِ. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "انْتِهَاءِ الصَّلَاحِيَّةِ"؛ فَالِاخْتِبَارُ لَهُ زَمَنٌ مُحَدَّدٌ، وَبَعْدَ ظُهُورِ النَّتَائِجِ يَنْتَهِي مَجَالُ الِاخْتِيَارِ. بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ السَّجْدَةِ هِيَ سُورَةُ "الْقَرَارِ الْحَاسِمِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الْكَوْنَ يَنْطِقُ بِالْخَالِقِ، وَأَنَّ السُّجُودَ هُوَ أَرْقَى حَالَاتِ التَّصَالُحِ مَعَ الْحَقِيقَةِ، وَأَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ السَّعَادَةِ وَالشَّقَاءِ يَبْدَأُ مِنْ مَدَى الِاعْتِرَافِ بِـ "آيَاتِ رَبِّكَ" أَوْ الْإِعْرَاضِ عَنْهَا.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !! |
![]() |
| أدوات الموضوع | |
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | الأقسام الرئيسية | مشاركات | المشاركة الاخيرة |
| الاسلام العظيم بقلم الدكتور كيث ميلر, كيف اسلم مبشر و عالم رياضيات مسيحي ؟ | بيان | رد شبهات الملاحدة العرب | 3 | 2011-02-09 06:11 PM |
| التشيع (عقيدة دينية ؟ ام عقدة نفسية) | طالب عفو ربي | الشيعة والروافض | 19 | 2010-10-27 09:16 AM |
| بروتوكولات حاخامات قم | عدو الروافض | الشيعة والروافض | 0 | 2010-09-15 04:15 PM |
| حقيــقــة اتــهام الشيعــه لأهل السنــه بالتحـــريف | بنت المدينة | الشيعة والروافض | 0 | 2009-12-09 02:11 PM |
| العضو سامي تفضل للنقاش , | سعودية سنية | رد شبهات الملاحدة العرب | 212 | 2009-12-01 02:40 AM |