![]() |
| جديد المواضيع |


| للإعلان هنا تواصل معنا > واتساب |
| منتدى السنة | الأذكار | زاد المتقين | منتديات الجامع | منتديات شباب الأمة | زد معرفة | طريق النجاح | طبيبة الأسرة | معلوماتي | وادي العرب | حياتها | فور شباب | جوابى | بنك أوف تك |
|
|||||||
![]() |
|
|
أدوات الموضوع |
|
#61
|
|||
|
|||
|
نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ النَّجْمِ، وَهِيَ سُورَةُ "الْمُعَايَنَةِ الْبَصَرِيَّةِ" وَ"سُقُوطِ الْأَوْهَامِ الذِّهْنِيَّةِ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ الطُّورِ قَدْ حَاصَرَتِ الْعَقْلَ بِـ الْأَسْئِلَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ، فَإِنَّ سُورَةَ النَّجْمِ تَنْقُلُنَا إِلَى مَنْطِقِ "الشُّهُودِ وَالْعِيَانِ"، وَتَعْرِضُ كَيْفَ يَرْتَقِي "الْوَحْيُ" إِلَى أَعْلَى مَقَامَاتِ الْيَقِينِ حَيْثُ لَا مَجَالَ لِلظَّنِّ.
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِقَسَمٍ بِـ "النَّجْمِ إِذَا هَوَى" لِتُثْبِتَ اسْتِقَامَةَ الْمَصْدَرِ: {مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "نَفْيِ الِانْحِرَافِ"؛ فَالنَّبِيُّ ﷺ لَيْسَ "ضَالًّا" (عَنْ جَهْلٍ) وَلَا "غَاوِيًا" (عَنْ قَصْدٍ)، بَلْ نُطْقُهُ هُوَ "وَحْيٌ يُوحَىٰ". هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الْعِصْمَةِ الْإِبْلَاغِيَّةِ"؛ حَيْثُ يَكُونُ الرَّسُولُ مُجَرَّدَ نَاقِلٍ أَمِينٍ لِمَعْنًى مُطْلَقٍ. فِي "تَحْلِيلِ رِحْلَةِ الْمِعْرَاجِ"، تُقَدِّمُ السُّورَةُ مَنْطِقَ "الرُّؤْيَةِ الْمُحَقَّقَةِ": {مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ} وَ {مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ}. هُنَا نَرَى مَنْطِقَ "تَطَابُقِ الْحَوَاسِّ مَعَ الْحَقِيقَةِ"؛ فَالْمُشَاهَدَةُ لَمْ تَكُنْ خَيَالًا وَلَا وَهْمًا بَصَرِيًّا، بَلْ كَانَتْ "رُؤْيَةً بِالْعَيْنِ" لِآيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى فِي سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى. أَمَّا فِي "نَقْدِ الْأَصْنَامِ الذِّهْنِيَّةِ"، فَتُفَكِّكُ السُّورَةُ أَسْمَاءَ (اللَّاتِ، الْعُزَّىٰ، مَنَاةَ): {إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم}. الْمَنْطِقُ التَّحْلِيلِيُّ هُنَا يَقُومُ عَلَى "نَفْيِ الْوُجُودِ لِلْمُسَمَّى"؛ فَالِاسْمُ مَوْجُودٌ لَكِنَّ الذَّاتَ (الْإِلَهَ) غَيْرُ مَوْجُودَةٍ. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "سُلْطَةِ الِاصْطِلَاحِ الزَّائِفِ"؛ حَيْثُ يَخْلُقُ الْبَشَرُ أَوْهَامًا وَيُقَدِّسُونَهَا، بَيْنَمَا الْحَقُّ يَتَّبِعُ الْيَقِينَ لَا الظَّنَّ: {وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا}. تَنْتَقِلُ السُّورَةُ لِتَضَعَ قَاعِدَةَ "الْمَسْؤُولِيَّةِ الْفَرْدِيَّةِ" الَّتِي كَانَتْ فِي صُحُفِ مُوسَىٰ وَإِبْرَاهِيمَ: {أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ * وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الْعَدْلِ الِاسْتِحْقَاقِيِّ"؛ فَالْعَمَلُ هُوَ "الْعُمْلَةُ" الْوَحِيدَةُ الْمَقْبُولَةُ، وَكُلُّ إِنْسَانٍ سَيَرَى "سَعْيَهُ" مُجَسَّدًا أَمَامَهُ. فِي "الْبُرْهَانِ التَّقَابُلِيِّ"، تَعْرِضُ السُّورَةُ ثُنَائِيَّاتِ الْخَلْقِ: (أَضْحَكَ وَأَبْكَى، أَمَاتَ وَأَحْيَا، الذَّكَرَ وَالْأُنثَى، أَغْنَىٰ وَأَقْنَىٰ). الْمَنْطِقُ هُنَا يَقُومُ عَلَى "الْقَبْضَةِ الْإِلَهِيَّةِ الشَّامِلَةِ" لِكُلِّ مَسَارَاتِ الْحَيَاةِ؛ فَالْمُتَضَادَّاتُ تَجْتَمِعُ فَقَطْ عِنْدَ "الْوَاحِدِ" الَّذِي يُدِيرُهَا جَمِيعًا. تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِإِعْلَانِ {أَزِفَتِ الْآزِفَةُ} (اقْتَرَبَتِ الْقِيَامَةُ). هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "النِّهَايَةِ الَّتِي لَا مَجَالَ لِتَأْخِيرِهَا"، دَاعِيَةً لِلسُّجُودِ وَالْعِبَادَةِ بَدَلًا مِنَ "الصُّمُودِ" (اللَّهْوِ وَالِاسْتِكْبَارِ). بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ النَّجْمِ هِيَ سُورَةُ "سُقُوطِ الْأَوْهَامِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الْوَحْيَ مَبْنِيٌّ عَلَى "رُؤْيَةٍ" لَا تَقْبَلُ الشَّكَّ، وَأَنَّ الْأَصْنَامَ (سَوَاءٌ كَانَتْ حِجَارَةً أَوْ مَفَاهِيمَ بَشَرِيَّةً) هِيَ مُجَرَّدُ "أَسْمَاءٍ" لَا تَمْلِكُ مِنَ الْحَقِيقَةِ شَيْئًا، مُؤَكِّدَةً أَنَّ مَصِيرَ الْإِنْسَانِ مَرْهُونٌ بِـ "سَعْيِهِ" الْخَاصِّ.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !! |
|
#62
|
|||
|
|||
|
نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ الْقَمَرِ، وَهِيَ سُورَةُ "الْآيَةِ الْحَاسِمَةِ" وَ"مَنْطِقِ التَّيْسِيرِ الْمُقَابِلِ لِلتَّعْسِيرِ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ النَّجْمِ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ الْمُعَايَنَةِ لِلْوَحْيِ، فَإِنَّ سُورَةَ الْقَمَرِ تَنْقُلُنَا إِلَى مَنْطِقِ "انْشِقَاقِ الْمَأْلُوفِ"، وَتَعْرِضُ كَيْفَ تَتَهَاوَى نَوَاﻣِﻴﺲُ الْكَوْنِ لِإِثْبَاتِ الْحَقِيقَةِ، رَغْمَ إِصْرَارِ الْعَقْلِ الْجَاحِدِ عَلَى وَصْفِهَا بِـ "السِّحْرِ".
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِحَدَثٍ كَوْنِيٍّ جَلَلٍ: {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "تَقْرِيبِ الْبَعِيدِ"؛ فَانْشِقَاقُ الْجِرْمِ السَّمَاوِيِّ هُوَ "بُرْهَانٌ حِسِّيٌّ" عَلَى قُرْبِ النِّهَايَةِ. وَتُشَخِّصُ السُّورَةُ "الْعِنَادَ الِاصْطِلَاحِيَّ": {وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الْهُرُوبِ مِنَ الدَّلِيلِ" بِتَسْمِيَتِهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ لِتَبْرِيرِ عَدَمِ الِاتِّبَاعِ. فِي "تَحْلِيلِ الدَّوْرَاتِ التَّارِيخِيَّةِ"، تَعْرِضُ السُّورَةُ خَمْسَ قِصَصٍ (نُوحٍ، عَادٍ، ثَمُودَ، لُوطٍ، آلِ فِرْعَوْنَ) بِنَفَسٍ سَرِيعٍ وَحَاسِمٍ. الْمَنْطِقُ التَّحْلِيلِيُّ هُنَا يَقُومُ عَلَى "الْقَانُونِ السَّبَبِيِّ لِلْهَلَاكِ"؛ فَكُلُّ أُمَّةٍ جَاءَهَا "نُذُرٌ" فَكَذَّبَتْ، فَكَانَتِ النَّتِيجَةُ تَدْمِيرًا مُنَظَّمًا (طُوفَانٌ، رِيحٌ صَرْصَرٌ، صَيْحَةٌ، حَاصِبٌ). الِاسْتِنْتَاجُ هُوَ أَنَّ التَّارِيخَ لَيْسَ صُدْفَةً، بَلْ هُوَ "نِظَامٌ عَادِلٌ" يُعِيدُ نَفْسَهُ حِينَ تَتَشَابَهُ الْمُقَدِّمَاتُ. أَمَّا فِي "مَنْطِقِ التَّيْسِيرِ"، فَتُكَرِّرُ السُّورَةُ آيَةً مِحْوَرِيَّةً أَرْبَعَ مَرَّاتٍ: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ؟}. هُنَا نَرَى مَنْطِقَ "رَفْعِ الْحَرَجِ الْمَعْرِفِيِّ"؛ فَاللَّهُ لَمْ يَجْعَلِ الْحَقِيقَةَ طِلَسْمًا مَنْفِيًّا، بَلْ "يَسَّرَ" لُغَتَهَا وَنَظْمَهَا لِتَكُونَ مُتَاحَةً لِكُلِّ عَقْلٍ يَبْحَثُ عَنِ "الذِّكْرِ". الِاسْتِنْتَاجُ الْمَنْطِقِيُّ أَنَّ الْبُعْدَ عَنِ الْقُرْآنِ لَيْسَ لِصُعُوبَتِهِ، بَلْ لِغِيَابِ "الْمُدَّكِرِ". فِي "الْبُرْهَانِ التَّقْدِيرِيِّ"، تَضَعُ السُّورَةُ قَاعِدَةً رِيَاضِيَّةً لِلْكَوْنِ: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الضَّبْطِ الدَّقِيقِ"؛ فَلَا عَبَثَ فِي الْخَلْقِ، وَلَا زِيَادَةَ وَلَا نُقْصَانَ، وَكُلُّ حَدَثٍ (بِمَا فِيهِ الْحِسَابُ) مَحْكُومٌ بِتَوْقِيتٍ وَمِقْدَارٍ لَا يَتَخَلَّفُ: {وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ}. تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِبَيَانِ مَصِيرِ "الْمُجْرِمِينَ" فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ، وَمُقَابَلَتِهِمْ بـ "الْمُتَّقِينَ": {فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الِاسْتِقْرَارِ النِّهَائِيِّ"؛ حَيْثُ يَتَحَوَّلُ الصِّدْقُ فِي الدُّنْيَا إِلَى "مَقْعَدِ صِدْقٍ" أَبَدِيٍّ فِي جِوَارِ الْقُدْرَةِ الْمُطْلَقَةِ. بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ الْقَمَرِ هِيَ سُورَةُ "النِّذَارَةِ وَالتَّيْسِيرِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الْآيَاتِ قَدْ وَقَعَتْ، وَأَنَّ التَّارِيخَ قَدْ نَطَقَ، وَأَنَّ الْقُرْآنَ قَدْ تَيَسَّرَ، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الِاخْتِيَارُ الْبَشَرِيُّ بَيْنَ "الِادِّكَارِ" أَوْ "الِاسْتِمْرَارِ" فِي الْوَهْمِ، مُؤَكِّدَةً أَنَّ كُلَّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !! |
|
#63
|
|||
|
|||
|
نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ الرَّحْمَنِ، وَهِيَ "عَرُوسُ الْقُرْآنِ" وَسُورَةُ "الْمِيزَانِ الْكَوْنِيِّ الشَّامِلِ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ الْقَمَرِ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ الْقَدَرِ وَالتَّيْسِيرِ، فَإِنَّ سُورَةَ الرَّحْمَنِ تَنْقُلُنَا إِلَى مَنْطِقِ "الْآلَاءِ وَالِاسْتِحْقَاقِ"، وَتَعْرِضُ كَيْفَ يَتَرَابَطُ "الْبَيَانُ" مَعَ "النِّظَامِ" لِيَخْلُقَ مَنْظُومَةَ الْجَمَالِ وَالْجَلَالِ.
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِاسْمِ "الرَّحْمَنِ" كَمُبْتَدَأٍ لِكُلِّ شَيْءٍ. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "أَوْلَوِيَّةِ التَّعْلِيمِ": {عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ}. تَرْتِيبُ الْآيَاتِ هُنَا مُذْهِلٌ؛ حَيْثُ جَعَلَ "تَعْلِيمَ الْقُرْآنِ" (الْمَعْنَى) قَبْلَ "خَلْقِ الْإِنْسَانِ" (الْمَادَّةِ)، لِيُؤَكِّدَ أَنَّ وُجُودَ الْإِنْسَانِ بِلَا قِيمَةٍ "مَنْطِقِيَّةٍ" دُونَ الْمَعْرِفَةِ وَالْبَيَانِ. فِي "الْبُرْهَانِ النَّظْمِيِّ"، تَطْرَحُ السُّورَةُ قَاعِدَةَ "الْمِيزَانِ": {وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ * أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ}. الْمَنْطِقُ هُنَا يَرْبِطُ بَيْنَ "الْعَدْلِ الْكَوْنِيِّ" (رَفْعِ السَّمَاءِ بِنِظَامٍ رِيَاضِيٍّ) وَ "الْعَدْلِ الْأَخْلَاقِيِّ" (عَدَمِ الطُّغْيَانِ فِي التَّعَامُلِ). الِاسْتِنْتَاجُ أَنَّ أَيَّ خَلَلٍ فِي الْقِسْطِ الْبَشَرِيِّ هُوَ نَشَازٌ عَنِ النَّغَمِ الْكَوْنِيِّ الْمُنْتَظِمِ. أَمَّا فِي "تَحْلِيلِ الِازْدِوَاجِ" (الْإِنْسِ وَالْجِنِّ)، فَتُكَرِّرُ السُّورَةُ سُؤَالَهَا التَّقْرِيعِيَّ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ مَرَّةً: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ؟}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "إِلْزَامِ الْوُجُودِ"؛ فَكُلُّ حَدَثٍ (مَرْجِ الْبَحْرَيْنِ، خُرُوجِ اللُّؤْلُؤِ، جَرْيِ السُّفُنِ) هُوَ "آلَاءٌ" (نِعَمٌ وَآيَاتٌ) تَتَطَلَّبُ الِاعْتِرَافَ مَنْطِقِيًّا. وَتَضَعُ السُّورَةُ قَاعِدَةَ "الْفَنَاءِ وَالْبَقَاءِ": {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ}. الِاسْتِنْتَاجُ الْمَنْطِقِيُّ أَنَّ كُلَّ "نِسْبِيٍّ" مَصِيرُهُ لِلزَّوَالِ، وَالْبَقَاءُ فَقَطْ لِلـ "مُطْلَقِ". تَنْتَقِلُ السُّورَةُ لِتَحْلِيلِ "مَنْطِقِ الْجَزَاءِ" فِي مَشَاهِدِ الْقِيَامَةِ، فَتَفْصِلُ بَيْنَ "الْمُجْرِمِينَ" الَّذِينَ يُعْرَفُونَ بِسِيمَاهُمْ، وَبَيْنَ مَنْ {خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ}. هُنَا نَرَى مَنْطِقَ "التَّثْنِيَةِ فِي النَّعِيمِ" (جَنَّتَانِ، ثُمَّ جَنَّتَانِ دُونَهُمَا). وَتَطْرَحُ السُّورَةُ السُّؤَالَ الْفَلْسَفِيَّ الْأَعْمَقَ: {هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ؟}. هَذَا مَنْطِقُ "الْمُمَاثَلَةِ الْكَامِلَةِ"؛ فَمَنْ أَحْسَنَ الْقَصْدَ فِي الدُّنْيَا، لَا يُمْكِنُ مَنْطِقِيًّا إِلَّا أَنْ يَتَلَقَّى الْإِحْسَانَ فِي الْآخِرَةِ. تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِتَعْظِيمِ "اسْمِ رَبِّكَ"، لِتَعُودَ إِلَى الْبِدَايَةِ: {تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ}. فَالرَّحْمَنُ الَّذِي بَدَأَ بِهِ الْكَوْنُ، هُوَ الَّذِي يَخْتِمُهُ بِالْبَرَكَةِ لِمَنْ عَرَفَ قَدْرَ هَذَا الْجَلَالِ. بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ الرَّحْمَنِ هِيَ سُورَةُ "الِاسْتِيعَابِ لِلنِّعْمَةِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الْكَوْنَ مَبْنِيٌّ عَلَى "الرَّحْمَةِ" وَ"الْمِيزَانِ"، وَأَنَّ الْإِنْسَانَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ "بَيَانُهُ" مُتَّسِقًا مَعَ فِعْلِ اللَّهِ، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ الْإِحْسَانَ هُوَ الْقَانُونُ الْأَسْمَى لِلْجَزَاءِ.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !! |
|
#64
|
|||
|
|||
|
نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ الْوَاقِعَةِ، وَهِيَ سُورَةُ "الْحَتْمِيَّةِ الْقَدَرِيَّةِ" وَ"التَّصْنِيفِ النِّهَائِيِّ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ الرَّحْمَنِ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ الْآلَاءِ وَالْمِيزَانِ، فَإِنَّ سُورَةَ الْوَاقِعَةِ تَنْقُلُنَا إِلَى مَنْطِقِ "الِاسْتِحْقَاقِ الْفِعْلِيِّ"، وَتَعْرِضُ كَيْفَ تَنْقَسِمُ الْبَشَرِيَّةُ بَعْدَ "الْوَجَّةِ الْكَوْنِيَّةِ" إِلَى مَرَاتِبَ لَا رَجْعَةَ فِيهَا.
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِنَفْيِ "الْكَذِبِ" عَنِ الْقِيَامَةِ: {إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "الْحَقِيقَةِ الْمُطْلَقَةِ"؛ فَالْحَدَثُ قَادِمٌ بِقُوَّةٍ تَجْعَلُ الْإِنْكَارَ مُسْتَحِيلًا. وَتَصِفُ أَثَرَهَا بـ {خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ}؛ هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "إِعَادَةِ تَرْتِيبِ الْقِيَمِ"، حَيْثُ يُخْفَضُ مَنْ رَفَعَتْهُ الدُّنْيَا بِالْبَاطِلِ، وَيُرْفَعُ مَنْ خَفَضَتْهُ بِالْحَقِّ. فِي "تَحْلِيلِ الْهَيْكَلِ الِاجْتِمَاعِيِّ لِلْآخِرَةِ"، تُصَنِّفُ السُّورَةُ الْبَشَرَ إِلَى ثَلَاثَةِ أَصْنَافٍ: السَّابِقُونَ: مَنْطِقُ "الْمُبَادَرَةِ وَالْقُرْبِ"؛ فَهُمْ نُخْبَةُ الْإِيمَانِ (ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ). أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ: مَنْطِقُ "الِاسْتِقَامَةِ الْعَامَّةِ"؛ وَهُمْ جُمْهُورُ النَّاجِينَ. أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ: مَنْطِقُ "الِانْحِرَافِ الْمُتَعَمِّدِ"؛ وَهُمُ الَّذِينَ "أَتْرِفُوا" وَأَصَرُّوا عَلَى "الْحِنْثِ الْعَظِيمِ". أَمَّا فِي "الْبُرْهَانِ الِاسْتِدْلَالِيِّ"، فَتَطْرَحُ السُّورَةُ أَرْبَعَةَ مَشَاهِدَ حَيَوِيَّةٍ تَتَحَدَّى بِهَا الْعَقْلَ الْمَادِّيَّ: خَلْقُ النُّطْفَةِ: {أَفَرَأَيْتُم مَّا تُمْنُونَ * أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ؟}. بَذْرُ الزَّرْعِ: {أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ * أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ؟}. إِنْزَالُ الْمَاءِ: {أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ؟}. إِيقَادُ النَّارِ: {أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ * أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ؟}. الْمَنْطِقُ هُنَا يَقُومُ عَلَى "نَفْيِ الِاسْتِقْلَالِيَّةِ الْبَشَرِيَّةِ"؛ فَالْإِنْسَانُ "مُسْتَخْدِمٌ" لِلْأَسْبَابِ، لَكِنَّهُ لَيْسَ "خَالِقًا" لَهَا. فِي "تَحْلِيلِ عَظَمَةِ الْقُرْآنِ"، تُقْسِمُ السُّورَةُ بـ "مَوَاقِعِ النُّجُومِ"، وَتَصِفُ الْقُرْآنَ بِأَنَّهُ مَحْفُوظٌ فِي {كِتَابٍ مَّكْنُونٍ * لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الْحِمَايَةِ الْمَعْرِفِيَّةِ"؛ فَالْحَقِيقَةُ الْعُلْيَا لَا يَتَلَقَّاهَا إِلَّا الْقَلْبُ النَّقِيُّ. تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِمَشْهَدِ "الِاحْتِضَارِ": {فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَٰكِن لَّا تُبْصِرُونَ}. هُنَا يَتَجَلَّى مَنْطِقُ "الْعَجْزِ الْبَشَرِيِّ الْمُطْلَقِ"؛ فَالْإِنْسَانُ يَرَى أَحَبَّ النَّاسِ إِلَيْهِ يَمُوتُ وَلَا يَمْلِكُ رَدَّ رُوحِهِ. الِاسْتِنْتَاجُ أَنَّ مَنْ عَجَزَ عَنْ رَدِّ الرُّوحِ، لَيْسَ لَهُ مَنْطِقٌ فِي إِنْكَارِ الْبَعْثِ. بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ الْوَاقِعَةِ هِيَ سُورَةُ "الْفَصْلِ بَيْنَ الْيَقِينِ وَالظَّنِّ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الْحَيَاةَ مَسْرَحٌ لِلِاخْتِبَارِ، وَأَنَّ النِّهَايَةَ سَتَفْرِزُ النَّاسَ بِعَدْلٍ إِلَهِيٍّ دَقِيقٍ، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ هَذَا هُوَ "حَقُّ الْيَقِينِ"، فَمَا عَلَى الْبَشَرِ إِلَّا التَّسْبِيحُ بِاسْمِ رَبِّهِمُ الْعَظِيمِ.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !! |
|
#65
|
|||
|
|||
|
نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ الْحَدِيدِ، وَهِيَ سُورَةُ "التَّوَازُنِ بَيْنَ الرُّوحِ وَالْمَادَّةِ" وَخَاتِمَةُ الْمُسَبِّحَاتِ. إِذَا كَانَتْ سُورَةُ الْوَاقِعَةِ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ التَّصْنِيفِ النِّهَائِيِّ، فَإِنَّ سُورَةَ الْحَدِيدِ تَنْقُلُنَا إِلَى مَنْطِقِ "الْفَاعِلِيَّةِ فِي الدُّنْيَا"، وَتَعْرِضُ كَيْفَ يَنْبَغِي لِلْإِيمَانِ أَنْ يَتَحَوَّلَ إِلَى "حَرَكَةٍ وَإِنْفَاقٍ" وَكَيْفَ يَلِينُ "الْحَدِيدُ" وَالْقَلْبُ أَمَامَ أَمْرِ اللَّهِ.
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِتَعْرِيفِ الذَّاتِ الْإِلَهِيَّةِ بِأَسْمَاءٍ تُمَثِّلُ "الْإِحَاطَةَ الزَّمَانِيَّةَ وَالْمَكَانِيَّةَ": {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "الْوُجُودِ الشَّامِلِ"؛ فَلَا يَخْرُجُ عَنْ عِلْمِهِ وَسُلْطَانِهِ شَيْءٌ، مِمَّا يَسْتَوْجِبُ مَنْطِقِيًّا الِانْقِيَادَ لَهُ فِي كُلِّ حِينٍ. فِي "تَحْلِيلِ مَنْطِقِ الْمِلْكِيَّةِ"، تَطْرَحُ السُّورَةُ مَفْهُومًا ثَوْرِيًّا لِلْمَالِ: {وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ}. الْمَنْطِقُ هُنَا يَقُومُ عَلَى "الْوِكَالَةِ لَا الْأَصَالَةِ"؛ فَالْإِنْسَانُ لَيْسَ مَالِكًا حَقِيقِيًّا لِلْمَالِ، بَلْ هُوَ مُسْتَخْلَفٌ فِيهِ لِفَتْرَةٍ مَحْدُودَةٍ. الِاسْتِنْتَاجُ الْمَنْطِقِيُّ أَنَّ الْبُخْلَ هُوَ تَعْطِيلٌ لِوَظِيفَةِ الِاسْتِخْلَافِ. أَمَّا فِي "نَقْدِ قَسْوَةِ الْقُلُوبِ"، فَتَسْأَلُ السُّورَةُ سُؤَالًا يُخَاطِبُ الْوِجْدَانَ وَالْعَقْلَ مَعًا: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ}. هُنَا نَرَى مَنْطِقَ "التَّزَامُنِ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالْخُشُوعِ"؛ فَطُولُ الْأَمَدِ بِلَا تَذَكُّرٍ يُؤَدِّي مَنْطِقِيًّا إِلَى "قَسْوَةِ الْقَلْبِ"، تَمَامًا كَمَا تَيْبَسُ الْأَرْضُ بِلَا مَطَرٍ. فِي "تَحْلِيلِ مَاهِيَّةِ الدُّنْيَا"، تَرْسُمُ السُّورَةُ مَعَادَلَةً دَقِيقَةً: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "التَّسَلْسُلِ الْعُمْرِيِّ"؛ حَيْثُ يَبْدَأُ الْإِنْسَانُ بِاللَّعِبِ وَيَنْتَهِي بِالتَّكَاثُرِ، لِيُبَيِّنَ أَنَّ مَصِيرَ هَذِهِ الْمَادَّةِ هُوَ كـ "غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا". الِاسْتِنْتَاجُ أَنَّ الِاسْتِثْمَارَ فِي "الْبَاقِي" أَوْلَى مَنْطِقِيًّا مِنَ التَّعَلُّقِ بـ "الْفَانِي". تَنْتَقِلُ السُّورَةُ لِتَحْلِيلِ مَعْدِنِ "الْحَدِيدِ": {وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ}. الْمَنْطِقُ هُنَا يَرْبِطُ بَيْنَ "الْكِتَابِ" (الْمِيزَانِ وَالْقِيَمِ) وَ "الْحَدِيدِ" (الْقُوَّةِ وَالصِّنَاعَةِ)؛ فَالْقِيَمُ بِحَاجَةٍ إِلَى قُوَّةٍ تَحْمِيهَا، وَالْقُوَّةُ بِحَاجَةٍ إِلَى مِيزَانٍ يَضْبُطُهَا. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الْقُوَّةِ الْأَخْلَاقِيَّةِ". تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِبَيَانِ أَنَّ "الْفَضْلَ" بِيَدِ اللَّهِ، لَا يَمْلِكُهُ بَشَرٌ مَهْمَا ادَّعَوْا. فَاللَّهُ يُؤْتِي فَضْلَهُ مَنْ يَشَاءُ، وَهُوَ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ. بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ الْحَدِيدِ هِيَ سُورَةُ "إِيقَاظِ الْإِرَادَةِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الْإِيمَانَ لَيْسَ جُمُودًا، بَلْ هُوَ لِينٌ فِي الْقَلْبِ وَبَأْسٌ فِي الْحَدِيدِ وَسَخَاءٌ فِي الْيَدِ، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ بِقَدَرِ اللَّهِ وَمَشِيئَتِهِ.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !! |
|
#66
|
|||
|
|||
|
نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ الْمُجَادَلَةِ، وَهِيَ سُورَةُ "الرَّقَابَةِ السَّمْعِيَّةِ" وَ"تَرْمِيمِ الْبِنَاءِ الِاجْتِمَاعِيِّ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ الْحَدِيدِ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ التَّوَازُنِ بَيْنَ الْقُوَّةِ وَالرُّوحِ، فَإِنَّ سُورَةَ الْمُجَادَلَةِ تَنْقُلُنَا إِلَى مَنْطِقِ "إِحَاطَةِ الْعِلْمِ بِالتَّفَاصِيلِ"، وَتَعْرِضُ كَيْفَ يَنْتَصِرُ الْوَحْيُ لِلْمَهْمُوشِ وَيَضْبُطُ حَرَكَةَ الْمُجْتَمَعِ فِي خَلَوَاتِهِ وَجَلَسَاتِهِ.
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِحَادِثَةٍ فَرْدِيَّةٍ: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "تَحْطِيمِ حَاجِزِ الْمَسَافَةِ"؛ فَالْخَالِقُ يَسْمَعُ "الْمُجَادَلَةَ" وَهِيَ أَدْنَى مَرَاتِبِ الصَّوْتِ الْبَشَرِيِّ. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الْعَدَالَةِ النَّافِذَةِ"؛ حَيْثُ لَا تُهْمَلُ شَكْوَى امْرَأَةٍ بَسِيطَةٍ فِي مَنْظُومَةِ الْحَقِّ الْكُلِّيَّةِ، لِيُبْطِلَ "الظِّهَارَ" كَتَشْرِيعٍ جَائِرٍ يَقُومُ عَلَى الزُّورِ. فِي "تَحْلِيلِ مَنْطِقِ التَّنَاجِي"، تُفَكِّكُ السُّورَةُ سُلُوكَ "الْهَمْسِ السَّيِّئِ": {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَىٰ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ}. الْمَنْطِقُ هُنَا يَقُومُ عَلَى "الشَّفَافِيَّةِ الْأَخْلَاقِيَّةِ"؛ فَالنَّجْوَى بِالْإِثْمِ هِيَ أَدَاةُ "حِزْبِ الشَّيْطَانِ" لِبَثِّ الْحُزْنِ، بَيْنَمَا الْمُؤْمِنُ يَتَنَاجَى بِـ "الْبِرِّ وَالتَّقْوَى". الِاسْتِنْتَاجُ الْمَنْطِقِيُّ أَنَّ كُلَّ خَلْوَةٍ بَيْنَ ثَلَاثَةٍ إِلَّا وَاللَّهُ "رَابِعُهُمْ"، مِمَّا يَعْنِي انْعِدَامَ "الْخُصُوصِيَّةِ" أَمَامَ الرَّقِيبِ. أَمَّا فِي "آدَابِ الْمَجَالِسِ"، فَتَضَعُ السُّورَةُ قَاعِدَةَ "الْمُرُونَةِ وَالتَّفَسُّحِ": {إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا}. هُنَا نَرَى مَنْطِقَ "السَّعَةِ النَّفْسِيَّةِ"؛ فَكَمَا يَنْفَسِحُ الْمَكَانُ بَدَنِيًّا، يَنْفَسِحُ الْعَقْلُ لِلْآخَرِ، وَتَعِدُ السُّورَةُ بـ "الرِّفْعَةِ الْعِلْمِيَّةِ" لِمَنْ طَبَّقَ هَذَا الْأَدَبَ: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ}. فِي "تَحْلِيلِ الِاسْتِحْوَاذِ"، تَصِفُ السُّورَةُ نَمُوذَجَ الْمُنَافِقِينَ: {اسْتَحْوَدَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "السَّيْطَرَةِ عَبْرَ النِّسْيَانِ"؛ فَالشَّيْطَانُ لَا يَمْلِكُ سُلْطَةً مَادِّيَّةً، بَلْ يَمْلِكُ "تَعْطِيلَ الذَّاكِرَةِ الْوُجُودِيَّةِ". الِاسْتِنْتَاجُ أَنَّ "حِزْبَ الشَّيْطَانِ" مَحْكُومٌ عَلَيْهِ مَنْطِقِيًّا بِالْخُسْرَانِ، لِأَنَّهُ يَتَصَادَمُ مَعَ حَتْمِيَّةِ {كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي}. تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِرَسْمِ مَعَالِمِ "حِزْبِ اللَّهِ": مَنْ لَا يُوَادُّونَ أَعْدَاءَ الْمَبْدَأِ وَلَوْ كَانُوا أَقْرَبَ النَّاسِ. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الْوَلَاءِ لِلْقِيمَةِ أَوْلًا"؛ حَيْثُ يُصْبِحُ "الْمَبْدَأُ" هُوَ النَّسَبَ الْحَقِيقِيَّ الَّذِي يُؤَهِّلُ الْإِنْسَانَ لِيَكُونَ مِنْ "حِزْبِ اللَّهِ" الْمُفْلِحِينَ. بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ الْمُجَادَلَةِ هِيَ سُورَةُ "السَّمَاعِ وَالرَّفْعِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ اللَّهَ قَرِيبٌ مِنْ نَبْضِ الْكَلَامِ، وَأَنَّ الْمُجْتَمَعَ الْفَاضِلَ هُوَ مَنْ يَنْفَسِحُ لِلْخَيْرِ وَيَضِيقُ عَلَى الشَّرِّ، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ الْفَلَاحَ مَرْهُونٌ بِـ "تَمَحْوُرِ الْإِنْسَانِ" حَوْلَ خَالِقِهِ وَصِدْقِ صِلَتِهِ بِهِ.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !! |
|
#67
|
|||
|
|||
|
نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ الْحَشْرِ، وَهِيَ سُورَةُ "السُّقُوطِ الذَّاتِيِّ لِلْبَاطِلِ" وَتَجَلِّي "الْقُدْرَةِ الْقَاهِرَةِ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ الْمُجَادَلَةِ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ الرَّقَابَةِ السَّمْعِيَّةِ الدَّقِيقَةِ، فَإِنَّ سُورَةَ الْحَشْرِ تَنْقُلُنَا إِلَى مَنْطِقِ "زَعْزَعَةِ الْأُصُولِ الْمَادِّيَّةِ"، وَتَعْرِضُ كَيْفَ تَتَهَاوَى "الْحُصُونُ" حِينَ يَأْتِي أَمْرُ اللَّهِ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا.
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِمَشْهَدِ إِخْرَاجِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ: {مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "تَصَادُمِ التَّقْدِيرَاتِ"؛ فَالْبَشَرُ (مُؤْمِنُهُمْ وَكَافِرُهُمْ) حَكَمُوا بِمَنْطِقِ "الْمَادَّةِ" (الْحُصُونِ)، لَكِنَّ الْفِعْلَ الْإِلَهِيَّ جَاءَ بِمَنْطِقِ "الرُّعْبِ النَّفْسِيِّ": {فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ}. الِاسْتِنْتَاجُ الْمَنْطِقِيُّ أَنَّ الْقُوَّةَ لَيْسَتْ فِي "الْجِدَارِ"، بَلْ فِي "الْقَلْبِ" الَّذِي خَلْفَهُ. فِي "تَحْلِيلِ التَّخْرِيبِ الذَّاتِيِّ"، تَرِدُ جُمْلَةٌ مِحْوَرِيَّةٌ: {يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الِانْتِحَارِ الِاسْتِرَاتِيجِيِّ"؛ حَيْثُ يَتَحَوَّلُ الْبَاطِلُ إِلَى أَدَاةٍ لِهَدْمِ نَفْسِهِ حِينَ يَنْقَطِعُ عَنِ الْمَدَدِ الْإِلَهِيِّ. دَاعِيَةً لِلِاعْتِبَارِ: {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ}؛ أَيْ انْتَقِلُوا مِنْ "رُؤْيَةِ الْعَيْنِ" لِلْحُصُونِ إِلَى "رُؤْيَةِ الْعَقْلِ" لِلْمَصِيرِ. أَمَّا فِي "تَوْزِيعِ الْفَيْءِ" (الْمَوَارِدِ)، فَتَطْرَحُ السُّورَةُ قَاعِدَةً اقْتِصَادِيَّةً عُظْمَى: {كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "تَدَاوُلِ الثَّرْوَةِ"؛ فَالنِّظَامُ الَّذِي يَعْزِلُ الْمَالَ فِي طَبَقَةٍ وَاحِدَةٍ هُوَ نِظَامٌ "مُخْتَلٌّ" مَنْطِقِيًّا، وَالْغَايَةُ هِيَ التَّوَازُنُ الِاجْتِمَاعِيُّ. فِي "تَحْلِيلِ النَّفْسِيَّةِ الْجَمَاعِيَّةِ"، تُمَيِّزُ السُّورَةُ بَيْنَ: الْمُهَاجِرِينَ: مَنْطِقُ "التَّضْحِيَةِ بِالْمَادَّةِ لِأَجْلِ الْمَبْدَأِ". الْأَنْصَارِ: مَنْطِقُ "الْإِيثَارِ عَلَى النَّفْسِ"؛ {وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}. الْمُنَافِقِينَ: مَنْطِقُ "الْوَعْدِ الْكَاذِبِ"؛ {لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ}. وَتَصِفُهُمْ بِأَنَّ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ، وَأَنَّهُمْ {تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ}؛ هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الْهَشَاشَةِ الدَّاخِلِيَّةِ" لِكُلِّ جَمْعٍ لَا يَقُومُ عَلَى الْحَقِّ. تَصِلُ السُّورَةُ إِلَى "الْبُرْهَانِ التَّأْثِيرِيِّ" لِلْقُرْآنِ: {لَوْ أَنْزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا}. الْمَنْطِقُ التَّحْلِيلِيُّ هُنَا يَقُومُ عَلَى "تَبْكِيتِ الْإِنْسَانِ"؛ فَإِذَا كَانَتِ "الْمَادَّةُ الصَّلْبَةُ" (الْجَبَلُ) تَتَأَثَّرُ بِثِقَلِ الْحَقِيقَةِ، فَمَا بَالُ "الْعَقْلِ الْبَشَرِيِّ" يَبْقَى جَامِدًا؟ تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِـ "أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى" (الْمَلِكِ، الْقُدُّوسِ، السَّلَامِ، الْمُؤْمِنِ...)، لِتُبَيِّنَ أَنَّ صَاحِبَ هَذِهِ الصِّفَاتِ هُوَ الْوَحِيدُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ التَّسْبِيحَ مِنْ كُلِّ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ. بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ الْحَشْرِ هِيَ سُورَةُ "انْكِشَافِ الْقُوَّةِ الْحَقِيقِيَّةِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الْحُصُونَ الْمَادِّيَّةَ لَا تَقِي مِنَ السُّقُوطِ إِذَا نَخَرَ الْبَاطِلُ فِيهَا، وَأَنَّ الْوِحْدَةَ الْحَقِيقِيَّةَ هِيَ "وِحْدَةُ الْقُلُوبِ" لَا "جَمْعُ الْأَبْدَانِ"، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ الْعِزَّةَ وَالْحِكْمَةَ هِيَ مَدَارُ الْفِعْلِ الْإِلَهِيِّ.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !! |
|
#68
|
|||
|
|||
|
نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ الْمُمْتَحَنَةِ، وَهِيَ سُورَةُ "التَّمْحِيصِ الْوِجْدَانِيِّ" وَ"مَنْطِقِ الْوَلَاءِ لِلْقِيمَةِ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ الْحَشْرِ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ سُقُوطِ الْبَاطِلِ الْمَادِّيِّ (الْحُصُونِ)، فَإِنَّ سُورَةَ الْمُمْتَحَنَةِ تَنْقُلُنَا إِلَى مَنْطِقِ "فَصْلِ الْمَشَاعِرِ عَنِ الْمَبَادِئِ"، وَتَعْرِضُ كَيْفَ يُخْتَبَرُ (يُمْتَحَنُ) صِدْقُ الِانْتِمَاءِ حِينَ تَتَعَارَضُ "الْعَاطِفَةُ الْأُسَرِيَّةُ" مَعَ "الْحَقِيقَةِ الْوُجُودِيَّةِ".
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِتَحْذِيرٍ حَاسِمٍ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "وِحْدَةِ الْعَدَاوَةِ"؛ فَإِذَا كَانَ الطَّرَفُ الْآخَرُ يُعَادِي "الْقِيمَةَ الْعُلْيَا" (اللَّهَ)، فَإِنَّ مَوَدَّتَهُ تَعْنِي مَنْطِقِيًّا خِيَانَةَ تِلْكَ الْقِيمَةِ. وَتُبَيِّنُ السُّورَةُ عَبَثِيَّةَ هَذِهِ الْمَوَدَّةِ: {إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً}؛ أَيْ أَنَّ مَنْطِقَ الْآخَرِ عِدَائِيٌّ بِطَبْعِهِ رَغْمَ تَلَطُّفِكَ. فِي "تَحْلِيلِ الِارْتِبَاطِ النَّسَبِيِّ"، تَضَعُ السُّورَةُ حَدًّا لِلْمُغَالَطَةِ الْعَاطِفِيَّةِ: {لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۖ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ}. الْمَنْطِقُ هُنَا يَقُومُ عَلَى "الِانْفِصَالِ النِّهَائِيِّ"؛ فَالرَّابِطَةُ الْبَيُولُوجِيَّةُ زَائِلَةٌ، وَالرَّابِطَةُ الْوَحِيدَةُ "الْمُسْتَدَامَةُ" مَنْطِقِيًّا هِيَ رَابِطَةُ "الْمَنْهَجِ". أَمَّا فِي "النَّمُوذَجِ الِاقْتِدَائِيِّ"، فَتُقَدِّمُ السُّورَةُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَمِثَالٍ لِلـ "الْبَرَاءَةِ الْعَقْلِيَّةِ": {إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ}. هُنَا نَرَى مَنْطِقَ "الْقَطِيعَةِ مَعَ الْبَاطِلِ" كَشَرْطٍ لِصِحَّةِ الِاتِّصَالِ بِالْحَقِّ. فِي "فَلْسَفَةِ التَّعَايُشِ"، تُرْسِي السُّورَةُ قَاعِدَةً مَنْطِقِيَّةً بَاهِرَةً فِي التَّوَازُنِ: {لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ... أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "التَّمْيِيزِ بَيْنَ الْمُعْتَدِي وَالْمُسَالِمِ"؛ فَالْعَدَاوَةُ لَيْسَتْ لِلْأَشْخَاصِ لِذَاتِهِمْ، بَلْ لِأَفْعَالِهِمُ الْقَمْعِيَّةِ. الِاسْتِنْتَاجُ أَنَّ "الْقِسْطَ" (الْعَدْلَ) هُوَ مِعْيَارُ التَّعَامُلِ مَعَ كُلِّ بَشَرِيٍّ لَمْ يَبْدَأْ بِالظُّلْمِ. فِي مَشْهَدِ "الِامْتِحَانِ الْعَمَلِيِّ" لِلْمُهَاجِرَاتِ، تَقُولُ السُّورَةُ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ ۖ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ}. الْمَنْطِقُ هُنَا هُوَ "الْبَحْثُ عَنِ الدَّافِعِ"؛ فَالدَّعْوَى تَحْتَاجُ إِلَى "بُرْهَانٍ" عَمَلِيٍّ (الْهِجْرَةِ) لِقَبُولِهَا فِي الْمُجْتَمَعِ الْجَدِيدِ. تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بـ "مَنْطِقِ الْبَيْعَةِ" الَّتِي تُنَظِّمُ حُقُوقَ وَوَاجِبَاتِ الْمَرْأَةِ فِي الْمُجْتَمَعِ، مُؤَكِّدَةً أَنَّ النِّسَاءَ شَرِيكَاتٌ فِي الْبِنَاءِ الْأَخْلَاقِيِّ (عَدَمِ السَّرِقَةِ، الزِّنَا، الْقَتْلِ، الْبُهْتَانِ). بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ الْمُمْتَحَنَةِ هِيَ سُورَةُ "صَفَاءِ الِانْتِمَاءِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الْقَلْبَ لَا يَسَعُ إِيمَانًا حَقِيقِيًّا وَمَوَدَّةً لِمَنْ يُحَارِبُ هَذَا الْإِيمَانَ، وَأَنَّ "الْعَدْلَ" مَكْفُولٌ لِلْمُسَالِمِينَ، لَكِنَّ "النُّصْرَةَ" هِيَ لِلْمَبْدَأِ، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ الْيَأْسَ مِنْ ثَوَابِ اللَّهِ هُوَ صِفَةُ مَنْ جَحَدَ حَقِيقَةَ الْبَعْثِ.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !! |
|
#69
|
|||
|
|||
|
نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ الصَّفِّ، وَهِيَ سُورَةُ "الِاتِّسَاقِ النَّظَرِيِّ وَالْعَمَلِيِّ" وَسُورَةُ "تَمَاسُكِ الْمَشْرُوعِ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ الْمُمْتَحَنَةِ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ صِدْقِ الْمَشَاعِرِ (الْوَلَاءِ)، فَإِنَّ سُورَةَ الصَّفِّ تَنْقُلُنَا إِلَى مَنْطِقِ "وِحْدَةِ الْبِنَاءِ وَالْفِعْلِ"، وَتَعْرِضُ كَيْفَ يَتَحَوَّلُ الْإِيمَانُ مِنْ "كَلِمَاتٍ" إِلَى "هَيْكَلٍ صَلْبٍ" لَا ثُغْرَةَ فِيهِ.
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِتَسْبِيحِ كُلِّ مَا فِي الْكَوْنِ، ثُمَّ تَنْتَقِلُ مُبَاشَرَةً إِلَى نَقْدِ "الِانْفِصَامِ بَيْنَ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ": {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ؟}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "الْمِصْدَاقِيَّةِ الْوُجُودِيَّةِ"؛ فَالْفَجْوَةُ بَيْنَ "الظَّاهِرِ" وَ"الْبَاطِنِ" تُؤَدِّي مَنْطِقِيًّا إِلَى مَقْتِ اللَّهِ (أَشَدِّ الْبُغْضِ). الِاسْتِنْتَاجُ الْمَنْطِقِيُّ أَنَّ كَمَالَ الْإِيمَانِ مَرْهُونٌ بِـ "تَطَابُقِ الْبَيَانِ مَعَ الْكَيَانِ". فِي "تَحْلِيلِ مَنْطِقِ التَّنْظِيمِ"، تُرْسِي السُّورَةُ قَاعِدَةَ النَّصْرِ: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ}. الْمَنْطِقُ هُنَا يَقُومُ عَلَى "الْقُوَّةِ فِي التَّرَابُطِ"؛ فَالْقِيمَةُ لَيْسَتْ لِلْأَفْرَادِ الْمُشَتَّتِينَ مَهْمَا كَانَتْ قُوَّتُهُمْ، بَلْ لِلـ "صَفِّ" الَّذِي يَعْمَلُ كَكُتْلَةٍ وَاحِدَةٍ. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الْجَسَدِ الْوَاحِدِ" ضِدَّ الْأَهْوَاءِ. أَمَّا فِي "نَقْدِ عَقْلِيَّةِ الزَّيْغِ"، فَتَذْكُرُ السُّورَةُ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ. مَنْطِقُ مُوسَىٰ كَانَ فِي مُوَاجَهَةِ "الْإِذَايَةِ" رَغْمَ مَعْرِفَتِهِمْ بِصِدْقِهِ، لِيَكُونَ الرَّدُّ الْإِلَهِيُّ: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الْجَزَاءِ مِنْ جِنْسِ الْفِعْلِ"؛ فَانْحِرَافُ الْقَلْبِ نَتِيجَةٌ مَنْطِقِيَّةٌ لِتَعَمُّدِ "الزَّيْغِ" عَنِ الْبُرْهَانِ. ثُمَّ تَعْرِضُ السُّورَةُ بُشْرَى عِيسَىٰ بـ "أَحْمَدَ" ﷺ، وَتَحْلِيلَ مَنْطِقِ الْمُعَارِضِينَ: {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ}. هُنَا نَرَى مَنْطِقَ "عَبَثِيَّةِ الْمُحَاوَلَةِ"؛ فَالنُّورُ (الْإِلَهِيُّ) لَا يُمْكِنُ إِطْفَاؤُهُ بِـ "الْأَفْوَاهِ" (الْكَلَامِ الزَّائِفِ). الِاسْتِنْتَاجُ أَنَّ حَتْمِيَّةَ "تَمَامِ النُّورِ" حَقِيقَةٌ كَوْنِيَّةٌ مَهْمَا كَرِهَ الْكَافِرُونَ. فِي "الْبُرْهَانِ الِاقْتِصَادِيِّ الرُّوحِيِّ"، تَعْرِضُ السُّورَةُ مَفْهُومَ "التِّجَارَةِ الرَّابِحَةِ": {هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ؟}. الْمَنْطِقُ هُنَا يَقُومُ عَلَى "الِاسْتِثْمَارِ فِي الْبَاقِي"؛ (إِيمَانٌ، جِهَادٌ بِالْمَالِ، جِهَادٌ بِالنَّفْسِ). الثَّمَنُ مَنْطِقِيٌّ: (مَغْفِرَةٌ، جَنَّاتٌ، نَصْرٌ قَرِيبٌ). هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الرِّبْحِ الْمُؤَكَّدِ" لِمَنْ يَمْلِكُ رَأْسَ مَالِ الْيَقِينِ. تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِدَعْوَةِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَكُونُوا "أَنصَارَ اللَّهِ" كَمَا فَعَلَ الْحَوَارِيُّونَ. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الِامْتِدَادِ التَّارِيخِيِّ" لِلْمَشْرُوعِ الْإِلَهِيِّ؛ حَيْثُ يَنْتَهِي الصِّرَاعُ بِظُهُورِ الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ بِتَأْيِيدِ اللَّهِ. بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ الصَّفِّ هِيَ سُورَةُ "بِنَاءِ الْقُوَّةِ بِالْمِصْدَاقِيَّةِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الْقَوْلَ بِلَا فِعْلٍ مَهْلَكَةٌ، وَأَنَّ الْعَمَلَ بِلَا "صَفٍّ" ضَعْفٌ، وَأَنَّ نُورَ اللَّهِ مَاضٍ لَا مَحَالَةَ، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ النَّصْرَ يُولَدُ مِنَ "الِانْتِصَارِ لِلَّهِ" فِي الذَّاتِ وَالْمَيْدَانِ.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !! |
|
#70
|
|||
|
|||
|
نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ الْجُمُعَةِ، وَهِيَ سُورَةُ "الْمَنْهَجِ الْمَعْرِفِيِّ" وَ"تَوَازُنِ الطَّلَبِ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ الصَّفِّ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ الِاتِّسَاقِ بَيْنَ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ، فَإِنَّ سُورَةَ الْجُمُعَةِ تَنْقُلُنَا إِلَى مَنْطِقِ "التَّزْكِيَةِ قَبْلَ التَّحْصِيلِ"، وَتَعْرِضُ كَيْفَ يَتَحَوَّلُ الْمُجْتَمَعُ "الْأُمِّيُّ" إِلَى مَنَارَةٍ حَضَارِيَّةٍ عَبْرَ نِظَامٍ تَعْلِيمِيٍّ وَرُوحِيٍّ مُتَكَامِلٍ.
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِنِسْبَةِ "الْمُلْكِ وَالْقُدُّوسِيَّةِ وَالْعِزَّةِ وَالْحِكْمَةِ" لِلَّهِ، ثُمَّ تُحَلِّلُ "الِانْتِقَالَ الْحَضَارِيَّ": {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "التَّسَلْسُلِ التَّرْبَوِيِّ": (يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ، وَيُزَكِّيهِمْ، وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ). الِاسْتِنْتَاجُ الْمَنْطِقِيُّ أَنَّ "التَّزْكِيَةَ" (تَطْهِيرِ النَّفْسِ) شَرْطٌ لِـ "تَعَلُّمِ الْحِكْمَةِ"، وَأَنَّ الْعِلْمَ بِلَا تَزْكِيَةٍ هُوَ عِلْمٌ مَبْتُورٌ. فِي "نَقْدِ الْعَقْلِيَّةِ الْحَامِلَةِ لِلْعِلْمِ بِلَا فَهْمٍ"، تَطْرَحُ السُّورَةُ أَقْسَى تَمْثِيلٍ مَنْطِقِيٍّ: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الْعِبْءِ لَا الِانْتِفَاعِ"؛ فَحَمْلُ النَّصِّ (الْمَعْلُومَةِ) دُونَ تَمَثُّلِ رُوحِهِ يَجْعَلُ الْإِنْسَانَ مُجَرَّدَ "وِعَاءٍ نَاقِلٍ" لَا يُدْرِكُ قِيمَةَ مَا يَحْمِلُ. الِاسْتِنْتَاجُ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِـ "الْفِعْلِ بِالْعِلْمِ" لَا بِمُجَرَّدِ حِيَازَتِهِ. أَمَّا فِي "تَحْلِيلِ مَنْطِقِ الْمَوْتِ"، فَتَتَحَدَّى السُّورَةُ مَنِ ادَّعَوْا الِاخْتِصَاصَ بِالْوَلَايَةِ: {فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}. هُنَا نَرَى مَنْطِقَ "الِاخْتِبَارِ الْقِيَمِيِّ"؛ فَالصَّادِقُ فِي اتِّصَالِهِ بِاللَّهِ لَا يَخْشَى لِقَاءَهُ، بَيْنَمَا "الظَّالِمُ" يَهْرَبُ مَنْطِقِيًّا مِمَّا قَدَّمَتْ يَدَاهُ. الِاسْتِنْتَاجُ أَنَّ الْمَوْتَ "مُلَاقٍ" لِلْجَمِيعِ مَهْمَا كَانَتْ نَوْعِيَّةُ الْفِرَارِ. فِي "تَنْظِيمِ اقْتِصَادِ الْوَقْتِ"، تَنْتَقِلُ السُّورَةُ إِلَى "نِدَاءِ الْجُمُعَةِ": {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ... فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "تَعْلِيقِ الْمَادَّةِ لِأَجْلِ الْمَعْنَى"؛ فَالْمُجْتَمَعُ يَحْتَاجُ إِلَى "وَقْفَةٍ تَعْبَدِيَّةٍ" لِإِعَادَةِ ضَبْطِ الْبَوْصَلَةِ. لَكِنَّ السُّورَةَ لَا تَدْعُو لِلرَّهْبَانِيَّةِ، بَلْ تَقُولُ بَعْدَ الصَّلَاةِ: {فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ}. هَذَا مَنْطِقُ "الْعَمَلِ الْمَوْصُولِ بِالذِّكْرِ"؛ حَيْثُ يُصْبِحُ السَّعْيُ فِي الرِّزْقِ بَعْدَ الصَّلَاةِ جُزْءًا مِنَ الْمَنْظُومَةِ الْإِيمَانِيَّةِ. تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِنَقْدِ مَوْقِفٍ عَمَلِيٍّ حِينَ انْفَضَّ النَّاسُ لِـ "تِجَارَةٍ أَوْ لَهْوٍ" وَتَرَكُوا النَّبِيَّ ﷺ قَائِمًا. الْمَنْطِقُ الْخِتَامِيُّ هُنَا هُوَ "تَصْحِيحُ مَفْهُومِ الرِّبْحِ": {قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ}. فَاللَّهُ هُوَ "خَيْرُ الرَّازِقِينَ"، وَالِانْشِغَالُ بِالرِّزْقِ عَنِ الرَّازِقِ هُوَ خَلَلٌ فِي الْمَنْطِقِ الْحِسَابِيِّ لِلْمُؤْمِنِ. بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ الْجُمُعَةِ هِيَ سُورَةُ "تَزْكِيَةِ الْوُجُودِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الْعِلْمَ أَمَانَةٌ، وَأَنَّ الْمَوْتَ حَقِيقَةٌ، وَأَنَّ الْوَقْتَ بَيْنَ "الصَّلَاةِ" وَ"الْبَيْعِ" هُوَ مَيْدَانُ الِاخْتِبَارِ، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ الرِّزْقَ الْحَقِيقِيَّ يَكْمُنُ فِي الِاتِّصَالِ بِالْمَصْدَرِ الْأَوَّلِ.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !! |
|
#71
|
|||
|
|||
|
نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ الْمُنَافِقُونَ، وَهِيَ سُورَةُ "التَّشْرِيحِ النَّفْسِيِّ" وَ"كَشْفِ الِانْفِصَامِ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ الْجُمُعَةِ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ التَّزْكِيَةِ وَالْعِلْمِ النَّافِعِ، فَإِنَّ سُورَةَ الْمُنَافِقُونَ تَنْقُلُنَا إِلَى مَنْطِقِ "رَصْدِ التَّنَاقُضِ الذَّاتِيِّ"، وَتَعْرِضُ كَيْفَ يَتَحَوَّلُ الْإِنْسَانُ إِلَى "ظَاهِرٍ خَدَّاعٍ" يَسْتَتِرُ خَلْفَهُ جَوْهَرٌ خَاوٍ.
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِفَضْحِ "مُغَالَطَةِ الشَّهَادَةِ": {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "صِدْقِ الْقَوْلِ مَعَ كَذِبِ الْقَائِلِ"؛ فَاللَّهُ يُصَدِّقُ الرِّسَالَةَ وَيُكَذِّبُ "الشَّاهِدِينَ" بِهَا، لِأَنَّ الشَّهَادَةَ عَمَلٌ قَلْبِيٌّ لَا لِسَانِيٌّ. الِاسْتِنْتَاجُ الْمَنْطِقِيُّ أَنَّ "الْإِيمَانَ لَيْسَ جُمْلَةً خَبَرِيَّةً"، بَلْ هُوَ حَقِيقَةٌ وُجُودِيَّةٌ. فِي "تَحْلِيلِ الِاسْتِلَابِ الشَّكْلِيِّ"، تَصِفُ السُّورَةُ جَاذِبِيَّتَهُمُ الْخَارِجِيَّةَ: {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ ۖ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ}. الْمَنْطِقُ التَّحْلِيلِيُّ هُنَا يَقُومُ عَلَى مَفْهُومِ "الْقَوَالِبِ الْفَارِغَةِ"؛ فَهُمْ {كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ}. الْخَشَبُ قَوِيٌّ فِي مَظْهَرِهِ، لَكِنَّهُ "مَيْتٌ" لَا حَيَاةَ فِيهِ وَلَا نُمُوَّ، وَهُوَ يَسْتَنِدُ إِلَى غَيْرِهِ لَا إِلَى جَوْهَرِهِ. الِاسْتِنْتَاجُ أَنَّ الِانْبِهَارَ بِـ "الشَّكْلِ" دُونَ "الْمَضْمُونِ" هُوَ مَكْمَنُ الْخَلَلِ الْمَعْرِفِيِّ. أَمَّا فِي "مَنْطِقِ الِارْتِيَابِ"، فَتُصَوِّرُ السُّورَةُ حَالَتَهُمُ النَّفْسِيَّةَ: {يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الرُّعْبِ الدَّاخِلِيِّ"؛ فَالْمُخْرِفُ لَا يَمْلِكُ سَكِينَةَ الْحَقِّ، مِمَّا يَجْعَلُهُ فِي حَالَةِ تَوَقُّعٍ دَائِمٍ لِلْفَضِيحَةِ. وَتَنْتَقِدُ السُّورَةُ "الِاسْتِعْلَاءَ الزَّائِفَ": {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ}. هَذَا مَنْطِقُ "الْكِبْرِ الْقَاتِلِ" الَّذِي يَمْنَعُ الْإِنْسَانَ مِنَ التَّصْحِيحِ. فِي "تَحْلِيلِ الْحِصَارِ الِاقْتِصَادِيِّ"، تَفْضَحُ السُّورَةُ مَنْطِقَهُمُ النَّفْعِيَّ: {لَا تُنفِقُوا عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّوا}. هُنَا نَرَى مَنْطِقَ "سِلَاحِ التَّجْوِيعِ"؛ فَهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ "الْمَادَّةَ" هِيَ مُحَرِّكُ الْبَشَرِ الْوَحِيدُ. تَرُدُّ السُّورَةُ بِمَنْطِقِ "الْمِلْكِيَّةِ الْحَقِيقِيَّةِ": {وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ}. الْفِقْهُ هُنَا هُوَ إِدْرَاكُ أَنَّ "الرِّزْقَ" لَيْسَ فِي أَيْدِي الْخَلْقِ. تَنْتَقِلُ السُّورَةُ لِتَحْلِيلِ "مَفْهُومِ الْعِزَّةِ": {يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الْعِزَّةِ بِالْقُوَّةِ وَالْعَدَدِ". تَرُدُّ السُّورَةُ بِقَاعِدَةِ "الْعِزَّةِ بِالْمَصْدَرِ": {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ}. الِاسْتِنْتَاجُ أَنَّ الْعِزَّةَ مَنِيحَةٌ إِلَهِيَّةٌ لَا تُنَالُ بِـ "الْبَلْطَجَةِ" الِاجْتِمَاعِيَّةِ. تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِتَحْذِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْ تَشْغَلَهُمْ "الْأَمْوَالُ وَالْأَوْلَادُ" عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، دَاعِيَةً لِلْإِنْفَاقِ "قَبْلَ فَوَاتِ الْأَوَانِ". الْمَنْطِقُ الْخِتَامِيُّ هُوَ "نَفْيُ التَّأْجِيلِ": {وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا}. بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ الْمُنَافِقُونَ هِيَ سُورَةُ "صِدْقِ الْبَاطِنِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الْمَظَاهِرَ تخدع، وَأَنَّ الْعِزَّةَ لَيْسَتْ بِالْمَالِ، وَأَنَّ النِّفَاقَ هُوَ نَتِيجَةُ "عَدَمِ الْفِقْهِ" بِحَقِيقَةِ الْخَالِقِ، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ الْحَيَاةَ مَسْعًى قَصِيرٌ لَا يَحْتَمِلُ الْمُرَاوَغَةَ.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !! |
|
#72
|
|||
|
|||
|
نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ التَّغَابُنِ، وَهِيَ سُورَةُ "الْمَنْطِقِ الِاقْتِصَادِيِّ لِلْآخِرَةِ" وَ"كَشْفِ الْقِيمَةِ الْحَقِيقِيَّةِ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ الْمُنَافِقُونَ قَدْ شَرَّحَتْ "انْفِصَامَ الظَّاهِرِ عَنِ الْبَاطِنِ"، فَإِنَّ سُورَةَ التَّغَابُنِ تَنْقُلُنَا إِلَى مَنْطِقِ "الْخَسَارَةِ وَالرِّبْحِ فِي مِيزَانِ الْأَبَدِ"، وَتَعْرِضُ كَيْفَ يَنْكَشِفُ "الْغَبْنُ" (النَّقْصُ فِي الصَّفْقَةِ) حِينَ تُوضَعُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ فِي كَفَّتَيْ الْمُقَارَنَةِ.
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِإِعْلَانِ التَّسْبِيحِ وَالْمُلْكِ، ثُمَّ تَطْرَحُ "مَنْطِقَ الِاخْتِيَارِ الْبَشَرِيِّ": {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "الْحُرِّيَّةِ الْمَسْؤُولَةِ"؛ فَالْمَصْدَرُ وَاحِدٌ (الْخَلْقُ) لَكِنَّ الْمَسَارَاتِ تَتَعَدَّدُ بِإِرَادَةِ الْفَاعِلِ. الِاسْتِنْتَاجُ أَنَّ الِاخْتِلَافَ الْبَشَرِيَّ لَيْسَ عَبَثًا، بَلْ هُوَ "مُقَدِّمَةٌ" لِحِسَابٍ مَبْنِيٍّ عَلَى عِلْمٍ مُحِيطٍ: {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}. فِي "تَحْلِيلِ مَفْهُومِ التَّغَابُنِ"، تُلَخِّصُ السُّورَةُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَنَّهُ {يَوْمُ التَّغَابُنِ}. الْمَنْطِقُ التَّحْلِيلِيُّ هُنَا يَقُومُ عَلَى مَفْهُومِ "الصَّفْقَةِ الْمَغْبُونَةِ"؛ فَحِينَ يَرَى الْكَافِرُ مَا فَاتَهُ مِنَ النَّعِيمِ، وَيَرَى الْمُقَصِّرُ مَا نَقَصَهُ مِنَ الدَّرَجَاتِ، يُدْرِكُ أَنَّهُ "غَبَنَ" نَفْسَهُ (أَيْ خَسِرَ خَسَارَةً نَاتِجَةً عَنْ سُوءِ تَقْدِيرٍ). الِاسْتِنْتَاجُ أَنَّ الذَّكَاءَ الْمَنْطِقِيَّ هُوَ مَا يَمْنَعُ "الْغَبْنَ" قَبْلَ وُقُوعِهِ. أَمَّا فِي "مَنْطِقِ الِابْتِلَاءِ بِالْمَحْبُوبَاتِ"، فَتَضَعُ السُّورَةُ قَاعِدَةً حَذِرَةً: {إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ}. هُنَا نَرَى مَنْطِقَ "تَحَوُّلِ الْوَظِيفَةِ"؛ فَالْقَرِيبُ قَدْ يَتَحَوَّلُ إِلَى "عَدُوٍّ" مَنْطِقِيًّا إِذَا صَدَّكَ عَنِ الْغَايَةِ الْكُبْرَى (ذِكْرِ اللَّهِ). لَكِنَّ السُّورَةَ لَا تَدْعُو لِلْقَطِيعَةِ، بَلْ لِلـ "تَعَايُشِ الْحَذِرِ": {وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. فِي "تَحْلِيلِ الِاسْتِثْمَارِ الْمَالِيِّ"، تُقَدِّمُ السُّورَةُ صِيغَةَ "الْقَرْضِ": {إِن تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الرِّبْحِ التَّرَاكُمِيِّ"؛ حَيْثُ يَتَحَوَّلُ "الْإِنْفَاقُ" (الَّذِي يَبْدُو نَقْصًا فِي الْمَادَّةِ) إِلَى "زِيَادَةٍ" فِي الْمِيزَانِ. الِاسْتِنْتَاجُ أَنَّ الْبُخْلَ هُوَ "خَلَلٌ حِسَابِيٌّ" يَقُومُ عَلَى نَظْرَةٍ قَصِيرَةِ الْمَدَى. تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِصِفَاتِ اللَّهِ: {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}. لِتُؤَكِّدَ أَنَّ مَنْ يَعْلَمُ "الْغَيْبَ" هُوَ الْأَجْدَرُ بِأَنْ يُخْبِرَكَ عَنِ الرِّبْحِ الْحَقِيقِيِّ الَّذِي لَا تَرَاهُ عَيْنُكَ الْآنَ. بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ التَّغَابُنِ هِيَ سُورَةُ "تَصْحِيحِ الْقِيَمِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الْخَسَارَةَ لَيْسَتْ فِي نَقْصِ الدُّنْيَا، بَلْ فِي سُوءِ "التَّغَابُنِ" يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَنَّ الْحَيَاةَ مَيْدَانُ "تَغَابُنٍ" فَازَ فِيهِ مَنْ "قَرَضَ" اللَّهَ بِصِدْقٍ، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ الْفَلَاحَ مَرْهُونٌ بِـ "وِقَايَةِ شُحِّ النَّفْسِ".
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !! |
|
#73
|
|||
|
|||
|
نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ الطَّلَاقِ، وَهِيَ سُورَةُ "التَّقْوَى فِي مَضَايِقِ الْحَيَاةِ" وَ"مَنْطِقِ الْمَخْرَجِ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ التَّغَابُنِ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ الرِّبْحِ وَالْخُسْرَانِ الْأُخْرَوِيِّ، فَإِنَّ سُورَةَ الطَّلَاقِ تَنْقُلُنَا إِلَى مَنْطِقِ "إِدَارَةِ الْأَزَمَاتِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ"، وَتَعْرِضُ كَيْفَ يَكُونُ الِالْتِزَامُ بِـ "الْحُدُودِ" فِي أَصْعَبِ اللَّحَظَاتِ (الِانْفِصَالِ) هُوَ الطَّرِيقَ لِـ "تَيْسِيرِ الْأَمْرِ".
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِـ "مَنْطِقِ الْإِحْصَاءِ": {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "الدِّقَّةِ فِي الْإِجْرَاءِ"؛ فَالطَّلَاقُ لَيْسَ "تَفْرِيغَ غَضَبٍ" عَشْوَائِيًّا، بَلْ هُوَ "عَمَلِيَّةٌ مَحْسُوبَةٌ" زَمَانِيًّا وَمَكَانِيًّا. وَتُحَذِّرُ السُّورَةُ: {وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ}. الِاسْتِنْتَاجُ الْمَنْطِقِيُّ أَنَّ تَجَاوُزَ النِّظَامِ لَا يَضُرُّ الْآخَرَ فَحَسْبُ، بَلْ يَرْتَدُّ بـ "الظُّلْمِ" عَلَى الذَّاتِ. فِي "تَحْلِيلِ مَنْطِقِ الْأَمَلِ"، تَطْرَحُ السُّورَةُ جُمْلَةً مِحْوَرِيَّةً: {لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَٰلِكَ أَمْرًا}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الِاحْتِمَالِ الْمَفْتُوحِ"؛ فَإِبْقَاءُ الْمُطَلَّقَةِ فِي بَيْتِهَا خِلَالَ الْعِدَّةِ هُوَ "تَهْيِئَةٌ مَنْطِقِيَّةٌ" لِإِمْكَانِيَّةِ الرُّجُوعِ وَإِصْلَاحِ مَا انْكَسَرَ. أَمَّا فِي "ثُلَاثِيَّةِ التَّقْوَى وَالنَّتَائِجِ"، فَتَقْرِنُ السُّورَةُ بَيْنَ "الْفِعْلِ الْقَلْبِيِّ" وَ"الْأَثَرِ الْوَاقِعِيِّ": الْمَخْرَجُ وَالرِّزْقُ: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ}. هَذَا مَنْطِقُ "تَجَاوُزِ الْأَسْبَابِ الْمَادِّيَّةِ". التَّيْسِيرُ: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا}. هَذَا مَنْطِقُ "تَهْوِينِ الصِّعَابِ". التَّكْفِيرُ وَالْأَجْرُ: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا}. هَذَا مَنْطِقُ "الرِّبْحِ النِّهَائِيِّ". فِي "تَحْلِيلِ الْقُدْرَةِ وَالسَّعَةِ"، تَضَعُ السُّورَةُ قَاعِدَةً اقْتِصَادِيَّةً مَرِنَةً: {لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ ۖ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ}. الْمَنْطِقُ هُنَا يَقُومُ عَلَى "الْوُسْعِ لَا التَّكْلِيفِ"؛ لَكِنَّ السُّورَةَ تَبُثُّ الطُّمَأْنِينَةَ بِقَوْلِهَا: {سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا}. هَذَا مَنْطِقُ "التَّغَيُّرِ الْحَتْمِيِّ لِلْأَحْوَالِ". تَنْتَقِلُ السُّورَةُ لِتَحْذِيرِ الْقُرَى الَّتِي "عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا"، لِتُبَيِّنَ أَنَّ مَنْطِقَ "الْهَلَاكِ لِلْمُعَانِدِ" هُوَ قَانُونٌ كَوْنِيٌّ لَا يَسْتَثْنِي أَحَدًا، سَوَاءٌ كَانَ فَرْدًا فِي نِزَاعٍ أُسَرِيٍّ أَوْ أُمَّةً فِي صِرَاعٍ حَضَارِيٍّ. تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِتَذْكِيرِ الْبَشَرِ بِعَظَمَةِ الْخَلْقِ: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ... لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}. الِاسْتِنْتَاجُ الْمَنْطِقِيُّ أَنَّ مَنْ أَحَاطَ بِالسَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، لَنْ يَعْجِزَ عَنْ تَدْبِيرِ شُؤُونِكَ الصَّغِيرَةِ إِذَا طَبَّقْتَ "تَقْوَاهُ". بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ الطَّلَاقِ هِيَ سُورَةُ "بِنَاءِ الْحُلُولِ بِالتَّقْوَى". تُخْبِرُنَا أَنَّ الْمَخَارِجَ لَا تَأْتِي مِنَ الذَّكَاءِ الْمُجَرَّدِ، بَلْ مِنَ الِانْضِبَاطِ الْأَخْلَاقِيِّ فِي لَحْظَةِ الْخُصُومَةِ، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ "الْيُسْرَ" هُوَ النَّتِيجَةُ الْمَنْطِقِيَّةُ لِلثِّقَةِ فِي تَدْبِيرِ مَنْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !! |
|
#74
|
|||
|
|||
|
نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ التَّحْرِيمِ، وَهِيَ سُورَةُ "الْإِصْلَاحِ الدَّاخِلِيِّ" وَ"مَنْطِقِ الْوِقَايَةِ الشَّامِلَةِ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ الطَّلَاقِ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ التَّقْوَى فِي لَحْظَةِ الْفِرَاقِ، فَإِنَّ سُورَةَ التَّحْرِيمِ تَنْقُلُنَا إِلَى مَنْطِقِ "ضَبْطِ الْبَيْتِ مِنْ دَاخِلِهِ"، وَتَعْرِضُ كَيْفَ تُبْنَى الْأُسَرُ عَلَى "الصِّدْقِ" وَ"التَّوْبَةِ"، بَعِيدًا عَنْ تَحْرِيمِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ أَوْ إِفْشَاءِ الْأَسْرَارِ.
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِعِتَابٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ؟}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "سِيَادَةِ التَّشْرِيعِ الْإِلَهِيِّ"؛ فَالْمَوَدَّةُ لِلْأَهْلِ لَا تُبَرِّرُ مَنْطِقِيًّا "تَغْيِيرَ الْأَحْكَامِ" الشَّخْصِيَّةِ. الِاسْتِنْتَاجُ الْمَنْطِقِيُّ أَنَّ "الْحَلَالَ وَالْحَرَامَ" هِيَ حُدُودٌ مَوْضُوعِيَّةٌ لَا تَخْضَعُ لِلْأَمْزِجَةِ الْبَشَرِيَّةِ، مَهْمَا كَانَتِ الدَّوَافِعُ نَبِيلَةً. فِي "تَحْلِيلِ مَنْطِقِ السِّرِّ وَالْأَمَانَةِ"، تَعْرِضُ السُّورَةُ حَادِثَةَ إِفْشَاءِ السِّرِّ: {وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا}. الْمَنْطِقُ هُنَا يَقُومُ عَلَى "الْمَسْؤُولِيَّةِ الْفَرْدِيَّةِ عَنِ الْكَلِمَةِ"؛ فَالْبَيْتُ النَّبَوِيُّ هُوَ "نَمُوذَجُ التَّفَاصِيلِ"، وَأَيُّ خَلَلٍ فِيهِ يُعَالَجُ بِمَنْطِقِ "الْعَرْفِ وَالْإِعْرَاضِ": {عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ}. هَذَا مَنْطِقُ "الرَّصَانَةِ فِي الْعِتَابِ" لِلْحِفَاظِ عَلَى كِيَانِ الْأُسْرَةِ. أَمَّا فِي "مَنْطِقِ الْوِقَايَةِ"، فَتَضَعُ السُّورَةُ أَمْرًا اسْتِرَاتِيجِيًّا: {قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الْمَسْؤُولِيَّةِ التَّضَامُنِيَّةِ"؛ فَالنَّجَاةُ لَيْسَتْ فَرْدِيَّةً مَحْضَةً، بَلْ هِيَ مَنْظُومَةٌ تَبْدَأُ مِنَ "النَّفْسِ" ثُمَّ تَمْتَدُّ لِلـ "أَهْلِ". وَتَصِفُ مَلَائِكَةَ النَّارِ بِأَنَّهُمْ: {لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}. هَذَا مَنْطِقُ "الِانْضِبَاطِ الْمُطْلَقِ" الَّذِي يُقَابِلُهُ فِي الدُّنْيَا "تَوْبَةٌ نَصُوحٌ". فِي "تَحْلِيلِ الِاسْتِقْلَالِيَّةِ الْإِيمَانِيَّةِ"، تَطْرَحُ السُّورَةُ نَمَاذِجَ لِلْمَرْأَةِ: امْرَأَةُ نُوحٍ وَامْرَأَةُ لُوطٍ: مَنْطِقُ "سُقُوطِ النَّسَبِ أَمَامَ الْعَمَلِ"؛ فَالصِّلَةُ بِالْأَنْبِيَاءِ لَمْ تُغْنِ عَنْهُمَا شَيْئًا حِينَ خَانَتَا (خِيَانَةَ الْمَنْهَجِ). امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ: مَنْطِقُ "التَّحَرُّرِ مِنَ الْبِيئَةِ الظَّالِمَةِ"؛ حَيْثُ اخْتَارَتْ (الْبَيْتَ عِنْدَ اللَّهِ) بَدَلًا مِنْ قَصْرِ الطَّاغِيَةِ. مَرْيَمُ ابْنَتُ عِمْرَانَ: مَنْطِقُ "تَصْدِيقِ الْكَلِمَاتِ" وَالْإِحْصَانِ، لِتَكُونَ آيَةً لِلْعَالَمِينَ. الِاسْتِنْتَاجُ الْمَنْطِقِيُّ أَنَّ كُلَّ فَرْدٍ هُوَ "مَشْرُوعٌ مُسْتَقِلٌّ" أَمَامَ اللَّهِ، لَا يَتَحَمَّلُ وِزْرَ بِيئَتِهِ وَلَا يَعِيشُ عَلَى أَمْجَادِ غَيْرِهِ. تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِرَسْمِ مَعَالِمِ "التَّصْدِيقِ بِكَلِمَاتِ الرَّبِّ"، لِتُكْمِلَ مَسِيرَةَ جُزْءِ "قَدْ سَمِعَ" الَّذِي بَدَأَ بِمُجَادَلَةِ امْرَأَةٍ وَانْتَهَى بِتَكْرِيمِ امْرَأَةٍ (مَرْيَمَ). بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ التَّحْرِيمِ هِيَ سُورَةُ "صِيَانَةِ الْجَوْهَرِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الْبُيُوتَ تُبْنَى عَلَى الصِّدْقِ وَالتَّوْبَةِ، وَأَنَّ "الْوِقَايَةَ" فِعْلٌ اسْتِبَاقِيٌّ، وَأَنَّ الْمَصِيرَ يَصْنَعُهُ الِاخْتِيَارُ الشَّخْصِيُّ لَا الِارْتِبَاطُ النَّسَبِيُّ، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ الْجَنَّةَ بَيْتٌ يُبْنَى بِـ "التَّصْدِيقِ وَالْقُنُوتِ".
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !! |
|
#75
|
|||
|
|||
|
نَبْدَأُ الْآنَ رِحْلَةً جَدِيدَةً فِي جُزْءِ تَبَارَكَ، وَمُسْتَهَلُّهَا سُورَةُ الْمُلْكِ، وَهِيَ سُورَةُ "الْهَيْمَنَةِ الْوُجُودِيَّةِ" وَ"اخْتِبَارِ الْكَمَالِ". إِذَا كَانَ جُزْءُ "قَدْ سَمِعَ" قَدْ رَكَّزَ عَلَى تَرْمِيمِ الْمُجْتَمَعِ وَالْبَيْتِ، فَإِنَّ سُورَةَ الْمُلْكِ تَنْقُلُنَا إِلَى مَنْطِقِ "الْمُلْكِيَّةِ الْمُطْلَقَةِ لِلْكَوْنِ"، وَتَعْرِضُ كَيْفَ يَتَحَوَّلُ الْمَوْتُ وَالْحَيَاةُ إِلَى "أَدَوَاتٍ رِيَاضِيَّةٍ" لِقِيَاسِ جَوْدَةِ الْعَمَلِ.
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِإِثْبَاتِ "الْبَرَكَةِ" وَ"الْقُدْرَةِ": {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "وِحْدَةِ الْقَرَارِ"؛ فَالْمُلْكُ لَا يَتَجَزَّأُ، وَالْقُدْرَةُ لَا تَعْجِزُ. ثُمَّ تَطْرَحُ السُّورَةُ الْغَايَةَ الْوُجُودِيَّةَ: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الِاخْتِبَارِ التَّنَافُسِيِّ"؛ حَيْثُ لَا تُقَاسُ الْأَعْمَالُ بِـ "الْكَثْرَةِ"، بَلْ بِـ "الْإِحْسَانِ" (الْجَوْدَةِ). الِاسْتِنْتَاجُ الْمَنْطِقِيُّ أَنَّ الْوُجُودَ لَيْسَ غَايَةً فِي ذَاتِهِ، بَلْ هُوَ "مُخْتَبَرٌ" لِتَمْيِيزِ الْأَفْضَلِ. فِي "تَحْلِيلِ الْإِتْقَانِ الْكَوْنِيِّ"، تَدْعُو السُّورَةُ إِلَى التَّأَمُّلِ فِي السَّمَاوَاتِ: {مَا تَرَىٰ فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ ۖ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ؟}. الْمَنْطِقُ هُنَا يَقُومُ عَلَى "بُرْهَانِ عَدَمِ الْخَلَلِ"؛ فَالتَّكْرَارُ فِي النَّظَرِ (كَرَّتَيْنِ) يُؤَدِّي مَنْطِقِيًّا إِلَى انْكِسَارِ الْبَصَرِ (خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ) أَمَامَ كَمَالِ النِّظَامِ. الِاسْتِنْتَاجُ أَنَّ "النَّقْصَ" مَنْفِيٌّ عَنْ فِعْلِ الْخَالِقِ، مِمَّا يَسْتَوْجِبُ مَنْطِقِيًّا الثِّقَةَ فِي تَشْرِيعِهِ. أَمَّا فِي "مَنْطِقِ الِاعْتِرَافِ الْمُتَأَخِّرِ"، فَتُصَوِّرُ السُّورَةُ حَالَ أَهْلِ النَّارِ: {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "تَعْطِيلِ الْأَدَوَاتِ الْمَعْرِفِيَّةِ"؛ فَالضَّلَالُ لَيْسَ نَقْصًا فِي الْمَعْلُومَاتِ، بَلْ هُوَ "عَطَلٌ" فِي آلِيَّةِ (السَّمْعِ وَالْعَقْلِ). الِاسْتِنْتَاجُ أَنَّ "الْعَقْلَ" هُوَ الصِّمَامُ الَّذِي يَقِي مِنَ السَّعِيرِ. فِي "تَحْلِيلِ الِارْتِبَاطِ بِالْأَرْضِ"، تَطْرَحُ السُّورَةُ مَفْهُومَ "الذَّلُولِ": {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا}. الْمَنْطِقُ هُنَا يَقُومُ عَلَى "تَهْيِئَةِ الْبِيئَةِ لِلْفِعْلِ"؛ فَالْأَرْضُ مُسَخَّرَةٌ لَا مُسَيْطِرَةٌ، وَعَلَى الْإِنْسَانِ "السَّعْيُ" مَعَ الْيَقِينِ أَنَّ "الرِّزْقَ" مُقَدَّرٌ، وَأَنَّ "النُّشُورَ" إِلَيْهِ وَحْدَهُ. تَنْتَقِلُ السُّورَةُ لِتَحَدِّي الْأَمْنِ الْكَاذِبِ: {أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ؟}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "تَفْكِيكِ الِاسْتِقْرَارِ الْوَهْمِيِّ"؛ فَالظَّوَاهِرُ الطَّبِيعِيَّةُ لَيْسَتْ حَتْمِيَّةً مَادِّيَّةً، بَلْ هِيَ بِإِرَادَةِ الْمُمْسِكِ لَهَا، كَالطَّيْرِ فِي الْجَوِّ: {مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ}. تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِسُؤَالٍ تَحْلِيلِيٍّ مِحْوَرِيٍّ لِلْبَقَاءِ: {أَفَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكُم بِمَاءٍ مَّعِينٍ؟}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الِاضْطِرَارِ لِلْمَصْدَرِ"؛ حَيْثُ يَقِفُ الْبَشَرُ عَاجِزِينَ أَمَامَ أَبْسَطِ مُقَوِّمَاتِ الْحَيَاةِ إِذَا سُحِبَتْ مِنْهُمْ، مِمَّا يُلْزِمُهُمْ مَنْطِقِيًّا بِالْخُضُوعِ لِلْمُقْتَدِرِ. بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ الْمُلْكِ هِيَ سُورَةُ "بَصِيرَةِ الْمُلْكِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الْكَوْنَ مَحْكُومٌ، وَأَنَّ الْحَيَاةَ اخْتِبَارٌ لِلْأَحْسَنِ، وَأَنَّ الْأَمْنَ الْحَقِيقِيَّ لَيْسَ فِي "الْمَادَّةِ"، بَلْ فِي "الِاتِّصَالِ بِالرَّحْمَنِ"، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ الْعَقْلَ هُوَ أَعْظَمُ نِعْمَةٍ تَقُودُ لِلنَّجَاةِ.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !! |
|
#76
|
|||
|
|||
|
نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ الْقَلَمِ، وَهِيَ سُورَةُ "الدِّفَاعِ عَنِ الْعَقْلِ" وَ"مَنْطِقِ الْقِيَمِ الْمُقَابِلِ لِلْمَادَّةِ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ الْمُلْكِ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ الْهَيْمَنَةِ الْكَوْنِيَّةِ، فَإِنَّ سُورَةَ الْقَلَمِ تَنْقُلُنَا إِلَى مَنْطِقِ "الْمَعْرِفَةِ وَالْأَخْلَاقِ"، وَتَعْرِضُ كَيْفَ يُبْطِلُ "الْقَلَمُ" اتِّهَامَاتِ الْجُنُونِ، وَكَيْفَ تَنْهَارُ "الْجَنَّاتُ الدُّنْيَوِيَّةُ" حِينَ تَخْلُو مِنَ الْقِيَمِ.
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِقَسَمٍ بـ {ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "التَّوْثِيقِ الْمَعْرِفِيِّ"؛ فَالْقَلَمُ هُوَ أَدَاةُ الْعَقْلِ وَبُرْهَانُ الصَّوَابِ. وَتَرُدُّ السُّورَةُ عَلَى اتِّهَامِ "الْجُنُونِ" بِمَنْطِقِ "الْأَخْلَاقِ الْعَظِيمَةِ": {وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ}. الِاسْتِنْتَاجُ الْمَنْطِقِيُّ أَنَّ "الْجُنُونَ" (تَفَكُّكَ الْعَقْلِ) لَا يُمْكِنُ أَنْ يُنْتِجَ "خُلُقًا" (انْضِبَاطًا سُلُوكِيًّا)، فَالْخُلُقُ هُوَ أَسْمَى تَجَلِّيَاتِ الْعَقْلِ الرَّشِيدِ. فِي "تَحْلِيلِ الشَّخْصِيَّةِ الْمُعَادِيَةِ"، تَرْسُمُ السُّورَةُ مَلَامِحَ "الْمُكَذِّبِ": (هَمَّازٍ، مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ، مَنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ، مُعْتَدٍ، أَثِيمٍ). الْمَنْطِقُ هُنَا يَقُومُ عَلَى "الِارْتِبَاطِ بَيْنَ سُوءِ الْخُلُقِ وَرَفْضِ الْحَقِّ"؛ فَالَّذِي "يُكَذِّبُ" بِالْوَحْيِ غَالِبًا مَا يَكُونُ دَافِعُهُ "انْحِرَافًا سُلُوكِيًّا" يَسْتَتِرُ خَلْفَهُ. أَمَّا فِي "قِصَّةِ أَصْحَابِ الْجَنَّةِ"، فَتُقَدِّمُ السُّورَةُ مَنْطِقَ "الْقَصْدِ وَالنَّتِيجَةِ": {إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلَا يَسْتَثْنُونَ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الِاسْتِغْنَاءِ عَنِ الْمَشِيئَةِ"؛ حَيْثُ ظَنُّوا أَنَّ حِيَازَةَ الْمَادَّةِ تَمْنَحُهُمُ الْقُدْرَةَ الْمُطْلَقَةَ عَلَى التَّصَرُّفِ. الِاسْتِنْتَاجُ أَنَّ "الْكَوْنَ" لَا يَخْضَعُ لِرَغَبَاتِ الْبَشَرِ، بَلْ لِإِرَادَةِ الْخَالِقِ الَّذِي "طَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ" وَهُمْ نَائِمُونَ، لِيُبَيِّنَ لَهُمْ هَشَاشَةَ تَقْدِيرَاتِهِمْ. فِي "الْبُرْهَانِ التَّقْرِيعِيِّ"، تَسْأَلُ السُّورَةُ سُؤَالًا مَنْطِقِيًّا حَاسِمًا: {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ؟}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "نَفْيِ الْمُسَاوَاةِ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ"؛ فَالْعَقْلُ لَا يَقْبَلُ أَنْ يَكُونَ مَصِيرُ "الْمُنْضَبِطِ" كَمَصِيرِ "الْمُتَفَلِّتِ"، وَإِلَّا لَكَانَ الْخَلْقُ عَبَثًا. تَنْتَقِلُ السُّورَةُ لِتَصْوِيرِ مَشْهَدِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ}. هَذَا مَنْطِقُ "تَعَذُّرِ الْفِعْلِ بَعْدَ فَوَاتِ الْأَوَانِ"؛ فَمَنْ رَفَضَ السُّجُودَ "طَوْعًا" وَهُوَ سَالِمٌ، حُرِمَ مِنْهُ "قَهْرًا" وَهُوَ خَاشِعٌ. تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِدَعْوَةِ النَّبِيِّ لِلصَّبْرِ، ضَارِبَةً الْمَثَلَ بـ "صَاحِبِ الْحُوتِ" (يُونُسَ)، لِتُؤَكِّدَ مَنْطِقَ "تَدَارُكِ النِّعْمَةِ" حِينَ يَصْدُقُ الْعَبْدُ فِي دُعَائِهِ بَعْدَ الضِّيقِ. بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ الْقَلَمِ هِيَ سُورَةُ "بُرْهَانِ الْخُلُقِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الْقَلَمَ يَسْطُرُ الْحَقَائِقَ، وَأَنَّ الْعَقْلَ لَا يَنْفَصِلُ عَنِ الْأَخْلَاقِ، وَأَنَّ الِاغْتِرَارَ بِالْمَادَّةِ هُوَ بِدَايَةُ الْهَلَاكِ، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ الْقُرْآنَ لَيْسَ جُنُونًا، بَلْ هُوَ {ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ}.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !! |
|
#77
|
|||
|
|||
|
نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ الْحَاقَّةِ، وَهِيَ سُورَةُ "الْحَقِيقَةِ الْقَاطِعَةِ" وَ"الِاسْتِحْقَاقِ الْمَحْضِ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ الْقَلَمِ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ الدِّفَاعِ عَنِ الْعَقْلِ وَالْخُلُقِ، فَإِنَّ سُورَةَ الْحَاقَّةِ تَنْقُلُنَا إِلَى مَنْطِقِ "وُقُوعِ مَا لَا مَفَرَّ مِنْهُ"، وَتَعْرِضُ كَيْفَ تَتَحَوَّلُ الْحَقَائِقُ الْغَيْبِيَّةُ إِلَى "وَاقِعٍ مَلْمُوسٍ" لَا يَقْبَلُ التَّأْوِيلَ.
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِاسْمِهَا: {الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "تَعْظِيمِ الْأَمْرِ بِالتَّجْهِيلِ"؛ فَالْعَقْلُ الْبَشَرِيُّ يَقْصُرُ عَنْ إِدْرَاكِ كُنْهِ هَذِهِ اللَّحْظَةِ الَّتِي "تَحِقُّ" فِيهَا الْأُمُورُ وَتَسْتَقِرُّ فِيهَا الْحُقُوقُ. الِاسْتِنْتَاجُ الْمَنْطِقِيُّ أَنَّ كُلَّ مَا سَبَقَهَا مِنَ الدُّنْيَا كَانَ "مَرْحَلَةً عَابِرَةً" لَا تَحْتَمِلُ الْيَقِينَ الْمُطْلَقَ. فِي "تَحْلِيلِ مَصَايِرِ الْمُكَذِّبِينَ"، تَعْرِضُ السُّورَةُ مَنْطِقَ "الِاسْتِئْصَالِ الْعَادِلِ" لِعَادٍ وَثَمُودَ وَفِرْعَوْنَ. الْمَنْطِقُ التَّحْلِيلِيُّ هُنَا يَقُومُ عَلَى "بُرْهَانِ الْأَثَرِ"؛ فَالَّذِينَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ "قُوَّةٌ لَا تُقْهَرُ" أَصْبَحُوا {كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ}. الِاسْتِنْتَاجُ أَنَّ "الْعُلُوَّ فِي الْأَرْضِ" بِالْبَاطِلِ لَا يُؤَدِّي مَنْطِقِيًّا إِلَّا إِلَى "السُّقُوطِ الْمُدَوِّي". أَمَّا فِي "مَنْطِقِ تَقْرِيرِ الْمَصِيرِ"، فَتُصَنِّفُ السُّورَةُ أَصْحَابَ الْكُتُبِ: مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ: مَنْطِقُ "الْفَرَحِ بِالْبُرْهَانِ"؛ {هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ مَنْ كَانَ "يَظُنُّ" (يَتَيَقَّنُ) أَنَّهُ مِلَاقٍ حِسَابَهُ، فَعَمِلَ بِمُوجِبِ هَذَا الْيَقِينِ. مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ: مَنْطِقُ "النَّدَمِ الْقَاتِلِ"؛ {يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ}. هُنَا نَرَى مَنْطِقَ "تَبَدُّدِ الْمَنْفَعَةِ"؛ فَسُلْطَانُهُ هَلَكَ، وَمَالُهُ لَمْ يُغْنِ عَنْهُ. الِاسْتِنْتَاجُ أَنَّ مَا كَانَ يُظَنُّ أَنَّهُ "رَأْسُ مَالٍ" فِي الدُّنْيَا، تَبَيَّنَ مَنْطِقِيًّا أَنَّهُ كَانَ "عِبْئًا". فِي "تَحْلِيلِ صِدْقِ الْوَحْيِ"، تَضَعُ السُّورَةُ قَاعِدَةً حَاسِمَةً لِنَفْيِ "التَّقَوُّلِ": {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ}. هَذَا مَنْطِقُ "الصَّرَامَةِ فِي نَقْلِ الْحَقِيقَةِ"؛ فَالرِّسَالَةُ لَيْسَتْ أَهْوَاءً بَشَرِيَّةً، بَلْ هِيَ مَحْفُوظَةٌ بِقُوَّةِ الْخَالِقِ. الِاسْتِنْتَاجُ أَنَّ الْقُرْآنَ {تَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ} وَلَيْسَ شِعْرًا أَوْ كَهَانَةً. تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِإِعْلَانِ الْيَقِينِ التَّامِّ: {وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ}. هُنَا تَلْتَقِي كُلُّ الْمُقَدِّمَاتِ مَعَ النَّتَائِجِ. بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ الْحَاقَّةِ هِيَ سُورَةُ "صَدْمَةِ الْيَقِينِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الْبَاطِلَ "زَهُوقٌ" مَهْمَا اسْتَطَالَ، وَأَنَّ الْحِسَابَ "حَقٌّ" لَا يَقْبَلُ الْمِرَاءَ، وَأَنَّ الذَّكِيَّ مَنْ أَعَدَّ لِـ "كِتَابِهِ" قَبْلَ أَنْ يَرَاهُ، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ التَّسْبِيحَ هُوَ الرَّدُّ الْوَحِيدُ اللائِقُ بِعَظَمَةِ هَذَا النِّظَامِ.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !! |
|
#78
|
|||
|
|||
|
نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ الْمَعَارِجِ، وَهِيَ سُورَةُ "الْمَدَى الزَّمَانِيِّ" وَ"تَشْرِيحِ النَّفْسِ الْبَشَرِيَّةِ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ الْحَاقَّةِ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ وُقُوعِ الْقِيَامَةِ حَقِيقَةً، فَإِنَّ سُورَةَ الْمَعَارِجِ تَنْقُلُنَا إِلَى مَنْطِقِ "النَّسَبِيَّةِ بَيْنَ الْإِنْسَانِ وَالْخَالِقِ"، وَتَعْرِضُ كَيْفَ يَسْتَعْجِلُ الْبَشَرُ مَا يَرَاهُ اللَّهُ قَرِيبًا، وَكَيْفَ يَعْرُجُ الْمُؤْمِنُ بِخُلُقِهِ فَوْقَ طَبِيعَتِهِ "الْهَلُوعَةِ".
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بـ "مَنْطِقِ السُّؤَالِ التَّعَجُّزِيِّ": {سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "الِاسْتِهْزَاءِ بِالْغَيْبِ"؛ فَالْإِنْسَانُ يَسْتَعْجِلُ الْعَذَابَ لِظَنِّهِ أَنَّ تَأَخُّرَهُ يَعْنِي انْعِدَامَهُ. تَرُدُّ السُّورَةُ بِمَنْطِقِ "اخْتِلَافِ الْمَقَايِيسِ": {تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ}. الِاسْتِنْتَاجُ الْمَنْطِقِيُّ أَنَّ "الزَّمَنَ" نِسْبِيٌّ، وَأَنَّ مَا يَرَاهُ الْإِنْسَانُ "بَعِيدًا" هُوَ عِنْدَ خَالِقِ الزَّمَانِ "قَرِيبٌ". فِي "تَحْلِيلِ السُّيُولَةِ الْكَوْنِيَّةِ"، تَصِفُ السُّورَةُ يَوْمَ الْفَصْلِ بـ {يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ}. الْمَنْطِقُ هُنَا يَقُومُ عَلَى "تَبَدُّلِ الصَّلَابَةِ إِلَى هَشَاشَةٍ"؛ فَالْكَوْنُ الْمَادِّيُّ الَّذِي يَتَّكِئُ عَلَيْهِ الْمُلْحِدُ سَيَفْقِدُ تَماُسُكُهُ. وَتَطْرَحُ السُّورَةُ مَنْطِقَ "الِانْفِصَالِ الِاجْتِمَاعِيِّ لِلهَوْلِ": {وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا}؛ حَيْثُ تَتَلَاشَى الرَّوَابِطُ أَمَامَ مَنْطِقِ النَّجَاةِ الْفَرْدِيَّةِ. أَمَّا فِي "التَّشْرِيحِ النَّفْسِيِّ لِلْإِنْسَانِ"، فَتَضَعُ السُّورَةُ قَاعِدَةً ذِهْنِيَّةً: {إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الِاضْطِرَابِ الْفِطْرِيِّ"؛ حَيْثُ يَتَأَرْجَحُ الْبَشَرُ بَيْنَ الْيَأْسِ عِنْدَ الْفَقْدِ وَالْبُخْلِ عِنْدَ الْوَجْدِ. الِاسْتِنْتَاجُ أَنَّ هَذِهِ "الْهَشَاشَةَ" لَا يُعَالِجُهَا إِلَّا "الِاسْتِثْنَاءُ الْقِيَمِيُّ": {إِلَّا الْمُصَلِّينَ}. فِي "تَحْلِيلِ صِفَاتِ الْمَعَارِجِ" (أَيْ مَنْ يَعْرُجُونَ بِأَنْفُسِهِمْ)، تَعْرِضُ السُّورَةُ مَنْظُومَةً مِنَ التَّصَرُّفَاتِ: الدَّوَامُ عَلَى الصَّلَاةِ: (الِاتِّصَالِ). حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ: (كَسْرِ الشُّحِّ). تَصْدِيقٌ بِيَوْمِ الدِّينِ: (الرُّؤْيَةِ الْمُسْتَقْبَلِيَّةِ). حِفْظُ الْفُرُوجِ وَالْأَمَانَاتِ وَالْعُهُودِ: (الِانْضِبَاطِ الِاجْتِمَاعِيِّ). الْمَنْطِقُ هُنَا يَقُومُ عَلَى "الْبِنَاءِ السُّلوكيِّ كَطَرِيقٍ لِلْعُرُوجِ"؛ فَالْمُصَلِّي هُوَ الْوَحِيدُ الَّذِي يَتَحَرَّرُ مَنْطِقِيًّا مِنْ سِجْنِ "الْهَلَعِ". تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِتَوْبِيخِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَهُمْ "مُهْطِعِينَ" (مُسْرِعِينَ) حَوْلَ النَّبِيِّ لِلِاسْتِهْزَاءِ، مُؤَكِّدَةً مَنْطِقَ "الِاسْتِبْدَالِ": {إِنَّا لَقَادِرُونَ * عَلَىٰ أَن نُّبَدِّلَ خَيْرًا مِّنْهُمْ}. بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ الْمَعَارِجِ هِيَ سُورَةُ "السَّكِينَةِ ضِدَّ الْهَلَعِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ طَبِيعَةَ الْإِنْسَانِ مَضْطَرِبَةٌ، وَأَنَّ "الْعِبَادَةَ" لَيْسَتْ مُجَرَّدَ طُقُوسٍ، بَلْ هِيَ "رَافِعَةٌ" تَنْتَشِلُ الْإِنْسَانَ مِنْ جَزَعِهِ وَبُخْلِهِ لِتَجْعَلَهُ كَائِنًا "مُعَارِجِيًّا" يَرْتَقِي نَحْوَ الْكَمَالِ.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !! |
|
#79
|
|||
|
|||
|
نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ نُوحٍ، وَهِيَ سُورَةُ "الْمُحَاجَجَةِ الطَّوِيلَةِ" وَ"مَنْطِقِ الِاسْتِنْفَادِ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ الْمَعَارِجِ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ ارْتِقَاءِ النَّفْسِ فَوْقَ هَلَعِهَا، فَإِنَّ سُورَةَ نُوحٍ تَنْقُلُنَا إِلَى مَنْطِقِ "إِقَامَةِ الْحُجَّةِ الْعَقْلِيَّةِ وَالْكَوْنِيَّةِ"، وَتَعْرِضُ كَيْفَ يُحَاصِرُ الْوُجُودُ الْإِنْسَانَ بِبَرَاهِينِهِ، وَكَيْفَ يَكُونُ "الِاسْتِكْبَارُ" عَائِقًا مَنْطِقِيًّا أَمَامَ النَّجَاةِ.
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِـ "مَنْطِقِ الْإِنْذَارِ الِاسْتِبَاقِيِّ": {أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "الرَّحْمَةِ الْوِقَائِيَّةِ"؛ فَالْعَذَابُ لَيْسَ غَايَةً، بَلْ هُوَ نَتِيجَةٌ مَنْطِقِيَّةٌ لِلْإِصْرَارِ عَلَى الْخَطَأِ، وَالرِّسَالَةُ هِيَ "تَنْبِيهٌ" لِتَغْيِيرِ الْمَسَارِ. فِي "تَحْلِيلِ مَنْطِقِ الدَّعْوَةِ الشَّامِلَةِ"، تَعْرِضُ السُّورَةُ جُهْدَ أَلْفِ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ: {قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا}. الْمَنْطِقُ هُنَا يَقُومُ عَلَى "اسْتِيعَابِ كُلِّ الظُّرُوفِ" (لَيْلًا وَنَهَارًا، سِرًّا وَجِهَارًا). الِاسْتِنْتَاجُ أَنَّ نُوحًا ﷺ اسْتَنْفَدَ كُلَّ "الْمُتَغَيِّرَاتِ الزَّمَانِيَّةِ وَالْمَكَانِيَّةِ"، مِمَّا يَجْعَلُ "رَفْضَ الْقَوْمِ" غَيْرَ مَبْنِيٍّ عَلَى نَقْصِ الْبَيَانِ، بَلْ عَلَى مَنْطِقِ "الْهَرُوبِ مِنَ الْمَعْرِفَةِ": {جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ}. أَمَّا فِي "مَنْطِقِ الِارْتِبَاطِ بَيْنَ الْأَخْلَاقِ وَالْمَادَّةِ"، فَتَطْرَحُ السُّورَةُ مُعَادَلَةً بَاهِرَةً: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا...}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "التَّصَالُحِ مَعَ الْخَالِقِ كَمِفْتَاحٍ لِلْوَفْرَةِ"؛ حَيْثُ يُصْبِحُ "الِاسْتِغْفَارُ" (تَصْحِيحُ الْمَسَارِ) سَبَبًا مَنْطِقِيًّا لِتَدَفُّقِ الرِّزْقِ وَالْبَنِينَ وَالْجَنَّاتِ. فِي "تَحْلِيلِ الْبُرْهَانِ الْكَوْنِيِّ"، يَسْأَلُ نُوحٌ قَوْمَهُ سُؤَالًا مَنْطِقِيًّا: {مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا}. الْمَنْطِقُ هُنَا يَقُومُ عَلَى "الِاسْتِدْلَالِ بِالنَّشْأَةِ الذَّاتِيَّةِ"؛ فَالَّذِي نَقَلَكَ مِنْ طَوْرٍ إِلَى طَوْرٍ (نُطْفَةً، عَلَقَةً...) يَسْتَحِقُّ مَنْطِقِيًّا "الْوَقَارَ" (التَّعْظِيمَ). ثُمَّ يَنْتَقِلُ إِلَى {السَّمَاوَاتِ طِبَاقًا} وَ {الْقَمَرِ نُورًا}، لِيُبَيِّنَ أَنَّ "النِّظَامَ الْكَبِيرَ" يَنْطِقُ بِصِدْقِ "النِّظَامِ الصَّغِيرِ" (الْإِنْسَانِ). تَصِلُ السُّورَةُ إِلَى "نِهَايَةِ الِاحْتِمَالَاتِ": حِينَ يَتَحَوَّلُ الْمَالُ وَالْوَلَدُ إِلَى عِبْءٍ: {وَاتَّبَعُوا مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا}. هَذَا مَنْطِقُ "الِاسْتِثْمَارِ الْخَاسِرِ" فِي الْبَاطِلِ. وَتَخْتَتِمُ بِدُعَاءِ نُوحٍ الَّذِي يُفَرِّقُ بَيْنَ "الْبَيْتِ الْمُؤْمِنِ" وَ "الدِّيَارِ الظَّالِمَةِ"، مُعْلِنًا أَنَّ "الْهَلَاكَ" هُوَ النَّتِيجَةُ الْحَتْمِيَّةُ لِمَنْ سَدَّ كُلَّ مَنَافِذِ الْعَقْلِ. بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ نُوحٍ هِيَ سُورَةُ "بُرْهَانِ التَّسْخِيرِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الْحَيَاةَ مَيْدَانُ دَعْوَةٍ دَائِمَةٍ، وَأَنَّ الْكَونَ مُسَخَّرٌ لِمَنْ يَعْقِلُ، وَأَنَّ "الِاسْتِغْفَارَ" هُوَ ذَكَاءٌ مَادِّيٌّ وَرُوحِيٌّ، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ الصَّبْرَ لَهُ حُدُودٌ حِينَ تَنْغَلِقُ الْقُلُوبُ تَمَامًا.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !! |
|
#80
|
|||
|
|||
|
نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ الْجِنِّ، وَهِيَ سُورَةُ "الْإِنْصَافِ الْمَعْرِفِيِّ" وَ"تَحَطُّمِ الْأَوْهَامِ الْكَوْنِيَّةِ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ نُوحٍ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ عِنَادِ "الْإِنْسِ" رَغْمَ طُولِ الْأَمَدِ، فَإِنَّ سُورَةَ الْجِنِّ تَنْقُلُنَا إِلَى مَنْطِقِ "سُرْعَةِ اسْتِجَابَةِ الْوَعْيِ الْآخَرِ"، وَتَعْرِضُ كَيْفَ صَدَمَتِ "الْحَقِيقَةُ الْقُرْآنِيَّةُ" عَالَمًا كَانَ يَظُنُّ أَنَّهُ يَمْلِكُ مَفَاتِيحَ السَّمَاءِ، فَإِذَا بِهِ يَجِدُ نَفْسَهُ أَمَامَ نِظَامٍ صَارِمٍ لَا مَجَالَ فِيهِ لِلْمُرَاوَغَةِ.
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِـ "تَقْرِيرِ الِانْبِهَارِ": {فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "الِاسْتِدْلَالِ بِالنَّتِيجَةِ"؛ فَهُمْ لَمْ يُؤْمِنُوا لِمُجَرَّدِ السَّمَاعِ، بَلْ لِأَنَّهُمْ رَأَوْا "الْقِبْلَةَ الْمَعْرِفِيَّةَ" (الرُّشْدَ). الِاسْتِنْتَاجُ الْمَنْطِقِيُّ أَنَّ "الرُّشْدَ" هُوَ مِعْيَارُ الْحَقِيقَةِ، وَأَنَّ "الْعَجَبَ" الْقُرْآنِيَّ يَكْمُنُ فِي دِقَّةِ هِدَايَتِهِ. فِي "تَحْلِيلِ تَصْحِيحِ التَّصَوُّرَاتِ"، يَعْتَرِفُ الْجِنُّ بِسُوءِ تَقْدِيرِهِمُ السَّابِقِ: {وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا}. الْمَنْطِقُ هُنَا يَقُومُ عَلَى "تَفْكِيكِ مَرْجَعِيَّةِ الضَّلَالِ"؛ فَالشَّطَطُ (الْمُجَاوَزَةُ) هُوَ نَتِيجَةُ اتِّبَاعِ "السَّفِيهِ" (غَيْرِ الْعَاقِلِ). ثُمَّ يَعْرِضُونَ مُغَالَطَةً أُخْرَى: {وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا}. هَذَا مَنْطِقُ "الْقِيَاسِ الْبَاطِلِ" الَّذِي وَقَعَ فِيهِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ مَعًا. أَمَّا فِي "تَحْلِيلِ التَّغَيُّرِ الِاسْتِرَاتِيجِيِّ لِلْكَونِ"، فَتَصِفُ السُّورَةُ "حَالَةَ الرَّصَدِ": {وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا}. الْمَنْطِقُ هُنَا يَقُومُ عَلَى "إِغْلَاقِ مَنَافِذِ التَّسَرُّبِ الْمَعْلُومَاتِيِّ"؛ لِيَكُونَ الْوَحْيُ صَافِيًا لَا يُدَاخِلُهُ كَهَانَةٌ وَلَا ظَنٌّ. الِاسْتِنْتَاجُ أَنَّ "الْغَيْبَ" مَحْمِيٌّ بِقُوَّةٍ فِيزْيَائِيَّةٍ (شُهُبٍ) لِصِيَانَةِ الْحَقِيقَةِ الْمَعْنَوِيَّةِ. فِي "تَحْلِيلِ النَّتِيجَةِ الِاقْتِصَادِيَّةِ لِلِاسْتِقَامَةِ"، تَرِدُ مُعَادَلَةٌ تَرْبِطُ بَيْنَ الْمَنْهَجِ وَالْمَادَّةِ: {وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا}. هَذَا مَنْطِقُ "الْجَزَاءِ الْمَادِّيِّ لِلِانْضِبَاطِ الرُّوحِيِّ"؛ حَيْثُ يُصْبِحُ "الْمَاءُ" (عَصَبُ الْحَيَاةِ) مَرْهُونًا بِـ "الِاسْتِقَامَةِ" (عَصَبِ الدِّينِ). تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِتَحْدِيدِ "مَسَاحَةِ الْقُدْرَةِ النَّبَوِيَّةِ": {قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا}. الْمَنْطِقُ هُنَا يَقُومُ عَلَى "التَّجْرِيدِ الْمُطْلَقِ لِلْأُلُوهِيَّةِ"؛ فَالرَّسُولُ ﷺ "مُبَلِّغٌ" لَا "خَالِقٌ لِلنَّفْعِ". ثُمَّ تُغْلِقُ السُّورَةُ مِلَفَّ الْغَيْبِ: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ}. هَذَا مَنْطِقُ "الِاصْطِفَاءِ الْمَعْرِفِيِّ"؛ حَيْثُ يُعْطِي اللَّهُ بَعْضَ سِرِّهِ لِمَنْ يَحْمِلُ أَمَانَةَ رِسَالَتِهِ. بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ الْجِنِّ هِيَ سُورَةُ "بُرْهَانِ الرُّشْدِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الْعَالَمَ مَسْكُونٌ بِالْوَعْيِ، وَأَنَّ الْقُرْآنَ خَاطَبَ "الْعَقْلَ" أَيًّا كَانَ مَصْدَرُهُ، وَأَنَّ "الِاسْتِقَامَةَ" هِيَ أَقْصَرُ طَرِيقٍ لِلْوَفْرَةِ، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ اللَّهَ قَدْ {أَحْصَىٰ كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا}؛ لَا يَغِيبُ عَنْهُ خَلْقٌ وَلَا فِعْلٌ.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !! |
![]() |
| أدوات الموضوع | |
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | الأقسام الرئيسية | مشاركات | المشاركة الاخيرة |
| الاسلام العظيم بقلم الدكتور كيث ميلر, كيف اسلم مبشر و عالم رياضيات مسيحي ؟ | بيان | رد شبهات الملاحدة العرب | 3 | 2011-02-09 06:11 PM |
| التشيع (عقيدة دينية ؟ ام عقدة نفسية) | طالب عفو ربي | الشيعة والروافض | 19 | 2010-10-27 09:16 AM |
| بروتوكولات حاخامات قم | عدو الروافض | الشيعة والروافض | 0 | 2010-09-15 04:15 PM |
| حقيــقــة اتــهام الشيعــه لأهل السنــه بالتحـــريف | بنت المدينة | الشيعة والروافض | 0 | 2009-12-09 02:11 PM |
| العضو سامي تفضل للنقاش , | سعودية سنية | رد شبهات الملاحدة العرب | 212 | 2009-12-01 02:40 AM |