="الأذكار           

مكتبة دار الزمان
 
العودة أنصار السنة > الفرق الإسلامية > الشيعة والروافض
 

« عدالة الصحابة. ./ | صلح الحديبية عن موقع شيعة ويب | سلامة المهاجرين والأنصار من بهتان النفاق! ../ »

إضافة رد

أدوات الموضوع
  #1  
غير مقروء 2017-02-12, 07:17 PM
أبو عبيدة أمارة أبو عبيدة أمارة غير متواجد حالياً
مشرف قسم حوار الملاحدة
 
تاريخ التسجيل: 2013-07-20
المكان: بيت المقدس
المشاركات: 6,021
أبو عبيدة أمارة أبو عبيدة أمارة أبو عبيدة أمارة أبو عبيدة أمارة أبو عبيدة أمارة أبو عبيدة أمارة أبو عبيدة أمارة أبو عبيدة أمارة أبو عبيدة أمارة أبو عبيدة أمارة أبو عبيدة أمارة
افتراضي صلح الحديبية عن موقع شيعة ويب

نقلنا عن موقع شيعة ويب التالي عن صلح الحديبية !
ونرى فيه شهادة الشيعة بعدد الصحابة في هذا الصلح .
ونرى استنادهم لأئمة أهل الحديث من أهل السنة .
ونرى أن الناس كانوا يدخلون في الاسلام بعد هذا الصلح !![
[info]وبعدما أردت الانتقال للصفحة لتلية كان الموقع قد أغلق !!!!!!!!!!!!!!؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟[/info]



http://www.shiaweb.org/books/nas_ejtehad/pa22.html




النص والاجتهاد - السيد شرف الدين ص 163 : -

[ المورد - ( 17 ) - صلح الحديبية ( 1 ) ]
آثر رسول الله صلى الله عليه وآله الصلح يوم الحديبية على الحرب وأمر به عملا بما
( 1 ) الحديبية بالتخفيف تصغير حدباء ، وتشديدها غلط ، وهى بئر أو شجرة أو قرية أو أرض على تسعة أميال من مكة أكثر أرضها في الحرم ( منه قدس ) ( * ) .


- ص 164 -
أوحى إليه ربه عز وعلا . وكانت المصلحة في الواقع ونفس الأمر توجبه ، لكنها خفيت على أصحابه فأنكره بعضهم عليه ، وعارضه فيه علانية بكل مالديه من قول ، فلم يعبأ صلى الله عليه وآله بمعارضتهم ومضى قدما في تنفيذ ما كان مأمورا به ، فكانت عاقبته من أحسن عواقب الفاتحين والحمد لله رب العالمين .
[ بيان هذه الحقيقة بشئ من التفصيل ]
خرج رسول الله صلى الله عليه وآله من المدينة يوم الاثنين مستهل ذي القعدة سنة 6 للهجرة يريد العمرة ، وكان يخشى من قريش أن يتعرضوا له بحرب ، أو يصدوه عن البيت - كما فعلوا - فاستنفر الناس إلى العمرة معه ، فلباه من المهاجرين والأنصار وغيرهم من الأعراب ألف وأربعمائة رجل ( 1 ) فيهم مئتا فارس ، وساق معه الهدي سبعين بدنة ، ولم يخرج بسلاح الا سلاح المسافر - السيوف في القرب - ( 2 ) فلما كان بذي الحليفة قلد الهدي وأحرم هو وأصحابه منها ، ليأمن الناس حربه ، وليعلموا أنه انما خرج زائرا ، ومعظما له .
ثم سار حتى إذا كان في بعض الطريق علم صلى الله عليه وآله ان خالد بن الوليد في
( 1 ) وقيل أكثر من ذلك ، وقيل أقل منه ، وأخرج معه أم المؤمنين زوجته السيدة أم سلمة رضي الله عنها ، وتخلف عنه كثير من الأعراب منافقون ذمهم الله تعالى في سورة الفتح المنزلة في هذه الواقعة بعد انتهائها ( وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا ) . وكان ممن خرج معه المغيرة بن شعبة وابن سلول وبايعاه مع من بايعه في الحديبية تحت الشجرة ( منه قدس ) .
( 2 ) فقال له عمر بن الخطاب : أتخشى يا رسول الله أبا سفيان وأصحابه ولم تأخذ للحرب عدتها ؟ فقال صلى الله عليه وآله : " لا أحمل السلاح معتمرا " ( منه قدس ) ( * ) .


- ص 165 -
الغميم - موضع قرب مكة - في خيل لقريش فيها مئتا فارس ، طليعتهم عكرمة ابن أبي جهل فأخبر النبي صلى الله عليه وآله أصحابه بذلك ، وأمرهم أن يأخذوا ذات اليمين ليسلك بهم غير طريق خالد ، فسلكوا بين ظهري الحمض ( 1 ) فما شعر بهم خالد : حتى رأى قترة جيشهم - غباره الاسود - ودنا خالد في خيله نحو رسول الله صلى الله عليه وآله وأصحابه ، فأمر صلى الله عليه وآله عباد بن بشر فتقدم في خيله إزاء خالد وخيله .
وحانت صلاة الظهر فصلاها رسول الله صلى الله عليه وآله بأصحابه ، فقال المشركون لقد أمكنكم محمد وأصحابه من أنفسهم وهم في الصلاة ، فقال خالد نعم قد كانوا في غرة لو حملنا عليهم أصبنا منهم ، وستأتي الساعة صلاة أخرى ، هي أحب إليهم من أنفسهم وأبنائهم ، فأوحى الله عزوجل إلى نبيه صلى الله عليه وآله : ( وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى أَن تَضَعُواْ أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ إِنَّ اللّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا * فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاَةَ فَاذْكُرُواْ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا * وَلاَ تَهِنُواْ فِي ابْتِغَاء الْقَوْمِ إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ وَكَانَ اللّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ( 2 ) ) .
( 1 ) الحمض بفتح الحاء المهملة والضاد المعجمة موضع يخرج على مهبط الحديبية ( منه قدس ) .
( 2 ) الآية 102 - 104 من سورة النساء ( منه قدس ) ( * ) .


- ص 166 -
فصلى رسول الله فريضة العصر بأصحابه صلاة الخوف المشروعة بهذه الايات ( ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا ) ( 1 ) .
[ شراسة قريش وحكمة النبي صلى الله عليه وآله ]
لقي رسول الله صلى الله عليه وآله في الحديبية حين أتاها أذى كثيرا من المشركين ، وغلظة وجفاء ومكاشفة له ولأصحابه في العداوة والبغضاء ، ولقي المشركون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله مثل ذلك وأشد عملا منهم رضي الله عنهم بقوله تعالى : ( وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً ) ، لكن رسول الله صلى الله عليه وآله وسع المشركين بحلمه الموحى يومئذ إليه من ربه عز وعلا بحكمته التي فطر عليها ، وبخلقه العظيم الذي فضله الله به على سائر النبيين والمرسلين عليه وآله وعليهم السلام .
صده المشركون عن مكة صدا شكسا شرسا لئيما ، فما استخفه بذلك غضب ، ولا روع حلمه رائع ، كان يأخذ الأمور - مع أولئك الجفاة - بالملاينة والإغماض ، وله في شأنهم كلمات متواضعة ، على ان فيها من الرفعة والعلاء ما يريهم إياه فوق الثري ، ويريهم أنفسهم تحت الثرى ، وفيها من النضج لهم و الإشفاق عليهم ما لم يكن فيه ريب لأحد منهم ، ومن الحكمة الإلهية ما يأخذ بمجامع قلوبهم - على قسوتها وغلظتها - باجتياحهم إليه ، ومن الوعيد والتهديد باستئصال جذرتهم وبذرتهم ما يقطع نياط قلوبهم ( 222 ) .
( 1 ) سورة الأحزاب / 25 .
( 222 ) سياسة الرسول صلى الله عليه وآله مع قريش : راجع : السيرة الحلبية ج 2 / 692 و 693 - 697 و 699 ، السيرة النبوية لابن كثير ج 3 / 315 و 316 و 317 ، الكامل في التاريخ ج 2 / 136 ط دار الكتاب العربي ، الطبقات لابن سعد ج 2 / 96 .


- ص 167 -
واليك بعض المأثور عنه من ذلك . فأمعن به لتقف على أهدافه ، قال صلى الله عليه وآله : " يا ويح قريش نهكتهم الحرب فماذا عليهم لو خلوا بيني وبين العرب ، فان هم أصابوني كان الذي أرادوه ، وان أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام وافرين ، وان أبوا قاتلوني وبهم قوة ؟ فما تظن قريش فوالله الذي لا اله إلا هو لا أزال أجاهد على الذي بعثني به ربي حتى يظهره الله أو تنفرد هذه السالفة ! " ( 223 ) - وهي صفحة العنق كناية عن قتله - .
وقال صلى الله عليه وآله يطمعهم في خلقه الكريم وفضله العميم : " والذي نفس محمد بيده لا تدعوني اليوم قريش إلى خطة يسألوني فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها " ( 224 ) .
أعلن رحمته هذه بكلماته هذه الحكيمة الرحيمة ، ثم جمع أصحابه يستشيرهم في حرب قريش إذا أصروا على صده عن البيت ، فكان جلهم - ان لم يكونوا كلهم - متأهبين للقتال ، متعبئين لجهاد قريش وغيرها ، مندفعين إلى ذلك ، و نهض المقداد أثنا اندفاعهم يتكلم بلسان الجميع ، فقال : " يا رسول الله نحن لا نقول لك ما قال بنو إسرائيل لموسى عليه السلام : اذهب أنت وربك فقاتلا انا هيهنا قاعدون ، وانما نقول : اذهب أنت وربك فقاتلا انا معكم مقاتلون ، والله
( 223 ) راجع : السيرة الحلبية ج 2 / 692 ، الكامل في التاريخ ج 2 / 136 ط دار الكتاب العربي .
( 224 ) راجع : السيرة الحلبية ج 2 / 693 ، الكامل في التاريخ ج 2 / 136 ط دار الكتاب العربي . وقريب منه في : الطبقات لابن سعد ج 2 / 96 ( * ) .


- ص 168 -
يا رسول الله لو سرت بنا إلى برد الغماد ( 1 ) لسرنا معك ما بقي منا رجل " ( 225 ) فتهلل وجه رسول الله صلى الله عليه وآله . ثم اخذ منهم البيعة فبايعوه بأجمعهم على الموت في نصرته ، وكانوا ألفا وأربعمائة رجل ، فيهم كهف المنافقين ابن سلول ( 2 ) لم يتخلف منهم عن هذه البيعة إلا
( 1 ) حصن في اليمن من أمنع حصون العرب كان مسيرهم إليه مسيرا إلى الموت لا محالة لشدة حصانته في نفسه وفى بأس حاميته - وكانت يومئذ على الشرك - مضافا إلى وعورة طرقه ، وحزونة ما حوله من الجبال ( منه قدس ) .
( 225 ) موقف مقداد المشرف : قال : " يا رسول الله امض لما أمرك الله فنحن معك والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى ( فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ) ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا انا معكما مقاتلون ، فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد - يعنى مدينة الحبشة - لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه فقال له رسول الله صلى الله عليه ( وآله ) وسلم خيرا ودعا له بخير " . راجع : تاريخ الطبري ج 2 / 273 ط دار القلم ، الكامل في التاريخ ج 2 / 83 ط دار الكتاب العربي ، السيرة الحلبية ج 2 / 692 ط مصطفى الحلبي .
( 2 ) ذكر أهل السير والأخبار ممن أرخ غزوة الحديبية - واللفظ للحلبي في سيرته - : ان قريشا بعثت إلى ابن سلول - وهو مع رسول الله في الحديبية - ان أحببت أن تدخل - مكة - تطوف بالبيت فافعل . فقال له ابنه عبد الله رضى الله عنه يا أبت أذكرك الله أن لا تفضحنا في كل موطن فتطوف ولم يطوف رسول الله ؟ فأبى الرجل حينئذ وقال : لا أطوف حتى يطوف رسول الله ، فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وآله ذلك رضى عنه وأثنى عليه ، فابن سلول إذا ممن بايع تحت الشجرة إذ لم يتخلف أحد عن هذه البيعة ممن كان مع رسول الله في الحديبية إلا الجد بن قيس الأنصاري بإجماع أهل الأخبار ( منه قدس ( * ) .


- ص 169 -
رجل يدعى الجد بن قيس الأنصاري ( 1 ) دون غيره من أمثاله ( 226 ) .
[ رعب المشركين وطلبهم للصلح ]
ما بلغ قريشا هذه البيعة - وهي بيعة الرضوان ( 2 ) - حتى انخلعت قلوبهم ، وملئت صدورهم رعبا ، ولاسيما بعد خروج عكرمة بن أبي جهل على المسلمين يومئذ في خمسمائة فارس ، فبعث النبي صلى الله عليه وآله - كما في الكشاف - من هزمه
( 1 ) ففي السيرة الحلبية عن سلمة بن الاكوع ، قال : بايعنا الرسول على الموت ولم يتخلف إلا الجد بن قيس لكأني أنظر إليه لاصقا بابط ناقته يستتر بها من الناس ( منه قدس ) .
( 226 ) مبايعة الصحابة للرسول ما عدى الجد بن قيس الأنصاري : راجع : السيرة الحلبية ج 2 / 701 ط الحلبي ، السيرة النبوية لابن كثير ج 3 / 319 ، الكامل في التاريخ ج 2 / 138 ط دار الكتاب العربي ، الطبقات لابن سعد ج 2 / 100 .
( 2 ) كانت تحت شجرة من سمر فقيل عنها بيعة الشجرة وأضيفت إلى الرضوان لقوله تعالى في شأن المؤمنين من المبايعين يومئذ : ( لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ) إلى قوله عز من قائل في آخر السورة عنهم : ( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ) .
بخ بخ طوبى وحسن مآب للمقيمين من هؤلاء على الإيمان والعمل الصالح حتى لقوا ربهم عزوجل اختصهم الله تعالى بالرضا عنهم والثناء العظيم في محكمات القرآن عليهم ، ووعدهم - دون غيرهم من المبايعين - بالمغفرة والأجر العظيم . فالآية هذه هي على حد قوله عزوجل في آية أخرى تختص بأمهات المؤمنين ( وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا ) وهدفها انما هو الهدف الذى يرمى إليه قوله عز من قائل : ( إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ ) ، وما أغنى أولياء الله عما افتأته لهم المفتئون من أحاديث يضرب بها عرض الجدار بمخالفتها لمحكمات القرآن الحكيم ( منه قدس ) ( * ) .


- ص 170 -
وأصحابه وأدخلهم حيطان مكة ، وعن ابن عباس أظهر الله المسلمين عليهم بالحجارة حتى أدخلوه البيوت ، وعلموا أنهم لا قبل لهم بمحمد صلى الله عليه وآله و أصحابه . ( 1 )
فاضطر حينئذ أهل الرأي والمشورة منهم إلى طلب الصلح من رسول الله وكان قد بلغهم قوله : " والذي نفس محمد بيده لا تدعوني اليوم قريش إلى خطة يسألوني فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها " فأرسلوا إليه عدة من كبارهم كان على رأسهم سهيل بن عمرو بن عبد ود العامري يمثلهم جميعا لدى رسول الله صلى الله عليه وآله في طلب المهادنة على شروط اشترطوها كانت ثقيلة على المسلمين إلى الغاية ، فأبوها كل الإباء ، وأسرف بعضهم في إنكارها .
لكن المشركين تشبثوا في اشتراطها باطلاق الخطة التي وعد رسول الله صلى الله عليه وآله بإعطائهم إياها متى دعوه إلى ذلك ، وكان صلى الله عليه وآله مأمورا بهذا الوعد ، وبالعمل على مقتضاه وانما قبل شروطهم على ما فيها من الشدة عملا بالوحي ، وبما توجبه المصلحة التي كان الله عزوجل بها عليما ، وقد علمها الجميع بعد ذلك واعترفوا بها ( 227 ) ، ستسمعه ان شاء الله تعالى .
[ أنفة عمر من شروط الصلح ]
وما أن تقرر الصلح بين الفريقين على تلك الشروط حتى وثب عمر بن الخطاب وقد أدركته الحمية ، ونزت في رأسه سورة الانفة فأتى أبا بكر وقد استشاط غيظا وغضبا . فقال ( 2 ) : " يا أبا بكر أليس هو برسول الله ؟ . قال : بلى
( 1 ) الكشاف للزمخشري ج 3 / 547 .
( 227 ) السيرة الحلبية ج 2 / 705 - 706 .
( 2 ) كما في السيرة الحلبية وغيرها من كتب الاخبار ( منه قدس ) ( * ) .


- ص 171 -
قال أو لسنا بالمسلمين ؟ . قال : بلى . قال : أليسوا بالمشركين ؟ . قال : بلى قال : فعلى م نعطي الدنية في ديننا . فقال له أبو بكر : أيها الرجل انه رسول الله وليس يعصي ربه ، وهو ناصره استمسك بغرزه ( 1 ) حتى تموت ، فأني أشهد أنه رسول الله ( 2 ) . . ( الحديث ) ( 228 ) .
وأخرج مسلم - في باب صلح الحديبية من الجزء الثاني من صحيحه - انه قال لرسول الله صلى الله عليه وآله : " ألسنا على حق وهم على الباطل ؟ . قال رسول الله بلى . قال : أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار ؟ . قال : بلى . قال : ففيم نعطي الدنية في ديننا ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم ؟ ! . فقال صلى الله عليه وآله : يا ابن الخطاب إني رسول الله ولن يضيعني الله أبدا .
( قال ) : فانطلق عمر فلم يصبر متغيظا فأتى أبا بكر فقال يا أبا بكر ألسنا على حق وهم على باطل ؟ ! قال : بلى قال أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار ؟ ! قال : بلى . قال : فعلى م نعطي الدنية في ديننا ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم ؟ . فقال يابن الخطاب انه
( 1 ) الغرز ركاب من جلد يضع الراكب رجله فيه فيكون المعنى اعتلق به وأمسكه واتبع قوله وفعله ولا تخالفه ، فاستعار له الغرز كالذي يمسك بركاب الراكب ويسير بسيره ، وفى القاموس غرز كسمع أطاع السلطان بعد عصيان ، وعلى هذا فلفظ غرزه هنا مصدر غرز فيكون المعنى استمسك بطاعته بعد هذا العصيان ( منه قدس ) .
( 2 ) وي كأنه أوجس منه شكا في الرسالة ( منه قدس ) .
( 228 ) راجع : السيرة الحلبية ج 2 / 706 ط الحلبي ، السيرة النبوية لابن كثير ج 3 / 320 ، السيرة النبوية لزين دحلان بهامش السيرة الحلبية ج 2 / 177 و 184 ط البهية بمصر . وقريب منه في : شرح نهج البلاغة لابن أبى الحديد ج 12 / 59 ط بتحقيق أبو الفضل . ( * )


- ص 172 -
رسول الله ولن يضيعه أبدا " ( 229 ) ( الحديث ) .
وأخرجه غير واحد من أصحاب المسانيد بلهجة أشد من هذا .
وأخرج البخاري - في آخر كتاب الشروط من صحيحه ( 1 ) - حديثا جاء فيه أنه قال : فقلت ألست نبي الله حقا . قال : بلى . قلت : ألسنا على الحق وعدونا على الباطل ؟ قال : بلى . قلت : فلم نعطي الدنية في ديننا إذا ؟ قال صلى الله عليه وسلم : إني رسول الله ولست أعصيه ( 2 ) وهو ناصري . ( قال ) قلت : أو ليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به . قال : بلى . أفأخبرتك أنا نأتيه العام ؟ قلت : لا . قال : فانك آتيه ومطوف به ( 3 ) .
( 229 ) راجع : صحيح مسلم ك الجهاد والسير ب 34 ج 3 / 1412 ح 1785 ، صحيح البخاري ك التفسير سورة 48 ج 6 / 170 ط مطابع الشعب ، تفسير القرطبي ج 16 / 277 ، فتح القدير للشوكاني ج 5 / 55 ، الطرائف لابن طاوس ج 2 / 440 عن عدة مصادر .
( 1 ) ص 81 من جزئه الثاني ( منه قدس ) .
( 2 ) قوله : ولست أعصيه صريح بما قلناه آنفا من أنه كان مأمورا من الله تعالى بالصلح على الوجه الذي وقع ( منه قدس ) .
( 3 ) فلما كان عام الفتح وأخذ المفتاح قال صلى الله عليه وآله - كما في السيرة الحلبية وغيرها - : ادعوا لي عمر بن الخطاب فلما أتاه قال : يا عمر هذا الذي قلت لكم ، ولما كان في حجة الوداع ووقف صلى الله عليه وآله بعرفة استدعى عمر أيضا فقال له : هذا الذي قلت لكم آه‍ . ( منه قدس ) ( * ) .


- ص 173 -
قال : فأتيت أبا بكر فقلت : يا أبا بكر هذا نبي الله حقا ؟ قال : بلى . قلت : ألسنا على الحق وعدونا على الباطل ؟ قال : بلى . قلت : فلم نعطي الدنية في ديننا إذا ؟ . قال : أيها الرجل انه لرسول الله وليس يعصي ربه ( 1 ) وهو ناصره فاستمسك بغرزه ، فوالله انه لعلى الحق .
( قال ) فقلت : أليس كان يحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به ؟ قال : بلى . أفأخبرتك انك تأتيه العام .
( قال ) قلت : لا . قال : فانك آتيه ومطوف به . قال عمر : فعملت لذلك أعمالا ( 2 ) . قال : فلما فرغ - رسول الله صلى الله عليه وآله - من الكتاب - الذي كتب يومئذ في الصلح - قال صلى الله عليه وآله لأصحابه : قوموا فانحروا ثم احلقوا
( قال ) : فوالله ما قام منهم رجل ، حتى قال ذلك ثلاث مرات ( 3 ) فلما لم يقم منهم أحد دخل خباءه ثم خرج فلم يكلم أحدا منهم بشئ حتى نحر بدنة بيده ، ودعا حالقه فحلق رأسه ، فلما رأى أصحابه ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضا ، حتى كاد بعضهم يقتل بعضا " . ( 230 ) الحديث .
وأخرجه الإمام أحمد - من حديث المسور بن مخرمة ، ومروان بن الحكم - في مسنده .
( 1 ) قول أبى بكر هنا : وليس يعصى ربه دليل على أنه كان عالما بأن رسول الله صلى الله عليه وآله كان مأمورا بالصلح على الذي وقع ( منه قدس ) .
( 2 ) لا تخفى دلالة كلمته هذه على أن أعماله كانت عظيمة في مصادرة الصلح وبسببها لم يمتثلوا أمره صلى الله عليه وآله إياهم بالنحر حتى أمرهم بذلك ثلاثا كما ستسمعه بالأصل ( منه قدس ) .
( 3 ) ابتلى الإمام أبو محمد الحسن الزكي السبط سيد شباب أهل الجنة في صلحه مع معاوية بمثل ما ابتلى به جده صلى الله عليه وآله في هذا الصلح وله فيه أسوة حسنة ( منه قدس ) .
( 230 ) راجع : صحيح البخاري ك الشروط باب الشروط في الجهاد ج 2 / 122 ط دار الكتب العربية بحاشية السندي وج 3 / 256 ط مطابع الشعب ، مسند أحمد ج 4 / 330 ط 1 ( * ) .


- ص 174 -
ونص الحلبي في غزوة الحديبية من سيرته وغير واحد من أهل الأخبار : ان عمر جعل يرد على رسول الله الكلام . فقال له أبو عبيدة ابن الجراح : ألا تسمع يا ابن الخطاب رسول الله صلى الله عليه وآله يقول ما يقول نعوذ بالله من الشيطان الرجيم ( 231 ) ( قال الحلبي وغيره ) وقال رسول الله صلى الله عليه وآله يومئذ : يا عمر إني رضيت وتأبى ( 232 ) ! ونقل الحلبي وغيره : ان عمر كان بعد ذلك يقول ما زلت أصوم وأتصدق وأصلي وأعتق مخافة كلامي الذي تكلمت به ( 233 ) . إلى آخر ما هو مأثور عنه في هذه القضية .
[ تنفيذ خطة الصلح ]
لكن رسول الله صلى الله عليه وآله لم يأبه يومئذ لمعارضة من عارضه في إنقاذ الخطة التي كان مأمورا بها - خطة الصلح بتلك الشروط الثقيلة - فاستدعى عليا لتسجيل كتابها . فقال له : اكتب بسم الله الرحمن الرحيم . فقال سهيل بن عمرو : لا نعرف هذا فليكتب باسمك اللهم . فضج المسلمون وقالوا : والله لا يكتب إلا ما أمر به رسول الله لكن رسول الله قطع النزاع بقوله لعلي : اكتب باسمك اللهم . فكتبها علي ممتثلا أمره صلى الله عليه وآله ثم قال له النبي : اكتب هذا ما صالح عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو .
فقال سهيل : لو كنا نعلم انك رسول الله ما قاتلناك ولا صددناك عن البيت ، ولكن ليكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله ، سهيل بن عمرو ، فقامت قيامة المسلمين في الإنكار على سهيل بذلك وأبوا إلا أن يكتب رسول الله كل
( 231 ) السيرة الحلبية ج 2 / 706 .
( 232 ) السيرة الحلبية ج 2 / 706 ، السيرة النبوية لابن كثير ج 3 / 320 .
( 233 ) السيرة الحلبية ج 2 / 706 ( * ) .


- ص 175 -
الإباء ، وكادت الفتنة أن تقع لولا ان رسول الله صلى الله عليه وآله قال : أنا محمد رسول الله ، وان كذبتموني ، وأنا محمد بن عبد الله ، فاكتب يا علي : هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو فكتبها علي متغيضا متزفرا . فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله : ان لك يا أبا الحسن مثلها أو أنه قال : ستسام يا أبا الحسن مثلها فتجيب وأنت مضطهد ( 234 ) .
وكان الصلح على أن يرجع رسول الله صلى الله عليه وآله بأصحابه من الحديبية ، فإذا كان العام القابل تخرج قريش من مكة فيدخلها رسول الله صلى الله عليه وآله بأصحابه فيقيم بها ثلاثا ، وليس معه من السلاح سوى السيوف في القرب ، وأن توضع الحرب بينه وبينهم عشر سنين ( 1 ) يأمن فيها الناس ، ويكف فيها بعضهم عن بعض ، وأنه من أحب من العرب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه ، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه ( 2 ) وأن يكون بين الفريقين عيبة
( 234 ) هذه الكلمة من رسول الله صلى الله عليه وآله معدودة عند المسلمين كافة من أعلام النبوة وآيات الإسلام والتفصيل في السيرة الحلبية والدحلانية وغيرهما من كتب السير والأخبار فلتراجع ( منه قدس ) . راجع : السيرة الحلبية ج 2 / 706 - 707 ، الكامل في التاريخ ج 2 / 138 ط دار الكتاب العربي ، السيرة النبوية لزين دحلان بهامش الحلبية ج 2 / 177 - 178 ط البهية بمصر . وقريب منه في : الكشاف ج 3 / 549 ، الطبقات لابن سعد ج 2 / 97 .
( 1 ) وقيل سنتين ، وفى رواية صححها الحاكم أربع سنين ( منه قدس ) .
( 2 ) فدخلت خزاعة في عقد رسول الله صلى الله عليه وآله وعهده ، وكانوا من قبل حلفاء جده عبد المطلب ، ودخلت بكر في عقد قريش وعهدها ، ثم كان بين خزاعة وبكر حرب أمدت قريش فيه حلفاءها - أعنى بني بكر - على حلفاء رسول الله - أعنى خزاعة - وبذلك =>


- ص 176 -
مكفوفة : " أي صدور منطوية على ما فيها لا تبدي عداوة " وأنه لا اسلال ولا اغلال ( أي لا سرقة ولا خيانة ) وأنه من أتى محمدا من قريش ممن هو على دين محمد بغير اذن وليه رد إليه ، ومن أتى قريشا ممن كان مع محمد فارتد عن الإسلام لا ترده قريش إليه ، فقال المسلمون : سبحان الله كيف نرد للمشركين من جاءنا منهم مسلما ؟ ! وعظم عليهم هذا الشرط ، فقالوا : يا رسول الله أتكتب هذا على نفسك ؟ ! قال : نعم انه من ذهب منا مرتدا أبعده الله ، ومن جاءنا مسلما فرددناه إليهم سيجعل الله له فرجا ومخرجا .
فبينا رسول الله صلى الله عليه وآله هو وسهيل بن عمرو يكتبان الكتاب بالشروط المذكورة إذ جاء أبو جندل - واسمه العاص - بن سهيل بن عمرو إلى المسلمين يرسف في قيوده ، وكان أسلم بمكة قبل ذلك ، فمنعه أبوه من الهجرة وحبسه موثوقا ، وحين سمع أن النبي صلى الله عليه وآله وأصحابه في الحديبية احتال حتى خرج من السجن ، وتنكب الطريق في الجبال حتى هبط على المسلمين ففرحوا به وتلقوه ، لكن أخذه أبوه بتلأبيبه يضرب وجهه ضربا شديدا ( 1 ) وهو يقول : يا محمد هذا أول ما أقاضيك عليه أن ترده إلي .
فقال له النبي صلى الله عليه وآله : انا حتى الآن لم نفرغ من كتابة الكتاب . قال سهيل : إذن لا أصالحك على شئ . فقال له النبي صلى الله عليه وآله : فأجره لي . قال : ما أنا بمجيره لك . قال : بلى فافعل . قال : ما أنا بفاعل . فقال مكرز بن حفص وحويطب بن عبدالعزى وهما من وجوه قريش . قد أجرناه لك يا محمد
=> نقضت قريش ما عاهدت عليه رسول الله صلى الله عليه وآله يوم الحديبية ، وبهذا استباح رسول الله صلى الله عليه وآله غزو قريش فكان الفتح المبين والنصر العزيز والحمد لله رب العالمين ( منه قدس ) .
( 1 ) والمسلمون يبكون رحمة له متذمرين إلى الغاية ( منه قدس ) ( * ) .


- ص 177 -
فأخذاه وأدخلاه فسطاطا وكفا أباه عنه . ثم قال سهيل : يا محمد قد تمت القضية ووجبت بيني وبينك قبل أن يأتي ابني اليك . قال : صدقت . وحينئذ قال صلى الله عليه وآله لأبي جندل . اصبر واحتسب فقد تم الصلح قبل أن تأتي ، ونحن لا نغدر وقد تلطفنا بأبيك فأبى ، وان الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا .
وهنا وثب عمر بن الخطاب إلى أبي جندل يغريه بقتل أبيه ، ويدني إليه السيف . قال عمر - كما في السيرة الدحلانية وغيرها - . رجوت أن يأخذ السيف فيضرب به أباه وجعل يقول له : أن الرجل يقتل أباه ، والله لو أدركنا آباءنا لقتلناهم ، لكن أبا جندل لم يجبه إلى قتل أبيه خشية الفتنة ( 1 ) وعملا بما أمره به رسول الله صلى الله عليه وآله من الصبر والاحتساب ( 2 ) وقال لعمر . مالك لا تقتله أنت ؟ قال عمر . نهانا رسول الله عن قتله وقتل غيره ( 3 ) فقال أبو جندل . ما أنت أحق بطاعة رسول الله مني ( 4 ) . ورجع مع أبيه إلى مكة في جوار مكرز وحويطب فأدخلاه مكانا وكفا * ( هامش ) *
.................................................. ..........
( 1 ) إذ لو قتل يومئذ سهيل لكان بين قريش والمسلمين فتنة تجتاحهما جميعا ويكون شرها مستطيرا فالحمد لله على العافية ( منه قدس ) .
( 2 ) لا يخفى ما في اغراء أبى جندل بقتل أبيه من المعارضة لرسول الله صلى الله عليه وآله في أمره إياه بالصبر والاحتساب ( منه قدس ) .
( 3 ) لا يخفى ما في إغراء أبى جندل بقتل أبيه من معارضة رسول الله صلى الله عليه وآله في نهيه إياهم عن قتل سهيل وغيره ، فهنا معارضتان لرسول الله صلى الله عليه وآله أحداهما في أمره ، والثانية في نهيه ( منه قدس ) .
( 4 ) ولأبي جندل هذا أخ هو عبد الله بن سهيل بن عمر ، كان إسلامه سابقا على إسلام شقيقه أبى جندل ، لان عبد الله خرج مع المشركين إلى بدر ، وكان قبل ذلك مسلما لكنه كتم إسلامه حتى أتى بدرا فانحاز فيها إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وشهد معه بدرا والمشاهد كلها ، أما أبو جندل فأول مشاهده الفتح ( منه قدس ) ( * ) .


- ص 178 -
عنه أباه وغيره ، وفاء بالجوار ، وجعل الله بعد ذلك له ولسائر المستضعفين من المؤمنين فرجا ومخرجا ، ( 235 ) كما ستسمعه ان شاء الله تعالى قريبا ، والحمد لله الذي نصر عبده ، وأنجز وعده .
[ عائدة الصلح ]
كفى بالصلح عائدة انه كان سببا في اختلاط المسلمين بالمشركين ، فكان المشركون يأتون بعده إلى المدينة ، كما ان المسلمين كانوا يأتون مكة .
فإذا جاء المشركون إلى المدينة ، ورأوا رسول الله بهرهم صلى الله عليه وآله بأخلاقه وقدسي سيرته ، وعظم في أنفسهم أمره ، هديا ورأيا وسمتا ونعتا ، وقولا وفعلا وراقهم الإسلام بشرائعه وأحكامه ، من حلاله وحرامه ، وعباداته ومعاملاته ، وسائر نظمه ، وبالغ حكمه ، وملكهم القرآن بآياته وبيناته ، فأخذ بسمعهم و أبصارهم وأفئدتهم ، وأدهشهم أصحاب رسول الله بتعبدهم بأوامره وزواجره فإذا هؤلاء على مقربة من الإيمان ، بعد ان كانوا قبل صلح الحديبية في منتهى العمه والطغيان ، وإذا هم يرجعون إلى اهليهم كمبشرين بمحمد ومنذرين بفتحه .
وإذا أتى المسلمون مكة وخلوا بأرحامهم وأصدقائهم لا يألونهم نصحا ودعاية إلى الله ورسوله بما يوقفونهم عليه من اعلام النبوة وآيات الإسلام ، وما في
( 235 ) صبر أبى جندل في سبيل الله : راجع : السيرة الحلبية ج 2 / 708 - 711 ، السيرة النبوية لزين دحلان بهامش السيرة الحلبية ج 2 / 182 ط البهية . وقريب منه : في الكامل لابن الأثير ج 2 / 139 ط دار الكتاب العربي ، الطبقات لابن سعد ج 2 / 97 .


- ص 179 -
القرآن الحكيم من علم وحكمة ، ونظم اجتماعية ، وسنن وفرائض وآداب وأخلاق ، ومواعظ وعبر ، وأخبار الأمم الماضية ، والقرون الخالية ، فإذا هؤلاء أيضا مبشرون - ببطن مكة - ومنذرون ، وقد كان لعملهم هذا أثره العظيم في تسهيل أمر الفتح ، بلا قتال ولا ممانعة ، والحمد لله .
وهناك من فوائد الصلح ما حصل بمجرد اجتماع المشركين مع رسول الله صلى الله عليه وآله في الحديبية ، ووقوفهم على هديه وخلقه بإمعان ، وكان أكثر قريش - إذ ذاك - لا يعرفون منهما شيئا ، ولاسيما شبابهم ، إذ كان أبو جهل والوليد وأبو سفيان وشيبة وعتبة وأمثالهم من مشيخة الأوثان والجاهلية أرجفوا برسول الله صلى الله عليه وآله وتسنى لهم تسميم الرأي العام الجاهلي فيه ، وقد أجلبوا عليه بكل مالديهم من حول وطول ، وبكل ما يستطيعونه من فعل وقول ، ليطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله الا أن يتم نوره .
قصدوه وهو في دار هجرته محاربين ليقتلوه وأصحابه ، وليستأصلوا شأفة الذين آووه ونصروه بغيا وعدوانا ، فنصره الله عليهم في بدر وأحد والأحزاب ( فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) ( 236 ) .
لكن ظل أهل مكة - بعد هذه الحروب - على ضلال رأيهم المسموم في رسول الله صلى الله عليه وآله إذ لم تره أعينهم بعد الهجرة ، ولم يبلغهم عنه الا ما سمعوه من أولئك المرجفين ، فلما كان يوم الحديبية ، واختلطوا به وبأصحابه ، رأوا منه خلقا عظيما . كانوا كلما تبغضوا إليه بجفاء وسوء صنع ، تحبب إليهم بحنو وعاطفة وحسن صنع ، فإذا قسوا وأغلظوا له لان وخفض لهم جناح الرحمة ، مستمرا
( 236 ) سورة الأنعام : 45 ( * ) .


- ص 180 -
معهم على هذه الحال ، يقابل اساءتهم باللقيا عليهم ، والإحسان إليهم ؟ عملا بقوله تعالى ( ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ) ( 237 ) .
كان النبي صلى الله عليه وآله يومئذ قادرا على دخول مكة وزيارة البيت عنوة ، بدليل قوله تعالى في هذه الواقعة : ( وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ) ( 238 ) وقوله فيها أيضا عز من قائل ( وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ ) ( 239 ) .
وكان المشركون على يقين من ظفره عليهم لو قاتلهم صلى الله عليه وآله وقد علموا بإصرار أصحابه عليه في القتال ، وأنه أبى عليهم ذلك كل الإباء ، إيثارا للسلم وحسن عواقبه ، وحقنا للدماء ، واحتراما للحرم ، واحتياطا على حرماته ، وأدركت قريش إشفاقه عليها ، ورعايته لحقوقها الرحيمة منه ، وانه لذلك " قبل المهادنة على ما فيها من الشروط القاسية " لم تأخذه الانفة من صدهم إياه عن المسجد الحرام ، وإرجاعه - على حافزته بأصحابه رغما لكثير منهم - إلى المدينة . وهذا ما كان في نظر قريش كفارة له عما كان في بدر وأحد والأحزاب ، إذ تجلى يومئذ لهم - بكفه عن قتالهم - انه غير مسؤول عن شئ من ذلك ، وانما المسؤول عن تلك الدماء المسفوكة انما هم مشائخ قريش كأبي سفيان وأبي جهل وأضرابهما الذين غزوه - وهو في مهجره الذي فر منه إليه - فاضطروه إلى دفع عدوانهم عنه وعن أصحابه ، ولو كفوا عنه وعن الذين آووه ونصروه
( 237 ) سورة فصلت : 34 و 35 . ( 238 ) سورة الفتح : 22 . ( 239 ) سورة الفتح : 24 ( * ) .


- ص 181 -
لكف عنهم مقتصرا في دعوته إلى دينه بالحكمة والموعظة الحسنة .
أطفأ رسول الله صلى الله عليه وآله - في الحديبية - وقدة قلوب هؤلاء المشركين ، واستل سخائمهم ، وأزال أضغانهم ، وأغراهم بسادتهم وكبرائهم ، حتى أيقنوا بعدوانهم عليه ، وجنايتهم على أنفسهم ، وبهذا لانت قلوبهم مطمئنة بحسن عواقبهم معه إذا انضموا إلى لوائه ، معتصمين بولائه ، حكمة بالغة ، أعقبت الفتح المبين ، والنصر العزيز ، ودخول الناس في دين الله أفواجا ( 240 ) .
[ رجوعه صلى الله عليه وآله إلى المدينة ]
كانت إقامته في الحديبية تسعة عشر يوما ، نقل بعدها إلى المدينة ، فلما كان بكراع الغميم - موضع بين الحرمين - نزلت عليه سورة الفتح ، وعمر لا يزال حينئذ آسفا من صد المشركين إياهم عن مكة ورجوعهم وهم على خلاف ما كانوا يأملون من الفتح ، فأراد رسول الله صلى الله عليه وآله حين نزلت عليه السورة أن يزيل بث عمر ، ويذهب برحاء صدره .
فقال له - كما في صحيح البخاري بالإسناد إليه ( 1 ) - " لقد أنزلت علي سورة هي أحب إلي مما طلعت عليه الشمس " ثم قرأ : ( إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا ) . فقال رجل من أصحابه " ما هذا بفتح ( 2 ) لقد صددنا عن البيت ، وصد هدينا ، ورد رجلان من المؤمنين كانا خرجا إلينا " فقال رسول الله صلى الله عليه وآله " : بئس
( 240 ) السيرة الحلبية ج 2 / 711 .
( 1 ) من حديث تجده في باب غزوة الحديبية من الجزء الثالث من الصحيح ( منه قدس ) .
( 2 ) يا سبحان الله يقول الله تعالى : ( إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا ) إلى آخر السورة ، ويتلوها رسول الله صلى الله عليه وآله نفسه عن الله عزوجل ، وهذا الرجل يقول : ما هذا بفتح ؟ ! فمن هو هذا الرجل يا ترى ؟ ! ليتكم تعرفونه ( منه قدس ) ( * ).


- ص 182 -
الكلام هذا بل هو أعظم الفتح ، قد رضي المشركون أن يدفعوكم بالبراح عن بلادهم ، ويسألوكم القضية ، ويرغبوا إليكم في الأمان ، وقد رأوا منكم ما كرهوا ، وأظفركم الله عليهم ، وردكم سالمين مأجورين ، فهو أعظم الفتوح أنسيتم يوم أحد إذ تصعدون ولا تلوون على أحد وأنا أدعوكم في أخراكم ؟ أنسيتم يوم الأحزاب إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الإبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا ؟ " . فقال المسلمون : صدق الله ورسوله ، والله يا نبي الله ما فكرنا فيما فكرت فيه ، ولانت أعلم بالله وبأوامره منا ( 241 ) .
لكن قال عمر حينئذ : يا رسول الله ألم تقل انك تدخل مكة آمنا ؟ قال : بلى ، أفقلت لكم من عامي هذا ؟ قال : لا . . الحديث ( 242 ) .
وعن سعيد بن منصور بإسناد صحيح إلى الشعبي في قوله تعالى : ( إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا ) قال : لم يكن في الإسلام فتح قبله أعظم منه ، فانه لما كانت الهدنة ووضع الحرب ، وأمن الناس بعضهم بعضا ؟ والتقوا وتفاوضوا في الحديث والمنازعة ، لم يكلم أحد من المسلمين ذا عقل في تلك المدة
( 241 ) راجع قصة الحديبية من السيرة النبوية الدحلانية وغيرها تجد كلما قلناه بنصه ( منه قدس ) . معارضة الرسول صلى الله عليه وآله : الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 / 105 .
( 242 ) تجده في السيرة الحلبية وغيرها ( منه قدس ) . صحيح البخاري ، السيرة الحلبية ج 2 / 715 ، السيرة النبوية لزين دحلان . وذكر صدره في : الكشاف ج 3 / 541 ، تفسير القرطبي ج 16 / 260 ، سورة الفتح آية : 1 ( * ) .


- ص 183 -
بالإسلام الا دخل فيه ، وقد دخل في تينك السنتين مثل من كان دخل في الإسلام قبل ذلك أو أكثر ( قال ) : ويدلك عليه أنه صلى الله عليه وآله خرج إلى الحديبية في ألف وأربعمائة ، ثم خرج بعد سنتين إلى فتح مكة في عشرة آلاف
( قال ) : ومما ظهر من مصلحة الصلح أنه كان مقدمة بين يدي الفتح الأعظم الذي دخل الناس عقبه في دين الله أفواجا فكان صلح الحديبية مقدمة الفتح ، فسميت فتحا إذ مقدمة الظهور ظهور " آه ( 243 ) .
[ الفرج الذي وعد به المستضعفون ]
مر عليك حديث أبي جندل ، إذ احتال حتى خرج من السجن وتنكب الطريق يرسف في قيوده ، حتى هبط على النبي صلى الله عليه وآله وهو في الحديبية مستغيثا به ، وحيث لم يتمكن يومئذ من اغاثته اعتذر إليه وعزاه ، وأمره بالصبر والاحتساب ، فكان مما قاله له : " ان الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا و مخرجا " ( 244 ) .
وكان في المستضعفين المعذبين في مكة رجل من أبطال المسلمين يدعى أبا بصير ( 245 ) احتال حتى خرج من السجن ففر هاربا إلى رسول الله و
( 243 ) السيرة النبوية لابن كثير ج 3 / 324 ، الكامل لابن الأثير ج 2 / 139 ط دار الكتاب العربي .
( 244 ) الرسول صلى الله عليه وآله يعد المستضعفين بالفرج : الكامل لابن الأثير ج 2 / 139 ط دار الكتاب ، الطبقات لابن سعد ج 2 / 97 ، السيرة النبوية لزين دحلان بهامش السيرة الحلبية ج 2 / 192 ط البهية .
( 245 ) واسمه عتبة بن أسيد بن جارية بن أسيد الثقفى ترجم له أبو عمر يوسف بن عبد البر في الكنى من استيعابه وغير واحد من أصحاب المعاجم ، وقصته هذه ذكرها ابن =>


- ص 184 -
هو في المدينة بعد رجوعه من الحديبية ، فكتبت قريش في رده ، كتابا بعثت به رجلا من بني عامر يقال له خنيس ومعه مولى يهديه الطريق ، فقدما على رسول الله بالكتاب فإذا فيه " قد عرفت ما شارطناك عليه من رد من قدم عليك من أبنائنا فابعث إلينا أبا بصير " .
فقال النبي صلى الله عليه وآله : " يا أبا بصير انا قد أعطينا هؤلاء القوم ما قد علمت ، و لا يصح الغدر منا فان الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا فانطلق راشدا " .
قال : " يا رسول الله انهم يفتنوني عن ديني " .
قال صلى الله عليه وآله : " يا أبا بصير انطلق فأن الله سيجعل لك ولمن حولك من المستضعفين فرجا ومخرجا " فودع الرجل رسول الله وانطلق معهما ، حتى إذا كانوا بذي الحليفة جلس إلى جدار ومعه صاحباه .
فقال لأحدهما : " أصارم سيفك هذا يا أخا بني عامر ؟ "
قال : " نعم " قال أبو بصير : " أرنيه " فناوله إياه فاستله أبو بصير ، ثم علاه فإذا هو يتشحط بدمه . ثم هم بالثاني فهرب منه حتى أتى رسول الله ، فلما رآه النبي صلى الله عليه وآله والحصى يطير من تحت قدميه من شدة عدوه ، وأبو بصير في أثره .
قال صلى الله عليه وآله : " قد رأى هذا ذعرا " فلما انتهى إلى النبي قال له صلى الله عليه وآله : " ويحك ؟ مالك ؟ " قال " ان صاحبك قتل صاحبي وأفلت منه ولم أكد ، واني لمقتول فأغثني يا محمد " فأمنه رسول الله ، وإذا بأبي بصير يدخل متوشحا سيفه يقول :
=> إسحاق وغيره من أهل السير والأخبار وهى من أشهر القضايا نقلناها عن الحلبي في سيرته ( منه قدس ) . راجع : الاستيعاب لابن عبد البر في ترجمة أبى بصير ج 4 / 20 ، الكامل لابن الأثير ج 2 / 139 ط دار الكتاب العربي . ( * )


- ص 185 -
" بأبي أنت وأمي يا رسول الله وفيت ذمتك أسلمتني بيد القوم وقد امتنعت منهم بديني أن أفتن فيه أو يفتن بي " .
فقال له : " اذهب حيث شئت "
فقال : " يا رسول الله هذا سلب العامري الذي قتلته ، رحله وسيفه فخمسه " .
فقال له صلى الله عليه وآله : " إذا خمسته رأوني لم أوف لهم بالذي عاهدتهم عليه ولكن شأنك بسلب صاحبك "
وعند ذلك هب أبو بصير إلى محل من طريق تمر به عيرات قريش ، واجتمع إليه جمع من المسلمين المستضعفين الذين كانوا قد احتبسوا بمكة إذ بلغهم خبره ، وان رسول الله صلى الله عليه وآله قال في حقه : " انه مسعر حرب لو كان معه رجال "
فتسللوا حينئذ إليه ، وانفلت أبو جندل بن سهيل ابن عمرو ، وخرج من مكة في سبعين فارسا أسلموا فلحقوا بأبي بصير ، وكرهوا ان يقدموا على رسول الله في تلك المدة - مدة المهادنة - وانضم إليهم ناس من غفار ، وجهينة ، وأسلم ، وطوائف أخر من العرب حتى بلغوا ثلثمائة مقاتل ، فقطعوا مارة قريش ، لا يظفرون بأحد منها الا قتلوه ، ولا مر بهم عير الا أخذوها ، ومنعوا الدخول إلى مكة والخروج منها ، فاضطرت قريش أن تكتب لرسول الله تسأله بالأرحام التي بينه وبينها ، الا آواهم ، وأرسلت أبا سفيان بن حرب في ذلك ، فأبلغه أبو سفيان : " انا أسقطنا هذا الشرط من شروط الهدنة ، فمن جاءك منهم فأمسكه من غير حرج "
وحينئذ كتب رسول الله إلى أبي جندل وأبي بصير ان يقدما عليه ، وان يلحق من معهما من المسلمين بأهليهم ، ولا يتعرضوا لأحد مر بهم من قريش ولا لعيراتهم ، فقدم كتاب رسول الله صلى الله عليه وآله عليهما وأبو بصير ( رضي الله عنه ) يموت ، فمات والكتاب في يده ، فدفنه أبو جندل مكانه ، وجعل عند قبره مسجدا ، وقدم أبو جندل على رسول الله صلى الله عليه وآله مع ناس من أصحابه ، ورجع باقيهم إلى أهليهم ، وأمنت قريش على عيراتهم .
- ص 186 -
وحينئذ عرف الصحابة الذين عظم عليهم رد أبي جندل إلى قريش مع أبيه - ان طاعة رسول الله صلى الله عليه وآله خير مما أحبوه ، وعلموا أن الحكمة كانت في الحديبية توجب الصلح فرضا على التعيين ، وأنه صلى الله عليه وآله لا ينطق عن الهوى وندموا كل الندم على ما بدر منهم من هناة معترفين بالخطأ ، وقدرت قريش موقفه يومئذ معها في حقن دمائها ، وحسن عواقبها ، وعرفوه صادق الضمير ، مخلص السريرة ودودا مشفقا ، والحمد لله رب العالمين ( 246 ) .
( 246 ) السيرة الحلبية ج 2 / 718 - 721 ، الاستيعاب بهامش الإصابة ج 4 / 20 ، السيرة النبوية لزين دحلان بهامش الحلبية ج 2 / 192 - 193 . وقريب منه في : الكامل لابن الأثير ج 2 / 139 ، الطبقات لابن سعد ج 4 / 134 .


مكتبة الشبكة
الصفحة التالية
الصفحة السابقة
فهرس الكتاب









http://www.shiaweb.org/books/nas_ejtehad/pa22.html




النص والاجتهاد - السيد شرف الدين ص 163 : -

[ المورد - ( 17 ) - صلح الحديبية ( 1 ) ]
آثر رسول الله صلى الله عليه وآله الصلح يوم الحديبية على الحرب وأمر به عملا بما
( 1 ) الحديبية بالتخفيف تصغير حدباء ، وتشديدها غلط ، وهى بئر أو شجرة أو قرية أو أرض على تسعة أميال من مكة أكثر أرضها في الحرم ( منه قدس ) ( * ) .


- ص 164 -
أوحى إليه ربه عز وعلا . وكانت المصلحة في الواقع ونفس الأمر توجبه ، لكنها خفيت على أصحابه فأنكره بعضهم عليه ، وعارضه فيه علانية بكل مالديه من قول ، فلم يعبأ صلى الله عليه وآله بمعارضتهم ومضى قدما في تنفيذ ما كان مأمورا به ، فكانت عاقبته من أحسن عواقب الفاتحين والحمد لله رب العالمين .
[ بيان هذه الحقيقة بشئ من التفصيل ]
خرج رسول الله صلى الله عليه وآله من المدينة يوم الاثنين مستهل ذي القعدة سنة 6 للهجرة يريد العمرة ، وكان يخشى من قريش أن يتعرضوا له بحرب ، أو يصدوه عن البيت - كما فعلوا - فاستنفر الناس إلى العمرة معه ، فلباه من المهاجرين والأنصار وغيرهم من الأعراب ألف وأربعمائة رجل ( 1 ) فيهم مئتا فارس ، وساق معه الهدي سبعين بدنة ، ولم يخرج بسلاح الا سلاح المسافر - السيوف في القرب - ( 2 ) فلما كان بذي الحليفة قلد الهدي وأحرم هو وأصحابه منها ، ليأمن الناس حربه ، وليعلموا أنه انما خرج زائرا ، ومعظما له .
ثم سار حتى إذا كان في بعض الطريق علم صلى الله عليه وآله ان خالد بن الوليد في
( 1 ) وقيل أكثر من ذلك ، وقيل أقل منه ، وأخرج معه أم المؤمنين زوجته السيدة أم سلمة رضي الله عنها ، وتخلف عنه كثير من الأعراب منافقون ذمهم الله تعالى في سورة الفتح المنزلة في هذه الواقعة بعد انتهائها ( وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا ) . وكان ممن خرج معه المغيرة بن شعبة وابن سلول وبايعاه مع من بايعه في الحديبية تحت الشجرة ( منه قدس ) .
( 2 ) فقال له عمر بن الخطاب : أتخشى يا رسول الله أبا سفيان وأصحابه ولم تأخذ للحرب عدتها ؟ فقال صلى الله عليه وآله : " لا أحمل السلاح معتمرا " ( منه قدس ) ( * ) .


- ص 165 -
الغميم - موضع قرب مكة - في خيل لقريش فيها مئتا فارس ، طليعتهم عكرمة ابن أبي جهل فأخبر النبي صلى الله عليه وآله أصحابه بذلك ، وأمرهم أن يأخذوا ذات اليمين ليسلك بهم غير طريق خالد ، فسلكوا بين ظهري الحمض ( 1 ) فما شعر بهم خالد : حتى رأى قترة جيشهم - غباره الاسود - ودنا خالد في خيله نحو رسول الله صلى الله عليه وآله وأصحابه ، فأمر صلى الله عليه وآله عباد بن بشر فتقدم في خيله إزاء خالد وخيله .
وحانت صلاة الظهر فصلاها رسول الله صلى الله عليه وآله بأصحابه ، فقال المشركون لقد أمكنكم محمد وأصحابه من أنفسهم وهم في الصلاة ، فقال خالد نعم قد كانوا في غرة لو حملنا عليهم أصبنا منهم ، وستأتي الساعة صلاة أخرى ، هي أحب إليهم من أنفسهم وأبنائهم ، فأوحى الله عزوجل إلى نبيه صلى الله عليه وآله : ( وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى أَن تَضَعُواْ أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ إِنَّ اللّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا * فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاَةَ فَاذْكُرُواْ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا * وَلاَ تَهِنُواْ فِي ابْتِغَاء الْقَوْمِ إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ وَكَانَ اللّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ( 2 ) ) .
( 1 ) الحمض بفتح الحاء المهملة والضاد المعجمة موضع يخرج على مهبط الحديبية ( منه قدس ) .
( 2 ) الآية 102 - 104 من سورة النساء ( منه قدس ) ( * ) .


- ص 166 -
فصلى رسول الله فريضة العصر بأصحابه صلاة الخوف المشروعة بهذه الايات ( ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا ) ( 1 ) .
[ شراسة قريش وحكمة النبي صلى الله عليه وآله ]
لقي رسول الله صلى الله عليه وآله في الحديبية حين أتاها أذى كثيرا من المشركين ، وغلظة وجفاء ومكاشفة له ولأصحابه في العداوة والبغضاء ، ولقي المشركون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله مثل ذلك وأشد عملا منهم رضي الله عنهم بقوله تعالى : ( وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً ) ، لكن رسول الله صلى الله عليه وآله وسع المشركين بحلمه الموحى يومئذ إليه من ربه عز وعلا بحكمته التي فطر عليها ، وبخلقه العظيم الذي فضله الله به على سائر النبيين والمرسلين عليه وآله وعليهم السلام .
صده المشركون عن مكة صدا شكسا شرسا لئيما ، فما استخفه بذلك غضب ، ولا روع حلمه رائع ، كان يأخذ الأمور - مع أولئك الجفاة - بالملاينة والإغماض ، وله في شأنهم كلمات متواضعة ، على ان فيها من الرفعة والعلاء ما يريهم إياه فوق الثري ، ويريهم أنفسهم تحت الثرى ، وفيها من النضج لهم و الإشفاق عليهم ما لم يكن فيه ريب لأحد منهم ، ومن الحكمة الإلهية ما يأخذ بمجامع قلوبهم - على قسوتها وغلظتها - باجتياحهم إليه ، ومن الوعيد والتهديد باستئصال جذرتهم وبذرتهم ما يقطع نياط قلوبهم ( 222 ) .
( 1 ) سورة الأحزاب / 25 .
( 222 ) سياسة الرسول صلى الله عليه وآله مع قريش : راجع : السيرة الحلبية ج 2 / 692 و 693 - 697 و 699 ، السيرة النبوية لابن كثير ج 3 / 315 و 316 و 317 ، الكامل في التاريخ ج 2 / 136 ط دار الكتاب العربي ، الطبقات لابن سعد ج 2 / 96 .


- ص 167 -
واليك بعض المأثور عنه من ذلك . فأمعن به لتقف على أهدافه ، قال صلى الله عليه وآله : " يا ويح قريش نهكتهم الحرب فماذا عليهم لو خلوا بيني وبين العرب ، فان هم أصابوني كان الذي أرادوه ، وان أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام وافرين ، وان أبوا قاتلوني وبهم قوة ؟ فما تظن قريش فوالله الذي لا اله إلا هو لا أزال أجاهد على الذي بعثني به ربي حتى يظهره الله أو تنفرد هذه السالفة ! " ( 223 ) - وهي صفحة العنق كناية عن قتله - .
وقال صلى الله عليه وآله يطمعهم في خلقه الكريم وفضله العميم : " والذي نفس محمد بيده لا تدعوني اليوم قريش إلى خطة يسألوني فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها " ( 224 ) .
أعلن رحمته هذه بكلماته هذه الحكيمة الرحيمة ، ثم جمع أصحابه يستشيرهم في حرب قريش إذا أصروا على صده عن البيت ، فكان جلهم - ان لم يكونوا كلهم - متأهبين للقتال ، متعبئين لجهاد قريش وغيرها ، مندفعين إلى ذلك ، و نهض المقداد أثنا اندفاعهم يتكلم بلسان الجميع ، فقال : " يا رسول الله نحن لا نقول لك ما قال بنو إسرائيل لموسى عليه السلام : اذهب أنت وربك فقاتلا انا هيهنا قاعدون ، وانما نقول : اذهب أنت وربك فقاتلا انا معكم مقاتلون ، والله
( 223 ) راجع : السيرة الحلبية ج 2 / 692 ، الكامل في التاريخ ج 2 / 136 ط دار الكتاب العربي .
( 224 ) راجع : السيرة الحلبية ج 2 / 693 ، الكامل في التاريخ ج 2 / 136 ط دار الكتاب العربي . وقريب منه في : الطبقات لابن سعد ج 2 / 96 ( * ) .


- ص 168 -
يا رسول الله لو سرت بنا إلى برد الغماد ( 1 ) لسرنا معك ما بقي منا رجل " ( 225 ) فتهلل وجه رسول الله صلى الله عليه وآله . ثم اخذ منهم البيعة فبايعوه بأجمعهم على الموت في نصرته ، وكانوا ألفا وأربعمائة رجل ، فيهم كهف المنافقين ابن سلول ( 2 ) لم يتخلف منهم عن هذه البيعة إلا
( 1 ) حصن في اليمن من أمنع حصون العرب كان مسيرهم إليه مسيرا إلى الموت لا محالة لشدة حصانته في نفسه وفى بأس حاميته - وكانت يومئذ على الشرك - مضافا إلى وعورة طرقه ، وحزونة ما حوله من الجبال ( منه قدس ) .
( 225 ) موقف مقداد المشرف : قال : " يا رسول الله امض لما أمرك الله فنحن معك والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى ( فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ) ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا انا معكما مقاتلون ، فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد - يعنى مدينة الحبشة - لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه فقال له رسول الله صلى الله عليه ( وآله ) وسلم خيرا ودعا له بخير " . راجع : تاريخ الطبري ج 2 / 273 ط دار القلم ، الكامل في التاريخ ج 2 / 83 ط دار الكتاب العربي ، السيرة الحلبية ج 2 / 692 ط مصطفى الحلبي .
( 2 ) ذكر أهل السير والأخبار ممن أرخ غزوة الحديبية - واللفظ للحلبي في سيرته - : ان قريشا بعثت إلى ابن سلول - وهو مع رسول الله في الحديبية - ان أحببت أن تدخل - مكة - تطوف بالبيت فافعل . فقال له ابنه عبد الله رضى الله عنه يا أبت أذكرك الله أن لا تفضحنا في كل موطن فتطوف ولم يطوف رسول الله ؟ فأبى الرجل حينئذ وقال : لا أطوف حتى يطوف رسول الله ، فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وآله ذلك رضى عنه وأثنى عليه ، فابن سلول إذا ممن بايع تحت الشجرة إذ لم يتخلف أحد عن هذه البيعة ممن كان مع رسول الله في الحديبية إلا الجد بن قيس الأنصاري بإجماع أهل الأخبار ( منه قدس ( * ) .


- ص 169 -
رجل يدعى الجد بن قيس الأنصاري ( 1 ) دون غيره من أمثاله ( 226 ) .
[ رعب المشركين وطلبهم للصلح ]
ما بلغ قريشا هذه البيعة - وهي بيعة الرضوان ( 2 ) - حتى انخلعت قلوبهم ، وملئت صدورهم رعبا ، ولاسيما بعد خروج عكرمة بن أبي جهل على المسلمين يومئذ في خمسمائة فارس ، فبعث النبي صلى الله عليه وآله - كما في الكشاف - من هزمه
( 1 ) ففي السيرة الحلبية عن سلمة بن الاكوع ، قال : بايعنا الرسول على الموت ولم يتخلف إلا الجد بن قيس لكأني أنظر إليه لاصقا بابط ناقته يستتر بها من الناس ( منه قدس ) .
( 226 ) مبايعة الصحابة للرسول ما عدى الجد بن قيس الأنصاري : راجع : السيرة الحلبية ج 2 / 701 ط الحلبي ، السيرة النبوية لابن كثير ج 3 / 319 ، الكامل في التاريخ ج 2 / 138 ط دار الكتاب العربي ، الطبقات لابن سعد ج 2 / 100 .
( 2 ) كانت تحت شجرة من سمر فقيل عنها بيعة الشجرة وأضيفت إلى الرضوان لقوله تعالى في شأن المؤمنين من المبايعين يومئذ : ( لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ) إلى قوله عز من قائل في آخر السورة عنهم : ( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ) .
بخ بخ طوبى وحسن مآب للمقيمين من هؤلاء على الإيمان والعمل الصالح حتى لقوا ربهم عزوجل اختصهم الله تعالى بالرضا عنهم والثناء العظيم في محكمات القرآن عليهم ، ووعدهم - دون غيرهم من المبايعين - بالمغفرة والأجر العظيم . فالآية هذه هي على حد قوله عزوجل في آية أخرى تختص بأمهات المؤمنين ( وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا ) وهدفها انما هو الهدف الذى يرمى إليه قوله عز من قائل : ( إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ ) ، وما أغنى أولياء الله عما افتأته لهم المفتئون من أحاديث يضرب بها عرض الجدار بمخالفتها لمحكمات القرآن الحكيم ( منه قدس ) ( * ) .


- ص 170 -
وأصحابه وأدخلهم حيطان مكة ، وعن ابن عباس أظهر الله المسلمين عليهم بالحجارة حتى أدخلوه البيوت ، وعلموا أنهم لا قبل لهم بمحمد صلى الله عليه وآله و أصحابه . ( 1 )
فاضطر حينئذ أهل الرأي والمشورة منهم إلى طلب الصلح من رسول الله وكان قد بلغهم قوله : " والذي نفس محمد بيده لا تدعوني اليوم قريش إلى خطة يسألوني فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها " فأرسلوا إليه عدة من كبارهم كان على رأسهم سهيل بن عمرو بن عبد ود العامري يمثلهم جميعا لدى رسول الله صلى الله عليه وآله في طلب المهادنة على شروط اشترطوها كانت ثقيلة على المسلمين إلى الغاية ، فأبوها كل الإباء ، وأسرف بعضهم في إنكارها .
لكن المشركين تشبثوا في اشتراطها باطلاق الخطة التي وعد رسول الله صلى الله عليه وآله بإعطائهم إياها متى دعوه إلى ذلك ، وكان صلى الله عليه وآله مأمورا بهذا الوعد ، وبالعمل على مقتضاه وانما قبل شروطهم على ما فيها من الشدة عملا بالوحي ، وبما توجبه المصلحة التي كان الله عزوجل بها عليما ، وقد علمها الجميع بعد ذلك واعترفوا بها ( 227 ) ، ستسمعه ان شاء الله تعالى .
[ أنفة عمر من شروط الصلح ]
وما أن تقرر الصلح بين الفريقين على تلك الشروط حتى وثب عمر بن الخطاب وقد أدركته الحمية ، ونزت في رأسه سورة الانفة فأتى أبا بكر وقد استشاط غيظا وغضبا . فقال ( 2 ) : " يا أبا بكر أليس هو برسول الله ؟ . قال : بلى
( 1 ) الكشاف للزمخشري ج 3 / 547 .
( 227 ) السيرة الحلبية ج 2 / 705 - 706 .
( 2 ) كما في السيرة الحلبية وغيرها من كتب الاخبار ( منه قدس ) ( * ) .


- ص 171 -
قال أو لسنا بالمسلمين ؟ . قال : بلى . قال : أليسوا بالمشركين ؟ . قال : بلى قال : فعلى م نعطي الدنية في ديننا . فقال له أبو بكر : أيها الرجل انه رسول الله وليس يعصي ربه ، وهو ناصره استمسك بغرزه ( 1 ) حتى تموت ، فأني أشهد أنه رسول الله ( 2 ) . . ( الحديث ) ( 228 ) .
وأخرج مسلم - في باب صلح الحديبية من الجزء الثاني من صحيحه - انه قال لرسول الله صلى الله عليه وآله : " ألسنا على حق وهم على الباطل ؟ . قال رسول الله بلى . قال : أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار ؟ . قال : بلى . قال : ففيم نعطي الدنية في ديننا ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم ؟ ! . فقال صلى الله عليه وآله : يا ابن الخطاب إني رسول الله ولن يضيعني الله أبدا .
( قال ) : فانطلق عمر فلم يصبر متغيظا فأتى أبا بكر فقال يا أبا بكر ألسنا على حق وهم على باطل ؟ ! قال : بلى قال أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار ؟ ! قال : بلى . قال : فعلى م نعطي الدنية في ديننا ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم ؟ . فقال يابن الخطاب انه
( 1 ) الغرز ركاب من جلد يضع الراكب رجله فيه فيكون المعنى اعتلق به وأمسكه واتبع قوله وفعله ولا تخالفه ، فاستعار له الغرز كالذي يمسك بركاب الراكب ويسير بسيره ، وفى القاموس غرز كسمع أطاع السلطان بعد عصيان ، وعلى هذا فلفظ غرزه هنا مصدر غرز فيكون المعنى استمسك بطاعته بعد هذا العصيان ( منه قدس ) .
( 2 ) وي كأنه أوجس منه شكا في الرسالة ( منه قدس ) .
( 228 ) راجع : السيرة الحلبية ج 2 / 706 ط الحلبي ، السيرة النبوية لابن كثير ج 3 / 320 ، السيرة النبوية لزين دحلان بهامش السيرة الحلبية ج 2 / 177 و 184 ط البهية بمصر . وقريب منه في : شرح نهج البلاغة لابن أبى الحديد ج 12 / 59 ط بتحقيق أبو الفضل . ( * )


- ص 172 -
رسول الله ولن يضيعه أبدا " ( 229 ) ( الحديث ) .
وأخرجه غير واحد من أصحاب المسانيد بلهجة أشد من هذا .
وأخرج البخاري - في آخر كتاب الشروط من صحيحه ( 1 ) - حديثا جاء فيه أنه قال : فقلت ألست نبي الله حقا . قال : بلى . قلت : ألسنا على الحق وعدونا على الباطل ؟ قال : بلى . قلت : فلم نعطي الدنية في ديننا إذا ؟ قال صلى الله عليه وسلم : إني رسول الله ولست أعصيه ( 2 ) وهو ناصري . ( قال ) قلت : أو ليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به . قال : بلى . أفأخبرتك أنا نأتيه العام ؟ قلت : لا . قال : فانك آتيه ومطوف به ( 3 ) .
( 229 ) راجع : صحيح مسلم ك الجهاد والسير ب 34 ج 3 / 1412 ح 1785 ، صحيح البخاري ك التفسير سورة 48 ج 6 / 170 ط مطابع الشعب ، تفسير القرطبي ج 16 / 277 ، فتح القدير للشوكاني ج 5 / 55 ، الطرائف لابن طاوس ج 2 / 440 عن عدة مصادر .
( 1 ) ص 81 من جزئه الثاني ( منه قدس ) .
( 2 ) قوله : ولست أعصيه صريح بما قلناه آنفا من أنه كان مأمورا من الله تعالى بالصلح على الوجه الذي وقع ( منه قدس ) .
( 3 ) فلما كان عام الفتح وأخذ المفتاح قال صلى الله عليه وآله - كما في السيرة الحلبية وغيرها - : ادعوا لي عمر بن الخطاب فلما أتاه قال : يا عمر هذا الذي قلت لكم ، ولما كان في حجة الوداع ووقف صلى الله عليه وآله بعرفة استدعى عمر أيضا فقال له : هذا الذي قلت لكم آه‍ . ( منه قدس ) ( * ) .


- ص 173 -
قال : فأتيت أبا بكر فقلت : يا أبا بكر هذا نبي الله حقا ؟ قال : بلى . قلت : ألسنا على الحق وعدونا على الباطل ؟ قال : بلى . قلت : فلم نعطي الدنية في ديننا إذا ؟ . قال : أيها الرجل انه لرسول الله وليس يعصي ربه ( 1 ) وهو ناصره فاستمسك بغرزه ، فوالله انه لعلى الحق .
( قال ) فقلت : أليس كان يحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به ؟ قال : بلى . أفأخبرتك انك تأتيه العام .
( قال ) قلت : لا . قال : فانك آتيه ومطوف به . قال عمر : فعملت لذلك أعمالا ( 2 ) . قال : فلما فرغ - رسول الله صلى الله عليه وآله - من الكتاب - الذي كتب يومئذ في الصلح - قال صلى الله عليه وآله لأصحابه : قوموا فانحروا ثم احلقوا
( قال ) : فوالله ما قام منهم رجل ، حتى قال ذلك ثلاث مرات ( 3 ) فلما لم يقم منهم أحد دخل خباءه ثم خرج فلم يكلم أحدا منهم بشئ حتى نحر بدنة بيده ، ودعا حالقه فحلق رأسه ، فلما رأى أصحابه ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضا ، حتى كاد بعضهم يقتل بعضا " . ( 230 ) الحديث .
وأخرجه الإمام أحمد - من حديث المسور بن مخرمة ، ومروان بن الحكم - في مسنده .
( 1 ) قول أبى بكر هنا : وليس يعصى ربه دليل على أنه كان عالما بأن رسول الله صلى الله عليه وآله كان مأمورا بالصلح على الذي وقع ( منه قدس ) .
( 2 ) لا تخفى دلالة كلمته هذه على أن أعماله كانت عظيمة في مصادرة الصلح وبسببها لم يمتثلوا أمره صلى الله عليه وآله إياهم بالنحر حتى أمرهم بذلك ثلاثا كما ستسمعه بالأصل ( منه قدس ) .
( 3 ) ابتلى الإمام أبو محمد الحسن الزكي السبط سيد شباب أهل الجنة في صلحه مع معاوية بمثل ما ابتلى به جده صلى الله عليه وآله في هذا الصلح وله فيه أسوة حسنة ( منه قدس ) .
( 230 ) راجع : صحيح البخاري ك الشروط باب الشروط في الجهاد ج 2 / 122 ط دار الكتب العربية بحاشية السندي وج 3 / 256 ط مطابع الشعب ، مسند أحمد ج 4 / 330 ط 1 ( * ) .


- ص 174 -
ونص الحلبي في غزوة الحديبية من سيرته وغير واحد من أهل الأخبار : ان عمر جعل يرد على رسول الله الكلام . فقال له أبو عبيدة ابن الجراح : ألا تسمع يا ابن الخطاب رسول الله صلى الله عليه وآله يقول ما يقول نعوذ بالله من الشيطان الرجيم ( 231 ) ( قال الحلبي وغيره ) وقال رسول الله صلى الله عليه وآله يومئذ : يا عمر إني رضيت وتأبى ( 232 ) ! ونقل الحلبي وغيره : ان عمر كان بعد ذلك يقول ما زلت أصوم وأتصدق وأصلي وأعتق مخافة كلامي الذي تكلمت به ( 233 ) . إلى آخر ما هو مأثور عنه في هذه القضية .
[ تنفيذ خطة الصلح ]
لكن رسول الله صلى الله عليه وآله لم يأبه يومئذ لمعارضة من عارضه في إنقاذ الخطة التي كان مأمورا بها - خطة الصلح بتلك الشروط الثقيلة - فاستدعى عليا لتسجيل كتابها . فقال له : اكتب بسم الله الرحمن الرحيم . فقال سهيل بن عمرو : لا نعرف هذا فليكتب باسمك اللهم . فضج المسلمون وقالوا : والله لا يكتب إلا ما أمر به رسول الله لكن رسول الله قطع النزاع بقوله لعلي : اكتب باسمك اللهم . فكتبها علي ممتثلا أمره صلى الله عليه وآله ثم قال له النبي : اكتب هذا ما صالح عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو .
فقال سهيل : لو كنا نعلم انك رسول الله ما قاتلناك ولا صددناك عن البيت ، ولكن ليكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله ، سهيل بن عمرو ، فقامت قيامة المسلمين في الإنكار على سهيل بذلك وأبوا إلا أن يكتب رسول الله كل
( 231 ) السيرة الحلبية ج 2 / 706 .
( 232 ) السيرة الحلبية ج 2 / 706 ، السيرة النبوية لابن كثير ج 3 / 320 .
( 233 ) السيرة الحلبية ج 2 / 706 ( * ) .


- ص 175 -
الإباء ، وكادت الفتنة أن تقع لولا ان رسول الله صلى الله عليه وآله قال : أنا محمد رسول الله ، وان كذبتموني ، وأنا محمد بن عبد الله ، فاكتب يا علي : هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو فكتبها علي متغيضا متزفرا . فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله : ان لك يا أبا الحسن مثلها أو أنه قال : ستسام يا أبا الحسن مثلها فتجيب وأنت مضطهد ( 234 ) .
وكان الصلح على أن يرجع رسول الله صلى الله عليه وآله بأصحابه من الحديبية ، فإذا كان العام القابل تخرج قريش من مكة فيدخلها رسول الله صلى الله عليه وآله بأصحابه فيقيم بها ثلاثا ، وليس معه من السلاح سوى السيوف في القرب ، وأن توضع الحرب بينه وبينهم عشر سنين ( 1 ) يأمن فيها الناس ، ويكف فيها بعضهم عن بعض ، وأنه من أحب من العرب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه ، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه ( 2 ) وأن يكون بين الفريقين عيبة
( 234 ) هذه الكلمة من رسول الله صلى الله عليه وآله معدودة عند المسلمين كافة من أعلام النبوة وآيات الإسلام والتفصيل في السيرة الحلبية والدحلانية وغيرهما من كتب السير والأخبار فلتراجع ( منه قدس ) . راجع : السيرة الحلبية ج 2 / 706 - 707 ، الكامل في التاريخ ج 2 / 138 ط دار الكتاب العربي ، السيرة النبوية لزين دحلان بهامش الحلبية ج 2 / 177 - 178 ط البهية بمصر . وقريب منه في : الكشاف ج 3 / 549 ، الطبقات لابن سعد ج 2 / 97 .
( 1 ) وقيل سنتين ، وفى رواية صححها الحاكم أربع سنين ( منه قدس ) .
( 2 ) فدخلت خزاعة في عقد رسول الله صلى الله عليه وآله وعهده ، وكانوا من قبل حلفاء جده عبد المطلب ، ودخلت بكر في عقد قريش وعهدها ، ثم كان بين خزاعة وبكر حرب أمدت قريش فيه حلفاءها - أعنى بني بكر - على حلفاء رسول الله - أعنى خزاعة - وبذلك =>


- ص 176 -
مكفوفة : " أي صدور منطوية على ما فيها لا تبدي عداوة " وأنه لا اسلال ولا اغلال ( أي لا سرقة ولا خيانة ) وأنه من أتى محمدا من قريش ممن هو على دين محمد بغير اذن وليه رد إليه ، ومن أتى قريشا ممن كان مع محمد فارتد عن الإسلام لا ترده قريش إليه ، فقال المسلمون : سبحان الله كيف نرد للمشركين من جاءنا منهم مسلما ؟ ! وعظم عليهم هذا الشرط ، فقالوا : يا رسول الله أتكتب هذا على نفسك ؟ ! قال : نعم انه من ذهب منا مرتدا أبعده الله ، ومن جاءنا مسلما فرددناه إليهم سيجعل الله له فرجا ومخرجا .
فبينا رسول الله صلى الله عليه وآله هو وسهيل بن عمرو يكتبان الكتاب بالشروط المذكورة إذ جاء أبو جندل - واسمه العاص - بن سهيل بن عمرو إلى المسلمين يرسف في قيوده ، وكان أسلم بمكة قبل ذلك ، فمنعه أبوه من الهجرة وحبسه موثوقا ، وحين سمع أن النبي صلى الله عليه وآله وأصحابه في الحديبية احتال حتى خرج من السجن ، وتنكب الطريق في الجبال حتى هبط على المسلمين ففرحوا به وتلقوه ، لكن أخذه أبوه بتلأبيبه يضرب وجهه ضربا شديدا ( 1 ) وهو يقول : يا محمد هذا أول ما أقاضيك عليه أن ترده إلي .
فقال له النبي صلى الله عليه وآله : انا حتى الآن لم نفرغ من كتابة الكتاب . قال سهيل : إذن لا أصالحك على شئ . فقال له النبي صلى الله عليه وآله : فأجره لي . قال : ما أنا بمجيره لك . قال : بلى فافعل . قال : ما أنا بفاعل . فقال مكرز بن حفص وحويطب بن عبدالعزى وهما من وجوه قريش . قد أجرناه لك يا محمد
=> نقضت قريش ما عاهدت عليه رسول الله صلى الله عليه وآله يوم الحديبية ، وبهذا استباح رسول الله صلى الله عليه وآله غزو قريش فكان الفتح المبين والنصر العزيز والحمد لله رب العالمين ( منه قدس ) .
( 1 ) والمسلمون يبكون رحمة له متذمرين إلى الغاية ( منه قدس ) ( * ) .


- ص 177 -
فأخذاه وأدخلاه فسطاطا وكفا أباه عنه . ثم قال سهيل : يا محمد قد تمت القضية ووجبت بيني وبينك قبل أن يأتي ابني اليك . قال : صدقت . وحينئذ قال صلى الله عليه وآله لأبي جندل . اصبر واحتسب فقد تم الصلح قبل أن تأتي ، ونحن لا نغدر وقد تلطفنا بأبيك فأبى ، وان الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا .
وهنا وثب عمر بن الخطاب إلى أبي جندل يغريه بقتل أبيه ، ويدني إليه السيف . قال عمر - كما في السيرة الدحلانية وغيرها - . رجوت أن يأخذ السيف فيضرب به أباه وجعل يقول له : أن الرجل يقتل أباه ، والله لو أدركنا آباءنا لقتلناهم ، لكن أبا جندل لم يجبه إلى قتل أبيه خشية الفتنة ( 1 ) وعملا بما أمره به رسول الله صلى الله عليه وآله من الصبر والاحتساب ( 2 ) وقال لعمر . مالك لا تقتله أنت ؟ قال عمر . نهانا رسول الله عن قتله وقتل غيره ( 3 ) فقال أبو جندل . ما أنت أحق بطاعة رسول الله مني ( 4 ) . ورجع مع أبيه إلى مكة في جوار مكرز وحويطب فأدخلاه مكانا وكفا * ( هامش ) *
.................................................. ..........
( 1 ) إذ لو قتل يومئذ سهيل لكان بين قريش والمسلمين فتنة تجتاحهما جميعا ويكون شرها مستطيرا فالحمد لله على العافية ( منه قدس ) .
( 2 ) لا يخفى ما في اغراء أبى جندل بقتل أبيه من المعارضة لرسول الله صلى الله عليه وآله في أمره إياه بالصبر والاحتساب ( منه قدس ) .
( 3 ) لا يخفى ما في إغراء أبى جندل بقتل أبيه من معارضة رسول الله صلى الله عليه وآله في نهيه إياهم عن قتل سهيل وغيره ، فهنا معارضتان لرسول الله صلى الله عليه وآله أحداهما في أمره ، والثانية في نهيه ( منه قدس ) .
( 4 ) ولأبي جندل هذا أخ هو عبد الله بن سهيل بن عمر ، كان إسلامه سابقا على إسلام شقيقه أبى جندل ، لان عبد الله خرج مع المشركين إلى بدر ، وكان قبل ذلك مسلما لكنه كتم إسلامه حتى أتى بدرا فانحاز فيها إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وشهد معه بدرا والمشاهد كلها ، أما أبو جندل فأول مشاهده الفتح ( منه قدس ) ( * ) .


- ص 178 -
عنه أباه وغيره ، وفاء بالجوار ، وجعل الله بعد ذلك له ولسائر المستضعفين من المؤمنين فرجا ومخرجا ، ( 235 ) كما ستسمعه ان شاء الله تعالى قريبا ، والحمد لله الذي نصر عبده ، وأنجز وعده .
[ عائدة الصلح ]
كفى بالصلح عائدة انه كان سببا في اختلاط المسلمين بالمشركين ، فكان المشركون يأتون بعده إلى المدينة ، كما ان المسلمين كانوا يأتون مكة .
فإذا جاء المشركون إلى المدينة ، ورأوا رسول الله بهرهم صلى الله عليه وآله بأخلاقه وقدسي سيرته ، وعظم في أنفسهم أمره ، هديا ورأيا وسمتا ونعتا ، وقولا وفعلا وراقهم الإسلام بشرائعه وأحكامه ، من حلاله وحرامه ، وعباداته ومعاملاته ، وسائر نظمه ، وبالغ حكمه ، وملكهم القرآن بآياته وبيناته ، فأخذ بسمعهم و أبصارهم وأفئدتهم ، وأدهشهم أصحاب رسول الله بتعبدهم بأوامره وزواجره فإذا هؤلاء على مقربة من الإيمان ، بعد ان كانوا قبل صلح الحديبية في منتهى العمه والطغيان ، وإذا هم يرجعون إلى اهليهم كمبشرين بمحمد ومنذرين بفتحه .
وإذا أتى المسلمون مكة وخلوا بأرحامهم وأصدقائهم لا يألونهم نصحا ودعاية إلى الله ورسوله بما يوقفونهم عليه من اعلام النبوة وآيات الإسلام ، وما في
( 235 ) صبر أبى جندل في سبيل الله : راجع : السيرة الحلبية ج 2 / 708 - 711 ، السيرة النبوية لزين دحلان بهامش السيرة الحلبية ج 2 / 182 ط البهية . وقريب منه : في الكامل لابن الأثير ج 2 / 139 ط دار الكتاب العربي ، الطبقات لابن سعد ج 2 / 97 .


- ص 179 -
القرآن الحكيم من علم وحكمة ، ونظم اجتماعية ، وسنن وفرائض وآداب وأخلاق ، ومواعظ وعبر ، وأخبار الأمم الماضية ، والقرون الخالية ، فإذا هؤلاء أيضا مبشرون - ببطن مكة - ومنذرون ، وقد كان لعملهم هذا أثره العظيم في تسهيل أمر الفتح ، بلا قتال ولا ممانعة ، والحمد لله .
وهناك من فوائد الصلح ما حصل بمجرد اجتماع المشركين مع رسول الله صلى الله عليه وآله في الحديبية ، ووقوفهم على هديه وخلقه بإمعان ، وكان أكثر قريش - إذ ذاك - لا يعرفون منهما شيئا ، ولاسيما شبابهم ، إذ كان أبو جهل والوليد وأبو سفيان وشيبة وعتبة وأمثالهم من مشيخة الأوثان والجاهلية أرجفوا برسول الله صلى الله عليه وآله وتسنى لهم تسميم الرأي العام الجاهلي فيه ، وقد أجلبوا عليه بكل مالديهم من حول وطول ، وبكل ما يستطيعونه من فعل وقول ، ليطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله الا أن يتم نوره .
قصدوه وهو في دار هجرته محاربين ليقتلوه وأصحابه ، وليستأصلوا شأفة الذين آووه ونصروه بغيا وعدوانا ، فنصره الله عليهم في بدر وأحد والأحزاب ( فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) ( 236 ) .
لكن ظل أهل مكة - بعد هذه الحروب - على ضلال رأيهم المسموم في رسول الله صلى الله عليه وآله إذ لم تره أعينهم بعد الهجرة ، ولم يبلغهم عنه الا ما سمعوه من أولئك المرجفين ، فلما كان يوم الحديبية ، واختلطوا به وبأصحابه ، رأوا منه خلقا عظيما . كانوا كلما تبغضوا إليه بجفاء وسوء صنع ، تحبب إليهم بحنو وعاطفة وحسن صنع ، فإذا قسوا وأغلظوا له لان وخفض لهم جناح الرحمة ، مستمرا
( 236 ) سورة الأنعام : 45 ( * ) .


- ص 180 -
معهم على هذه الحال ، يقابل اساءتهم باللقيا عليهم ، والإحسان إليهم ؟ عملا بقوله تعالى ( ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ) ( 237 ) .
كان النبي صلى الله عليه وآله يومئذ قادرا على دخول مكة وزيارة البيت عنوة ، بدليل قوله تعالى في هذه الواقعة : ( وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ) ( 238 ) وقوله فيها أيضا عز من قائل ( وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ ) ( 239 ) .
وكان المشركون على يقين من ظفره عليهم لو قاتلهم صلى الله عليه وآله وقد علموا بإصرار أصحابه عليه في القتال ، وأنه أبى عليهم ذلك كل الإباء ، إيثارا للسلم وحسن عواقبه ، وحقنا للدماء ، واحتراما للحرم ، واحتياطا على حرماته ، وأدركت قريش إشفاقه عليها ، ورعايته لحقوقها الرحيمة منه ، وانه لذلك " قبل المهادنة على ما فيها من الشروط القاسية " لم تأخذه الانفة من صدهم إياه عن المسجد الحرام ، وإرجاعه - على حافزته بأصحابه رغما لكثير منهم - إلى المدينة . وهذا ما كان في نظر قريش كفارة له عما كان في بدر وأحد والأحزاب ، إذ تجلى يومئذ لهم - بكفه عن قتالهم - انه غير مسؤول عن شئ من ذلك ، وانما المسؤول عن تلك الدماء المسفوكة انما هم مشائخ قريش كأبي سفيان وأبي جهل وأضرابهما الذين غزوه - وهو في مهجره الذي فر منه إليه - فاضطروه إلى دفع عدوانهم عنه وعن أصحابه ، ولو كفوا عنه وعن الذين آووه ونصروه
( 237 ) سورة فصلت : 34 و 35 . ( 238 ) سورة الفتح : 22 . ( 239 ) سورة الفتح : 24 ( * ) .


- ص 181 -
لكف عنهم مقتصرا في دعوته إلى دينه بالحكمة والموعظة الحسنة .
أطفأ رسول الله صلى الله عليه وآله - في الحديبية - وقدة قلوب هؤلاء المشركين ، واستل سخائمهم ، وأزال أضغانهم ، وأغراهم بسادتهم وكبرائهم ، حتى أيقنوا بعدوانهم عليه ، وجنايتهم على أنفسهم ، وبهذا لانت قلوبهم مطمئنة بحسن عواقبهم معه إذا انضموا إلى لوائه ، معتصمين بولائه ، حكمة بالغة ، أعقبت الفتح المبين ، والنصر العزيز ، ودخول الناس في دين الله أفواجا ( 240 ) .
[ رجوعه صلى الله عليه وآله إلى المدينة ]
كانت إقامته في الحديبية تسعة عشر يوما ، نقل بعدها إلى المدينة ، فلما كان بكراع الغميم - موضع بين الحرمين - نزلت عليه سورة الفتح ، وعمر لا يزال حينئذ آسفا من صد المشركين إياهم عن مكة ورجوعهم وهم على خلاف ما كانوا يأملون من الفتح ، فأراد رسول الله صلى الله عليه وآله حين نزلت عليه السورة أن يزيل بث عمر ، ويذهب برحاء صدره .
فقال له - كما في صحيح البخاري بالإسناد إليه ( 1 ) - " لقد أنزلت علي سورة هي أحب إلي مما طلعت عليه الشمس " ثم قرأ : ( إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا ) . فقال رجل من أصحابه " ما هذا بفتح ( 2 ) لقد صددنا عن البيت ، وصد هدينا ، ورد رجلان من المؤمنين كانا خرجا إلينا " فقال رسول الله صلى الله عليه وآله " : بئس
( 240 ) السيرة الحلبية ج 2 / 711 .
( 1 ) من حديث تجده في باب غزوة الحديبية من الجزء الثالث من الصحيح ( منه قدس ) .
( 2 ) يا سبحان الله يقول الله تعالى : ( إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا ) إلى آخر السورة ، ويتلوها رسول الله صلى الله عليه وآله نفسه عن الله عزوجل ، وهذا الرجل يقول : ما هذا بفتح ؟ ! فمن هو هذا الرجل يا ترى ؟ ! ليتكم تعرفونه ( منه قدس ) ( * ).


- ص 182 -
الكلام هذا بل هو أعظم الفتح ، قد رضي المشركون أن يدفعوكم بالبراح عن بلادهم ، ويسألوكم القضية ، ويرغبوا إليكم في الأمان ، وقد رأوا منكم ما كرهوا ، وأظفركم الله عليهم ، وردكم سالمين مأجورين ، فهو أعظم الفتوح أنسيتم يوم أحد إذ تصعدون ولا تلوون على أحد وأنا أدعوكم في أخراكم ؟ أنسيتم يوم الأحزاب إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الإبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا ؟ " . فقال المسلمون : صدق الله ورسوله ، والله يا نبي الله ما فكرنا فيما فكرت فيه ، ولانت أعلم بالله وبأوامره منا ( 241 ) .
لكن قال عمر حينئذ : يا رسول الله ألم تقل انك تدخل مكة آمنا ؟ قال : بلى ، أفقلت لكم من عامي هذا ؟ قال : لا . . الحديث ( 242 ) .
وعن سعيد بن منصور بإسناد صحيح إلى الشعبي في قوله تعالى : ( إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا ) قال : لم يكن في الإسلام فتح قبله أعظم منه ، فانه لما كانت الهدنة ووضع الحرب ، وأمن الناس بعضهم بعضا ؟ والتقوا وتفاوضوا في الحديث والمنازعة ، لم يكلم أحد من المسلمين ذا عقل في تلك المدة
( 241 ) راجع قصة الحديبية من السيرة النبوية الدحلانية وغيرها تجد كلما قلناه بنصه ( منه قدس ) . معارضة الرسول صلى الله عليه وآله : الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 / 105 .
( 242 ) تجده في السيرة الحلبية وغيرها ( منه قدس ) . صحيح البخاري ، السيرة الحلبية ج 2 / 715 ، السيرة النبوية لزين دحلان . وذكر صدره في : الكشاف ج 3 / 541 ، تفسير القرطبي ج 16 / 260 ، سورة الفتح آية : 1 ( * ) .


- ص 183 -
بالإسلام الا دخل فيه ، وقد دخل في تينك السنتين مثل من كان دخل في الإسلام قبل ذلك أو أكثر ( قال ) : ويدلك عليه أنه صلى الله عليه وآله خرج إلى الحديبية في ألف وأربعمائة ، ثم خرج بعد سنتين إلى فتح مكة في عشرة آلاف
( قال ) : ومما ظهر من مصلحة الصلح أنه كان مقدمة بين يدي الفتح الأعظم الذي دخل الناس عقبه في دين الله أفواجا فكان صلح الحديبية مقدمة الفتح ، فسميت فتحا إذ مقدمة الظهور ظهور " آه ( 243 ) .
[ الفرج الذي وعد به المستضعفون ]
مر عليك حديث أبي جندل ، إذ احتال حتى خرج من السجن وتنكب الطريق يرسف في قيوده ، حتى هبط على النبي صلى الله عليه وآله وهو في الحديبية مستغيثا به ، وحيث لم يتمكن يومئذ من اغاثته اعتذر إليه وعزاه ، وأمره بالصبر والاحتساب ، فكان مما قاله له : " ان الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا و مخرجا " ( 244 ) .
وكان في المستضعفين المعذبين في مكة رجل من أبطال المسلمين يدعى أبا بصير ( 245 ) احتال حتى خرج من السجن ففر هاربا إلى رسول الله و
( 243 ) السيرة النبوية لابن كثير ج 3 / 324 ، الكامل لابن الأثير ج 2 / 139 ط دار الكتاب العربي .
( 244 ) الرسول صلى الله عليه وآله يعد المستضعفين بالفرج : الكامل لابن الأثير ج 2 / 139 ط دار الكتاب ، الطبقات لابن سعد ج 2 / 97 ، السيرة النبوية لزين دحلان بهامش السيرة الحلبية ج 2 / 192 ط البهية .
( 245 ) واسمه عتبة بن أسيد بن جارية بن أسيد الثقفى ترجم له أبو عمر يوسف بن عبد البر في الكنى من استيعابه وغير واحد من أصحاب المعاجم ، وقصته هذه ذكرها ابن =>


- ص 184 -
هو في المدينة بعد رجوعه من الحديبية ، فكتبت قريش في رده ، كتابا بعثت به رجلا من بني عامر يقال له خنيس ومعه مولى يهديه الطريق ، فقدما على رسول الله بالكتاب فإذا فيه " قد عرفت ما شارطناك عليه من رد من قدم عليك من أبنائنا فابعث إلينا أبا بصير " .
فقال النبي صلى الله عليه وآله : " يا أبا بصير انا قد أعطينا هؤلاء القوم ما قد علمت ، و لا يصح الغدر منا فان الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا فانطلق راشدا " .
قال : " يا رسول الله انهم يفتنوني عن ديني " .
قال صلى الله عليه وآله : " يا أبا بصير انطلق فأن الله سيجعل لك ولمن حولك من المستضعفين فرجا ومخرجا " فودع الرجل رسول الله وانطلق معهما ، حتى إذا كانوا بذي الحليفة جلس إلى جدار ومعه صاحباه .
فقال لأحدهما : " أصارم سيفك هذا يا أخا بني عامر ؟ "
قال : " نعم " قال أبو بصير : " أرنيه " فناوله إياه فاستله أبو بصير ، ثم علاه فإذا هو يتشحط بدمه . ثم هم بالثاني فهرب منه حتى أتى رسول الله ، فلما رآه النبي صلى الله عليه وآله والحصى يطير من تحت قدميه من شدة عدوه ، وأبو بصير في أثره .
قال صلى الله عليه وآله : " قد رأى هذا ذعرا " فلما انتهى إلى النبي قال له صلى الله عليه وآله : " ويحك ؟ مالك ؟ " قال " ان صاحبك قتل صاحبي وأفلت منه ولم أكد ، واني لمقتول فأغثني يا محمد " فأمنه رسول الله ، وإذا بأبي بصير يدخل متوشحا سيفه يقول :
=> إسحاق وغيره من أهل السير والأخبار وهى من أشهر القضايا نقلناها عن الحلبي في سيرته ( منه قدس ) . راجع : الاستيعاب لابن عبد البر في ترجمة أبى بصير ج 4 / 20 ، الكامل لابن الأثير ج 2 / 139 ط دار الكتاب العربي . ( * )


- ص 185 -
" بأبي أنت وأمي يا رسول الله وفيت ذمتك أسلمتني بيد القوم وقد امتنعت منهم بديني أن أفتن فيه أو يفتن بي " .
فقال له : " اذهب حيث شئت "
فقال : " يا رسول الله هذا سلب العامري الذي قتلته ، رحله وسيفه فخمسه " .
فقال له صلى الله عليه وآله : " إذا خمسته رأوني لم أوف لهم بالذي عاهدتهم عليه ولكن شأنك بسلب صاحبك "
وعند ذلك هب أبو بصير إلى محل من طريق تمر به عيرات قريش ، واجتمع إليه جمع من المسلمين المستضعفين الذين كانوا قد احتبسوا بمكة إذ بلغهم خبره ، وان رسول الله صلى الله عليه وآله قال في حقه : " انه مسعر حرب لو كان معه رجال "
فتسللوا حينئذ إليه ، وانفلت أبو جندل بن سهيل ابن عمرو ، وخرج من مكة في سبعين فارسا أسلموا فلحقوا بأبي بصير ، وكرهوا ان يقدموا على رسول الله في تلك المدة - مدة المهادنة - وانضم إليهم ناس من غفار ، وجهينة ، وأسلم ، وطوائف أخر من العرب حتى بلغوا ثلثمائة مقاتل ، فقطعوا مارة قريش ، لا يظفرون بأحد منها الا قتلوه ، ولا مر بهم عير الا أخذوها ، ومنعوا الدخول إلى مكة والخروج منها ، فاضطرت قريش أن تكتب لرسول الله تسأله بالأرحام التي بينه وبينها ، الا آواهم ، وأرسلت أبا سفيان بن حرب في ذلك ، فأبلغه أبو سفيان : " انا أسقطنا هذا الشرط من شروط الهدنة ، فمن جاءك منهم فأمسكه من غير حرج "
وحينئذ كتب رسول الله إلى أبي جندل وأبي بصير ان يقدما عليه ، وان يلحق من معهما من المسلمين بأهليهم ، ولا يتعرضوا لأحد مر بهم من قريش ولا لعيراتهم ، فقدم كتاب رسول الله صلى الله عليه وآله عليهما وأبو بصير ( رضي الله عنه ) يموت ، فمات والكتاب في يده ، فدفنه أبو جندل مكانه ، وجعل عند قبره مسجدا ، وقدم أبو جندل على رسول الله صلى الله عليه وآله مع ناس من أصحابه ، ورجع باقيهم إلى أهليهم ، وأمنت قريش على عيراتهم .
- ص 186 -
وحينئذ عرف الصحابة الذين عظم عليهم رد أبي جندل إلى قريش مع أبيه - ان طاعة رسول الله صلى الله عليه وآله خير مما أحبوه ، وعلموا أن الحكمة كانت في الحديبية توجب الصلح فرضا على التعيين ، وأنه صلى الله عليه وآله لا ينطق عن الهوى وندموا كل الندم على ما بدر منهم من هناة معترفين بالخطأ ، وقدرت قريش موقفه يومئذ معها في حقن دمائها ، وحسن عواقبها ، وعرفوه صادق الضمير ، مخلص السريرة ودودا مشفقا ، والحمد لله رب العالمين ( 246 ) .
( 246 ) السيرة الحلبية ج 2 / 718 - 721 ، الاستيعاب بهامش الإصابة ج 4 / 20 ، السيرة النبوية لزين دحلان بهامش الحلبية ج 2 / 192 - 193 . وقريب منه في : الكامل لابن الأثير ج 2 / 139 ، الطبقات لابن سعد ج 4 / 134 .


مكتبة الشبكة
الصفحة التالية
الصفحة السابقة
فهرس الكتاب













[/COLOR]
رد مع اقتباس
إضافة رد


المواضيع المتشابهه للموضوع: صلح الحديبية عن موقع شيعة ويب
الموضوع كاتب الموضوع الأقسام الرئيسية مشاركات المشاركة الاخيرة
الدياثة والاستخناث الامامي الاثنى عشري الشيعي عبد الرزاق محسن مشرف موقع شيعة الدياثة العالمية مثال ابو هديل الشيعة والروافض 3 2020-04-24 10:00 PM
لماذا سمى علي بن أبي طالب و بقية الأئمة أبنائهم بأسماء أعدائهم ؟ ابو هديل الشيعة والروافض 0 2020-01-29 06:04 AM
شيعة علي وشيعة محمد صلى الله عليه وسلم موحد مسلم الشيعة والروافض 0 2020-01-08 04:39 AM

*** مواقع صديقة ***
للإعلان هنا تواصل معنا > واتساب
مستلزمات طبية بالدمام ||| تصميم المواقع الالكترونية في العراق ||| عقارات تركيا ||| تنسيق حدائق ||| اكواد فري فاير 2021 ||| معارض / مؤتمرات / فعاليات / ترفيه / تسويق ||| نشر سناب - اضافات سناب ||| توصيل مطار اسطنبول الجديد ||| الدراسة في تركيا ||| رحلات سياحية في اسطنبول ||| ستار الجنابي ||| شراء اثاث مستعمل بالرياض ||| شراء الاثاث المستعمل بجدة ||| Learn Quran Online ||| مقالاتي ||| نقل عفش ||| شات الرياض ||| مكتب محامي ||| خدماتي ||| برنامج محاسبي سحابي لإدارة المخازن ||| محامي في الرياض ||| محامي بالرياض ||| محامي في الرياض ||| موثق ||| محامي في جدة ||| محامي في جدة ||| تصليح تلفونات ||| تصميم موقع ||| نشر سناب

للإعلان هنا تواصل معنا > واتساب

خدمة تعقيم المنزل من كورونا ||| مكافحة الحشرات والقوارض ||| مكافحة الصراصير في المنزل

موثق معتمد في جده | | | محامي في المدينة | | | نشر سناب ، اضافات سناب ، متابعين سناب ، سنابي | | | نشر سناب

منتديات شباب الأمة

*** مواقع صديقة ***
للتواصل > هنـــــــــــا
السنة النبوية | كوبون خصم | حياة المصريين | الأذكار | موقع المرأة العربية | أولاد مصر
تطوير موقع الموقع لخدمات المواقع الإلكترونية
Powered by vBulletin Copyright ©2000 - 2021 Jelsoft Enterprises Ltd